hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (الوصيّة بالحجّ ـ القسم الأوّل)

تاريخ الاعداد: 9/17/2026 تاريخ النشر: 9/17/2026
60
التحميل

 

 

 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(10 ـ 9 ـ 2026م)

 


 

الوصيّة بالحجّ

مسألة ٧٣: تجب الوصيّة على من كانت عليه حجّة الإسلام وقرب منه الموت، فإن مات تُقضى من أصل تركته، وإن لم يوصِ بذلك، وكذلك إن أوصى بها ولم يقيّدها بالثلث، وإن قيّدها بالثلث، فإن وفى الثلث بها وجب إخراجها منه، وتُقدّم على سائر الوصايا، وإن لم يفِ الثلث بها لزم تتميمه من الأصل([1]).

مسألة ٧٤: من مات وعليه حجّة الإسلام وكان له عند شخص وديعة، واحتمل أنّ الورثة لا يؤدّونها إن ردّ المال اليهم‌ وجب عليه أن يحجّ بها عنه، فإذا زاد المال من أجرة الحج ردّ الزائد إلى الورثة، ولا فرق بين أن يحجّ الودعي بنفسه، أو يستأجر شخصاً آخر. ويلحق بالوديعة كلّ مال للميّت عند شخص بعارية أو إجارة أو غصب أو دين أو غير ذلك([2]).

مسألة ٧٥: من مات وعليه حجّة الإسلام، وكان عليه دين وخمس وزكاة، وقصرت التركة، فإن كان المال المتعلّق به الخمس أو الزكاة موجوداً بعينه لزم تقديمهما، وإن كانا في الذمّة يتقدّم الحجّ عليهما، كما يتقدّم على الدين.

مسألة ٧٦: من مات وعليه حجّة الإسلام لم يجز لورثته التصرّف في تركته قبل استيجار الحجّ،‌ سواء كان مصرف الحجّ مستغرقاً للتركة أم لم يكن مستغرقاً على الأحوط. نعم إذا كانت التركة واسعة جداً، والتزم الوارث بأدائه جاز له التصرّف في التركة، كما هو الحال في الدين([3]).

مسألة ٧٧: من مات وعليه حجّة الإسلام ولم تكن تركته وافية بمصارفها،‌ وجب صرفها في الدين أو الخمس أو الزكاة إن كان عليه شي‌ء من ذلك، وإلا فهي للورثة، ولا يجب عليهم تتميمها من مالهم لاستيجار الحجّ([4]).

مسألة ٧٨: من مات وعليه حجّة الإسلام لا يجب الاستيجار عنه من البلد، بل يكفي الاستيجار عنه من الميقات، بل من أقرب المواقيت إلى مكّة إن أمكن، وإلا فمن الأقرب فالأقرب، والأحوط الأولى الاستيجار من البلد إذا وسع المال، لكنّ الزائد عن أجرة الميقات لا يُحسب على الصغار من الورثة([5]).

مسألة ٧٩: من مات وعليه حجّة الإسلام تجب المبادرة إلى الاستيجار عنه في سنة موته، فلو لم يمكن الاستيجار في تلك السنة من الميقات لزم‌ الاستيجار من البلد، ويخرج بدل الإيجار من الأصل، ولا يجوز التأخير إلى السنة القادمة، ولو مع العلم بإمكان الاستيجار فيها من الميقات([6]).

مسألة ٨٠: من مات وعليه حجّة الإسلام إذا لم يوجد من يستأجر عنه إلا بأكثر من أجرة المثل،‌ يجب الاستيجار عنه، ويخرج من الأصل، ولا يجوز التأخير إلى السنة القادمة توفيراً على الورثة، وإن كان فيهم الصغار([7]).

