hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (الحجّ النيابي ـ القسم الثالث/مسألة تكليف غير المسلمين بالفروع)

تاريخ الاعداد: 10/22/2026 تاريخ النشر: 10/22/2026
60
التحميل

 

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(15 ـ 10 ـ 2026م)

 


 

فصل

في النيابة‌

...

مسألة ١٠٩: يشترط في المنوب عنه الإسلام، فلا تصحّ النيابة عن الكافر([1])، فلو مات الكافر مستطيعاً، وكان الوارث مسلماً لم يجب عليه استيجار الحجّ عنه. والناصب كالكافر، إلا أنّه يجوز لولده المؤمن أن ينوب عنه في الحجّ.


 

تكليف الكفار بالفروع

([1]) ...

ثانياً: نظريّة تكليف غير المسلمين بالفروع القانونيّة والشرعية، الأدلّة والشواهد والمناقشات

اعتمد جمهور علماء الإسلام على تكليف غير المسلم ـ كالمسلم ـ بالأمور القانونيّة والشرعيّة على جملة من الأدلّة، عمدتها هو الآتي:

 

1 ـ قيامة الإيمان بالعقيدة والعمل معاً، وعلاقة ذلك بتكليف غير المسلم بالفروع

الدليل الأوّل: إنّ غير المسلم مطالب بالإيمان، والإيمان ليس مجموعة العقائد الصحيحة فحسب، بل هو ـ كما تفيد جملة من الأخبار ـ تركيبٌ من الاعتقاد والعمل، مثل خبر الكناني، عن أبي جعفر× قال: قِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ‘، كَانَ مُؤْمِناً؟ قَالَ: «فَأَيْنَ فَرَائِضُ الله؟!»، قال: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: «لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ كَلَاماً، لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ صَوْمٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا حَلَالٌ وَلَا حَرَام..» (الكافي 2: 33)، وغيره من النصوص (انظر: النراقي، عوائد الأيام: 283 ـ 284؛ والإصفهاني، هداية المسترشدين 2: 770).

وقد ناقش المحقّق المراغي هذا الاستدلال بأنّ مراد تلك الروايات هو الإيمان الكامل، وإلا فلا شكّ في صدق عنوان الإيمان على المعتقد بالعقائد الحقّة (العناوين 2: 715 ـ 716).

ويمكن تعميق إشكاله أو إعادة إنتاجه بصيغة أخرى أفضل، بأن يقال: إنّ القدر المتيقّن من الإيمان المطالَب به غير المسلم هو الانتماء للجماعة المسلمة بالاعتقاد بالعقيدة الصحيحة المرتبطة بالتوحيد والرسالة والمعاد، وما يترتب على هذا الإيمان من عمل، وليس ظاهراً من النصوص القرآنية والحديثية التي توجّه الأمر بالإيمان لغير المسلم ما هو أزيد من ذلك، عدا الانضباط للكلّيات الدينية والأخلاقيّة، والتي قلنا بأنّ الصحيح هو خروجها عن محلّ التنازع هنا. وبعبارة ثانية: إنّ هذه النصوص تطالب غير المسلم بالانتماء العقدي تمهيداً لتوجّه منظومة التكاليف الشرعية الخاصّة إليه، لا أنّها بنفسها توجّه له تلك التكاليف وتأمره بها حال كونه غير مسلم، فانتبه فسوف نوضح هذا الأمر أكثر في جواب الدليل الثاني الآتي.

إنّ قلت: إن من لا يعمل بمقتضى الإيمان فلا إيمان له في الواقع في الحال العادية؛ إذ لو آمن الشخص وأيقن بوجود نار في موضعٍ ما، فإنّ هذا الإيمان ينعكس حتماً على سلوكه وعمله، ومقتضى الإيمان بالله ورسوله هو العمل بأوامرهما ونواهيهما. وبمعزل عن الروايات الواردة في مراتب الإيمان، فإنّ طرح هذا البيان يمكن أن يفصل بين الكافر وبين المؤمن (المدّعي للإيمان) الذي لا يعمل؛ فالذي يدّعي الإيمان ولا يعمل بمقتضاه يفتقد الإيمان الحقيقي، ولعلّ الروايات ناظرة إلى هذا المعنى، وهذا هو المعنى الذي لا يختصّ الخطاب بالدعوة إليه بالكافرين، بل إنّ المؤمنين أيضاً مطالبون به؛ كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا﴾.

