hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

المقالات

المقاصديّة وأهداف الدين في الاجتهاد المعاصر / إطلالة على بعض التحوّلات في الفقه الإمامي

تاريخ الاعداد: 9/22/2026 تاريخ النشر: 9/22/2026
720
التحميل


 

حيدر حبّ الله([1])

تحرير وتقرير بقلم: السيد أيمن عبد الزهرة الموسوي

 

تمهيد

من الضروري ـ بدايةً ـ أن نقدّم تعريفاً مبسّطاً وعامّاً لما نعنيه بكلمة "التفكير المقاصدي" حتى لا تلتبس علينا المصطلحات.

التفكير المقاصدي هو التفكير الذي يحاول البحث عن المقصد والعلّة والغرض والهدف من وراء التشريع، ويعتبر أنّ التشريع يدور مداره، بحيث إنّ هذا التشريع أو ذاك إنّما شُرّعا لأجل الوصول إلى هذه الغاية، وبهذا تكون الغاية هي المقدّسة وهي المدار في حركة المكلّفين أفراداً وجماعات.

 

العلاقة بين الهدف والوسيلة من زاوية مقاصديّة

يعتمد التفكير المقاصدي على ثنائيّة مشهورة لطالما تحدّث عنها المقاصديّون، سواء في الوسط السنّي أم في الوسط الشيعيّ، وهي ثنائيّة (الهدف ـ الوسيلة)؛ حيث قام أصحاب الفكر المقاصدي بتقسيم الأحكام الشرعيّة والنصوص الدينيّة المرتبطة بأعمال المكلّفين إلى نوعين:

1. نصوص تبيّن الأهداف

2. نصوص تبيّن الوسائل

فإذا جاء نصّ يتحدّث عن هدف معيّن، وليكن على سبيل الفرض نظافة الجسد قبل الدخول إلى صلاة الجمعة، لكي يكون الناس في صلاة الجمعة معنيّين بنظافتهم وأناقتهم وحسن مظهرهم وهندامهم، فإنّ غسل الجمعة في مثل هذه الحال سيكون وسيلة لتحقيق هذا المقصد، فلو اغتسل الإنسان غسل الجمعة بنحو لا يبدو فيه نظيفاً أو لا يُحصّل الغسلُ قصده وغايته، فإنّهم ينظرون إلى هذه الوسيلة على أنّها بلا معنى؛ لأنّ الشريعة عندما شرّعت الأحكام شرّعتها لكي توصل إلى أهداف وغايات تريد تحقيقها في حياة الإنسان.

يرى المقاصديّون أنّنا إذا استطعنا اكتشاف (الهدف ـ الوسيلة) في سلسلة النصوص الكثيرة الموجودة في الكتاب والسنّة، فإنّ أيّ مواجهة بين الهدف والوسيلة ستكون المعركة فيها محسومة لصالح الهدف؛ فإذا كان الإصرار على الوسيلة يؤدّي إلى الإطاحة بالهدف، ففي مثل هذه الحال ينبغي التنازل عن هذه الوسيلة والسعي لابتكار وسيلة أخرى تكون قادرة على تحقيق الهدف، أمّا التضحية بالهدف لأجل التشبّث بحرفيّة الوسيلة فإنّ هذا يُعتبر جرماً بنظر المقاصديّين وطريقة تفكيرهم.

هذا لا يعني عدم احترام الوسيلة أو أنَّ الوسائل التي نصَّت عليها النصوص لا قيمة لها ولا اعتبار بها، بل يعني أنَّ هذه الوسائل تظلُّ تحمل قيمتها من خلال كونها وسائل، أي من خلال كونها موصلة إلى الهدف، أمَّا إذا تحوَّلت إلى وسائل لا جدوى من ورائها أو صارت تصادم تحقيق الهدف فلا معنى للتشبّث بها.

سأذكر مثالاً مبسطاً لقصّة سمعتها شخصيّاً على التلفاز، كان بعض القضاة في الهيئة القضائيّة في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران يتكلّم عن حوار أجراه المرجع السيّد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي (2016م) مع السيّد الخميني (1989م)، وكان يقول له: ماذا لو أنّ هذا النظام من العقوبات الذي نقوم بإجرائه لم يحقّق الهدف؟ لم نتمكّن مثلاً من أن نخفّف من معدلات الزنا أو القمار أو شرب الخمر، وعثرنا على وسيلة أخرى ـ نظام عقوبات آخر أو أشكال أخرى من العقوبات ـ تكون أنجح في تحقيق المطلوب؟ فقال له السيّد الخمينيّ ـ بحسب هذا النقل ـ: من البديهي أنّ هذه العقوبات مأخوذة لمجرّد كونها وسيلة لتحقيق هذا الهدف، فإذا عجزت في لحظة تاريخيّة ما ـ لسببٍ أو لآخر ـ عن تحقيق الهدف، فلا يمكننا التشبّث بها والتضحية بهذا الهدف.

إذن، أيّ مواجهة في عقليّة المقاصديّين بين الهدف والوسيلة فإنّ المطلوب فيها هو تقديم الهدف على الوسيلة دون العكس، وعلى هذا الأساس يصرّح أحد رموز المقاصديّين الإماميّة في العصر الحديث، وهو الأستاذ العالم المعروف محمد رضا الحكيمي (2021م) بأنّ الاجتهاد يبدأ من الاجتهاد في الأهداف، ويمرّ واصلاً إلى الاجتهاد في الأحكام وليس العكس([2]).

