التعليقة على مناسك الحجّ (الحجّ النيابي ـ القسم الثاني/مسألة تكليف غير المسلمين بالفروع)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(8 ـ 10 ـ 2026م)
فصل
في النيابة
...
مسألة ١٠٧: لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه، فتصحّ نيابة الرجل عن المرأة، وبالعكس([1]).
مسألة ١٠٨: لا بأس باستنابة الصرورة عن الصرورة وغير الصرورة، سواء كان النائب أو المنوب عنه رجلاً أو امرأة. نعم يكره استنابة الصرورة، ولا سيما إذا كان النائب امرأة والمنوب عنه رجلاً([2]). ويستثنى من ذلك ما إذا كان المنوب عنه رجلاً حيّاً، ولم يتمكّن من حجّة الإسلام، فإنّ الأحوط فيه لزوماً استنابة الرجل الصرورة([3]).
مسألة ١٠٩: يشترط في المنوب عنه الإسلام، فلا تصحّ النيابة عن الكافر([4])، فلو مات الكافر مستطيعاً، وكان الوارث مسلماً لم يجب عليه استيجار الحجّ عنه. والناصب كالكافر، إلا أنّه يجوز لولده المؤمن أن ينوب عنه في الحجّ.
نفي شرط المماثلة في الجنس بين النائب والمنوب عنه
([1]) عملاً بالعمومات والإطلاقات. بل قد وردت نصوص واضحة في نفي شرط المماثلة وأنّه بإمكان كلّ واحد منهما أن يحجّ عن مثله أو غيره، مثل خبر حكم بن حكيم وخبر أبي أيوب وغيرهما.
لكن في المقابل، توجد رواية عبيد بن زرارة الواردة في خصوص الرجل الصرورة، قال: قلت لأبي عبد الله×: الرجل الصرورة يوصي أن يحجّ عنه، هل تجزي عنه امرأة؟ قال: «لا، كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان». قال: «إنّما ينبغي أن تحجّ المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل»، وقال: «لا بأس أن يحجّ الرجل عن المرأة».
وقد علق الطوسي الذي نقل هذه الرواية، فقال: «ما تضمّن هذا الخبر من أنّ المرأة لا يجزي حجّها عن الرجل يحتمل أن يكون أراد مع وجود الرجل أو أراد به ضرباً من الكراهة دون الحظر؛ لأنّا قد بينا في كتاب الحجّ جواز حجّ المرأة عن الرجل» (تهذيب الأحكام 9: 229)، ثم نقل بعض الروايات الدالّة على نفي شرط المماثلة.
وما فعله الطوسي أو غيره من الحمل على الكراهة أو من الحمل على استحباب المماثلة، هو الذي راج بين العديد من الفقهاء جمعاً بين النصوص، لكنّنا نرى أنّ هذا الخبر منفرد في بابه، ويخالف المطلقات وكذا النصوص الخاصّة، بل إنّ التعليل الوارد فيه كأنّه يريد أن يقول بأنّ عمل المرأة يساوي نصف عمل الرجل، فكأنّ صلاتها تقع على النصف من صلاته، والصوم كذلك، على قاعدة أنّ شهادته تساوي شهادة امرأتين، وهذا التعليل غريب، فإنّ كون شهادتها على النصف من شهادته لا يعني أنّ عملها على النصف من عمله، بل لو كان هناك مفهوم مثل هذا لظهر وبان في مختلف أبواب العمل وتجلّى في الثقافة الإسلاميّة عامّة، علماً أنّ طريقة الاستدلال لو أخذناها بحرفيّتها فهي تقارب المنهج القياسي الحنفي المرفوض إماميّاً، إلا إذا خرّجنا الرواية بأنّها تعطي مثالاً على التناصف بينهما في كلّ شيء، علماً أنّ هذه الرواية التي تفيد أفضليّة حجّ المرأة عن المرأة والرجل عن الرجل، تنافيها رواية بشير النبال قال: قلت لأبي عبد الله×: إنّ والدتي توفّيت ولم تحجّ، قال: «يحجّ عنها رجل أو امرأة»، قال: قلت: أيّهم أحبّ إليك؟ قال: «رجلٌ أحبّ إليّ» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 442)، حيث تفيد أفضليّة الرجل على المماثلة.
