التعليقة على مناسك الحجّ (الحجّ النيابي ـ القسم الرابع/مسألة تكليف غير المسلمين بالفروع)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(22 ـ 10 ـ 2026م)
فصل
في النيابة
...
مسألة ١٠٩: يشترط في المنوب عنه الإسلام، فلا تصحّ النيابة عن الكافر([1])، فلو مات الكافر مستطيعاً، وكان الوارث مسلماً لم يجب عليه استيجار الحجّ عنه. والناصب كالكافر، إلا أنّه يجوز لولده المؤمن أن ينوب عنه في الحجّ.
تكليف الكفّار بالفروع
([1]) ...
ثالثاً: نظريّة عدم تكليف غير المسلمين بالفروع القانونيّة والشرعية، الأدلّة والشواهد والمناقشات
على غرار ما فعله المشهور، حاول الفريق النافي لتكليف الكفّار بالفروع تقديمَ مجموعة من الأدلّة ـ إلى جانب المناقشة في أدلّة الطرف الآخر ـ وأبرز هذه الأدلّة باختصار هو الآتي:
1 ـ السيرة الإسلامية بمثابة دليل على نفي تكليف غير المسلمين بالفروع
الدليل الأوّل: ما ذكره السيد الماتن في بحوثه في الزكاة، حيث قال: «قيام سيرة المسلمين قاطبةً خَلَفاً عن سلف على عدم مؤاخذة الكفّار حتى الذمّي منهم بشيءٍ من الأحكام، فلا يؤمَرون بالصلاة ولا بالصيام ولا بالحجّ، كما لا يُنهَون عن شرب الخمر أو القمار أو الإفطار في شهر رمضان، ولا تجري عليهم الحدود إلَّا فيما دلّ عليه دليلٌ بالخصوص، مع أنّهم لو كانوا مكلَّفين بالفروع لوجب ذلك ولو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالحقّ أنّ الكفّار غير مكلَّفين إلَّا بالأُصول، ولم يوضع عليهم قلم التكليف بالفروع التي منها الزكاة إلَّا بعد اعتناق الإسلام، فيؤمَرون عندئذٍ بسائر الأحكام، وأمّا قبل ذلك فهم يقرّون على أديانهم ومذهبهم. نعم، لا يسوغ لهم الإجهار بالمنكرات في بلد المسلمين، كشرب الخمر علناً ونحو ذلك، ويُردعون عن ارتكابها؛ حفظاً لشعائر الإسلام. وهذا مطلبٌ آخر غير مرتبط بمحلّ الكلام. ولم يُنقَل في تأريخٍ أو روايةٍ عن النبيّ‘ أو أحد المعصومين ـ عليهم السلام ـ المبسوطة أيديهم جبايةُ الزكوات من الكفّار ومطالبتهم إيّاها، ولو كان لبان ونُقِل إلينا بطبيعة الحال، بل كانوا يقرّون على مذاهبهم كما يقرّون على سائر أموالهم وإن لم يكن مالًا بنظر الإسلام، كثمن الخمر والخنزير، وما يكسبون من الربا والقمار، وما يرثونه على خلاف قانون الإسلام ممّا يثبت في أديانهم، ونحو ذلك ممّا لا يخفى» (الموسوعة (المستند) 23: 121 ـ 122).
وقد نوقش هذا الدليل من قبل غير واحدٍ بأنّ غاية ما يفيد هو أنّ المسلمين غير مكلّفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه غير المسلمين في الموضوعات الفرعيّة، وأنّهم غير ملزمين بأخذ الأموال الشرعيّة منهم وغير ذلك، وعلى الأقلّ يدور الأمر بين احتمالين. وترجيحُ أحدهما يحتاج إلى دليل، فلا يكفي ما ذكره السيد الخوئي هنا (انظر ـ على سبيل المثال ـ: محمود الهاشمي، كتاب الزكاة 1: 254؛ ومحمد رضا السيستاني، بحوث في شرح مناسك الحجّ 5: 294).
وربما يكون مقصود السيد الخوئي شيئاً آخر، أو ربما يمكن تتميم كلامه بأمرٍ آخر، وهو أنّ المسألة ليست مسألة الأمر المعروف أو جبي الزكوات، بل وجود ارتكاز أوّلي بين المسلمين يقضي بأنّ القوانين الفرعيّة لا ترتبط بالمجتمع غير المسلم، وأنّهم من الأوّل قد فهموا هذه التشريعات مرتبطة بالداخل الإسلامي حصراً، لأنّ الكثير من التشريعات يلاحظ فيها أنّها كانت تتركّز على جماعة المؤمنين، بينما كان خطاب سائر الناس مرتبطاً بالكليّات العقديّة والأخلاقيّة، وإلا لو فهم جمهور المسلمين في الصدر الأوّل أنّ التشريعات تشمل المسلم وغير المسلم، فلماذا لم يظهر أيّ سؤال يرتبط بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؟ ولماذا لم يحتجّ أحد على النبيّ أو غيره بجبي الزكاة من غير المسلمين؟ ولماذا وجدنا لهم قوانين وضرائب خاصّة كالجزية ترتبط بما يعرف بقانون الذمّة، فيما لم تلاحقهم منذ البداية قوانين المجتمع الإسلامي الداخليّة، وكأنّ الشريعة بنت على وجود نظامين للتعامل القانوني: أحدهما للداخل الإسلامي، والآخر للأقليّات غير المسلمة.