قلنا: إنّ هذا لا شكّ فيه، لكن في صدق سلب الإيمان عنه بالكلية لغةً وعرفاً شكّ كبير، ولو كان كذلك للزم القول بكفر كلّ من ارتكب معصية ولو صغيرة، ومن هنا نقول بأنّ مطالبة غير المسلم بالإيمان تختلف في الفهم العرفي عن مطالبة المسلم، فطبيعة المخاطَب يفهم منها نوعية المضمون، وهذا منسجم مع الطبيعة التشكيكيّة، التي تسمح بمخاطبة المؤمنين أنفسهم بالإيمان، وإلا لم يكن معنى لمخاطبتهم بصفة «الذين آمنوا».

 

2 ـ استبطان دليل التكليف في نفسه، نقد محاولة المحقّق النراقي

الدليل الثاني: ما ذكره المحقّق النراقي، حيث قال: «إنّه مما لا شكّ فيه أنّ كلّ كافر في كلّ آن مكلّف بأن يؤمن، ثم يأتي بسائر أحكام الإيمان، لا أنّه مكلّف بالإيمان فقط، ثم بعده يصير مكلّفاً بسائر أحكامه، فيجب عليه الإيمان، ثم الصلاة مثلاً في كل آن. وإن شئت قلت: الصلاة المسبوقة بالإيمان. ولا نريد من تكليفه بالفروع إلا ذلك، ولا نريد أنّه مكلّف بالصلاة ولو مجرّدة عن الإيمان، وذلك كما نقول: إنّ المحدث مكلّف بالطهارة ثم الصلاة، أو الصلاة المسبوقة بالطهارة، لا أنّه مكلّف بالطهارة فقط، ثم يصير مكلّفاً بالصلاة، ولا نقول: إنّه مكلّف بالصلاة ولو مجرّدة عن الطهارة. والتحقيق أنّ التكليف بشيء عبارة عن طلبه مع شرائطه المقدورة إن كان مشروطاً بشيء، لا طلبه خاصّة، فبعد تعلّق التكليف في آن بالإتيان بشرطه ثمّ به، يكون مكلّفاً به، فإنّ التكليف بشيء ليس إلا طلبه، سواء كان طلب إيجاده على ترتيب خاصّ ـ بأن يوجد أوّلاً شيئا ثم ذلك ـ أو لم يكن له ترتيب. ومن البديهيات التي لا تقبل التشكيك أنّ الله سبحانه يريد في كلّ آن من أوقات الصلاة أو الزكاة مثلاً من الكافر أن يؤمن ويصلّي ويزكي، ويطلب منه ذلك، كما يريد من المؤمن المحدِث أن يتطهّر ويصلّي، لا أن يكون المطلوب هو الإيمان فقط، ثم بعد إيمانه يتعلّق الطلب بالصلاة، ولا نريد من التكليف إلا ذلك» (عوائد الأيام: 281 ـ 282).

وهذا الدليل في غاية الأهميّة من زاوية أنّه يتطلّب شرح المقصود الحقيقي والجوهري من تكليف غير المسلم بالفروع الفقهيّة؛ وذلك أنّه يمكن تصوّر نحوين لذلك:

النحو الأوّل: أن يكون غير المسلم مكلّفاً ـ حال عدم إسلامه ـ بتلك الفروع، كما هو مكلّفٌ بالإسلام، ومن ثم فيجب عليه الإسلام ليقوم بهذه الفروع بشكل صحيح، أو ربما يجب عليه أن يقوم بها حال عدم إسلامه لو قلنا بأنّها تصدر منه صحيحةً في هذه الحال. وهذا هو الذي فهمه النراقي من فكرة تكليف الكفّار بالفروع، حيث قام بمقاربة الموضوع مع الطهارة والصلاة.

النحو الثاني: أن يكون غير المسلم مكلّفاً بالإنتماء الإيماني بالعقيدة والسلوك العام، ولكنّه حال عدم إسلامه لا يخاطَب بالتكاليف الشرعية الخاصّة، مثل كيفيّة الصلاة الإسلاميّة أو كيفيّة الصوم الإسلامي، ولكنّ عدم إسلامه يجعله يتحمّل مسؤوليّة خسارته مصالح وملاكات هذه التكاليف والثواب عليها على تقدير امتثالها، فهو في هذه اللحظة غير مكلّف بالصوم الإسلامي، لكنّه مكلّف بالإيمان العقدي الذي يعلم الشارع تعالى أنّه لو امتثله، فقد صار مكلّفاً بالسلسلة العمليّة المترتّبة عليه، فالشارع نفسه يهدف من وراء مطالبته بالإسلام أن يحقّق الإيمان العقدي الصحيح، ويتمكّن بعد ذلك من تحقيق السلوك العملي التفصيلي الصحيح الذي هو بغية الشارع نفسه؛ لكنّ الشارع لا يوجّه له الآن خطاب التكليف بتلك التفاصيل الفقهيّة، إمّا لأنه يعلم بأنّ احتمالات إتيانه بها شبه معدومة أو لأنّ صحّتها موقوفة على إسلامه أو لغير ذلك، فبالنظر لغرض الشارع تكون هذه التكاليف مرادة له بمعنى الهدف الثاني من وراء مطالبته بالإسلام، أما بملاحظة واقعية الخطابات، فإنّ الشارع لا يوجّه الخطابات لغير المسلم لمثل هذه الأسباب.

