hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (الحجّ النيابي ـ القسم الخامس/مسألة تكليف غير المسلمين بالفروع)

تاريخ الاعداد: 11/5/2026 تاريخ النشر: 11/5/2026
70
التحميل

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(29 ـ 10 ـ 2026م)

 


 

فصل

في النيابة‌

...

مسألة ١٠٩: يشترط في المنوب عنه الإسلام، فلا تصحّ النيابة عن الكافر([1])، فلو مات الكافر مستطيعاً، وكان الوارث مسلماً لم يجب عليه استيجار الحجّ عنه. والناصب كالكافر، إلا أنّه يجوز لولده المؤمن أن ينوب عنه في الحجّ.


 

تكليف الكفّار بالفروع

([1]) ...

ثالثاً: نظريّة عدم تكليف غير المسلمين بالفروع القانونيّة والشرعية، الأدلّة والشواهد والمناقشات

على غرار ما فعله المشهور، حاول الفريق النافي لتكليف الكفّار بالفروع تقديمَ مجموعة من الأدلة ـ إلى جانب المناقشة في أدلّة الطرف الآخر ـ وأبرز هذه الأدلّة باختصار هو الآتي:

....

 

4 ـ المحاذير العقليّة في تكليف غير المسلم بالفروع، تحليل وتأمّل

الدليل الرابع: إنّ تكليف غير المسلم غير صحيح، بل ممتنع غير معقول، فتكون عدم المعقولية مانعاً ثبوتياً عن توجّه الخطاب إليه. وقد تمّ تقريب هذه الفكرة من خلال صياغات ومداخل مختلفة، أبرزها:

 

4 ـ 1 ـ محذور فقدان الداعويّة (تقريب السيد محمد الروحاني)، عرض ومناقشة

التقريب الأوّل: ما أفاده السيد محمد الروحاني، حيث قال: «الحقّ عدم صحّة تكليف الكافر؛ وذلك لأنّ التكليف إنّما هو باعتبار جعل الداعي نحو العمل، ومن الواضح أنّ من لا يعترف بمولويّة الآمر وينكرها أو لا يعترف بوجود الآمر أو صدور الأمر منه، لا يكون جعل الحكم في حقّه مؤثّراً في ترتّب الأثر المرغوب، وهو إمكان الدعوة، إذ لا يمكن أن يكون الحكم داعياً في حقّ من لا يؤمن بوجود الحاكم أو بصدوره منه. وهذا المعنى ثابت حتى على رأي من يرى أنّ حقيقة الحكم هي جعل الفعل في عهدة المكلف، إذ هو لا يلتزم بذلك بنحو لا يختلف التكليف عن الوضع، بل يرى أنّ التكليف ذلك، ولكن بداعي التحريك، فمع عدم قابليّة المجعول للتحريك يمتنع جعله لا محالة. وبالجملة، فتكليف الكافر نظير تكليف العاجز في عدم ترتّب الغرض منه، وهو إمكان الدعوة، وعليه فيكون ممتنعاً كما يمتنع تكليف العاجز» (المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحجّ) 1: 173).

ونوقش بأنّ هذا قد يتمّ في الجاهل الذي يقطع ببطلان ما يخالف مذهبه، أمّا الجاهل البسيط فلا مانع من توجيه الخطاب إليه؛ ويكون الخطاب بنفسه تنبيهاً له وإعلاماً ورفعاً لجهله. بل إنّ هذا التقريب يتعامل مع توجيه الخطابات بطريقة فرديّة في حين أنّ الشارع يوجّه الخطاب بطريقة قانونية عامة بنحو القضية الحقيقيّة، غاية الأمر أنّ الحكم في حقّ الجاهل ـ بالجهل المركّب ـ لا يكون فعلياً منجّزاً (انظر: بحوث في شرح مناسك الحج 5: 292 ـ 293).

وقد يجاب عن الشق الأوّل من المناقشة بأنّ المسألة ليست ـ في كلام السيد الروحاني ـ في توجيه الخطاب للجاهل أو رفع جهله، بل في معقوليّة الداعويّة له، فمن لا يعترف بمولويّة المولى لا يكون الخطاب الموجّه إليه حاملاً لخاصّية التحريك، بل هو أشبه بالحكاية التي تُحكى لشخص بما يرى أنّها لا تعنيه، فالموضوع ليس مخاطبة الجاهل، بل لغويّة الأمر الموجّه للكافر؛ لانعدام غرضه الممكن، وهو الانبعاث.