مسألة ٨١: من مات وأقرّ بعض ورثته بأنّ عليه حجّة الإسلام، وأنكره الآخرون،‌ فالظاهر أنّه يجب على المقرّ الاستيجار للحجّ ولو بدفع تمام مصرف الحج من حصّته، غاية الأمر أنّ له إقامة الدعوى على المنكرين ومطالبتهم بحصّته من بقيّة التركة. ويجري هذا الحكم في الإقرار بالدَّين أيضاً، نعم إذا لم يف تمام حصّته بمصرف الحجّ، لم يجب عليه الاستيجار بتتميمه من ماله الشخصي([8]).

مسألة ٨٢: من مات وعليه حجّة الإسلام وتبرّع متبرّع عنه بالحجّ،‌ لم يجب على الورثة الاستيجار عنه بل يرجع بدل الاستيجار إلى الورثة([9]). نعم إذا أوصى الميت بإخراج حجّة الإسلام من ثلثه، لم يرجع بدله إلى الورثة، بل يصرف في وجوه الخير أو يتصدّق به عنه([10]).

مسألة ٨٣: من مات وعليه حجّة الإسلام، وأوصى بالاستيجار من البلد،‌ وجب ذلك، ولكنّ الزائد على أجرة الميقات يخرج من الثلث، ولو أوصى بالحجّ ولم يعيّن شيئاً اكتفي بالاستيجار من الميقات، إلا إذا كانت هناك قرينة على إرادة الاستيجار من البلد، كما إذا عيّن مقداراً يناسب الحجّ البلدي([11]).


 

حكم الوصية بالحجّ والقضاء و..

([1]) هنا عدّة مسائل:

 

1 ـ أصل وجوب الوصية بالحجّ

وهو ثابت في مورد استقرار الحجّ في ذمّته بالطريقة التي قلناها سابقاً، أو في عام الاستطاعة مع خوف الموت فيه، ومستنده عقلانيّ؛ لأنّ المفروض أنّ الحج ثبت في ذمّته ولا يقدر على الإتيان به مباشرةً، فيلزمه الاستنابة ـ بعد فتح الشريعة بابها ـ إمّا حال الحياة، أو على تقدير وفاته، فتكون النيابة بعدها. وعليه فيصدق أنّه يمكنه تحقيق الحجّ بعد الممات، وتكون الوصية بذلك طريقاً لتحقيقه. هذا مضافاً للروايات العديدة في هذا المضمار.

ولهذا لو لم يكن لديه مال ومع ذلك رأى أنّه إذا أوصى فإنّه يمكن أن يُعمل بوصيّته ولو بنحو التبرّع، فإنّه تلزمه الوصيّة للسبب عينه، فلا تقتصر الوصية ـ في حكمها التكليفي ـ على وجود مال لديه، بل تشمل حالة انعدام المال حال الموت، على تقدير استقرار الحجّ في ذمّته، لكن هذا في غير حالة الوثوق بعدم وجود متبرّع.

قد تقول: کیف یکون مستنده عقلانيّاً، مع أنّ الحج یجب علیه مباشرةً حال حیاته، فلا یجب علیه الاستنابة، وإذا مات یخرج عن موضوع الاستطاعة بالموت، فلولا الأخذ بالدلیل الشرعي، لكان مقتضى الاعتبار العقلاني هو أنّه لا تجب علیه الوصیة.

والجواب: إنّ ما نعنيه هو أنّ الشريعة شرّعت الاستنابة الأعم من حال الحياة وحال الممات، فهنا يغدو معقولاً وعقلانياً أنّ هذا الشخص يجب عليه الاستنابة، وطريق تحقيقها ـ عقلانياً ـ هو الوصية على تقدير عدم تحقّقها حال حياته، فالمعقوليّة هنا إنّما هي بعد البناء التحتي الشرعي المشار إليه.