قد تقول: يمكننا الأخذ برواية عبيد بن زرارة ونقيّد بها سائر الروايات؛ لأنّها خاصّة بالصرورة، ولهذا أفتى بعض الفقهاء في خصوص الصرورة بهذا الحكم، فيما أطلقوا نفي المماثلة في غيره.
والجواب: إنّ طبيعة التعليل الوارد في الرواية لا يسمح بالارتكاز على كون المنوب عنه صرورة؛ لأنّ هذا التعليل يحمل خاصّية أعمّ، علماً أنّ الصرورة ورد في سؤال السائل لا في جواب الإمام، وجواب الإمام يصلح للعموميّة كما هو واضح، فلا يمكن الاعتماد هنا على مبدأ التخصيص أو التقييد لحلّ المشكلة.
فالصحيح ـ وفاقاً للماتن ـ هو نفي شرط المماثلة، فيمكن لأيّ منهما الحجّ عن الآخر، وكذا عمّن هو مثله؛ لانفراد خبر عبيد بن زرارة، مع آحاديّته ـ لو سلّمنا بصحّته السنديّة ـ مع معارضته لشبه الإجماع والشهرة الروائية في الأخبار الأخرى.
أمّا كون نيابة الرجل عن المرأة أحبّ، وفقاً لما ورد في رواية بشير النبال؛ فإنّ ذلك غير ظاهر في كونه بملاك ثابت في أصل الشرع؛ فلعلّ الإمام ـ حيث نسب الأمر لنفسه ـ ناظرٌ لكون الرجال أكثر علماً وفقهاً من النساء في العادة، أو لكون المرأة قد تواجهها صعوبات في الحجّ ـ شرعيّة وواقعيّة ـ بعكس الرجل الأكثر مكنة على هذين الصعيدين، فلعلّ الترجيح بهذا الملاك، لا بملاكٍ ثابت في أصل الشرع على ذلك بعنوانه، فكيف نعيّن أنّه يشرح الموقف بصورة تقعيدية في أصل الشرع؟!
ويتعزّز هذا الفهم التاريخي السياقي بخبر مصادف، قال: سألت أبا عبد الله×: أتحجّ المرأة عن الرجل؟ قال: «نعم، إذا كانت فقيهةً مسلمة وكانت قد حجّت، ربّ امرأة خيرٌ من رجل» (تهذيب الأحكام 5: 413)؛ فإنّ إشارة الإمام لذلك معناه أنّ الحزازة التي كانت كامنة في الأذهان تأتي من خلال عدم كون النساء متفقّهات في الشريعة، ولهذا أضاء الإمام على هذه الفكرة، بما يرفع احتمال أنّ ترجيح الرجل في رواية النبّال كانت من حيث تفادي مثل هذه المشكلات، لا من حيث عنوان المرأة بذاته في أصل الشرع.
هذا كلّه في أصل نيابة الجنسين عن بعضهما، بصرف النظر عن بعض القيود مثل قيد الصرورة، أمّا مع أخذها بعين الاعتبار، فيحتاج الأمر لبحث آخر، وهو ما سيتعرّض له الماتن في المسألة الآتية (رقم: 108)، فانتبه.
إمكان نيابة واستنابة الصرورة وغيره عن الصرورة وغيره
([2]) عملاً بالعمومات والإطلاقات التي تقدّم بعضها عند التعليق على المسألة السابقة.
لكن في مقابل ذلك، هناك قولان:
القول الأوّل: ما ذهب إليه الشيخ الطوسي في مواضع من كتبه، من أنّ المرأة الصرورة بالخصوص، لا تصلح للنيابة، لا عن الرجل ولا عن المرأة مطلقاً.
والمستند في ذلك خبر سليمان بن جعفر، قال: سألت الرضا× عن امرأة صرورة حجّت عن امرأة صرورة، قال: «لا ينبغي» (تهذيب الأحكام 5: 414).
لكنّ هذا الخبر ضعيف السند بعليّ بن أحمد بن أشيم، كما أنّه خاصّ بكون المنوب عنه صرورة، بل تعبير نفي الانبغاء قد يتحمّل الكراهة، خلافاً للتحليل المعروف للسيد الخوئي في تفسير «لا ينبغي» في النصوص بأنّه ظاهر في الحرمة. فهذا القول بحدوده ليس عليه دليل كافٍ، وبخاصّة أنّ المستند آحاديٌّ جداً.