إذن، لا بدّ أن نجتهد أوّلاً في أهداف الشريعة، ثم بعد ذلك ننتقل من رؤية واضحة حول أهداف الشريعة، لنمرّ واصلين إلى الأحكام الجزئيّة، في ضوء معرفتنا بتلك الأهداف.

 

لماذا غاب التفكير المقاصدي عن التراث المدرسي الإمامي؟

هل كانت هناك مشكلة في النظام الاجتهادي للشيعة الإماميّة فيما يتعلّق بالتفكير المقاصدي؟ لماذا لم نجد هذا التفكير المقاصدي موجوداً في الماضي أو وجدناه بنسب أقلّ بكثير مما نراه اليوم في الأبحاث والممارسات الاجتهاديّة عند هذا العالم أو ذاك؟

الفكر الإمامي حسّاس جدّاً ـ تاريخيّاً ـ تجاه كلّ ما يرتبط بالقياس، والاستحسان، والرأي، والمصالح المرسلة، والمقاصد، وكان هناك دائماً نوع من التحفّظ أو الاستفهام الكبير تجاه هذه المنظومة الاجتهاديّة عبر التاريخ الإمامي. نعم قد نجد بعض الاستثناءات هنا أو هناك، مثلما يبدو من كلمات الشهيد الأوّل التي قد تُظهر قبوله لفكرة المقاصد([3])، وكذلك بعض الإشارات من ابن الجنيد الاسكافي، ولكن بشكل عام القضية ليست كذلك فهناك حالة من الرفض لهذا النوع من التفكير.

إذا أردنا تحليل السبب في رفض طريقة التفكير المقاصدي في الاجتهاد الإمامي تاريخيّاً، يمكننا الحديث عن سببين: فكري وتاريخي.

 

أولاً: السبب الفكري

ويمكن بيانه في نقطتين:

1 ـ إنّ علماء الإمامية دائماً ما كانوا ينظرون إلى التفكير المقاصدي على أنّه يحتوي على لوثة قياس، والقياس أمر منبوذ في التفكير الإمامي بمقتضى النصوص الكثيرة الواردة عن أهل البيت، فعندما تترك وسيلة وتأخذ حكمها، ثم تعطيه لوسيلة أخرى لم يذكرها النصّ وتقول: إنّ هذه الوسيلة الثانية تقوم بما تعطيه الوسيلة الأولى فأجري حكمها عليها، هنا أنت تقوم بعمليّة قياس أو على الأقل فيها شبهة قياس؛ لذلك من الطبيعي أنّ نظام التفكير الاجتهادي الإمامي سوف يتحفّظ ويتعامل بحذر وترقّب مع مثل هذا النوع من التفكير.

2 ـ إذا رصدنا التفكير الاجتهادي الإمامي حتى القرن السابع الهجري، وبخاصّة في مدرسة بغداد التي تضم الشيخ المفيد (413هـ) والسيّد المرتضى (436هـ) والشيخ الطوسي (460هـ) وأمثال هؤلاء العلماء الكبار، نجده يتحرّك ضمن ما أستطيع تسميته (بارادايم أو إطار اليقين)؛ فقد كان ممنوعاً أن يكون هناك حجيّة للظن، وكان اليقين هو السائد في التفكير الاجتهادي، وبالتالي إذا أردت أن تُفتي بشيء فعليك أن تحمل يقيناً فيه إلا ما استُثني.

لقد سعت مدرسة بغداد بكلّ ما أوتيت من قوّة لتقديم الفقه الإمامي يقينيّاً وإجماعياً، ففي أعمال علماء ورموز مدرسة بغداد قليلاً ما تجد حديثاً عن خلافات داخليّة في الاجتهاد الإمامي، فمثلاً عندما يتحدّث السيد المرتضى عن رأي الإمامية في مسألة فقهيّة معينة كان يميل أكثر إلى القول بأنّ هذه المسألة عليها إجماع إمامي أو شبه إجماع، بحيث لا تجد حضوراً للانقسامات، وكأنّهم يريدون التركيز أكثر على الاتساق وعلى اليقين، ولهذا كانوا يتجاهلون الخلافات الداخليّة، ولا يعيرون لها بالاً ولا يذكرون أحياناً اسم المخالف، وهذا ما نجده في طريقة تعاملهم مع ابن أبي عقيل العماني أو ابن الجنيد الإسكافي. كانوا يريدون دائماً أن يعطوا انطباعاً بوجود اتساق في الرأي ووضوح في الإجماع الإمامي في القضية، لأنّ اليقين عندهم كان شيئاً مقدّساً، ولهذا كان القياس بالنسبة لهم غريباً ومنبوذاً جدّاً؛ لأنّه ظنّي.

لهذا استكشاف المقاصد والعلل ـ وهما ظنّيان عادةً ـ لا يتسق مع هذا البارادايم اليقيني؛ فكيف يمكن لمدرسة منشغلة بالوصول إلى اليقين وأسّست منظومتها الاجتهادية على هذا الأساس ـ بعكس الاتجاهات السنيّة التي كانت تقول في ذلك الوقت بحجيّة الظّن في الاجتهاد الديني ـ كيف لها أن تتكلّم عن استكشافات ظنيّة للمقاصد، فهذه ظنون والظن لا يغني من الحق شيئاً؛ فمن الطبيعي أنّ مدرسة بغداد ركّزت على حذف مثل هذا النوع من التفكير، ولذلك كانت متشدّدة جداً في مختلف أنواع القياس وهذه الأنماط من التفكير.