ولنا تشبيه الأمر بدولة حديثة تريد تطبيق الناس لقوانينها التي تراها الأفضل للبشريّة، لكنّها لا ترى معنى عقلائيّاً لدعوة جميع الناس لذلك وإلزامهم، ولهذا فهي تفتح باب التجنيس حتى يندرج الناس في المواطنيّة؛ ليكون ذلك محقّقاً للهدف الأخير لها، وهو إمكانيّة تطبيقها مشروعها القانوني على أكبر عدد ممكن من البشر.

وبناءً على ما تقدّم يتضح الإشكال في كلام النراقي، فالمسألة في تكليف الكفار بالفروع ليست كما صاغها، والله لا يريد من كلّ كافر اليوم أن يصلّي صلاة الصبح بهذا المعنى المبسّط للمسألة، بل يريد ذلك بنحو من التراتبيّة في توجيه الخطابات والقوانين.

وقد يقال بأنّ ما أفاده المحقّق النراقي يبدو قياساً مع الفارق؛ إذ الصلاة مطلوبة بالأصالة، والطهور مقدّمة لها يستمدّ وجوبه ومطلوبيّته منها، وهذا المعنى غير متحقّق في سائر الفروع الشرعيّة بالنسبة إلى الكافر؛ إذ أصل مطلوبيّتها الأصاليّة على نحو «اللابشرط» بالنسبة إلى الكافر هو بنفسه محلّ تأمل وإبهام، فلا يصحّ إثبات مطلوبيّتها بالقياس على الصلاة والوضوء.

يضاف إلى ذلك، أننا ـ وبصرف النظر عن كلام النراقي ـ حتى لو سلّمنا بثبوت الحسن والقبح ووجود المصالح والمفاسد في متعلّقات جميع الأحكام، وافترضنا بناءً على ذلك أنّ الأحكام مطلوبة على نحو الإطلاق، يبقى التساؤل: هل يلتزم النراقي بوجود «مرحلة الاعتبار» في جعل الأحكام أم لا؟ إذ بناءً على أخذ مرحلة الاعتبار في حقيقة الحكم الشرعي، حتى لو وُجدت المصالح والمفاسد الواقعيّة في ذات الفعل للمسلم والكافر على السواء، لا يسوغ ادّعاء الاشتراك، ما لم نُحرز تحقّق مرحلة الاعتبار وتوجّه الجعل نحو الكافر.

 

3 ـ مرجعيّة العمومات والمطلقات في الشمول لغير المسلم، نقد دليل المشهور

الدليل الثالث: مجموعة من النصوص القرآنيّة والحديثيّة الكثيرة الدالّة بعمومها أو إطلاقها على ثبوت مجموعة من التكاليف الشرعيّة على غير المسلم وترتب آثار عقابيّة أو تقريعيّة على ذلك في حقّه أيضاً، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان َ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا..﴾ (العنكبوت: 8)، وقوله سبحانه: ﴿فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 97)، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33) وغير ذلك من النصوص القرآنية.

والأمر كذلك في الروايات، مثل خبر سليمان بن خالد، أنّه قال للصادق×: جعلت فداك، أخبرني عن الفرائض التي فرض الله عزّ وجلّ على العباد ما هي؟ قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وإقام الصلوات الخمس، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان، والولاية؛ فمن أقامهنّ وسدّد وقارب واجتنب كلّ منكر دخل الجنّة» (كتاب من لا يحضره الفقيه1: 204).

إنّ هذه النصوص تخاطب الإنسان أو الناس أو العباد أو تتكلّم عما فرض الله عليهم، وليس فيها عنوان المؤمنين، مما يعني أنّ هذه التكاليف هي تكاليف إنسانية عامّة، وليست خاصّة بجماعة المؤمنين.