القول الثاني: ما تبنّاه الطوسي في الاستبصار، من أنّ المرأة الصرورة لا تنوب عن الرجال مطلقاً، حيث قال: «هذان الخبران وإن وردا عامين في جواز حجّ المرأة عن الرجل على كلّ حال، فينبغي أن نخصّهما بامرأة كانت حجّت حجّة الإسلام؛ لأنّها لو كانت صرورة لم يجز لها أن تحجّ عن الرجل» (الاستبصار 2: 322).
وعمدة الدليل هنا بعض الروايات، مثل خبر مصادف المتقدّم في المسألة السابقة، والذي علّق عليه الطوسيّ بالقول: «فشرط في جواز حجّتها مجموع الشرطين: الفقه بمناسك الحجّ، وأن تكون قد حجّت، فيجب اعتبارهما معاً» (الاستبصار 2: 322 ـ 323)، وخبر زيد الشحّام، عن أبي عبد الله×، قال: سمعته يقول: «يحجّ الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، ولا تحجّ المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة».
وهذه الأخبار كلّها ضعيفة السند، بمثل مصادف والمفضّل بن صالح واللؤلوي وغيرهم، لهذا نرجع للأدلّة العامّة، لكنّ الأحوط استحباباً ـ ما لم يزاحم ذلك بشيء ـ أن لا تكون المرأة الصرورة نائبةً عن الرجل.
([3]) عملاً بخبرين هما العمدة وهما:
1 ـ خبر معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×، قال: «إنّ عليّاً رأى شيخاً لم يحجّ قطّ، ولم يطق الحجّ من كبره، فأمره أن يجهّز رجلاً فيحجّ عنه» (تهذيب الأحكام 5: 14).
2 ـ خبر الحلبيّ، عن أبي عبد الله×، قال: «إن كان رجل موسر حال بينه وبين الحجّ مرض أو أمر يعذره الله عزّ وجل فيه، فإنّ عليه أن يحجّ عنه صرورة لا مال له» (الكافي 4: 273؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 421).
فإنّ مركّب هذين الحديثين يوصل للنتيجة؛ لأنّ الأوّل يشرط الرجولة والثاني يبيّن شرط الصرورة.
ويناقش بأنّ الرواية الأولى سبق أنّ بيّنا أنّ تعبير «الرجل» فيها لا يؤخذ على نحو الموضوعيّة، وأمّا الرواية الثانية فهي آحاديّة منفردة، وبخاصّة أنّ العديد من روايات الاستنابة كانت في مقام البيان، ولم تشر لقيد الصرورة، مع كونها في مقام البيان الذي يتطلّب التبيين، وقد تقدّمت هذه الروايات سابقاً، وبخاصّة في بحث الاستنابة، فراجع، لهذا نرى أنّ مقتضى الاحتياط الاستحبابي كون النائب صرورة مطلقاً، سواء كان نائباً عن الحيّ أم الميت.
نطاق التكليف في الشريعة الإسلاميّة: هل يخاطب غير المسلمين بقوانين الشريعة؟ (تكليف الكفّار بالفروع)
أوّلاً: مقدمات تمهيدية وتبيينيّة
([4]) لا بأس هنا ـ قبل الشروع في هذه المسألة ـ من بحث مسألة تكليف الكفّار بالفروع، ويمكن بيان ذلك باختصار على الشكل الآتي:
1 ـ تكليف غير المسلمين بالفروع، المفهوم والمعنى والنطاق
المقصود بتكليف الكفار بالفروع أو تكليف غير المسلمين بالفروع الشرعيّة، هو أنّ غير المسلم هل هو مخاطب بالتكاليف الفرعيّة الفقهيّة الموجّهة للمسلمين في الكتاب والسنّة، بحيث تدخل في عهدته، كما هي كذلك بالنسبة للمسلم، أو لا؟
معنى هذا الكلام يظهر من خلال مجموعة نقاط:
أ ـ ليس الكلام في أصول الديانة والشرائع، مثل الإيمان بالله وتوحيده والنبوّات ونحو ذلك، فهذا مما لا شكّ أنّ غير المسلم كالمسلم مطالبٌ بها، ويتحمّل مسؤوليّتها أمام الله سبحانه، سواء ثبت العقاب على التخلّف كما في مورد التقصير، أو قلنا بعدم ثبوته مع تحقّق القصور، فالكلام ليس في العقاب، بل في مبدأ تحمّل المسؤوليّة القانونيّة.