وبعبارة ثانية: إنّ استمرار هذا النمط من التعامل، مع عدم ظهور أيّ تصوّر لدى المسلمين الأوائل بأنّ غير المسلمين مخاطبون بهذه الأحكام بنحو يتطلّب ذلك امتثالهم لها أو مطالبتهم بها، هذا كلّه لا ينسجم بسهولة مع فرض كونهم داخلين في الخطاب التشريعي، ما لم تظهر لنا أسئلة وأجوبة تشكّل طبقة إضافيّة من التخصيصات والاستثناءات، الأمر المعدوم تاريخيّاً، بل لو كان لبان.
إنّ تفسير ما ذكره الخوئي بأنّهم من الأوّل فهموا التشريعات مرتبطةً بالداخل الإسلامي أقرب تاريخيّاً من فرضيّة أنّهم كغيرهم، غاية الأمر تمّ استثناؤهم من أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأدلّة تطبيق الشريعة عليهم في مجال الضرائب الماليّة والقوانين الجزائيّة والجنائيّة، بل السياق التاريخي هو ـ كما قال الخوئي ـ واضح في إقرارهم على قوانينهم الشرعيّة.
وبعبارة أخرى: إنّ المعقوليّة التاريخيّة هنا ترجّح بقوّة احتمال السيد الخوئي على احتمال الآخرين، وهذا إن لم يكن بنفسه دليلاً مستقلاً كافياً، فلا أقلّ من أنّه يصلح، بضمّه لسائر الأدلّة، لتقويتها جداً.
ويمكن أن نضيف هنا بأنّه إذا وافق المستشكلون على السيد الخوئي بأنّ السيرة الإسلاميّة لم تقم على تنزيل الأحكام الفرعيّة على غير المسلمين، رغم أنّهم في لوح الواقع التشريعي مكلّفون بها، فهذا يكفي هنا بالنسبة للفقيه الباحث عن الوظيفة العملية للمسلمين تجاه غيرهم، وإن لم يكن كافياً بالنسبة للمتكلّم، بمعنى أنّ هذه السيرة تكون دليلاً على أنّ غير المسلم يُتعامل معه على أنّه غير مطالب دنيويّاً بالتكاليف الفرعيّة، حتى لو كان مطالباً بها بينه وبين ربّه وتترتّب عليه الآثار الأخرويّة المرتبطة بذلك، وبهذا نصل إلى نفس الآثار العمليّة الدنيويّة المقصودة للفقيه من بحث تكليف غير المسلمين بالفروع.
2 ـ آية تخصيص حرمة الزنا بالمؤمنين ودلالاتها
الدليل الثاني: ما ذكره السيد الخوئي أيضاً، حيث قال: «وممّا يدلّ على الاختصاص، قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 3)، فإنّ المراد بالنكاح ليس هو العقد قطعاً؛ لعدم جوازه بين المسلمة والمشرك أو المسلم والمشركة باتّفاق المسلمين قاطبةً، بل المراد نفس الوطء الخارجي، فتشير الآية المباركة إلى ما هو المتعارف خارجاً بمقتضى قانون السنخيّة، من أنّ الزاني لا يجد من يزني بها إلَّا زانية مثله أو مشركة، فإنّ الطيور على أمثالها تقع، والجنس إلى الجنس يميل، وإلَّا فالمؤمنة لا تطاوعه على ذلك أبداً، وكذا الحال في الزانية، ثمّ قال تعالى: ﴿وحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، فخصّ سبحانه حرمة الزنا بالمؤمن دون الكافر» (الموسوعة (المستند) 23: 120).
وقد يناقش بأنّه ـ بصرف النظر عن تفاصيل البحوث التفسيريّة في هذه الآية الكريمة، ومع التسليم بالتفسير الذي قدّمه الخوئي لمعنى النكاح في الآية ـ لا يدلّ على أكثر من اختصاص حرمة الزنا بالمسلم دون غيره، فغاية ما يستفاد منه هو الحاجة لضمّ عدم الفرق بين الزنا وغيره في الشمول وعدمه، كما قلنا فيما سبق في أدلّة القول بشمول الأحكام لغير المسلم، فيفهم عدم الشمول بالتعميم بعدم الفرق، انطلاقاً من هذه الآية.