لكن إذا انتقلنا إلى مدرسة الحلّة في القرنين السابع والثامن، وعلى رأسها العلّامة الحلّي (726هـ) نجد الأمر مختلفاً تماماً، نجد أنّ الانقسامات الفقهيّة بين الشيعة يُصرَّح بها بوضوح، بل إنّ العلّامة الحلّي ألّف كتاباً اسمه "مختلف الشيعة"، يُعنى بالانقسامات الداخليّة الفقهيّة عند الشيعة، بينما نجد في كتاب "الخلاف" للشيخ الطوسي أنّه لا يتكلم عن الانقسامات الفقهيّة الداخليّة الشيعيّة، وإنّما يتكلّم عن فقهٍ مقارن مقابل المذاهب الأخرى.

إنّ طريقة التفكير هذه لم تسمح للظنون بالدخول، والتفكير المقاصدي من وجهة نظر العلماء في ذلك الزمن مجرّد ظنون أو تخمينات، حتى جاءت مدرسة الحلّة وبدأت تقبل ببعض أنواع القياس ضمن تبرير معين، مثلاً كان قياس منصوص العلة مرفوضاً تماماً في مدرسة بغداد وأقاموا على ذلك أدلّة وشواهد يمكن العثور عليها في كتاب "الذريعة" للسيد المرتضى، وفي كتاب "العدّة في أصول الفقه" للشيخ الطوسي، لكن في مدرسة الحلّة بدأنا نجد أنّ قياس منصوص العلة أصبح مقبولاً، وأنّه ليس من القياس الذي نصّ الأئمة على نفيه والنهي عنه، وبدأنا نشهد في عصر مدرسة الحلّة تحولاً وانتقالاً إلى مرحلة الظنّ ومرجعيّته، وهذا ما كرّسه المحقق والعلامة الحليّان. بعد ذلك جاء الإخباريون وشنّوا هجوماً على مدرسة الحلّة، وبالأخص على العلّامة الحلي.

إذن السبب الفكري هو أنَّ النظام التأسيسي للاجتهاد الإمامي، وبالأخصّ فيما نحتته مدرسة بغداد، لا يمكن أن يتقبّل منظومة مثل منظومة التفكير المقاصدي، فإذا لم يُقبل القياس منصوص العلّة، فكيف يمكن قبول النظام المقاصدي؟! هذا هو السبب الفكري الذي جعلهم يتحسّسون كثيراً من موضوع المقاصد، لكن بمرور الزمن بدأنا نجد وجهات نظر وأفكاراً جديدة هنا وهناك، محاولةً تحرير بعض وسائل الاجتهاد من شبهة القياس أو الظنّ غير الحجّة.

 

ثانياً: السبب التاريخيّ

هناك وجهة نظر أخرى تقول بأنّ السبب ليس فكريّاً وإنّما سببٌ تاريخيّ، وقد تبنّى بعض العلماء، منهم العلّامة محمد مهدي شمس الدين (2001م) هذه الفكرة من خلال القول بأنّ المنظومة الفقهيّة الشيعيّة والنظام الاجتهادي الإمامي ليس لديه مشكلة مع نظريّة المقاصد ولا يرفضها، بل هناك سببٌ تاريخيّ في عدم ظهور التفكير المقاصدي في الاجتهاد الإمامي، وهو عزلة الفقه عن الحياة الاجتماعيّة العامّة وعن السلطة، وأضحى تركيزه منصبّاً على الفقه الفردي التجزيئي، أي اشتغاله كان منحصراً في فقه المسألة.

هذا السبب كانت له ظروفه التاريخيّة، الشيعة كانوا يرزحون تحت وطأة سلطات تمارس بحقّهم مختلف أنواع القمع والاضطهاد، وكانوا يعيشون في أوضاع صعبة للغاية تمنعهم من تكوين سلطة وبناء مشروع اجتماعي، وخير دليل على ادّعائنا ـ كما يقول هذا الفريق من العلماء ـ أنّ الشيعة عندما جاؤوا إلى السلطة، كما في العصر الحديث، بدأنا نسمع بفكرة المقاصد في التفكير الإمامي، فالتحول الذي طرأ وبدأنا نسمع بالتفكير المقاصدي عند مجتهدين وفقهاء يُحسبون على مدرسة الاجتهاد الكلاسيكي ولم يكونوا هكذا منذ 100 أو 200 سنة هو أنّهم انتقلوا من الفقه الفردي إلى سياق تجربة السلطة والمشروع الاجتماعيّ([4]).

إذن، السبب كله يُختزل في سياق تاريخي، ظروفهم هي التي أدّت إلى عدم خلق ذهنيّة التفكير المقاصدي في حياتهم، ولهذا عندما تغيّرت ظروفهم ودخلوا إطار الاجتماع السياسي، تحوّل تفكيرهم وبدأنا نجد الكثير من الكلام حول المقاصد.