 

2 ـ وجوب قضاء الحجّ عن الميت

وهذا الحكم يمكن فهمه من جملة غير قليلة من النصوص، أوردها الحرّ العاملي في "تفصيل وسائل الشيعة" في البابين 25 و 28 وغيرهما من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، وتقريب دلالة هذه النصوص يمكن أن يكون عبر مجموعة ملاحظات:

أ ـ تفصيل بعضها بين الصرورة وغيره، في أنّ الصرورة يخرج من أصل ماله، وهذا كاشف عن وجوب القضاء؛ إذ لو لم يكن واجباً فإنّ هذا يعني التعرّض لحقّ الورثة نتيجة أمر غير ملزم، وهو غير مألوف في الشرع، ولا ينسجم مع مزاجه.

ب ـ تعبير بعض هذه النصوص بأنّ هذا الحجّ الذي يخرج ماله من أصل التركة هو بمنزلة الدَّين.

ج ـ الحكم بالقضاء حتى في غير حال الوصيّة وأنّه يخرج من ماله.

ومن دون هذه العناصر التي أشرنا إليها يصعب الاستدلال بهذه المجموعات من النصوص؛ لأنّ بعضها قد يكون ظاهراً في السؤال عن أصل مشروعيّة الحجّ عنه، وبعضها الآخر غير صريح في كون الحجّ قد كان واجباً عليه أساساً قبل موته، وهكذا.

 

3 ـ إخراج نفقات الحجّ في غير حال الوصية

تُخرج نفقات الحجّ في غير حال الوصية من أصل التركة؛ استناداً إلى دلالة النصوص المتقدّمة بالتقريب المتقدّم.

 

4 ـ إخراج نفقات الحجّ في حال الوصية

تخرج نفقات الحجّ في حال الوصيّة من:

أ ـ الأصل، على تقدير عدم تقييد الوصية بالثلث، لعين الأدلّة المتقدّمة.

ب ـ الأصل، على تقدير تقييد الوصية بالثلث، لكنّ الثلث لم يكن كافياً، فهنا يلزم إخراج المال من الثلث، وما بقي يتمّ إخراجُه من الأصل؛ لعين الأدلّة المتقدّمة التي قرّرت أنّ هذا قضاء واجب يلزم أداؤه عنه ويخرج من أصل ماله، فالمقدار الزائد كأنّه لم يوصَ به، فتترتّب عليه هذه النتائج.

ج ـ الثلث، على تقدير الوصية به، وكفايته في تغطية نفقات الحجّ؛ لوجوب تنفيذ الوصية كما هو واضح، فإن وصّى بعدّة أشياء لتخرج من الثلث، ولم يفِ الثلث بها جميعاً، فقد حكم الماتن بتقديم الوصيّة بالحجّ على غيره، والمستند في ذلك بعض النصوص التي تتضمّن تقديم الفريضة على غيرها، وأنّ الفريضة هنا هي الحجّ.

لكنّ الأخذ بهذه النصوص لا يدلّ على حالة كون سائر الأمور التي أوصي بها من الثلث هي من الفرائض أيضاً، وعليه فمقتضى القاعدة لزوم توزيع التكاليف من الثلث على الجميع ـ الحجّ وغيره ـ فإن لم يفِ لزم الإخراج من أصل المال على تقدير وجود دليل على ذلك، كما هي الحال في باب الحجّ هنا، وإلا سقط وجوب تنفيذ الوصية في ماله؛ لكونها غير ممكنة، ونرجع لمقتضى الأصل، وهو هنا لزوم إخراج الحجّ من أصل تركته، لكن قد يقال بأنّ تنفيذ الوصية في سائر الفرائض ممكن في هذه الحال؛ لأنّ الحجّ لا ينبغي أن يزاحم الوصيّة بسائر الأمور، حيث له بديل، وهو الإخراج من أصل المال، فيحكم بذلك على تقدير عدم تأثيره سلباً على إمكانيّة الحج من أصل المال.

 

حجّ الودعي عن الميّت

([2]) أصل هذه المسألة مستنده رواية آحادية منفردة وهي صحيحة بريد العجلي، عن أبي عبد الله×، قال: سألته عن رجلٍ استودعني مالاً، وهلك وليس لولده شيء، ولم يحجّ حجّة الإسلام، قال: «حجّ عنه وما فضل فأعطهم» (تفصيل وسائل الشيعة 11: 183).