وقد سبق أن ناقشنا في هذا النوع من التعدّي، سواء لصالح القول بالتعميم أم التخصيص، فلا نعيد، علماً أنّه لو قبلنا بهذا التفسير الذي يقدّمه الخوئي هنا للزم القول بأنّ أهل الكتاب قد أصبح الزنا جائزاً في حقّهم بعد بعثة النبيّ محمّد‘ ـ رغم أنّه حرام حتماً عندهم ـ وذلك بناءً على وجود مفهوم لهذه الآية، وإلا لم يكن فيها أيّ دلالة من الأوّل، ما لم نقل بأنّ تعبير «المؤمنين» في هذه الآية يراد منه مطلق من آمن بالله سبحانه بنحوٍ توحيدي، فيلزم من ذلك عدم كون هذه الآية من أدلّة تخصيص الأحكام الفرعيّة بالمسلم بالمعنى الفقهي الخاصّ.
3 ـ مرجعيّة الروايات الخاصّة في نفي تكليف غير المسلمين بالفروع
الدليل الثالث: الاستناد لبعض الروايات، والتي أهمّها:
الرواية الأولى: صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر×: أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: «إنّ الله عز وجل بعث محمّداً‘ إلى الناس أجمعين رسولاً وحجّة لله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله وبمحمّد رسول الله واتّبعه وصدّقه، فإنّ معرفة الإمام منّا واجبة عليه، ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدّقه ويعرف حقّهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقّهما؟!» قال: قلت: فما تقول فيمن يؤمن بالله ورسوله ويصدّق رسوله في جميع ما أنزل الله، يجب على أولئك حقّ معرفتكم؟ قال: «نعم، أليس هؤلاء يعرفون فلاناً وفلاناً»، قلت: بلى، قال: «أترى أنّ الله هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء؟ والله ما أوقع ذلك في قلوبهم إلا الشيطان، لا والله ما ألهم المؤمنين حقّنا إلا إله (الله) عزّ وجل» (الكافي 1: 180 ـ 181).
وقد علّق الفيض الكاشاني على هذا الحديث، فقال: «وفي هذا الحديث دلالة على أنّ الكفّار ليسوا مكلّفين بشرائع الإسلام، كما هو الحقّ، خلافاً لما اشتهر بين متأخّري أصحابنا» (الوافي 2: 82).
وعلّق المحدّث البحراني أيضاً بالقول: «وهو ـ كما ترى ـ صريح الدلالة على خلاف ما ذكروه، فإنّه متى لم تجب معرفة الإمام قبل الإيمان بالله ورسوله، فبطريق الأولى معرفة سائر الفروع التي هي متلقّاة من الإمام×. والحديث صحيح السند باصطلاحهم صريح الدلالة، فلا وجه لردّه وطرحه والعمل بخلافه إلا مع الغفلة عن الوقوف عليه» (الحدائق الناضرة 3: 39 ـ 41).
واستند السيد الخوئي لهذه الرواية فقال بأنّ هذه المعتبرة: «تضمّنت أنّ الكافر يؤمَر أوّلًا بالإسلام ثمّ بعده بالولاية، فإذا لم يكن مكلَّفاً حال كفره بالولاية التي هي أعظم الفروع وأهمّها، وإنّما يؤمَر بها بعد اختيار الإسلام، فما ظنّك بسائر الأحكام» (الموسوعة (المستند) 23: 120 ـ 121).
وقد نوقش الاستدلال بهذه الرواية بأكثر من مناقشة، أبرزها:
المناقشة الأولى: إنّ غايته وقوع التعارض بين دلالة هذه الرواية وظاهر القرآن الكريم الدالّ على تكليف غير المسلمين بالصلاة والزكاة وغير ذلك، وما خالف القرآن يطرح عرض الجدار (محمد رضا السيستاني، بحوث في شرح مناسك الحج 5: 316 ـ 318).
أو يقال في صياغة هذه المناقشة بترجيح الروايات العامّة على هذه الرواية؛ لموافقتها «إطلاقات آيات الأحكام والفرائض في الكتاب الكريم ومخالفتها للعامّة ـ حيث إنّ مشهور العامّة عدم تكليف الكفّار بالفروع ـ أو يحكم بالتعارض والتساقط، والمرجع بعد ذلك إطلاق أدلّة الفرائض والتكاليف» (الهاشمي الشاهرودي، كتاب الزكاة 1: 250).
ويمكن الجواب بأنّ المسألة في قياس علاقة هذه الرواية بالنص القرآني تتبع طريقة فهمنا لها وله معاً، فإذا قلنا ـ على سبيل المثال ـ بأنّ الرواية ظاهرة في نفي العموم لغير الولاية بالأولوية، كانت نسبة الآيات المشار إليها إلى هذه الرواية نسبة الأخصّ للأعمّ، فإذا أقحمنا القول بعدم الفصل هناك كان التعارض في الحقيقة بين التعميم بعدم الفصل وظهور هذه الرواية بالأولويّة، لا بين ذات الآيات والرواية مباشرةً، حتى نأخذ بقانون طرح ما خالف الكتاب، وقد يقال بأنّ الرواية متقدّمة على عدم القول بالفصل، وقد يقال بالعكس.