لهذا لعلّ الأفضل في الإشكال على تقريب الروحاني هو القول بأنّ الفائدة في جعل التكليف لا يلزم أن تكون تحقّق التحريك الفعلي راهناً، بل يكفي إمكانيّة الداعوية الشأنية، وبهذا يظهر الفرق بين العاجز وغير المسلم، فالعاجز لن يكون هناك إمكانية لتحريكه مطلقاً لا فعلاً ولا شأناً، بينما غير المسلم لو التفت إلى الشريعة وزال جهله وأحس بأنّها تخاطبه لربما آمن بها وانبعث، فكان التشريع صالحاً لتحريكه شأناً، فالعاجز لا قدرة له على الفعل بينما غير المسلم لديه هذه القدرة، غاية الأمر أنّها شأنية ومعلّقة على رفعه المانعَ المعرفي الاعتقادي، فقياس هذا على هذا قياسٌ مع الفارق ومن وجهٍ، إلا إذا أصرّينا على أنّ مصحّح التكليف هو الداعوية الفعليّة الراهنة دون مجرّد الشأنيّة، ولو لم نوافق على هذا، لربما أشكل الأمر في العصاة الذين لا احتمال في صدور الطاعة منهم لشدّة خبثهم ولو كانوا مسلمين.

قد تقول: إن افتراض التفات الكافر إلى كونه مخاطباً بالتكليف بالفروع، وترتّب ارتفاع جهله وحصول الإيمان له جرّاء ذلك، فرضٌ مستغرب وخارج عن المألوف، وهو وإن لم يكن ممتنعاً ذاتاً، إلا أنّه ليس احتمالاً عقلائيّاً معتدّاً به؛ إذ يبعد جدّاً أن يكون إدراك المرء لكونه ملزماً بالصلاة والصيام من قِبل شريعة يراها باطلة، سبباً في إذعانه لها وإيمانه بها، وعليه، فإنّ ملاحظة مثل هذه الفائدة في مقام الجعل تعدّ من قبيل ترتب الفوائد النادرة للغاية، وتوخّي غايات لا تتناسب مع الوسائل المجعولة، وهو مما يأباه المسلك العقلائي في التقنين والتشريع.

والجواب: لا نريد إثبات وقوع ذلك، بل يكفي إثبات إمكانه لرفع الاستدلال العقلي القائم على اللغويّة ونفي التحريك، لهذا فالإشكال بالناحية العقلائيّة قد لا يصحّ؛ لأنّنا نتكلّم في المقام العقلي في مقابل اللغويّة المطلقة التي طرحها السيد الروحاني. اضف إلى ذلك أنّه ليس القصد إعلامه بأنّه مخاطب بهذا التكليف أو ذاك، بل إعلامه بأنّه مخاطب بمجموع الشريعة، التي لو اطّلع عليها لربما أُعجب بها بصرف النظر عن إيمانه بالنبيّ أو لا، وقد تكون مفتاحاً لإيمانه، كما هي الحال اليوم في كثير من غير المسلمين الذين أسلموا لإعجابهم بالمنظومة الإسلاميّة، لا لقيام دليل عقليّ عندهم بالضرورة على نبوّة النبي محمّد‘، ولهذا يقال اليوم بأنّ أغلب الذين تشيّعوا ـ مثلاً ـ انطلق تشيّعهم: إمّا من ميولهم اليساريّة النضاليّة فأعجبوا بالإسلام الشيعي السياسي، أو من ميولهم الروحيّة والمعنويّة، فأعجبوا بالتصوّف الشيعي.

وربما تناقش مرّةً أخرى وتقول: هل يكفي للخروج عن اللغويّة مجرد فائدة متصوّرة عقلاً لا عقلائياً (أي ليست فائدة عقلائية)، أو لا بدّ من ترتّب فائدة عقلائيّة؟ وهذا بقطع النظر عما ذكر أعلاه أخيراً من فوائد عقلائيّة.

والجواب: ما دام الدليل عقليّاً، كفت الفائدة المعقولة، ولو لم تكن عقلائيّة، في مقام الردّ على الدليل. نعم يمكن إعادة تركيب الدليل بحيث يكون مؤلّفاً من شقّ عقليّ وآخر عقلائي، وهذا أمرٌ آخر لا يصحّ معه ما أوردنا أولاً.