ولذلك نجد العلّامة السيد محمّد حسين فضل الله (2010م) يعتقد أنّ المشكلة ليست فكريّة، فالتفكير الإمامي فيه بذور مقاصديّة نجدها في نظريّة التزاحم وتقديم الأهم على المهم وفقه الأولويات الذي لو حفرنا سنجد بداخله بذور التفكير المقاصدي، غاية الأمر أنّه لم يتم تطويره بسبب ظروف تاريخيّة معينة([5]).

 

أوجه التحوّل الإمامي في التفكير المقاصدي

واجه الفقه الإسلامي في العصر الحديث تحدّيات كبيرة جداً، وكانت نظرية المقاصد ـ بمعناها العام وبعيداً عن صيغها المتعدّدة ـ أحد المخارج المقترحة لانتصار الفقه على هذه التحدّيات، وقد قدّم غير واحد من العلماء هذا الاقتراح، منهم الشيخ محمد عبده (1905م)، والشيخ محمد رشيد رضا (1935م)، وجمال الدين القاسمي (1914م)، وبدأت عملية إحياء النظريّة المقاصدية بعد أن كانت ميتة ـ عند الشيعة والسنّة ـ قرابة ستة قرون، منذ الشاطبي في نهاية القرن الثامن الهجري وحتى بدايات القرن الرابع عشر.

هذا يعني أنّهم عندما واجهوا تحدياً، عادوا للتاريخ ليبحثوا عن حلٍّ، فوجدوا نظاماً اجتهادياً حاولوا أن يقولوا بأنّه يمكن تثويره اليوم، لتحقيق الاستجابة للتطوّرات والغلبة على التحدّيات.

هذا الأمر نفسه حدث للفكر الإمامي في القرن الأخير، وبدأ هذا النمط من التفكير يتسرّب تدريجياً، سعياً منهم لإيجاد مخارج للمنغلقات التي واجهها نظام الفقه، فأرادوا أن يبتكروا مخارجَ اجتهادية يفتحون من خلالها هذه المنغلقات والطرق الموصدة، فوجدوا في نظريّة المقاصد بعد تبيئتها (إدخالها في بيئة الاجتهاد الإمامي) مخرجاً مناسباً، حيث تفتح هذه النظريّة باباً للتأمّل داخل منظومة الأحكام واكتشاف ما وراءها من غايات، وصاروا يرون أنّ هذا التفكير الغائي ضروريٌّ لجعل يد الفقيه مبسوطة في التحرّك في الآليات والوسائل بطريقة تستجيب أكثر لوقائع الحياة.

أخذ هذا التحوّل نحو التفكير المقاصدي أكثر من شكل إماميّاً، نذكر منها شكلين. والشكل الأول ليس هو محلّ اهتمامنا لكن سنذكره لإيضاح افتراقه عن مسار الشكل الثاني الذي هو المهم.

 

الشكل الأول: التفكير المقاصدي ما بعد عمليّة الاجتهاد

وهذا الشكل مرّ به الجميع، إذ كلّ من قرأ المباحث الدينيّة كان يحاول أن يستخرج فوائد معنويّة أو ماديّة في الوضوء والصلاة والصوم والحج.. هذا كلّه تفكير غائي، وتفكير في العلل والمصالح. هذا التفكير يضع ضمن أولوياته محاولة اكتشاف النتائج الإيجابيّة التي تُوصِلنا إليها هذه التشريعات، وقد كُتبت فيه الكثير من الكتب وأُلقيت فيه مئات من المحاضرات والخطب.

 لكنّ هذا التفكير ليس له علاقة بإدارة عمليّة الاجتهاد، فهو يستنطق الأحكام المستخرجة من النصوص، بعد أن أصبحت نتائج اجتهادية مودعة في الرسائل العمليّة، ليقول بأنّ لها مقاصد جيدة، ولها فوائد ومصالح، ومن ورائها غايات، هذا النوع من التفكير المقاصدي خارج عن موضوعنا هنا.

 

الشكل الثاني: التفكير المقاصدي داخل عمليّة الاجتهاد

في هذا الشكل يكون التفكير المقاصدي جزءاً من عمليّة الاجتهاد، وعندما ندرس الباحثين والمفكرين والعلماء الذين أخذوا التفكير المقاصدي ليجعلوه جزءاً من استنباط الأحكام وفهم الفقه نجد ظاهرتين أساسيتين:

 

الظاهرة الأولى: التفكير المقاصدي بوصفه أداةً لتقليص دور الفقه

هذه الظاهرة نجدها عند جماعة من الباحثين والعلماء والمفكّرين، من أمثال الشيخ محمد مجتهد شبستري والدكتور عبد الكريم سروش وآخرين غيرهم، حيث يصرّحون أنّ للفقه مجموعة من الغايات والمقاصد معدودة ومعروفة مثل: العدالة، والإحسان، وكرامة الإنسان، واليسر والسماحة، وغير ذلك، وبعد اكتشاف هذه الغايات فإنّ كلّ الأحكام الجزئيّة الواردة في الفقه التقليدي المدرسي تنتهي ولا يبقى لها فائدة، فيجب وضعها جانباً، والانطلاق نحو بناء منظومة قانونيّة جديدة تشتغل على تحقيق هذه المقاصد والغايات، وهي بطبيعة الحال مقاصد إنسانية عامّة.

نتيجة هذا النوع من التفكير المقاصدي ـ عند أنصاره ـ هي انتهاء مرحلة الفقه التجزيئي تماماً، والذهاب نحو الكليات وفسح المجال للعقل الإنساني متحرّراً ليبني منظومته في المعاملات ـ دون العبادات ـ من سياسات وإدارة وقضاء وحدود وقصاص وديات، فكلّ هذه المنظومة تصبح صنيعة لنا؛ لتحقيق هذه المقاصد الكليّة.