يضاف إلى ذلك أنّنا قلنا سابقاً بأنّ الأمر بالصلاة والزكاة في القرآن الكريم لا يعني التكليف بالفروع الفقهيّة الإسلاميّة، بل هو تكليف عام بالعبادة والإنفاق، له بُعد أخلاقي، وليس تكليفاً خاصّاً بما نعرفه نحن باسم الصلاة والزكاة في الفقه الإسلامي، بينما هذه الرواية تعالج المعنى الخاصّ لهذه التكليف بناء على تقريب الاستدلال بها، فلا يكون هناك تعارض أساساً.
أمّا ما ذكره الأستاذ الهاشمي، من أنّ جمهور المسلمين يذهبون لعدم تكليف الكفار بالفروع، فليس دقيقاً؛ بل هم منقسمون إلى مذاهب متعدّدة في هذه المسألة، بل القول بالتكليف هو مذهب العراقيّين من الأحناف وأكثر المعتزلة. بل إنّ جعل السيد الهاشمي مخالفة العامّة مرجّحاً للروايات الدالة على عموم التكليف في قبال الروايات النافية للتكليف بالولاية، كهذه الرواية، غير تام من جهة أخرى؛ وذلك أنه وإن كانت روايات العموم ـ على فرض تسليم دلالتها ـ مخالفةً للجمهور، إلا أن ما يقابلها ليس موافقاً لمذهبهم حتى يُتوهَّم فيه صدوره تقيةً، بل إنّ موضوع الرواية هنا أصالةً هو "ولاية الأئمّة"، وإنما استُنتج نفي التكليف بالأحكام منها بالاستلزام العقلي وبطريق الأولويّة. وعليه، فإنّ مناط الترجيح ـ وهو احتمال التقية في الطرف المقابل ـ منتفٍ موضوعاً في هذا التعارض.
وبهذا يمكن التعليق على كلام النراقي أيضاً، حيث قال في ردّه الأخبار المستدلّ بها هنا: «بعدم حجيّة شيء من تلك الأخبار لو دلّت على ما رامه؛ لمخالفتها لعمل العلماء الأخيار، وشهرة القدماء، وآيات الكتاب العزيز، وعمومات الأخبار المتواترة» (عوائد الأيام: 289).
المناقشة الثانية: ما يبدو أنّه مراد العديد من الفقهاء هنا، وهو أنّ هذه الرواية ليست بصدد الترتيب في الطلب، فيطلب أوّلاً من الشخص الإيمان بالله ورسوله، ثم يطلب منه الإيمان بالولاية وهكذا، بل بصدد بيان الترتّب الطبيعي في تحقّق المطلوب وتحقيقه، فلا يُعقل الإيمان بالولاية قبل الإيمان بالنبوّة، وهذا ترتّبٌ طبيعي، لهذا لا معنى لدعوته وأمره بالولاية قبل النبوّة، فالترتّب في المطلوب لا في الطلب (انظر ـ على سبيل المثال ـ: المراغي، العناوين 2: 718 ـ 719؛ وجعفر السبحاني، الزكاة في الشريعة الإسلاميّة الغراء 1: 114 ـ 115). ويشهد لذلك أنّ الرواية قالت: «ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدّقه ويعرف حقّهما، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقّهما؟!»، فهذا يشير لعدم معقوليّة تحقّق الإيمان بالوليّ قبل الإيمان بالنبيّ، ومن ثم عدم معقوليّة طلب الإيمان بالوليّ قبل طلب الإيمان بالنبيّ أو في حال عدم الإيمان بالنبيّ، لا أنّه يستحيل أن يطلب من الشخص الإيمان بهما معاً، غاية الأمر يحقّق الأوّل، ثم يحقّق الثاني، كما يطلب منه الصلاة والوضوء معاً (انظر: بحوث في شرح مناسك الحجّ 5: 310 ـ 312).
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بأنّها تقع على خلاف ظاهر الرواية؛ فإنّ الرواية بصدد تبيين السبب من وراء عدم تكليفهم بالولاية، كتكليفهم بالإيمان بالله والنبيّ، فهي تبيّن أنّه من غير المعقول أن تطلب من شخصٍ أن يؤمن بالوليّ قبل أن يكون فعلاً قد آمن بالنبيّ، فعدم المعقوليّة هو في إلزامه القانوني لا في مجرّد تحقّق ذلك منه؛ لأنّ مدار الرواية على التكليف لا على الفعل الواقع خارجاً، وهي تقابل بين الوجوب وعدم الوجوب بشكل مطلق لا في خصوص حال عدم الإيمان بالنبيّ.