والرواية ليس فيها أنّ الأولاد يوثق بأنّهم سيحجّون أو لن يحجّوا أو يحتمل الأمران، فينبغي القول بوجوب الحجّ على الودعي مطلقاً، إلا إذا تمّ الوثوق بأنّهم سوف يحجّون؛ لأنّ نكتة إلزامه بالحجّ ليس لخصوصيّته هو، بل لضمان تحقّق قضاء الحجّ عن الميّت، فلو ضمنه من خلالهم فلا فرق بينه وبينهم في هذه الحال، بل يكون تسليمه المال لهم طريقاً لتحقيق الحجّ أيضاً عبرهم، ما لم نقل بأنّ قيد «وليس لولده شيء» يشير إلى هذه النكتة؛ وهي أنّه بما أنّ أولاده لا يملكون شيئاً ولم يصلهم شيء يعتدّ به من المورّث، فهناك خوف جدّي (عقلائي) من أنهم لو وصل إليهم المال، لتركوا أداء الحجّ نيابةً عن المورّث واستحوذوا على المال لأنفسهم، وإذا كان الأمر كذلك، يختصّ الحكم بالموارد التي يوجد فيها خوف عقلائي من عدم إخراج الواجبات في حال وصول الوديعة إلى الورثة، ولا يكون له إطلاق يشمل جميع الفروض، ومع وجود هذا الاحتمال في معنى هذا القيد في الرواية ـ حتى لو لم يحصل الاطمئنان به ـ فإنّ الإطلاق لا ينعقد؛ لأنّه من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة ويحتملها.

ولو ذهبنا مع هذه الرواية فيلزمنا التأمّل في النكتة التي ينبني عليها الحكم فيها والمدى الذي يصل إليه الحكم؛ لأنّ هذا الحكم يقع على خلاف الأصل؛ فالآخرون غير ملزمين بفرائض الميّت فيما إذا لم يكونوا أوصياء أو ورثة، بينما هذه الرواية تلزم الودعي بالحجّ عن الميّت، لمجرّد أنّ مال الميّت كان في يده، وهذا يعني أنّ الحجّ عن الميّت كأنّه ليس فريضة الورثة والأوصياء حصراً، بل هو فريضة كلّ من يمكنه ذلك من مال الميّت، فيلزم ـ خروجاً عن حرفية مثال الودعي ـ القول بأنّه يجب على كلّ الناس الحجّ من مال الميّت حيث يمكنهم ذلك، ولا أقلّ في حالة وثوقهم بعدم قيام الورثة والأوصياء بذلك، ما لم يلزم منه ضرر أو حرج عليهم؛ إذ لا خصوصيّة للودعي بما هو ودعي، إلا كونه قادراً على التصرّف في المال بلا حرج ولا ضرر، ولهذا عمّم السيد الماتن هنا من الوديعة إلى العارية والغصب والدَّين وغير ذلك.

وينتج عن هذا أنّ البنوك اليوم يجب عليها الحجّ عن الموتى الذين كانت لهم حسابات بنكيّة لديهم تفي بالحجّ، وبخاصّة في حال الوثوق بأنّ الورثة لن يفعلوا ذلك لو تمّ تسليم المال إليهم. والأمر عينه في المستأجر الذي استأجر داراً أو دكّاناً مملوكَين للميت، أو عامل المضاربة الذي يقع بين يديه مال الميت، وكذا عامل المزارعة والمساقاة وغير ذلك.

ويبدو لي أنّ هذا الحكم يقع على خلاف الأصل في تشريعات الإسلام المرتبطة بمال الميت، فإنّ سائر الناس لا علاقة لهم بذلك، بل لو قلنا بأنّه لا خصوصيّة للحجّ أيضاً، بل المسألة هي مسألة ما يجب إخراجه من أصل التركة من الفرائض والواجبات، بما في ذلك الديون، يلزم على من في يده مال الميت القيام بذلك، وهو شيء غير مألوف في التشريعات الإسلاميّة ولا نجد له نظيراً، بل لو كان لكثرت فيه الأسئلة كون مثل هذا كثير الابتلاء.