نعم نسب لبعض من وصفوا بالمبتدعة القول بأنّ الإيمان نفسه لا يخاطب به أحد؛ لكونه ضروريّاً غير كسبي ونحو ذلك.
ب ـ وليس الكلام في الضمانات والعقوبات المترتّبة على الأحكام الوضعيّة ذات الصلة بها، مثل ما لو أتلف غير المسلم مالاً لشخصٍ آخر، فإنّه لا نقاش بينهم في أنّه يضمن ويتحمّل هذه المسؤوليّة القانونيّة. ومثله نتائج المعاملات المالية والتجارية وما يترتّب عليها. وكذلك مختلف الأحكام الوضعية كالنجاسة والطهارة والرقية والحرية وغيرها.
هذا ما عليه جمهور الفقهاء المسلمين، لكن مع ذلك ثمّة من ينقل عنه أنّه يرى عدم ضمانهم لو أتلفوا، أو على الأقلّ يبني ضمانهم على قاعدة تكليفهم بالفروع.
ج ـ ولا نقاش بين الكثير من العلماء في أنّ التكاليف التي يحكم بها العقل أو التكاليف الشرعيّة الواقعيّة التي وصلت لغير المسلم عبر ديانته، مثل حرمة قتل النفس المحترمة وحرمة السرقة وغير ذلك، لا فرق بين المسلم وغيره فيها؛ فإنّه مخاطب بها ويتحمّل مسؤوليّتها في الدنيا والآخرة.
وظاهر عبارة العديد من العلماء عدم التمييز في الموقف بين هذين المجالين (مجال القيم الأخلاقيّة العقلية ومجال التكاليف الشرعية السمعيّة)، غير أنّ بعضهم ـ كالسيد الخوئي ـ كان واضحاً في التأكيد على أنّ محل النزاع ليس إلا ما لم يكن فيه حكم عقلي أخلاقي، وإلا فالأحكام العقليّة شاملة للجميع.
د ـ إنّما النزاع في التكاليف الفرعيّة الشرعيّة، كالصلاة والزكاة والخمس وغيرها، وتفاصيل أحكامها الموجودة في الشريعة الإسلاميّة، هل يكلّف بها غير المسلم كالمسلم أو لا؟ وقد يعبّر عن ذلك بقاعدة اشتراك المسلمين وغيرهم في الأحكام، ويترتّب على ذلك نتيجتان:
النتيجة الأولى: وهي النتيجة الدنيويّة، بمعنى هل نتعامل معه على أنّه مكلّف بها، ونرتّب عليه آثار التكليف بها؟ فلو حرمت الإعانة على الإثم، وقلنا بتكليف الكفّار بالفروع حرمت علينا إعانة غير المسلم على أكل لحم الخنزير، والعكس صحيح.
النتيجة الثانية: وهي النتيجة الأخرويّة، بمعنى هل يحاسب غير المسلم يوم القيام على أكله لحم الخنزير ـ مثلاً ـ كما يحاسب على كفره بالله تعالى أو لا؟
2 ـ مشهد انقسام الرأي حول قضيّة تكليف غير المسلمين بالفروع القانونية الشرعيّة
تابع مختلف علماء المسلمين هذه المسألة، التي ولدت ـ حسبما يبدو ـ في سياق علمَي: الكلام وأصول الفقه، ولهذا نجدها متداولة في كتب هذين العلمين (وبخاصة في مباحث الأوامر من أصول الفقه)، ثم نلاحظ بعد ذلك دخولها في الفقه ومباحثه في جملة من الموارد في كتاب الطهارة والصلاة والحجّ والزكاة وغير ذلك.