المناقشة الثالثة: ما يظهر من بعضهم، وأوضحه السيد الأستاذ الهاشمي حيث قال: «أوّلًا: لأنّ الرواية ناظرة إلى معرفة الإمام والذي هو من أصول المذهب والاعتقادات، والذي يتوقّف تحصيلها على الإيمان بالله والرسول منطقيّاً وخارجاً، فلا يمكن التعدّي منه إلى فروع الدين، حتى إذا فرضنا استفادة طوليّة الوجوب والحكم على الشرط لا طوليّة الواجب، أي حتى إذا استفدنا من الحديث أنّ الإيمان بالله والرسول شرط الوجوب، لا ما يتوقف عليه الواجب؛ لأنّ هذه الحيثية المصرّح بها في ذيل الحديث أيضاً مخصوصة بالمعارف والاعتقادات، ولا توجد في فروع الدين، فلا أولويّة ولا عموم في التعليل، لكي يمكن التعدّي إلى فروع الدين؛ إذ لعلّ هذا التوقّف الخارجي أوجب التسهيل في هذا المورد. وثانياً: هناك قرائن عديدة في الحديث تدلّ على أنّ المقصود منه ليس تقييد الوجوب وجعله مشروطاً بالإيمان بالله ورسوله أصلًا، وإنّما النظر إمّا إلى مرحلة المخاطبة ودعوة الكفّار إلى معرفة الإمام، وأنّه ينبغي أن يكون بعد دعوتهم إلى الإيمان بالله ورسوله، أو إلى أنّ القدرة التي هي شرط عام عقلًا وشرعاً في كافة التكاليف الشرعية لا تتحقّق في باب معرفة الإمام، ولا تتأتى لعامّة الناس إلّا بعد تصديقهم ومعرفتهم بالله ورسوله، فليس هناك شرطيّة إضافيّة على شرطيّة القدرة، وهو الإسلام، وإنّما يشير الحديث إلى عدم قدرة عامّة الخلق على معرفة الإمام قبل أن يهتدوا إلى الإيمان بالله ورسوله ومعرفة حقّهما، ومتى تحقق عدم القدرة على تكليف انتفى ذاك التكليف على القاعدة، سواء في ذلك المسلم أو الكافر في الأصول والفروع، وقد طبّقه الإمام× في الحديث على معرفة الإمام، والتي هي من الأصول والمعارف اللازمة على الناس أيضاً، والتي لا يكون تحصيلها خارجاً مقدوراً قبل الإيمان بالله ورسوله، إلّا أنّ هذا العجز لا يرفع التنجّز ومسؤوليّة وجوب معرفة الإمام إذا كان قادراً على مقدّمات ذلك، والتي منها تحصيل الإيمان بالله ورسوله ومعرفتهما حقّ المعرفة والتصديق بهما واتّباعهما، إلّاإذا كان غير قادر على الأصل أيضاً أو غير قادر على حقّ المعرفة..» (كتاب الزكاة 1: 248 ـ 249؛ وراجع: الإصفهاني، هداية المسترشدين 2: 775 ـ 776).
ويمكن التعليق على ما أفاده:
أوّلاً: إنّ ملاحظته الأولى مبنيّة على كون الإمامة مسألة عقائديّة تصديقيّة، وليست مسألة شرعية فقهيّة، فمعنى الإمامة وجوب الاعتقاد بأنّ فلاناً إمام، فهذا الاعتقاد مأخوذ بنحو الموضوعيّة، ويترتّب عليه الطاعة والاتّباع، لا أنّ المقصود هو الطاعة والاهتداء للحقّ عبر معرفة الإمام الهادي له، أشبه شيء بوجوب معرفة الفقيه الأعلم تمهيداً لاتّباعه، بوصفه طريقاً لامتثال التكاليف الشرعيّة والحصول على الهداية التامّة.
ولا أقصد هنا النقاش في هذه المسألة، فهي طويلة الذيل كما يقال، وتحتاج لتوسّع كبير نتركه لمناسبة أخرى، إنّما أقصد الإشارة إلى أنّ ما ذكره مبنيٌّ على ذلك، وإلا لم يرد الإشكال الأوّل في كلامه.
ولا بأس بالإشارة إلى أنّ تعبير السيد الخوئي المتقدّم يشير إلى أنّ الإمامة من الفروع وأعظمها، بينما عبارة السيد الهاشمي هنا تشير لكونها من الأصول الاعتقاديّة، بصرف النظر عن كونها أصلاً اعتقاديّاً إسلاميّاً أو أصلاً اعتقاديّاً مذهبياً، فهذا أمرٌ آخر. ولعل مراد السيد الخوئي شيئاً آخر له طابع نسبي أو مراده من الفروع ما يشمل بعض الاعتقادات أيضاً.
ويمكننا الاستطراد هنا بالقول: إنّ الحديث عن توقّف معرفة الإمام على معرفة النبيّ قابل للنقاش على بعض المباني؛ وذلك أنّ هذا الكلام مبنيٌّ على تصوّر أنّ الإمامة خلافة للنبيّ، فـ "خلافة النبي" مفهوم مقوّم للإدراك الإمامة ووعيها في ذاتها، في حين يمكن فرض الإمامة منصباً إلهياً مستقلاً في إثباته عن النبوّة ويهدي للحقّ، حتى لو كان في الواقع يحتلّ مقام الخلافة النبويّة، فيمكن للإنسان أن يعرف من هو الإمام، بمعنى من هو الشخص الهادي للحقّ المنصوب من قبل الله تعالى، عبر معاجزه مباشرةً مثلاً، كما يُثبت النبوّة عبر المعجزة، ويدرك مقام إمامته، لا مقام ارتباطه بالنبيّ بوصفه خليفة، بل يمكن حينها أن يعرف النبيَّ من خلاله.