وعليه، يقلّ الوثوق بهذه الرواية الآحاديّة، إما صدوراً أو على احتمال وجود قيود فيها غابت في النقل، أو كونها قضيّة شخصيّة أو إذناً شخصياً من الإمام في فعل ذلك، والله العالم، وتكون النتيجة عدم ثبوت الحجّ على مطلق من بيده مال الميّت، ما لم يكن وارثاً أو وصيّاً.

هذا، وسائر تفاصيل المسألة أعلاه واضحة. ولعلّه لما قلناه استشكل السيد علي السيستاني في هذا الحكم كلّه في مناسكه.

 

تصرّف الورثة في التركة قبل الاستئجار للحجّ

([3]) هنا صور ثلاث:

الصورة الأولى: استغراق مصرف الحجّ للتركة واستيعابه لها تماماً، وهنا من الواضح أنّ الورثة لا يجوز لهم التصرّف بشيء؛ لأنّ المال إمّا ليس لهم من الأوّل أو أنّه متعلّق لحقّ الغير بتمامه، فلا يجوز لهم التصرّف فيه.

الصورة الثانية: عدم استغراق مصرف الحجّ للتركة، فهنا لهم التصرّف بما لا يؤثر على مال الحجّ، فهم شركاء.

ولا فرق في هذا بين كون التركة واسعة للغاية وعدمه، وفاقاً للماتن في بحوثه، ولعلّه احتاط هنا في غير حال التركة الواسعة؛ خروجاً عن مخالفة من ذهب لعدم جواز التصرّف من الفقهاء.

الصورة الثالثة: عدم العلم بالاستغراق وعدمه، ولعلّ وجه إيراد الماتن فرض كون الزيادة واسعة، هو للاطمئنان بالزيادة.

وهنا يمنعون من التصرّف؛ لعدم إحرازهم كون هذا المال لهم أساساً.

 

عدم وفاء التركة بمصارف الحجّ

([4]) الحكم واضح؛ إذ لا دليل على وجوب مساهمة أحد لتأدية الحجّ عن الميت خارج سياق تركته، فما دام المال لا يفي فلا معنى لصرفه في جزءٍ من الحج دون تمامه، بل يصرف في سائر الواجبات والديون، وإلا فيكون حقاً طبيعيّاً للورثة، وفقاً للقاعدة.

 

الاستئجار عن الميت من الميقات أو البلد أو غيرهما

([5]) المطلوب هو الحجّ عن الميّت من ماله، وهذا يعني أنّ المقدار المؤكّد أنّ الحجّ يحتاجه فهو يخرج من ماله ولا يتعلّق به حقّ الورثة، وفق ما تقدّم، أمّا أيّ صرف آخر أزيد من مقدار تحقّق الحجّ، فإنّ استهلاكه في الحجّ يعتبر زيادةً توجب تصرّفاً في مال الورثة، وهو غير جائز من دون موافقتهم، ولا يعلم أنّ ما ثبت في ذمّة الميت وماله أكثر من مقدار صدق أداء الحجّ عنه، أي المناسك نفسها، فلو أريد الصرف أكثر لزم موافقة الكبار؛ لأنّ لهم القدرة على اتخاذ قرار بشأن أموالهم، أمّا الصغار فالمفروض ـ عادةً ـ أنّ هذا ليس من مصلحتهم، فتنحصر الدائرة في الكبار وحصصهم من التركة.

وبناءً عليه، فلو توفّر الحج عن الميت بكُلفتين إحداهما أكثر من الأخرى، لزم الأخذ بالأقلّ، فإن أريد الأخذ بالأكثر خرج ذلك من حصص سائر الورثة بموافقتهم دون الصغار، وكذا لو دار الأمر بين استئجار شخصٍ من الميقات وآخر من البلد، وكان الأوّل أقلّ كُلفة، كان هو المتعيّن، فالموضوع هنا ليس موضع آية أو رواية بعينها، بل موضوع منطق الأشياء في الحقوق الثابتة في التركة.