وقد يجاب عن الشقّ الثاني من المناقشة بأنّ توجيه الخطاب بنحو القضيّة الحقيقيّة، غايته لا يتنجّز التكليف على الجاهل في ظرف جهله، قد لا يغيّر من واقع الإشكال شيئاً؛ لأنّ السؤال يظلّ موجوداً عن الغاية من وراء جعل التكليف أو الخطاب عاماً لمن لا فائدة من مخاطبته؛ لانعدام الانبعاث منه منطقيّاً، فما هي فائدة جعل التكليف في حقّه؟! والموضوع ليس موضوع معالجة الخطاب بطريقة فرديّة، بل بطريقة عنوانيّة؛ لأنّنا لا نتكلّم في الفرد غير المسلم، بل نتكلّم في النوع أو الصنف. إلا إذا قيل بأنّ الفائدة هي عبارة عن ترتيب الآثار على المسلم نفسه في تعامله مع غير المسلم من حيث الإعانة على الحرام الواقعي وغير ذلك، فيصحّ الإشكال ـ بهذا الشقّ ـ على كلام الروحاني.

قد تقول: إنّ ملاحظة هذه الفائدة غيرُ عرفيٍّ؛ لكونه من قبيل سلوك الطريق الأبعد مع تيسّر الأقرب؛ إذ لو كان غرض الشارع منع المسلم من المعاملات المحرّمة حتى مع الكافر، لأمكنه تحريمها على المسلم مباشرةً، لا أن يُكلّف الكافر لتتحقّق صغرى الحرمة.

والجواب: إنّه يمكنه التحريم على المسلم مباشرةً، وهذا صحيح، لكنّ التحريم لن يكون له خصوصيّة الإعانة على الاثم؛ إذ لا إثم حسب الفرض، فالحيثيّة المنظورة هي توسعة دائرة النهي للمسلم في الإعانة على الإثم، وهو يتطلّب مسبقاً كون ذلك إثماً في حقّ الكافر، لكن بالاجمال هذا مجرّد فرض فيه بُعد.

 

4 ـ 2 ـ محذور استحالة تكليف الجاهل (تقريب المحدّث البحراني)، عرض وتعليق

التقريب الثاني: ما ذكره المحدّث البحراني، من الاستناد إلى عدم إمكان تكليف الجاهل، حيث قال: «لزوم تكليف ما لا يطاق؛ إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصوّراً وتصديقاً عين تكليف ما لا يطاق، وهو مما منعته الأدلة العقليّة والنقليّة؛ لعين ما تقدّم في المقدّمة الخامسة في حكم معذوريّة الجاهل. وإلى ذلك يشير كلام الفاضل الخراساني (طاب ثراه) في الذخيرة في مسألة الصلاة مع النجاسة عامداً، حيث نقل عن بعضهم الإشكال في إلحاق الجاهل بالعامد، وقال بعده: «والظاهر أنّ التكليف متعلّق بمقدّمات الفعل كالنظر والسعي والتعلّم، وإلا لزم تكليف الغافل أو التكليف بما لا يطاق، والعقاب يترتّب على ترك النظر ـ إلى أن قال ـ: ولا يخفى أنّه يلزم على هذا أن لا يكون الكفار مخاطبين بالأحكام وإنّما يكونون مخاطبين بمقدّمات الأحكام، وهذا خلاف ما قرّره الأصحاب، وتحقيق هذا المقام من المشكلات» انتهى. أقول: لا إشكال ـ بحمد الله ـ فيما ذكره بعد ورود الأخبار بمعذوريّة الجاهل.. وورودها بخصوص الكافر كما نقلنا هنا، ولكنّهم (قدّس سرّهم) يدورون مدار الشهرة في جميع الأحكام وإن خلت عن الدليل في المقام، سيما مع عدم الوقوف على ما يضادّها من أخبار أهل الذكر عليهم السلام» (الحدائق الناضرة 3: 41 ـ 42).

ونوقش:

أوّلاً: بالنقض بتكليف الكافر بأصل الإسلام، مع أنّه جاهل به تصديقاً، بل تصوّراً، ولا إشكال في وجوب معرفته عليه (انظر: محمّد مهدي الخلخالي، فقه الشيعة (كتاب الخمس والأنفال) 1: 162).