وبعبارة أخرى: إنّ دعوى توقّف معرفة الإمام على معرفة النبيّ ليست أمراً بديهياً من الناحية العقليّة، بل تتوقّف على تصوّر معيّن لطبيعة الإمامة وعلاقتها بالنبوّة؛ إذ لا يلزم من كون الإمام خليفةً للنبيّ في مقام الوظيفة أن تكون معرفة إمامته متوقّفةً في أصلها المعرفي على معرفة النبيّ، فالإمامة، في التصوّر الإمامي، منصبٌ إلهي يثبت بالنصب والدليل، ولا يمتنع عقلاً أن يكون الطريق إلى معرفة هذا المنصب مستقلاً عن الطريق إلى معرفة النبوة؛ كما يمكن ـ على سبيل الفرض ـ أن يستدلّ الإنسان على كون شخصٍ ما منصوباً من قبل الله تعالى وهادياً إلى الحق بمعجزةٍ أو دليلٍ إلهي، كما يستدلّ على النبوّة، من غير أن تكون معرفته السابقة بالنبيّ شرطاً في أصل معرفته بإمامته، ومن ثمّ، فغاية ما يمكن إثباته هو أنّ معرفة الإمام قد تكون متوقفةً في بعض طرقها أو في التصوّر التاريخي لتلقّي الإمامة على معرفة النبي، لا أنّ هذا التوقف لازمٌ عقلاً بحيث يستحيل على من لم يؤمن بالنبي أن يعرف الإمام.
بل يمكن أن يقال: إنّ البحث هنا ينبغي أن يميّز بين التوقف المفهومي والتوقف المعرفي والتوقف التشريعي؛ فحتى لو سلّمنا بأنّ الإمام خليفةٌ للنبي، وأنّ فهم مقام الخلافة يقتضي معرفة النبيّ، لا يلزم من ذلك أن تكون معرفة شخص الإمام بوصفه منصباً إلهياً متوقفةً على معرفة النبي، فضلاً عن أن يثبت بذلك كون الإيمان بالنبي شرطاً شرعياً في أصل وجوب معرفة الإمام، وبهذا نميز بين تعريف الإمامة بوصفها منصباً إلهيّاً خاصّاً للهداية يجب اتّباعه ـ وهو أقرب للمزاج العرفاني والقرآني ـ وبين كونها خلافةً للنبيّ، وهو أقرب للتعريف التاريخي الكلامي المتنازع عليه بين الفرق، فتأمّل جيداً فالموضوع طويل ودقيق.
قد تقول: إنّ تصوير إمكان الإيمان بالإمام قبل الإيمان بالنبي، مبني على فرضِ الإمامة منصباً إلهياً؛ ولكن يلزمنا ابتداءً تنقيحُ ماهية هذا المنصب الإلهي وحقيقته، ليتبيّن ما الذي يواجهه طالبُ الحقّ حقيقةً عند مواجهته للإمام؟ فهل للإمام معجزةٌ تدعو إلى الإيمان بحقّانيّته، أو أنّ الدليل الوحيد على حقّانيّته منحصرٌ في نصبه من قِبل النبي؟ فإن كان المفروض هو الأوّل صحّ تصويرُكم، وإن كان هو الثاني فلا. وإن قيل: إنّ المدار ليس على الإعجاز، بل إنّ نفس ما يدعو إليه الإمام يورث علمَ القاصد بحقّانيّته.. فإنّه يُقال: إنْ قَبِل الشخصُ ما يدعو إليه الإمامُ بوصفها تشريعاتٍ إلهية، فإنّه بطبيعة الحال لن يقبله بالعنوان الذي ينفيه الإمامُ عن نفسه (وهو كونه نبيّاً)، بل يقبله بوصف الإمام ممثّلاً للنبي وخليفةً له؛ وعليه، فإنّ الإيمان بالنبي متقدّمٌ رتبةً، وإن قارَنَه بحسب الزمان. وبناءً على ذلك، إذا كان الإمام مجرّدَ طريقٍ وامتدادٍ للرسول لا غير، فكيف يُتصوَّر تحقّقُ معرفته دون تصديقٍ متقدّمٍ رتبةً بالنبيّ؟!
ويمكن الجواب: إنّ النزاع قائمٌ في أن فكرة الخلافة عن النبيّ جزءٌ مقوّم لتعريف الإمامة أو لا، لا أنّ الاعتقاد بالإمام سوف ينتهي إلى الاعتقاد بالنبيّ وأنّ الإمام هو خليفته، فمثلاً يمكن أن يؤمن شخصٌ بأنّ فلاناً منصوب من قبل الله لهداية الخلق لا على نحو النبوّة، وأنّه معصوم، وبعد ذلك يعرف من خلاله فكرة أنّه خليفة لشخصيّة أعظم منه، وهي النبيّ الأكرم، فليس كلّ منصب إلهي نبوّة. كما أنّ بحثنا ليس عن وجوب معرفة الإمام، بل عن إمكان معرفته قبل معرفة النبوّة، علماً أن مفهوم الإمامة ـ بمعنى لزوم وجود الحجّة المعصومة في كل زمان ـ يمكنه، وفق أصولهم في علم الكلام، أن يثبت وجوباً عقلياً متعلّقاً بمعرفته.