كما أنّ النظر في عموم الآيات والروايات لا يشير إلى وجود قيد الإسلام في التكاليف، فعندما يتم تبيين حكم شرعي في باب من الأبواب لا يشار إلى أنّ هذا الحكم موجّهٌ فقط للمسلم، ومقتضى الإطلاق ـ حيث لا مانع ـ هو الشمول للجميع (انظر: المراغي، العناوين 2: 714 ـ 715؛ والإصفهاني، هداية المسترشدين 2: 769 ـ 770؛ والنراقي، عوائد الأيّام: 280 ـ 281).

وقد ناقش السيد الخوئي هذا الاستدلال بقوله: «ويندفع بمنع العموم في تلك الأدلَّة، كيف! والخطاب في كثيرٍ من الآيات خاصٌّ بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ (البقرة: 43، 83، 110، النور: 56، المزمل: 20)؛ وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ (البقرة: 183)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ (النساء: 103)، فلو كان عمومٌ في بعضها مثل قوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ (آل عمران: 97)، فبإزائها هذه الآيات الخاصّة» (الموسوعة (المستند) 23: 119 ـ 120).

غير أنّ هذه المناقشة يجب أن تكون مبنيّة على فرضية مسبقة؛ إذ أوّلياً لا تنافي بين مخاطبة المؤمنين بهذه التكاليف ومخاطبة عموم الناس بها؛ لأنّ مخاطبة المؤمنين لا يحتوي على دلالة مفهوميّة تنفي الحكم عن غيرهم، بل غايته لا تشمل في نفسها الكافرَ، وعلى هذا الأساس تكون الفرضية المسبقة هي أنّه لم يقل أحد بوجود تمييز في التشريعات، فبعضها يشمل المسلم وغير المسلم، وبعضها الآخر لا يشمل إلا المسلم، فلا بد من فرض وحدة الحكم والمحكوم عليه، والقدر المتيقّن هو المؤمنون، فيؤخذ به، ولا يشمل الحكم في تمام الآيات غيرَ المسلم.

لكن في مقابل هذه الفرضية قد يمكن القول ـ كما ذهب إليه السيد محمد رضا السيستاني ـ بأنّه حيث لا قولَ بالتفصيل إطلاقاً بين المسلم وغيره في بعض التشريعات دون بعض، لزم الأخذ بعموم الآيات العامّة؛ لوضوح دلالتها على العموم بعد عدم وجود دلالة على المفهوم في الآيات الخاصّة، وينتج عن ذلك ترجيح جانب العموم دون الخصوص، ويكون ذلك لصالح ما ذهب إليه المشهور هنا (بحوث في شرح مناسك الحج 5: 281 ـ 283).

والتحقيق أنّ دراسة طبيعة الخطابات القرآنية والحديثية وتنوّعها بين الناس والإنسان وبني آدم وأهل الكتاب والمؤمنين وما شابه ذلك، يفرض علينا التأمّل في هذه القضية تفسيريّاً وبطريقة مستقلّة، ونشير لهذا الأمر باختصار؛ لأنّه يتطلّب مجالاً واسعاً، وذلك من عدّة نواحٍ:

1 ـ إنّ الأصل الدلالي في ظاهر الخطاب أنّ التكليف فيه متعلّق بالمخاطَب، وهذا يستدعي التمييز بين التكاليف في كون بعضها عامّاً وبعضها الآخر خاصاً، لكنّ ظاهر الخطاب لا يحسم الموقف لوحده أحياناً، إذ قد يكون موجّهاً للمؤمنين، لكنّ مضمونه عامّ يشمل غيرهم، كما لو كانت هناك نكتة تعليليّة تقتضي التعميم وهكذا.

2 ـ إنّنا نجد بعض الخطابات في القرآن والسنّة توجه بعينها تارةً للمؤمنين، وأخرى لعامّة البشر، مثل الأمر بعبادة الله أو الإيمان به أو الأمر بالتقوى أو النهي عن اتّباع خطوات الشيطان أو الأمر بالخشية من يوم الآخرة، أو أخذ الزينة عند كلّ مسجد، أو النهي عن الإسراف، وهكذا. وهذا ما يفتح على كليّةٍ أخرى، وهي أنّ اختصاص الحكم بالمخاطب هو اختصاص أوّلي، إذ يمكن توجيه الخطاب لجماعة، لكنّ الحكم يكون ثابتاً لما هو أوسع من دائرة هذه الجماعة، وإنّما جرى التخصيص بالجماعة في هذا الخطاب أو ذاك لمزيد اهتمام أو لترقّب إطاعتها للحكم أكثر من غيرها أو لغير ذلك.