لكن يمكن أن يجاب بأنّ وجوب المعرفة بالله والرسول ليس وجوباً شرعيّاً، بل هو وجوبٌ عقليّ، فلا يصحّ قياس هذا على هذا.

وثانياً: إنّه لو أراد قبح توجّه الخطاب إلى الجاهل فممنوع؛ إذ الخطاب لا يتوجّه إلّا إلى الجاهل؛ ليرتفع جهله، فإذا علم بالخطاب إجمالاً أو تفصيلاً يتنجّز عليه التكليف، وإن أريد قبح مؤاخذته على مخالفة التكليف المجهول إذا لم يصل إليه الخطاب فممنوع أيضاً؛ لوجوب الفحص عليه عقلاً، إلّا أن يكون قاصراً في تحصيل الخطاب، أو معرفة حكمه منه (انظر: محمد مهدي الخلخالي، فقه الشيعة (كتاب الخمس والأنفال) 1: 162؛ وراجع لمزيد تفصيل:هداية المسترشدين 2: 772 ـ 773).

ثالثاً: إنّه قد حصل خلل في معالجة الموضوع هنا عبر التداخل بين عنوان الجاهل وعنوان الكافر؛ فالجاهل قد يكون مسلماً وقد يكون غير مسلم، والكافر قد يكون جاهلاً وقد لا يكون كذلك، فليس كلّ كافر بجاهل بأحكام الشريعة، بل كثيراً ما يكون عالماً بها، بمعنى أنّه مطّلع على ما بلّغه النبيّ للناس، وإنّما المسألة في موضوع الاعتقاد من جهة والنكران عن اعتقاد من جهة ثانية، فقد يطّلع غير المسلم على أحكام شريعة النبيّ محمّد‘، لكنّه لا يعتقد بها.

إنّ هذه النقطة لا تناقش البحراني فقط في النتيجة، بل تكشف عن مشكلة في توصيف موضوع الاستدلال نفسه، فالبحراني انتقل من تكليف الجاهل إلى تكليف الكافر، بينما الكفر وصف اعتقادي والجهل وصف معرفي، فالعلم بالحكم غير الاعتقاد بحجيّته أو بمولويته مصدره، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: 14)، بما يفصل هذا التقريب عن تقريب الروحاني المتقدّم الذي كان قائماً على عدم الاعتراف بمولويّة المولى الآمر، بينما البحراني ركّز على صفة الجهل بالحكم نفسه.

وعليه، فإذا كانت المشكلة عند البحراني قائمة على استحالة تكليف الجاهل بما يجهله، فإنّ هذا الدليل لا ينتج عدم تكليف غير المسلم مطلقاً، بل يختصّ بمن لم يعرف الحكم ولو كان مسلماً، أمّا غير المسلم الذي بلغه الحكم وعرفه لكنّه لم يؤمن بمصدره أو لم يعترف بمولويّته، فلا يشمله دليل البحراني، وتصبح مشكلته ـ لو كانت فيه مشكلة ـ راجعةً لبحث الاعتقاد، لا لاستحالة تكليف الجاهل. هذا كلّه فضلاً عن الفرق بين "معذوريّة الجاهل" و"عدم مخاطبته"، فهما أمران مختلفان.

وبهذا نرفع التكرار ما بين تقريبَي: الروحاني والبحراني، ويصبح تقريب البحراني أخصّ من المدّعى من جهة، وأعمّ من جهة ثانية.

 

4 ـ 3 ـ محذور استحالة قصد القربة، بيان ونقد

التقريب الثالث: عدم إمكان قصد القربة بالنسبة للكافر، بمن في ذلك الكافر الكتابي؛ لأنّ المفروض أنّه لا يعتقد بوجوب هذه الصلاة أو تلك، فكيف يمكنه قصد القربة وامتثال أمر الله بذلك؟!

ونوقش بمناقشتين صحيحتين، هما: إمكان قصد القربة منه ـ في الجملة، لا بالجملة ـ ولو برجاء المطلوبيّة، وثانيهما بأنّ هذا الإشكال أخص من المدّعى؛ لاقتصاره على العبادات ولا يشمل غيرها من التوصّليات والمحرّمات وغير ذلك (انظر: هداية المسترشدين 2: 773؛ وفقه الشيعة (كتاب الخمس والأنفال) 1: 165). وإنّما نقول: في الجملة لا بالجملة؛ لإخراج صورة جزم غير المسلم بعدم وجود الله أو جزمه بنفي نبوة النبيّ، ونحو ذلك؛ إذ لا معنى لقصد امتثال الأمر الإلهي ولو رجاءً في مثل هذه الحال، إلا بنحو الصورة دون الحقيقة.