وقد يُسأل: هل يمكن القول بأنّ ما يجب إخراجه من التركة هو مؤونة الحجّ بمقدار ما يبذل للنيابة عرفاً، بمعنى أنّه لو تمكّن الكبار من الورثة مثلاً مع تحمّل المشقة من استنابة شخص في بلد آخر، تكون المؤونة فيه أقلّ، فهل يجب الاقتصار على إخراج ذلك المقدار، وفي صورة إرادتهم الاستنابة من بلدهم في هذا الفرض لا يجوز لهم أخذ الزيادة بالنسبة إلى البلد الآخر من مال الوارث الصغير؟ إذ قد يقال بأنّ الظاهر أنّ الواجب هو سلوك الطريق العرفي، فلو كان المتعارف بين الناس هو الاستنابة من بلدهم، لا يبعد وجوب إخراج ذلك المقدار من التركة الشامل لمال الصغير أيضاً، ولا يلزم ارتكاب أمر غير متعارف مشتمل على المشقّة، حتى يقال بأنّه لو أراد الاستنابة بأجرةٍ أكثر لا يحسب ذلك من مال الوارث الصغير.

والجواب: إذا كانت هناك مشقّة حرجيّة، فمن الواضح أنّ الحكم غير شامل، إنّما الفرض في غير حال وجود عنوانٍ ثانويّ، وتردّد الأمر بين الاستئجار من الميقات وغيره، وكلامنا هنا ليس في الوصيّة، بل في ذات الحكم دون وصيّة، فكيف نحرز أنّ الذي في ذمّته هو الحجّ من البلد وليس ذات الحج؟!

 

فوريّة الاستئجار عن الميت وعدمها

([6]) المستند فيما ذكره السيد الماتن هو أنّ المفروض أنّ هذا المال ما يزال على ملك الميّت، ولم ينتقل إلى الورثة، ومن ثم فيجب عليهم الحج فوراً عنه به، وإلا يلزم بتأخيرهم الحجّ للعام القادم التصرّف في المال بغير وجهٍ شرعي، من خلال إبقائه عندهم، ولهذا لو كان الاستئجار من الميقات غير متوفّر في السنة الأولى للموت، لزم الاستئجار من البلد فيها، ولو كان أكثر كلفةً؛ لأنّ المال مال الميّت، ولا يجوز التصرّف فيه، والمفروض وجوب الحجّ به ولا يمكن ـ مع ترك التصرّف ـ إلا عبر الاستئجار من البلد، فيجب (انظر: الموسوعة (المعتمد) 28: 97 ـ 99).

لكن يمكننا القول: إنّ إبقاء المال للعام القادم ليس تصرّفاً فيه، بل هو حفظٌ له لتحقيق الحجّ لاحقاً، فلا يصدق عليه الإفراط ولا التفريط ولا التقصير، ولا دليل على الفوريّة بعنوانها هنا حتى لو ثبتت في الحيّ، ولم تثبت فيه أيضاً كما قلنا سابقاً، فكأنّ المال وديعة عندهم وأمانة؛ لصرفه حصراً في الحجّ، فلا دليل على لزوم الاستئجار في عام الوفاة إلا على تقدير تحقّق عنوان التساهل أو التهاون أو الوثوق بتلاشي هذا المال لو ترك الأمر لعامٍ آتٍ، أو نحو ذلك.

وبناءً عليه، لا يلزم الاستئجار من البلد في عام الوفاة، فهذا ينافي حقّ الورثة ما دام يمكن الاستئجار من الميقات في العام القادم بلا محذور. وربما لما قلناه احتاط السيد علي السيستاني وجوباً في هذه المسألة في مناسكه.