وبهذا نفهم أنّ الرواية قد تكون مبنيّة على الغالب والعادة، لا على أساس استلزامٍ عقليّ قهري، إلا إذا عرّفنا الإمامةَ الواجب الاعتقاد بها بأنّها خلافة النبيّ، بحيث يكون مفهوم الخلافة جزءاً من المعتقد الواجب التصديق به ـ لا مجرّد جزء من الواقع الخارجي ـ ومن دونه لا يصدق على الشخص أنّه اعتقد بالإمام، فانتبه.
ثانياً: إنّه جمع في ملاحظته الثانية بين سقوط التكليف بمعرفة الإمام نتيجة عدم القدرة، وبقاء المسؤولية والتنجّز في معرفة الإمام مع القدرة على تحصيل مقدّماتها، وهذا شيء غير واضح؛ فإنّه إذا كان العجز عن معرفة الإمام لا يرفع التنجّز ما دام المكلّف قادراً على تحصيل مقدّمات هذه المعرفة، كما صرّح بذلك، فما وجه القول بانتفاء التكليف بمعرفة الإمام في حقّ الكافر بسبب عدم قدرته عليها قبل الإيمان بالله ورسوله؟! إذ إنّ عدم القدرة الفعلية على متعلّق التكليف لا يستلزم سقوط أصل التكليف ولا عدم تنجّزه إذا كان المكلّف قادراً على تحصيل ما يتوقّف عليه تحقّقه.
وبناءً عليه، إذا كان الإيمان بالله والرسول مقدّمة لتحصيل معرفة الإمام، وكان الكافر قادراً على تحصيل هذه المقدّمة ـ بل كان مكلّفاً بها على الفرض ـ فلا يكون الإيمان بالله والرسول شرطاً في أصل وجوب معرفة الإمام، بل يكون مقدّمةً لتحصيلها. وعندئذ لا يظهر وجه للاستفهام الاستنكاري الوارد في الرواية: «فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله؟»، إذ المفروض، على هذا التفسير، أنّ عدم تحقّق المعرفة فعلاً قبل الإيمان لا ينافي ثبوت وجوبها، ما دام تحصيل مقدّماتها مقدوراً للمكلّف.
ومن هنا، فإنّ تفسير الرواية بالقدرة لا يثبت كون الإيمان بالله والرسول شرطاً شرعياً في أصل وجوب معرفة الإمام، بل غايته إثبات توقّف تحقّق المعرفة خارجاً عليهما، وهو أمرٌ لا يكفي لإثبات سقوط أصل التكليف، ولا سيّما مع الالتزام ببقاء المسؤولية والتنجّز عند القدرة على تحصيل المقدّمات.
الرواية الثانية: خبر ابن عباس، أنّ معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله‘، قال: «إنّك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنّي رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإيّاك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنّه ليس بينها وبين الله حجاب» (صحيح مسلم 1: 37 ـ 38)، فقد ذكرت الرواية تراتبيّة في الدعوة، مما يعني أنّ وجوب العبادات عليهم مترتّب على إيمانهم بالله ورسوله، لا قبل ذلك.
وقد يناقش الاستدلال بهذه الرواية بأنّ الترتيب الموجود فيها قائم على حركة الدعوة، لا على بيان طبيعة توجّه التكاليف إليهم في لوح الواقع التشريعي، بمعنى أنّ النبيّ يبيّن لمعاذ كيف يرتّب الدعوة «فأعلمهم»، بحيث لا يطرح جميع الأشياء دفعةً واحدة؛ لكون ذلك غير ذي جدوى، ويؤيّد ذلك الترتيب بين الصلاة والزكاة، فإنّه لا يوجد مفهوم من هذا القبيل يرى أنّ الزكاة لا تجب إلا بعد إطاعة الله في الصلاة.
الرواية الثالثة: خبر الطبرسي عن أمير المؤمنين ـ في حديثٍ طويل ـ جاء فيه: «فكان أوّل ما قيّدهم به الإقرار بالوحدانيّة والربوبيّة والشهادة بأن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيّه‘ بالنبوّة والشهادة له بالرسالة، فلما انقادوا ذلك فرض عليهم الصلاة، ثم الصوم، ثم الحجّ، ثم الجهاد، ثم الزكاة، ثم الصدقات، وما يجري مجراها من مال الفيء..» (الاحتجاج 1: 379). فإنّ هذا الترتيب واضحٌ في أنّه ترتيبٌ في الجعل القانوني، لا في تحقّق المجعول خارجاً.
ويناقش بأنّ الرواية لا سند لها، بل هي طويلة جداً وموضوعاتها تنتمي للقرن الثاني وما بعده، فهي مشكوكة للغاية، فضلاً عن أنّ الترتيب فيها بين الصلاة والصوم والحجّ يثير هو الآخر:
أ ـ إمّا تساؤلاً شبيهاً بما أثرناه في رواية ابن عباس.