3 ـ إنّ دعوى أنّ الإجماع الإسلامي انعقد على عدم التفريق في مجموعات الأحكام بين المسلم وغيره، فإمّا تشمل المسلمَ وغيره أو لا تشمل غير المسلم، دون تمييز بين نوعيّة هذه الأحكام.. هذه الدعوى قابلةٌ للنقاش جداً؛ وذلك أنّ هنا مراتب:

المرتبة الأولى: ثبوت المسؤوليّة القانونيّة أمام الله في حقّ غير المسلم كالمسلم.

المرتبة الثانية: إلزام المسلم لغير المسلمين بنتائج هذه المسؤوليّة القانونية وترتيب الآثار عليها.

إنّ غاية ما يثبت بالإجماع الإسلامي هو أنّ المسلمين لا يطالَبون بإلزام غيرهم بالتكاليف الشرعيّة الإسلاميّة أو معاقبتهم على تركها بعنوانها، فهذا شيء معلوم، أمّا أنّ غير المسلم في لوح الواقع مسؤول قانونيّاً أمام الله أو لا؟ فهذا ما لا يبدو أنّ فقهاء المسلمين ومتكلّميهم اتفقوا فيه على شيء؛ فلا مانع أن تكون بعض الأحكام عامّة للمسلم وغيره، وبعضها الآخر خاصّ بالجماعة المسلمة، ويُتّبع في ذلك ظاهر الأدلّة وسياقاتها، فما ثبت أنّه شاملٌ لغير المسلمين يحكم بشموله، ويقال بأنّ غير المسلم مطالَب به، أمّا هل يلزمنا إجباره أو ترتيب الآثار من قبلنا على ذلك؟ فهذا أمرٌ آخر، وما لم يثبت أنّه شاملٌ لغير جماعة المسلمين فإنّنا نحكم بعدم كونه ثابتاً عليهم، فنحكم بوجوب الحجّ على المسلم وغيره، بينما الصوم في شهر رمضان بعنوانه نجده مختصّاً بالمسلم.

بل يمكن تفسير الإجماع الإسلامي ـ لو انعقد على عدم التمييز بين الأحكام ـ على أنّ المتكلّمين والفقهاء فهموا من النصوص العامّة معنى خاصّاً، لا لأنّهم يمنعون من وجود هذا التمييز وثبت لديهم بطلانه، بل غايته لم يثبت لديهم تمييز، ولا حجيّة لإجماعهم في هذه الحال إذا ثبت لدينا أنّ الكتاب والسنّة قد ميّزا بين التشريعات في ثبوت بعضها لغير المسلم دون بعض؛ لأنّ إجماعهم هذا مدركيّ.

4 ـ بناء على هذه النقاط الثلاث المتقدّمة، يمكن القول بأنّ هناك نحوين من الاستدلال هنا:

أ ـ النحو الإطلاقي، بالاعتماد على عدم وجود قيد المسلم في مختلف النصوص القرآنيّة والحديثية التي تبيّن حكماً شرعياً، ولا تبيّن أنّ المخاطب به هو المسلم أو الأعم.

لكنّ هذا السكوت لا يفيد الإطلاق خلافاً لما فهمه المراغي وغيره؛ وذلك أنّ هذا السكوت مرجعه إلى أنّ هذا الموضوع ليس محلّ السؤال بالنسبة للسائلين، فلو قال السائل: سقط بولٌ على اليد فما الحكم؟ فقال الإمام: يحكم بتطهيره بالماء القليل مرّتين مثلاً، فلا نظر هنا لنوعيّة المكلّف الذي يتعلّق به الحكم، من حيث كونه مسلماً أو غير مسلم، حتى نتمسّك بالإطلاق. وبعبارة أخرى: مختلف النصوص القرآنية والحديثية المبيّنة لذات الأحكام، بلا بيان المخاطَب بها، ليست في مقام البيان من ناحية مسألتنا هنا، أو لا يحرز أنّها كذلك، فلا يثبت إطلاقٌ يُستند إليه لإثبات قاعدة تكليف الكفّار بالفروع.

ب ـ النحو الخطابي العمومي، بالاعتماد على طبيعة الخطاب، وتضمّنه كلمة الناس أو الإنسان أو بني آدم أو ما شابه ذلك، أو أيّ قرينة تعميميّة، وهذا ما يفرض التمييز بين أنواع الخطاب القرآني والحديثي، وفرز الخطابات، وذلك يكون عبر الآتي:

أوّلاً: إنّ وجود خطاب للناس، ثم وجود الخطاب نفسه للمؤمنين، لا يسبّب أيّ مشكلة هنا؛ إذ قد يكون الحكم عامّاً للجميع لكنّ النص يريد تخصيص المؤمنين بالتذكير بهذه المسألة أو تلك، فيبقى الخطاب العام على حاله، ولا يُحمل المطلق على المقيّد خلافاً لما تصوّره المحدّث البحراني (انظر: الحدائق الناضرة 3: 42 ـ 43)؛ لأنّه لا يوجد هنا تهافتات في البيانات اللغويّة تفرض تقييد طرف دون آخر، وذلك على قاعدة عدم وجود دلالة مفهوميّة كما قلنا.