قد تقول: لعلّ إشكاليّة السيد الخوئي تكمن في أنّ الوديعة المطلقة غير متحصّلة هنا، بل هي نحو وديعة ملازمة لوجوب إتيان العمل، ولو قلنا بانصراف وجوب إتيان ذلك العمل عرفاً إلى أوّل أزمنة إمكانه، فمن الطبيعي أنّ بقاء المال على كونه وديعة مغيّى بذلك الزمان أيضاً، وما زاد عليه يعدّ تصرّفاً في مال الغير بلا إذن، ولتقريب الفكرة نقول: لو دفعت مالاً لشخص، وقلت له اشتر لي السلعة الكذائيّة، وما فضل فخذه لنفسك، ففي هذه الصورة لا توجد وديعة مطلقة، بل تتحقّق الوديعة في المدّة اللازمة عرفاً لشراء السلعة، وهذه المدّة عرفاً هي فرص الشراء الأولى، إلا أن يصرّح بجواز التأخير، ففي هذه الصورة، لو قرّر الشخص تأخير الشراء إلى شهر آخر ليتمكّن من شراء السلعة بثمنٍ أرخص وأخذ مال أكثر، فإنّه يخرج عن أمد الوديعة والتصرّف الحفظي المأذون فيه.

والجواب: إنّ هذا ينطبق في بعض الصور دون جميعها، فلو أعطى شخصٌ آخرَ مالاً ليشتري له به سيّارة يوم الأحد القادم، فلم يشترها واختار أن يشتريها يوم الثلاثاء، فهل يكون المال في يده يوم الاثنين غصبيّاً؟ وهل يفهم العرف ذلك أو أنّه يقول بأنّ المال أمانة عنده وإن تخلّف عن التصرّف المطلوب ما لم يبرز المالك الأصلي بياناً خاصّاً في المورد؟

 

حكم تأخير الاستئجار عن الميت لتحصيل أجيرٍ بأجرةٍ أقلّ

([7]) بناءً على ما قلناه في المسألة السابقة، لا يلزم ذلك إذا كان التأخير للعام القادم غير مضرّ ولا متعنون بعنوان التساهل، بل يشكل إلزام الورثة بذلك؛ لأنّه ينافي حقّهم، نعم إذا لم يتسنّ إلا بما هو فوق أجرة المثل في السنوات القادمة أيضاً، بحيث لا يمكن الاجتناب، لزم الصرف من مال الميت ولو بما هو فوق أجرة المثل؛ لأنّ المفروض وجوب الإخراج من أصل التركة، ولا يمكن الحجّ إلا بما هو فوق أجرة المثل، فيتعيّن.

 

اختلاف الورثة في ثبوت حجّة الإسلام على الميّت

([8]) الحكم هنا مبنيٌّ على أنّ الديون ومنها دين الله (الحجّ)، هي بنحو الكلّي في المعين دون الإشاعة، وهذا أمر مرتكز عقلائيّاً أيضاً، فيلزمه الإخراج من حصّته، وتترتّب عليه النتائج التي أفادها الماتن.

لكنّ النظر العقلائي هنا يقضي بأنّ الكلّي في المعيّن ثابتٌ في مجموع التركة لا في كلّ حصّة على حدة، فغاية ما يلزم هذا المقرّ هو أن يخرج من حصّته ما يلزم لتحقيق الحجّ، لا أن يصرف حصّته كلّها على ذلك، وهكذا الأمر في سائر الديون، وربما لهذا استشكل كلّ من السيد السيستاني والسيد فضل الله في هذه القضيّة.