بعض الفقهاء من أصحاب النزعة المقاصديّة حذّروا من هذا النمط من التفكير، ومن أن يصل التفكير المقاصدي إلى هذه النقطة، ومن هؤلاء الفقهاء: الشيخ محمّد مهدي شمس الدين والسيد محمّد حسين فضل الله، حيث اعتبروه وقوعاً في فخّ الحداثة وتدمير الفقه وإنهاء الشريعة، بهذه الطريقة ينتهي عصر الشريعة وندخل بمرحلة صناعة تشريعاتنا الخاصّة، انطلاقاً من مجموعة كليات إنسانيّة.

لذلك انقسم المقاصديون بين مقاصديين بالحدّ الأعلى، مثل شبستري وسروش، ومقاصديّين ليسوا بالحد الأعلى من أمثال شمس الدين وفضل الله والصانعي (2020م) وحكيمي وغيرهم.

 

الظاهرة الثانية: التفكير المقاصدي آليّةً لتطوير العمليّة الاجتهاديّة

هنا يُستخدم التفكير المقاصدي من أجل تقوية الفقه، بعكس الظاهرة الأولى التي كانت تريد تقليصه، فالمنهج المقاصدي يدخل لتطوير عمليّة الاجتهاد؛ ليجعل الإنتاج الفقهي قادراً على الاستجابة للتحدّيات.

هذه الظاهرة نجدها بوضوح عند الأغلبيّة من أصحاب النزعة المقاصديّة، من أمثال الشيخ محمد جواد مغنية (1979م)، والشيخ محمد إبراهيم الجناتي (2026م)، والشيخ يوسف الصانعي، والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والشيخ محمد رضا الحكيمي، والسيد محمد حسن الأمين (2021م)، وكثيرون غيرهم.

هذا الفريق من المقاصديّين أرادوا الاستفادة من المقاصد؛ لتقوية الفقه، وليس تحييده وعزله عن الحياة، ولهذا اشتغلوا على محورين:

المحور الأول: تطبيق المنهج المقاصدي في البحث الفقهي والمسائل الجزئية، ونجد لهذا المنهج انعكاساً بدرجة كبيرة على إنتاج الفتوى الفقهيّة، حيث بعض الفتاوى كانت تستند على الفهم المقاصدي للنص، وممن نعثر في بحوثه وآرائه الفقهيّة على النزعة المقاصديّة الشيخ يوسف الصانعي والشيخ محمد مهدي شمس الدين، وفي المقابل هنالك من الفقهاء من نظّر كثيراً في باب المقاصد دون أن يعكس تلك التنظيرات على المستوى التطبيقي، وهذه تُعدّ من المفارقات.

المحور الثاني: وجود كمّ غير قليل من التنظيرات الكلية أو الأصولية لإحياء التفكير المقاصدي، فهناك غزارة في الأفكار والإشارات ذات الطابع الأصولي والكلّي الذي ينفع في أبواب مختلفة في الفقه، وسأكتفي بذكر أربع أفكار مهمة ولطيفة طرحها هؤلاء الأعلام، وكلّها تستحق التفكير وبعضها يحتاج إلى المزيد من البحث والتأمّل.

 

أوّلاً: التمييز بين العبادات والمعاملات

لهذه النقطة أهمية بالغة عند الشيخ محمد جواد مغنية، ولديه عبارة يوضح فيها هذا التمييز فيقول: «..لأنّ المعاملات لا تعبّد فيها، ومصلحتها ظاهرة في الغالب.. وبالتّالي فإنّ الجمود على حرفيّة النصّ يجب في العبادات، سواء أعرفنا المصلحة منها، أم لم نعرف، أمّا في المعاملات فينبغي التوفيق القريب بين النصّ والمصلحة المعلومة»([6]).

فعندما ننظر في فقه المعاملات بأبوابه المتعدّدة والمتنوّعة، نجد أنّ مصالحها واضحة، ولنأخذ مثال وجوب الوفاء بالعقود، فإنّنا نفهم المصلحة من وراء هذا الوجوب ولا حاجة لافتراض وجود سرّ إلهي وعلّة غيبية تقف خلف هذا الوجوب، ومصلحة هذا الحكم تتبين من خلال انهيار الاقتصاد والدخول في مشاكل اجتماعية كبيرة وربما فوضى عارمة إن لم تُراعَ الالتزامات القانونية والعقدية التي تتم بين المتعاملين، لهذا من الطبيعي أن تقول الشريعة: التزموا بالعقود التي تجرونها فيما بينكم.

أمّا في باب العبادات، فيمكن القول ـ من وجهة نظرهم ـ أنّ هناك أسراراً وراء تشريعاتها، فلا يمكن أن نعرف مثلاً الاختلاف في عدد ركعات كلّ صلاة من الصلوات الخمس، أو في الركعة الواحدة سجدتين وركعة واحدة بدلاً من ركعتين وسجدة واحدة، وغيرها الكثير من العبادات التي لا نعرف سبب تشريعها ولا سبب كثير من تفاصيلها، بل وإن حاولتُ التفكير فيها فليس لديَّ خبرة بشرية وتجربة متراكمة تسمح لي باستنتاج لماذا صلاة المغرب ثلاث ركعات بدلاً من أربع على سبيل المثال؟!