ثانياً: لو راجعنا القرآن الكريم وتتبّعنا مواضع استخدام كلمات: الإنسان والناس وبني آدم وأمثال هذه التعابير، في سياق تشريعي، لوجدناها تتكلّم عن قضايا عقدية عامّة كالإيمان بالله والتوحيد واليوم الآخر، أو قضايا أخلاقيّة مثل احترام الوالدين والعبودية لله (الصلاة) وترك الفواحش وعدم عبادة الشيطان وإعانة الآخرين بالإنفاق (الزكاة و..) ونحو ذلك. بينما الخطابات المرتبطة بالمؤمنين تحظى ببيانات خاصّة إضافيّة تشريعيّة، كصلاة الجمعة وغيرها.

ولعلّ الحجّ هو التشريع الوحيد الذي يحمل خاصية عامّة وله صفة فقهية، وربما لا يكون المراد بالأمر بالحجّ هو الصيغة الفقهية الإسلاميّة للحجّ، بل الأعم بما يشمل مطلق التوجّه لبيت الله الحرام والطواف به ونحو ذلك، أو ربما يكون الأمر العام بالحجّ نوعاً من التكليف الموجّه لغير المسلمين ليقبلوا على الإسلام كون مختلف الأديان الأخرى السماوية لديها صلاة وزكاة، أو ربما يكون التعبير بالناس إشارة لتعارف الحجّ بين العرب ويكون المراد العرب؛ لأنّ القرآن استخدم كلمة الناس أحياناً للإشارة لبعض الناس لا لعموم بني آدم.

على هذا الأساس، لا نجد اعتباطيةً في تنويع القرآن للخطاب، فعندما يتكلّم مع الناس والإنسان وبني آدم فهو يتكلّم في الكليّات والتكوينيّات والأخلاقيات العامّة المرتكزة والمفاهيم الدينية الكلية كالصلاة والعقائديّات ونحو ذلك، بينما عندما يتكلّم مع المؤمنين، فإنّ الأمر تارة يكون بنحو العموم، وأخرى بنحو التكاليف الفقهيّة التفصيلية، وينتج عن ذلك أنّ الأصحّ هو تنويع الأحكام بين مثل هذه الأمور العقديّة والكليّات الأخلاقيّة فتثبت في حقّ المسلم وغيره، وكذا أصل الحجّ ـ إذا لم نقل ببعض التخريجات التي سبق بيانها ـ ومعه أصل العلاقة مع الله (الصلاة) وأصل معونة الآخرين (الزكاة)، أمّا التفاصيل القانونية الفقهية فلا دليل على كون غير المسلم مخاطباً بها حال عدم إسلامه.

أمّا الروايات المعدودة التي استند إليها فهي آحاديّة، وسيأتي حال معارضاتها والنظر فيها إن شاء الله.

ملاحظة: هذا كلّه بصرف النظر عن أنّ تعبير «الناس» قد لا يراد منه دوماً مطلق الإنسان؛ لأنّ خطاب الأفراد المخصوصين بلفظ «الناس» أمرٌ متعارف وصحيح تماماً، حتى في الدساتير الحديثة، فطبيعة المخاطبين في القرآن الكريم في خصوص الأحكام الشرعيّة هم المسلمون، فيمكن التعبير عنهم بـ «الناس»، ولا بد من إحراز إرادة العموم بالقرينة، لأنّ التخاطب بـ «الناس» أمر طبيعيّ، حيث يمكن التحدّث في جمع من أهل القبيلة أو المدينة، عن حكم راجع إليهم على نحو القضية الخارجيّة، ومخاطبتهم في الوقت نفسه بتعبير: أيها الناس راعوا العرف الفلاني، فمجرّد كون الموضوع عاماً، ليس دليلاً على التعميم.

 

4 ـ النصوص المباشرة التكليفيّة لغير المسلم

الدليل الرابع: النصوص القرآنية والحديثية التي تتكلّم عن غير المسلم بشكلٍ مباشر وتحمّله مسؤوليّة التكاليف الشرعيّة وترتّب على ذلك آثاراً تقريعيّة أو عقابية، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (فصّلت: 6 ـ 7)، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (المدثر: 38 ـ 47)، وغيرها من الآيات.