ويمكننا التكهّن بالمنطلق الكلامي اللاهوتي لهذه المسألة من حيث صلتها بكلّ من العدل الإلهي ومسألة الوعد والوعيد؛ فإنّ السؤال يقع في أنّهم هل يعاقبون عقابين: أحدهما على الكفر والثاني على مخالفة تفاصيل الشريعة أو لا؟ وهل الأمر مبرّر أخلاقيّاً وعلى قواعد العدل أن يعاقبه الله ـ أو نحن ـ على ذلك كلّه أو أنّ العقاب يجب أن يقوم على قاعدة كفره بالله ورسوله خاصّة؟
لكنّ علم أصول الفقه الذي قلنا في أكثر من مناسبة بأنّ كثيراً من مسائله ولدت في أحضان علم الكلام، دون علم الفقه، تلقّى هذه القضيّة ليمارس تأصيلاً لها وتقعيداً؛ كونه العلم المكلّف بالتقعيد الاجتهاديّ، ليتم الانتباه بعد ذلك للطبيعة الفقهيّة لأحد جوانب المسألة، وأنّ هناك جانباً أساسيّاً منها هو الذي يبرّر جعلها قاعدة فقهيّة أو مسألة فقهيّة.
وعلى أيّة حال، فقد انقسم علماء الإسلام في هذه القضيّة، ونشير لأهم الآراء وعمدتها، وإلا فهناك آراء تفصيليّة جزئيّة أخرى:
الرأي الأوّل: تكليف الكفّار بفروع الشريعة كلّها كالمسلمين، بلا فرق بين الأوامر والنواهي، وهذا هو مذهب جمهور علماء المسلمين من السنّة والشيعة، وكذلك المذاهب الكلامية كالمعتزلة وغيرهم، بل ادّعي عليه الإجماع في الوسط الإمامي.
يقول الشيخ الطوسي: «في أنّ الأمر يتناول الكافر والعبد كما يتناول المسلم والحر: ذهب أكثر المتكلّمين والفقهاء إلى أنّ الكافر مخاطب بالشرائع وكذلك العبد، وقال قوم شذاذ: ليسوا بمخاطبين بها. والذي أذهب إليه هو الأوّل» (العدة في أصول الفقه 1: 190 ـ 191).
الرأي الثاني: إنّ الكفار غير مكلّفين بفروع الشريعة مطلقاً، بلا فرقٍ بين الأوامر والنواهي، وهذا مذهب جمهور علماء الأحناف، ومعهم بعض علماء المالكيّة والشافعيّة، وهو رأيٌ منسوب إلى ابن حنبل أيضاً. ويلوح هذا الرأي ـ باحتمالٍ قويّ ـ من الشيخ محمّد أمين الاسترآبادي والفيض الكاشاني، وتبنّاه صريحاً المحدّث يوسف البحراني، ثم أخذ هذا القول حضوراً قويّاً في العصر الحديث، نتيجة تبنّي السيد الخوئي وغير واحدٍ من تلامذته له.
بعبارة أخرى: ربما يمكننا القول بأنّ الاتجاه السائد إماميّاً كان تكليف الكفّار بالفروع، وأنّ الانزياح الجزئي حصل بتأثير من الاتجاه الإخباري، عملاً ببعض الروايات في المقام وغير ذلك، ثم تسرّب هذا الرأي إلى المدرسة الأصوليّة، وبخاصّة عبر السيد الخوئي، وبهذا يمكن القول بأنّ الانزياح الإخباري ترك تأثيره على إحياء هذا الموضوع بشكل جادّ في الدراسات الأصولية والفقهية الشيعية، حيث نلاحظ أنّ فترة ما قبل الإخبارية كانت الكتابات الإماميّة فيها متأثرة جداً بالكتابات السنيّة حتى تكاد تتطابق الأدلة والمناقشات أحياناً، كما يلاحظ في أعمال العلامة الحلي حول هذا الموضوع، بينما نرى أنّ فترة ما بعد الإخباريّة أصبح الموضوع يحظى فيها باهتمام وجديّة أكبر.
الرأي الثالث: التفصيل بين الأوامر والنواهي، فهم غير مخاطبين بالأوامر، لكنّهم مخاطبون بالنواهي، وهو وجهٌ مطروح في الوسط الشافعي، وينسب في رواية إلى أحمد بن حنبل. وثمّة من يرى العكس وأنّهم مخاطبون بالأوامر غير مخاطبين بالنواهي.