لكنّ المعاملات يعيشها البشر بشكل يومي ولم تنزل بوحي من الله، بل تراكمت تجربة بشريّة على امتداد آلاف السنين تسمح بفهم مغازيها وأسرارها، فإذا جاء نصّ وقال شيئاً معيناً في قضية معاملاتيّة فإنّنا ـ واعتماداً على تجربتنا ـ نستطيع التكهّن بالمصلحة، ولا يعني هذا الوصول إلى اليقين والجزم في اكتشاف المصلحة، بل في الأغلب نستطيع ذلك، وهذا ما أشار له الشيخ مغنية بكلمة (في الغالب) الواردة في النصّ السابق.

هذه الفكرة كرّرها أغلب المقاصديين الإماميّة خلال العقود السبعة أو الثمانية الأخيرة، حيث ركّزوا على ضرورة فتح المغاليق في باب المعاملات وعدم جعله مشابهاً لباب العبادات؛ فإنّ له طبيعته الرمزيّة والطقسيّة المغايرة للمعاملات.

ويستشهد السيد فضل الله على هذه الفكرة برسالة الإمام علي بن موسى الرضا إلى محمد بن سنان في العلل، حيث نجد عند مراجعة العلل التي بيّنها الإمام في الأحكام الخاصّة بباب المعاملات أنّها مفهومة، فمثلاً يقول الإمام في العلة وراء حرمة أكل الميتة: «لما فيها من فساد الأبدان والآفة»([7])، ولم يذكر لها سرّاً غامضاً وراء ذلك، بل أعطاها تعليلاً مفهوماً لنا وكنّا نتوقعه، وهذا شاهد على أنّ العلل الكامنة وراء أحكام المعاملات مقبولة ومفهومة، بل أكثر من ذلك حتى الأحكام التي فيها شيء من العباديّة يمكن فهمها، فمثلاً مسألة تطهير المتنجّس بالبول لا يكتفى بغسله بالماء القليل مرّة واحدة، بل لا بدّ من التعدّد حتى وإن كان هذا القليل بمقدار إبريق ماء، في حين يرى بعض الفقهاء ـ منهم السيد فضل الله ـ أنّ المرّتين فيما لو كان الماء قليلاً كما لو كان كوباً صغيراً، أمّا لو كان إبريقاً مثلاً وصببته كلّه بشكل متواصل على موضع النجاسة دون تكرار الصبّ مرّة ثانية فإنّه يكفي للتطهير؛ لأننا نفهم أنَّ السبب وراء ذلك الحكم بالتعدّد هو التحفّظ من نظافة الموضع؛ فالغسلة الأولى ترفع النجاسة عن الموضع، أمّا الغسلة الثانية فبها يتحقّق الاطمئنان بالنظافة، فإذا جاء أحدٌ وصبّ إبريقاً كاملاً على موضع النجاسة فلا داعي لأن يكرر الصبَّ مرة ثانية؛ لأنّ الغاية قد حصلت، فالموضوع ـ من وجهة نظر هذا الفريق ـ ليس فيه سرّ أو علّة غير معروفة.

ثانياً: نقد الحيل الشرعيّة

توقّف عدد من المعاصرين المهتمّين بالمقاربة المقاصديّة عند فكرة الحيل الشرعيّة، وقدموا نقداً شديداً لها، إذ يكاد يجمع المقاصديون على نبذ الحيل؛ لعدم انسجامها مع روح التفكير المقاصدي.

ففي بعض معاملات البنوك تُجرى تغييرات شكلية أو لفظية على المعاملة لإخراجها من الفساد إلى الصحّة مع بقاء حقيقتها على ما هي عليه، وقد يُكتفى أحياناً بإضافة عنصر شكلي ـ كعود ثقاب أو قشّة ـ لإخراج المعاملة من إطار الربا في المعاوضة، وكأنّ مجرّد إدخال عنصر شكلي في المعاملة المحرّمة يرفع حرمتها ويُكسبها صبغة شرعية.

في السياق نفسه، يقدّم الشيخ محمد جواد مغنية نقداً على الحيل في باب الزكاة والتهرب من دفعها؛ لأنّ ذلك يفضي إلى تفويت حقوق الفقراء، ويشير إلى أنّ مجرّد اتفاق شخصين على لعبة شكليّة، كأن يعطي أحدهما الآخر مالاً بعنوان الوكالة، ثم يسترجعه بعد انقضاء الحول، ما هو إلّا تغيير لفظي شكلي، ولو صحّت مثل هذه الحيل لضاعت الأحكام وخسر الفقراء حقوقهم([8]).

ويجري الآن في الجمهورية الإسلامية الإيرانية نقاش حول المخارج الشرعيّة التي وضعوها للبنوك (قرابة 14 مخرجاً) للفرار من مشكلة الربا، إلّا أنّ جميع هذه المخارج من الناحية العمليّة لا تعدو كونها تغييرات شكليّة ولفظية في المعاملات البنكيّة، وهذا ما أشار له الشيخ عبد الله جوادي آملي، بل حتى السيد الخميني كان يقول: لو كانت الحيل الربويّة جائزةً، فلماذا كلّ هذا الغضب الإلهي الذي عبّر عنه قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (البقرة: 279)، إذ لو كان الأمر بهذه البساطة، لأمكن التحايل بضم شيء تافه، كعود ثقاب، إلى المعاملة لتصحيحها وتنتهي المشكلة.