 

4 ـ 4 ـ محذور اللغوية (الجصّاص والخوئي و..)، بيان وتعليقات

التقريب الرابع: إشكال اللغوية، وذلك أنّ تكليف غير المسلم بالشريعة له حالتان فإما أن يأتي بها حال كفره وإما أن لا يأتي بها، فإن أتى بها فلا تصحّ منه؛ لعدم صحّة العمل من الكافر، وإن لم يأت بها فإنّ قاعدة الجبّ تسقطها عنه لو أسلم، فهو في حال كفره لا تصحّ منه، وفي حال إسلامه لا تجب عليه.

وقد تبنّى هذا الإشكال وأوضحه السيد الماتن في مورد الزكاة، فقال: «هذا كلَّه، مع أنّ في إمكان توجيه الخطاب بوجوب الزكاة نحو الكافر إشكالًا جيّداً جدّاً قد تقدّم التعرّض لنظيره من صاحب المدارك في مبحث قضاء الصلوات. ولعلَّه أوّل من تنبّه إليه. وملخّصه أنّ تكليف الكافر بالأداء في الوقت ممكنٌ بأن يختار الإسلام فيصلّي أداءً، وأمّا تكليفه بالقضاء فمتعذّر، لعدم التمكَّن من امتثاله، لا في حال الكفر؛ لعدم صحّته منه بعد فقد شرط الطهارة وعدم قصد القربة، مضافاً إلى اشتراط العبادة بالولاية فضلاً عن الإسلام، ولا في حال الإسلام؛ لسقوطه عنه عندئذٍ بمقتضى حديث الجبّ؛ فالتكليف غير قابل للامتثال في كلتا الحالتين، ومعه كيف يصحّ تعلَّقه به؟! وعلى ضوء ذلك يناقش في المقام بأنّه إن أُريد من تكليف الكافر بالزكاة وجوب أدائها حال الكفر فهو تكليفٌ بما لا يصحّ، لما عرفت من اشتراط صحّة العبادة بالولاية فضلًا عن الإسلام، وإن أُريد بعد الإسلام فهو منافٍ لحديث جبّ الإسلام لما قبله. وهذا الإشكال حسنٌ لا مدفع عنه» (الموسوعة (المستند) 23: 123).

ويمكن المناقشة في هذا التقريب من أكثر من جهةٍ، تعرّض لبعضها بعضُهم بالفعل:

أوّلاً: النقاش المبنائي في اشتراط صحّة العبادة بالولاية والإسلام، وقد تحدّثنا عن ذلك أكثر من مرّة، وأنّ الحديث هو عن القبول لا عن الصحّة وترتيب الآثار عليها دنيويّاً.

ثانياً: إنّ المفروض أنّه قادر عليها بقدرته على مقدّماتها وهي الإسلام، ولو في الجملة. وهذا ما يفهم من الجصّاص الحنفي (370هـ)، حين قال: «فإن قال قائل: كيف يجوز أن يكونوا مخاطبين بها ولا يصحّ منهم فعلها قبل الإسلام في حال الكفر؟! قيل له: لأنّه قد جعل لهم السبيل إلى فعلها، بأن يُسلموا ثم يأتوا بها، كما أنّ الجنب لا يصحّ منه فعل الصلاة في حال الجنابة ولم يسقط عنه فرضها إذ كان قد جعل له السبيل إلى فعلها بطهارة يقدّمها أمامها، كذلك الكافر قد جعل له السبيل إلى التمسّك بشرائع الإسلام بأن يقدّم أمامها فعل الإيمان» (الفصول في الأصول 2: 158).

وقريب منه ما ذكره المولى محمد مهدي النراقي، قائلاً: «إنّه ممكن في حال الكفر بأن يُسلم، ثمّ يمتثل التكليف كالمحدث والجنب» (أنيس المجتهدين في علم الأصول 1: 167)، وبهذا كلّه يمكن تصحيح معاقبته.