وكذلك بعض الروايات، مثل خبر محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عن صدقات أهل الجزية وما يؤخذ منهم من ثمن خمورهم ولحم خنازيرهم وميتهم (ميتتهم)، قال: «عليهم الجزية في أموالهم يؤخذ منهم من ثمن لحم الخنزير أو خمر وكلّ ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم، وثمنه للمسلمين حلال يأخذونه في جزيتهم» (الكافي 3: 568).

إنّ هذه النصوص ذات دلالة مباشرة في حقّ غير المسلم وتحمّله مسؤوليّات قانونيّة مرتبطة بالزكاة والصلاة وبيع الخمر ولحم الخنزير وغير ذلك، مما يدلّ على اشتراكه مع المسلمين في التكاليف الشرعيّة (انظر ـ على سبيل المثال ـ: الجصاص، الفصول في الأصول 2: 157؛ والسيوطي، الأكليل في استنباط التنزيل: 228؛ ومحمد مهدي النراقي، أنيس المجتهدين في علم الأصول 1: 168، والإصفهاني، هداية المسترشدين 2: 771؛ وأحمد النراقي، عوائد الأيام: 284).

وناقش السيد الخوئي في دلالة الآيتين اللتين ذكرناهما هنا، فقال: «ولا دلالة في الآيتين المتقدّمتين على تكليف الكفّار بالفروع؛ لجواز كون المراد من عدم الكون من المصلَّين ومطعمي المسكين: الإشارة إلى عدم اختيار الإسلام والتكذيب بيوم الدين كما في ذيل الآية الأُولى، وكذا يراد من عدم إيتاء الزكاة تركها بترك الإسلام والكفر بالآخرة كما في ذيل الآية المباركة، فلا تدلّ على تعلَّق العقاب بترك هذه الفروع بأنفسها كما لا يخفى» (الموسوعة (المستند) 23: 120).

وأجاب السيد محمد رضا السيستاني عن الخوئي هنا بأنّ كلامه خلاف الظاهر ولا قرينة عليه، بل ظاهر الآيات كون العقاب مترتّباً على ترك الصلاة والزكاة، لا على التكذيب بالآخرة حصراً (بحوث في شرح مناسك الحج 5: 287).

وعلّق المحقق المراغي على هذا الدليل بالقول: «ويمكن أو يقال بأن قولهم: «لم نك من المصلّين» ما يدلّ على كونهم مكلّفين بالصلاة في كفرهم، بل لعلّ المراد: أنّا لو آمنا وصرنا مكلّفين بالصلاة وصلّينا لنجونا، ولكن لم نك من المصلين؛ لعدم كوننا من المسلمين. وكذا قوله [تعالى]: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ لا يدلّ على التكليف بالصلاة في حال عدم التصديق، بل مثل هذه العبارة يقال كثيراً في المرتّب، فإنه إذا قيل لزيد: «أضف عمروا وإذا أضفته فأعطه درهماً»، فإنّ الإعطاء وجوبه مشروط بالضيافة، بحيث لو لم يمكن الضيافة لا يجب الإعطاء، فإذا ترك زيد كليهما يقال: «لا أضاف ولا أعطى»، ولا يلزم وجوب كلّ منهما وجوباً مطلقاً» (العناوين 2: 716).

ويمكن التعليق بأنّ الصلاة والزكاة في النصّ القرآني لا يعلم دوماً ـ وبخاصّة في النصوص المكيّة كالتي ذكروها هنا ـ أنّ المراد بهما المعنى الإسلامي الفقهي الخاصّ، بل يراد بهما المعنى العام، فالصلاة هي الخضوع لله والارتباط الروحي به، والزكاة هي معونة الناس مقابل الكنز وحبّ المال، ولا مانع من فرض مثل هذه الأمور شؤوناً عقليّة أو فطريّة أخلاقيّة بصرف النظر عن التشريعات الخاصّة، ولهذا يذمّ الناسُ دوماً البخيل الذي لا يساعد الناس أو يهتمّ بكنز أمواله، فالتعامل مع الآيتين بطريقة فقهية ـ لا بطريقة أخلاقيّة ـ غير صحيح، وعلى الأقلّ غير ثابت، فلا يكون في هذه الآيات دلالة على شمول التكاليف الشرعيّة لغير المسلم، بل لو كان فيها دلالة فغايته ثبوت بعض أمّهات التكاليف مثل الصلاة والزكاة، وهذا غير ثبوت مجمل المنظومة القانونيّة الإسلاميّة بتفاصيلها، إلا بناء على الإجماع المدّعى سابقاً أو عدم الفصل.