وعليه، يشترك المقاصديون في توجيه نقد عنيف لفكرة الحيل، معتبرين أنّها نتاج لغياب النمط المقاصدي الذي ينظر إلى النتائج لا إلى الأشكال، وأنها من نتائج الفقه التجزيئي.

 

ثالثاً: إمكانيّة اكتشاف العقل البشري لملاكات الأحكام

وهذه من النقاط الجيدة التي أشار إليها بعض العلماء، وهي تتعلّق بتطوّر المعارف البشريّة؛ فإذا كان العلماء في القرون الهجرية الأولى لم يستطيعوا معرفة بعض ملاكات الأحكام الشرعيّة، ولا الأسباب الكامنة وراء بعض التشريعات، فهذا لا يعني بقاء الأمر على ما كان عليه؛ لأنّ وعي الإنسان ومعارفه في تطوّر مستمر، ومقتضى ذلك أن يؤخذ هذا التطوّر في الحسبان عند النظر في علل الأحكام وملاكاتها.

إذا كان الشيخ الطوسي ـ مثلاً ـ غير قادر على معرفة ملاك الحكم في الربا؛ لأنّ ظروف المعرفة في زمانه محدودة والأدوات المعرفيّة في ذلك الوقت قاصرة، فإنّنا اليوم قادرون على فهم قضايا الربا بشكل دقيق وعلمي، بفضل تطوّر العلوم، كعلم الاقتصاد القائم على الأرقام، ومن ثم التحرّك على أساس الملاكات والعلل والنتائج المصلحيّة والمفسديّة.

لقد ركّز هؤلاء العلماء على عنصر تطوّر الوعي البشري في عمليّة إدراك المصالح والمفاسد الكامنة خلف التشريعات، لفتح الأفق أمام الإنسان كي يلتمس المزيد من مقاصد الشريعة كلّما تطوّر، فربما لا نكتشف مقصداً اليوم، لكنّ تطوّر الوعي الإنساني غداً قد يسمح بذلك، وكأنّ لسان حالهم يقول: لنبقِ هذا الباب مفتوحاً، لعلنا نصل إلى فهم أعمق في المستقبل.

 

رابعاً: فكرة المبادئ التشريعيّة

قلنا في المقدّمة بأنّ العلماء ذهبوا إلى أنّ النصوص على قسمين: نصوص أحكام جزئية ونصوص مبادئ كلية، وهذه المبادئ شأنها شأن الدستور لا تقبل التقييد أو التخصيص بالقوانين الفرعية التي يسنّها البرلمان، بل على البرلمان أن يكيّف قوانينه لتنسجم مع الأطر الدستوريّة دون العكس، وكذلك الشريعة فيها دستور وفيها تشريعات فرعيّة، فالنمط الدستوري في النصوص هو الحاكم على تفاصيل الأحكام، وهذه الفكرة ـ مع تباين في الصياغات وطرائق العرض ـ أشار إليها غير واحد من الأعلام؛ منهم الشيخ شمس الدين والسيّد السيستاني([9]).

وتأسيساً على ذلك، ذهبوا إلى القول بوجود قسمين من النصوص: قسمٌ يشتمل على مبادئ قانونية وتشريعية وكليات دستوريّة، وقسمٌ آخر يتضمن أحكاماً تفصيلية فرعية في مختلف الدوائر. ومقتضى هذا التصوّر أن هذه المبادئ تمثل المقاصد العليا التي لها سيطرةٌ ونفوذٌ على النصوص المرتبطة بالجزئيات مما يوجب أخذها بعين الاعتبار.

ومن شواهد ذلك ما استندوا إليه من نصوص الأمر بالعدل والإحسان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتاء ذِي القُربَىٰ وَيَنهَىٰ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90)، وهي فكرةٌ تكلّم عنها جمعٌ من الأعلام كالشيخ مرتضى مطهري (1979م) والعلامة شمس الدين والأستاذ محمد رضا الحكيمي والشيخ يوسف الصانعي وغيرهم كثير.

ومؤدّى قولهم أنّه إذا وُجد نصٌّ فرعيٌّ جزئيٌّ في مسألةٍ ما ينافي العدل ـ كأن يكون فيه ظلمٌ واضحٌ للمرأة أو الطفل أو المشتري ـ فإنّ نصّ العدل يكون حاكماً عليه، إذ إنّ روح القانون التي تمثلها هذه المبادئ الدستوريّة أقوى من شكل القانون الجزئي، وحيث إنّ هذه الجزئيّات أقرب إلى الوسائل منها إلى الأهداف، فلا بدّ من إخضاعها لروح التشريع الكليّة، وبذلك يتحقّق ضربٌ من الاتساق والتنظيم بين الجانب الدستوري في النصوص والجانب القانوني التجزيئي فيها، وتُذلَّل به العقبات التي تعترض الفقه.

لكنّ هذه الفكرة لم تسلم من النقد والتحذير، إذ نبّه بعضهم إلى ضرورة عدم توظيف مقولة العدل بمفهومها الوضعي، مؤكّدين أنّ للقرآن والإسلام مفهومهما الخاصّ للعدل الذي لا ينبغي تحميله مفاهيم خارجة عن سياقه.