وربما يقال بأنّ هذا الإشكال لا يرد على هذا التوجيه؛ وذلك لأن المستدلّ بطرحه الشقّ الثاني ـ أي: «لو أسلم، فإن قاعدة الجبّ تُسقط أعماله» ـ قد لحظ إمكان القدرة على أداء التكليف بواسطة الإيمان.

ثالثاً: ما أفاده الخلخالي من أنّه يكفي في التصحيح ترتيب الآثار الوضعيّة؛ بمعنى أنّ غير المسلم لو أخرج الزكاة يمكن للمسلمين المستحقّين ترتيب الآثار على هذا المال وتصحيح التصرّف به ودخوله في الملكيّة وغير ذلك (انظر: فقه الشيعة (كتاب الخمس والأنفال) 1: 166 ـ 167). وهذا الإشكال لا يعمّ في نفسه، لكن يكفي فيه أنّه يُبطل تعميم التقريب الرابع هنا.

قد تقول: إنّ عُمدة الإشکال تبتني علی امتناع الامتثال؛ إذ لا تنهض الفائدة المترتبة علی الآثار الوضعیّة وحدها في رفع التکلیف؛ لأنّ الزکاة ـ علی فرضِ دفعها ـ عبادةٌ تفتقر إلی نیّة القربة، فلا یسقط التکلیف عنه بمجرّد الأداء، بل یبقی مطالباً بها تکراراً ما دام باقیاً علی کفره إلی حین إسلامه. ومن هنا یستحیل علی المسلمین الاعتمادُ علی هذا الوجوب لتصحیح أخذه منه؛ لعدم إمکان أداء الزکاة منه علی وجهها الصحیح إلا بعد الإیمان. نعم، لو قلنا بکونها (الزکاة) توصلیةً، أو استند الخلخالي ـ في هذه المسألة بالخصوص ـ إلی الأوامر المتوجّهة للکافر لیزعم عدم اشتراط النیة (وهو مصادرةٌ علی المطلوب)، أو تمسّکنا بالوجوه المتقدّمة القائلة بإمکان قصد القربة في الجملة؛ فإنّ الإشکال یرد في الجملة، ولکن لا یخفی أنّ هذا لیس هو "الإشکال" بعینه، بل هو منشأٌ لجملةٍ من الإشکالات الأُخرى.

والجواب: هناك نقاش سوف يأتي في بحث الزكاة إن شاء الله، في أنّ الزكاة حكمٌ وضعي يتلوه وجوب الإخراج أو حكم تكليفي حصراً من الأوّل، ويبدو أنّه يريد أن يقول بأنّ الجانب الوضعي كافٍ، ولهذا إذا أخذ الحاكم الزكاة ممن لا يريد إخراج الزكاة، صحّ الأخذ وصار المال ملكاً للمسلمين.

ونكتفي بهذه التقريبات، والمتحصّل أنّه لم يقم دليل عقلي يشكل مانعاً ثبوتياً عن تكليف غير المسلم مطلقاً بالفروع الفقهيّة، ما لم تكن هناك موارد استثنائية.

ونكتفي بهذا القدر من عرض الأدلة والمناقشات المختلفة لبنائنا على الاختصار.

 

نتيجة البحث في مسألة تكليف غير المسلمين بالفروع الشرعيّة

والذي تبيّن من خلال رصد أدلّة الفريقين، أنّه لم يقم دليلٌ على مخاطبة غير المسلمين بالفروع الفقهيّة الإسلاميّة ـ غير الاعتقادات الأصليّة والكليّات الأخلاقيّة وما ثبت بنحو خاصّ شمول خطابه للناس عامّة ـ كما لم يثبت وجود مانع عقلي أو شرعي عام عن تكليفهم، ولهذا فالقاعدة تقتضي عدم ثبوت التكليف في حقّهم، ما لم يثبت في موردٍ هنا أو هناك شمول التكليف لهم.

وهذا كلّه مغايرٌ لإلزامهم بعدم المجاهرة بالمنكرات أو إلزامهم بمقتضيات دينهم المتوافقة مع الشريعة الإسلاميّة؛ لأنّ الإلزام القانوني أو الاجتماعي لا يساوق بالضرورة ثبوت مخاطبتهم بالحكم الشرعيّ الأوّلي، وهذا بحثٌ آخر خارج عن نطاق المسألة التي نحن بصددها.