بل ربما يقال بأنّ هذا الدليل ـ أعني الآيات الدالّة على ترتب العذاب على ترك الأحكام ـ لو سلّمنا دلالته، فهو أخصّ من المدّعى؛ لأنّ استحقاق العذاب يختصّ بمن عاند بعد أن قامت عليه الحجّة وثبتت لديه حقيقة الإسلام وأحكامه، أو كانت في معرض الثبوت على أقل تقدير، فعاند واستكبر عن الإذعان للحقّ أو عن تعريض نفسه لفهمه، على غرار من قال الله تعالى في شأنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾، وعليه، فإنّ الآية لو أثبتت شيئاً، فإنّما تثبته في خصوص الكفّار المعاندين الذين أدركوا أحقيّة الدين وجحدوا بها، لا في مطلق الكفّار وعامّتهم، فتأمّل.

وأمّا الرواية المشار إليها، فالمنظور فيها أهل الكتاب، والخمر والخنزير والميتة محرّمة في الشريعة الموسويّة، وإن بتفاصيل مختلفة قليلاً عن الفقه الإسلامي، فلا مانع من أن يكون ذلك محرّماً عليهم في شريعتهم، ويحاسَبون على ذلك، ويكون كذلك في لوح الواقع التشريعي الموسوي الذي يطالَب به اليهود والمسيحيّون، بصرف النظر عن رؤية بولس فيما بعد، والتي حرّرت غير بني إسرائيل من الشريعة الموسويّة وفي الوقت نفسه اعتبرت رسالة عيسى× أوسع من بني إسرائيل.

 

5 ـ العبور من الأحكام الوضعية للأحكام التكليفيّة لإثبات الشمول

الدليل الخامس: إنّ غير المسلم إمّا تشمله الأحكام الوضعيّة أو لا تشمله، فإن قيل بعدم شمولها له كان معنى ذلك أنّ زيجاته وعقوده ومعاملاته برمّتها لا معنى لها ولا تحقّق لها، وهو واضح البعد، بل معلوم العكس، وإن قيل بأنّ الأحكام الوضعيّة ثابتة في حقّه كالملكيّة والزوجية والرقية والحرية والطهارة والنجاسة وغير ذلك، فإنّ ثبوتها يتطلّب ثبوت الأحكام التكليفيّة التابعة لها والمترتّبة عليها، وإلا كان ذلك نوعاً من التناقض في الاعتبار العقلائي؛ إذ كيف يمكن ثبوت الزوجيّة وعدم ثبوت الأحكام المترتّبة عليها؟! وبناءً عليه يفترض الحكم بثبوت جميع الأحكام في حقّه وعدم التفريق بينها (انظر: بحوث في شرح مناسك الحج 5: 289).

وقد يناقش بأنّ الزوجية والرقيّة وغيرها ثابتة في حقّ غير المسلم ثبوتاً يقع بالنسبة للمسلم، لا لغير المسلم نفسه، بمعنى أنّ المسلم يعامِل غيرَ المسلم الذي تزوّج معاملةَ الزوج ويرتّب عليه آثار الزوجيّة، فلا يتزوّج بامرأته مثلاً، فجميع الأحكام الوضعيّة تكون ثابتةً في غير المسلم مع الأحكام التكليفيّة المترتبة عليها، لكنّ هذا الثبوت يقع بالنسبة للمسلم، لا لغير المسلم، أمّا غير المسلم فتترتّب عليه الأحكام العقليّة العقلائيّة أو أحكام شريعته السابقة، بصرف النظر عن خصائص التشريعات الإسلاميّة، ومن الواضح أنّ العديد من الأحكام المرتبطة بالمعاملات والأحكام الوضعيّة مرجعها لقواعد أخلاقيّة عقلية أو عقلائيّة، مثل الوفاء بالعقود وعدم العدوان على مال الآخرين واحترام الملكيّات وغير ذلك.

هذا وتوجد أدلّة أخرى ذكروها نعرض عنها طلباً للاختصار مع اتضاح الحال.

والنتيجة: إنّه لم يقم دليل واضح وحاسم على تكليف غير المسلمين بالمنظومة الفقهيّة القانونية في الشريعة الإسلاميّة، بل ما ثبت ـ في غير الحالات المورديّة هنا وهناك ـ هو تكليفهم بالإيمان وكليّة العمل الصالح والأخلاقيّات العامّة التي تحكم بها الفطرة الإنسانيّة، والحجّ على وجهٍ.

 

ثالثاً: نظريّة عدم تكليف غير المسلمين بالفروع القانونيّة والشرعية، الأدلّة والشواهد والمناقشات

...