ب ـ أو أنّ الرواية تبيّن التدرّج التشريعي لهذه التكاليف تاريخيّاً؛ لا أنّ ذلك هو الترتّب الطبيعي القانوني في الذمم إلى يوم الدين. ولعلّ هذا هو مراد الإصفهاني في (هداية المسترشدين 2: 776).
الرواية الرابعة: خبر أبان بن تغلب، قال: قال لي أبو عبد الله×: «يا أبان، أترى أنّ الله عزّ وجلّ طلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به، حيث يقول: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾؟» قلت له: كيف ذلك جعلت فداك فسّره لي؟ فقال: «ويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأوّل، وهم بالأئمّة الآخرين كافرون، يا أبان إنّما دعا الله العباد إلى الإيمان به، فإذا آمنوا بالله وبرسوله، افترض عليهم الفرايض» (تفسير القمي 2: 262)، فهذه الرواية صريحة في الترتيب في فرض الفرائض بين الإيمان والشريعة.
وقد علّق الفيض الكاشاني على هذه الرواية بالقول: «هذا الحديث يدلّ على ما هو التحقيق عندي من أنّ الكفّار غير مكلّفين بالأحكام الشرعيّة ما داموا باقين على الكفر..» (تفسير الصافي 4: 353).
قال المحدّث البحراني: «وقد جري بيني وبين بعض مشايخي المعاصرين من علماء بلادنا البحرين، كلامٌ في هذه المسألة، فأظهرت له صحيح زرارة المتقدّم، والخبر الوارد في تفسير قوله سبحانه: ﴿وويل للمشركين..﴾، ولم يحضر ببالي في ذلك الوقت سواهما، فلم يجب عنهما بمقنع، وهو لم يرجع عن القول المشهور متمسّكاً بالإجماع عليه وعدم المخالف، وعلى هذا كانت طريقتهم (رضي الله عنهم) من الجمود على المشهورات، سيما مع زخرفتها بالإجماعات» (الحدائق الناضرة 3: 44).
وقد ناقش المراغي في هذه الرواية فقال: «لا ريب أنّ ما ذُكر تأويلٌ للآية، والتعليل تقريب كما في أكثر الآيات، فلا ينافي الظاهر. ولا يبعد أن يراد بالترتيب كون الواقع كذلك، لا أنّ من لم يؤمن لم يكلّف، أو يراد كونه شرطاً في حصول الامتثال وكون التكليف حقيقيّاً لا ابتلائيّاً..» (العناوين الفقهية 2: 720)، ولعلّه قريب منه ما ذكره السيد الأستاذ الهاشمي (كتاب الزكاة 1: 247).
ويمكن التعليق على كلام المراغي بأنّ المهم هنا ليس الاستدلال بهذه الآية على عدم تكليف الكفّار بالفروع استناداً للرواية، حتى يكون النقاش في تفسير الإمام للآية، بل هو الاستناد مباشرة لذيل الرواية الواضح في الترتيب، وهذا الذيل لا يمكن تفسيره بالترتب الواقعي الخارجيّ؛ لأنّ الرواية تتكلّم عن "الافتراض عليهم" لا عن امتثالهم، فهي واضحة في الترتيب بين الايجابات القانونيّة، فحملها على الترتّب الواقعي الخارجي خلافُ الظاهر جداً. وبهذا يظهر الإشكال على كلامه الآخر حول شرط الامتثال؛ فإنّه ليس ظاهراً من الرواية المرتبطة بافتراض الفرائض.
نعم هذه الرواية يمكن النقاش فيها بأنّها ـ فضلاً عن غرابة مضمونها وتنزيلها الآية على موضوع الأئمّة ـ ضعيفة السند؛ من حيث عدم ثبوت كتاب التفسير لعليّ بن إبراهيم القمي كما حقّقناه في محلّه، بل في السند ـ على بعض النسخ ـ أبو جميلة المضعّف.
ولعل ملاحظتنا المتنيّة الأخيرة هذه هي ما قصده السيد الأستاذ الهاشمي بقوله هنا: «مفاد الرواية ممّا لا يمكن الأخذ به؛ لأنّه أشبه بالألغاز، بل هي ممّا يخالف القرآن الكريم والذي تشمله روايات طرح ما خالف قول ربّنا وأنّه زخرف وباطل» (كتاب الزكاة 1: 247).
ونتيجة البحث في الروايات الخاصّة التي ذكرنا عمدتها هو أنّ غالبها ضعيف السند، وبعضها يتأمّل في متنه، وعددها قليل، فتصلح ـ عند القائل بعدم حجيّة خبر الواحد الظنّي ـ لتأييد الأدلّة الأخرى، لا لتكون دليلاً مستقلاً قائماً بنفسه.
4 ـ عدم معقوليّة تكليف غير المسلم بالفروع، تحليل وتأمّل
الدليل الرابع:................