وينتج عن هذه المسألة الحديث عن المسؤوليّة القانونية للمرتدّ، فهل تكليف الكفار بالفروع يشمل المرتد أو لا، وكذا العكس، ولها نجد أيضاً قولاً بتكليف المرتدّ بالفروع دون الكافر الأصلي. كما نجد إشارات حول مديات شمول قاعدة تكليف الكفّار بالفروع للمستحبات والمكروهات، وكذا المباحات.
كما أنّ ثمة مقاربة للموضوع تتصل بتفكيك الفهم الكلامي للمسألة عن الفهم القانوني، بمعنى أنّ الكفار مكلّفون بالفروع، أي يعاقبون عليها يوم القيامة، وغير مكلّفين بالفروع، أي لا تترتّب على تكليفهم بها في الدنيا أيّ نتيجة أو مسؤوليّة، وبخاصّة تجاهنا بوصفنا مسلمين.
3 ـ ثمرة النزاع في مسألة تكليف غير المسلمين بالفروع وعدمه
انقسم موقف علماء الإسلام من كون هذه المسألة ذات أثر عملي أو لا، وذلك إلى فريقين:
الفريق الأوّل: وهو الفريق الذي اعتبر أنّه لا يوجد أثر عملي ـ من المنظور الفقهيّ ـ لهذه المسألة، بل غاية ما فيها هو الأثر الأخروي في المنظور الكلامي، ولهذا يتداول بين هؤلاء الحديث عن كون هذه المسألة مجرّد مسألة نظريّة كلاميّة، بل صرّح الميرزا جواد التبريزي بأنّه لا ثمرة عمليّة لهذه المسألة (التهذيب في مناسك العمرة والحج 1: 132)، وبخاصّة بعد الاتفاق على أنّه لا يطالَب بشيء لو أسلم، لمثل قاعدة الجبّ، وذهاب العديد من الفقهاء لعدم صحّة العمل منه حال كفره.
وسوف يأتي من خلال فهم طبيعة الأدلّة لماذا كان مبرّراً تصوّر أنّ هذه المسألة ذات طابع نظري. وهذا القول له أنصاره حتى أنّ بعضهم اعتبر النزاع لفظياً.
يقول الفخر الرازي: «اعلم أنّه لا أثر لهذا الاختلاف في الأحكام المتعلّقة بالدين؛ لأنّه ما دام الكافر كافراً يمتنع منه الإقدام على الصلاة، وإذا أسلم لم يجب عليه القضاء. وإنّما تأثير هذا الاختلاف في أحكام الآخرة؛ فإنّ الكافر إذا مات على كفره، فلا شك أنّه يعاقب على كفره، وهل يعاقب مع ذلك على تركه الصلاة والزكاة وغيرهما أم لا؟» (المحصول 2: 237).
الفريق الثاني: وهو الذي يرى وجود ثمرة عمليّة لهذا البحث، وقد استعرضوا سلسلة ثمرات مورديّة جزئيّة لا داعي للإطالة بها، لكن نشير لعيّنات، ونبيّن أهمية هذه المسألة في العصر الحديث، وهو العصر الذي ظهرت فيه أقليّات مسلمة كثيرة في المجتمعات غير المسلمة، ومن أبرز الثمرات المتصوّرة:
الثمرة الأولى: ما له علاقة بمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لو قلنا بتكليف الكفّار بالفروع لزم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، عندما يتخطّون حدود الشريعة هنا وهناك، ولزم الإنكار عليهم، فلو رأينا شخصاً غير مسلم يصافح امرأة أجنبيّة، وقلنا بحرمة المصافحة، وجب علينا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ويترتّب على هذا أنّ الدولة المسلمة مطالبة بالتعامل مع غير المسلم كتعاملها مع المسلم في تخطّي حدود الشريعة، الأمر الذي يفرض سياسةً قانونيّة واسعة في علاقة الأغلبيّة المسلمة بالأقليّات غير المسلمة.
وهذه الثمرة تختلف ـ كما هو واضح ـ عن حكم مجاهرتهم بالمعاصي أو ببعض المعاصي، فتلك مسألة خاصّة لها أدلّتها المخصوصة.
نعم، من الممكن أن يقول شخصٌ بأنّني أؤمن بتكليف الكفار بالفروع، لكنّ هذه المسألة عندي ـ أي أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ـ لديّ دليلٌ على نفي وجوبها تجاههم، وهذا أمرٌ آخر، فنحن نقصد هنا النتائج العمليّة المتصوّرة للمسألة في نفسها.