ومن المبادئ الكلية التي ركّز عليها هؤلاء المقاصديون مبدأ السماحة واليسر، ويكاد يجمعون على تأكيده، حتى أنّ بعضهم توسّع في تطبيقه على نحو قد يُستغرب في الأوساط الفقهيّة؛ فعلى سبيل المثال، استند الشيخ الصانعي إلى مبدأ السماحة والسهولة وقاعدة نفي العسر والحرج لإثبات جواز التبنّي وترتيب آثاره، فإذا ربّى شخصٌ ولداً بالتبنّي وعاش معه سنين منذ طفولته ونشأت بينه وبين أمّه بالتبنّي علاقةُ أمومة وبنوّة حقيقيّة، فإنّ القول بوجوب انفصاله عنها لكونه أجنبياً عنها يُعدُّ ـ في نظره ـ منافياً لمبادئ السماحة واليسر؛ إذ إنّ النظر إلى المسألة من زاوية دستوريّة كلية، لا من منظور فقهي قانوني محض، هو الذي أفضى به إلى هذه الفتوى، وقد صرّح بها، ولعلّها من الفتاوى التي لم يُسبق إليها في الوسط الإمامي، حيث أفتى بترتب آثار المحرميّة من جواز النظر واللمس وثبوت علاقة البنوة مع ما يتبعها من آثار.

إنّ طريقة التفكير لدى هذا الفريق من الفقهاء ترتكز على مبادئ كليّة كالعدل والسماحة واليسر، مع ميل إلى الأخذ بها في أوسع نطاقاتها، هو ما عرّضهم لنقد الفريق الآخر من الفقهاء.

 

وأخيراً

إنّنا نشهد في العصر الحديث حركة فقهيّة لا يُستهان بها، وإن لم تكن هي التيار الغالب في فضاء الاجتهاد الإمامي بل ما تزال تمثل الأقليّة، إلّا أنها حركة آخذة في النمو التدريجي ويتزايد عدد المُنظّرين لها والمتأمّلين في مشروعها، وقد يُكتب لمساعيها النجاح في مواطن دون أخرى، وهي إلى الآن لا تحظى بالقبول في الإطار العام للمؤسّسة الدينية، ولكنّي أعتقد أنّ هذه الحركة ستتطوّر تدريجياً بمرور الزمن، وربما تبلغ من النضج ما يؤهّلها لإدارة حركة الاجتهاد الإمامي في مستقبل الأيّام.


([1]) هذا تقرير لمحاضرة ألقاها الشيخ الدكتور حيدر حبّ الله، في منتدى "الملتقى"، عبر تطبيق زووم، وذلك بتاريخ 19 ـ 2 ـ 2024م، وقد قام بكتابتها وتحريرها السيد أين عبد الزهرة الموسوي، ثمّ قام الشيخ حبّ الله بمراجعتها وإجراء بعض التعديلات والإضافات عليها.

([2]) للوقوف أكثر على آراء الحكيمي، راجع: حيدر حبّ الله، الاجتهاد المقاصدي والمناطي (المسارات، والأصول، والعوائق، والتأثيرات) 1: 278 ـ 287.

([3]) الشهيد الأول، القواعد والفوائد 1: 39.

([4]) انظر: حبّ الله، الاجتهاد المقاصدي والمناطي 1: 266.

([5]) ورغم أنّ كلاً من شمس الدين وفضل الله يلتقيان عند رفض السبب الفكري، ويتفقان على أنّ هناك سبباً تاريخيّاً ظرفيّاً أدى بالاجتهاد الإمامي إلى رفض المشروع المقاصدي، إلا أنهما يختلفان في نقطة مهمة؛ فالشيخ شمس الدين كان يرى فتح باب الاجتهاد عند الشيعة مفخرة وهميّة، بينما السيد فضل الله كان يصرّح بأنّه ليس مفخرة وهميّة، بل مفخرة حقيقيّة، وهذه نقطة خلاف بينهما.

ويُطرح هنا سؤال: إذا كان الاجتهاد مفخرةً حقيقيّةٌ وليست وهميّةً، لماذا لا نجد له انعكاساً على أرض الواقع؟ يجيب بعضهم أنّ الفقهاء في بحوثهم الاجتهاديّة منفتحون، لكنّ المشكلة أنّ هذا الاجتهاد المفتوح توجد عقبات اجتماعيّة تحول دون رؤيتنا لمخرَجاته، لذلك لا تنعكس هذه التطورات الفقهيّة في الفتاوى، مع أنّنا نجد خلال القرون الثلاثة الأخيرة تطوّرات رهيبة في التأمّل الاجتهادي عند الشيعة الإماميّة ووجود طروحات فكريّة غنيّة، لكنّ الفقه هو الفقه والرسالة العمليّة هي الرسالة العملية، فالمشكلة أنّ هناك جسراً مقطوعاً بين الإبداع الفقهي في المدرسة الإمامية ـ خاصّة في العصر المتأخّر ـ وبين مخرجات هذا الإبداع الفكري في عالم الفتاوى.

([6]) محمد جواد مغنية، فقه الإمام جعفر الصادق 3 : 157.

([7]) عيون أخبار الرضا 1 : 101.

([8]) مغنيّة، فقه الإمام جعفر الصادق 2: 93 ـ 94.

([9]) السيستاني، مباحث الحجج: 23 ـ 31.