الثمرة الثانية: في إجراء قوانين العقوبات الجزائيّة عليه وعدمه، إذ على قاعدة تكليف الكفار بالفروع يلزم أن يكون مقتضى ذلك إجراء القوانين العقابيّة عليه، فيحدّ الذمي والمستأمن حدّ الزاني وهكذا، دون ما لو قلنا بعدم تكليفهم بالفروع.
ويظهر من بعض العلماء أنّ العقوبات الجزائية وأمثالها خارجة عن دائرة النقاش، وأنّها شاملة لغير المسلمين، حيث ينقل الزركشي عن السرخسي فيقول: «وقال السرخسي: لا خلاف أنّهم مخاطبون بالإيمان والعقوبات والمعاملات في الدنيا والآخرة، وأمّا في العبادات بالنسبة إلى الآخرة كذلك، أمّا في حقّ وجوب الأداء في الدنيا فهو موضع الخلاف» (البحر المحيط في أصول الفقه 1: 323).
الثمرة الثالثة: وهي من الثمرات الأكثر أهميّة في العصر الحديث، على المستوى الابتلائيّ، ويمكنني جمعها بالصيغة الآتية: قيام المسلم بأمر للكافر يلزم منه تحقيق الكافر لما هو محرّم في الأصل على المسلم، أو حصول الإعانة على الحرام، ومن أمثلة ذلك:
1 ـ المحاماة والاستشارات القانونية، بأنّ يكون المحامي المسلم وكيلاً عن شركة غير مسلمة في إبرام عقود غير شرعيّة كعقود التمويل الربوي، أو أن يعمل في البنوك الربوية في البلدان غير الإسلاميّة مستشاراً قانونياً، أو يخدم المعاملات الربويّة لغير المسلمين، وهكذا.
2 ـ قطاع الضيافة والفنادق، كالعمل في فندق يقدم مشروربات كحوليّة للنزلاء غير المسلمين، ويساهم هو في تقديم هذه المشروبات لهم، أو تولّي مسؤوليّة تقديم الخمور أو إدارة ألعاب القمار في الكازينوهات والنوادي.
3 ـ المطاعم والمتاجر، كأن يبيع الخمر أو لحم الخنزير أو لحماً مذبوحاً على غير الطريقة الشرعيّة لغير المسلمين، أو يكون عمله إيصال هذه الأمور إلى المشترين منهم.
4 ـ السياحة والترفيه: كأنّ يعمل في شركات سياحية تنظّم رحلات تتضمّن زيارة الحانات أو نوادي القمار أو أيّ فعالية أخرى تتخلّلها محرّمات، أو تنظيم حفلات غنائيّة غير شرعيّة، وبخاصّة لو كان يتم فيها تقديم الخمور، وإجراء العقود والاتفاقيّات مع الشركات المتولية لذلك، ويكون المستهلكون والمتعاملون من غير المسلمين حصراً.
5 ـ الخدمات اللوجستية، كنقل الخمور أو منتجات القمار أو اللحوم والأطعمة غير المحلّلة أو تخزينها أو إدارة سلاسل التوريد.
6 ـ التقنيّات الرقميّة، كتصميم منصّات الكترونية أو تطبيقات لبيع الخمور أو المراهنات غير الشرعيّة أو تطوير برامج لإدارة الكازينوهات أو مواقع المقامرة تختصّ بغير المسلمين.
7 ـ التسبّب غير المباشر، كأنّ يشتري له تذكرة لحضور فعاليّة محرّمة أو ينسق له رحلة كذلك، أو يساهم معه في تسهيل فعله للحرام أو ربما حثّه عليه.
إلى غيرها من الأمثلة التي إمّا هي محرّمة بالاتفاق أو يوجد قول بتحريمها، مع كون الطرف المتأثر بهذه الأعمال كلّها غير مسلم حصراً، ولا يوجد مسلم يخضع لتأثير ذلك.
ويلزم التأكيد على أنّه وقع خلط في كلمات غير واحد ممن ذكروا ثمرة النزاع في هذه المسألة، حيث ذكروا أمثلة ترجع في الحقيقة لمثل قاعدة الجبّ أكثر منها لمثل هذه القاعدة التي نحن فيها، ولكن سيأتي وجه الصلة بين القاعدتين.