قد تقول: إنّ هذا مبنيٌّ على أنّ حق الله ـ أي الحجّ ـ كليٌّ في المعين، وهذا المعيّن هو كلّ التركة واقعاً، لو ضممناه إلى أنّ المال لا ينتقل إلى الورثة أساساً قبل أداء الدين، ففي صورة كون ما تحت يد المقرّ وافياً بالحجّ، يكون الأمر على هذا النحو: إنّ المال لم يدخل في ملك الورثة بعد، والمقدار الوافي للحجّ في يد المقرّ، وعليه فجميع شرائط الاستئجار متحقّقة؛ إذ الوارث مقرٌّ بوجوب الحج على الميّت، وبيده مقدارٌ واف من مال الميت، فيجب الاستئجار، وبعد الاستئجار ينتقل الباقي إرثاً، ويبقى حق هذا المقرّ على فرض صحّة إقراره في أيدي الآخرين. والظاهر أنّ معتمد السيد الخوئي في بحوثه أيضاً على هذه الفكرة، أي لا إرث قبل أداء الدين، فمثلاً لو فرضنا أنّ الميت مديون بمقدار خمس أمواله، وهذا الخمس الآن تحت يد الورثة، والأخماس الأربعة الأخرى غير متاحة لأيّ سبب كان، كأن جمّدها البنك؛ لسبب أو لآخر، ففي هذه الصورة هل يمكن القول بأنّ للدائن حقّاً بمقدار خمس دينه؟ بل الدائن يستوفي حقّه الذي هو كلّ هذا الخمس من المال، والباقي ـ سواء رفع عنه الحظر أم لا ـ ينتقل إلى ملك الورثة بعد أداء الدين.

والجواب: إنّ بين صورتيَ البنك وما نحن فيه فرقاً؛ وذلك أنّنا هنا نلاحظ حقّ الله في مجموع التركة، وهو الخمس مثلاً؛ لأنّه هو تكلفة الحجّ، ومجرّد أنّ شخصاً أقرّ وآخر أنكر، لا يحوّل ذلك حقّ الله ليتعيّن في حصّة من أقرّ؛ لأنّ الإقرار وعدمه لا يغيّران من كليّة الحقّ في المال المعيّن، وأمّا السيد الخوئي فتعامل مع الموضوع على قاعدة أنّ لله حقاً، وأنّ البقية رفضوا تسليم الحقّ لله، فيلزم تسليم الحقّ لله، وحيث إنّ هناك من هو مقرّ فيلزمه فعل ذلك.

 

ظهور متبرّع عن الميّت (حالُ الوصيّة وعدمه)

([9]) لأنّ المفروض أنّ في ذمّة الميت حجّاً، وقد تحقّق خارجاً بالنيابة عنه، ولو تبرّعاً، بما يوجب ارتفاع المانع عن حصول الورثة على هذا المقدار من التركة، فيرجع إليهم بطبيعة الحال.

([10]) مستند الماتن هنا هو أنّ غرض الميت من الوصية إيصال الثواب إلى نفسه، ومن ثم تعيّن طريقة خاصّة بالصرف، فإذا لم يمكن الثاني بقي الأوّل، ولمّا سقط الحجّ لزم الصرف فيما هو الأقرب إلى تحقيق غرضه من الثواب.

لكن يمكن النقاش بأنّ غرض الميت وإن كان في بعض الموارد هو تحصيل الثواب، لكن غرضه في مثل الواجبات المتعلّقة في ذمّته كالحجّ، هو إسقاط هذا الواجب من ذمّته، وما يترتب على ذلك من أثر أخروي، والمفروض أنّ ذلك قد حصل باجتماع نيّته، مع كتابته للوصيّة، مع فعل المتبرّع، فالوصية هنا ـ بالمفهوم العرفي ـ ليست إلا طريقاً لتحقيق الموصى به، وقد تحقّق وفرغت ذمّة الميت، والذي هو ـ أي فراغ الذمّة ـ المقصود الأصلي له، فينبغي عود المال إلى الورثة في هذه الحال، لانعدام موضوع الوصيّة.

هذا، وبعد كتابتي هذا التعليق، رأيتُ ما يقرب منه في كلمات السيد فضل الله (فقه الحجّ 1: 241).

قد تقول: لا نستظهر من كلام السيد الماتن أنّ محور بحثه هو أنّ الغرض بالخصوص هو إيصال الثواب إلى نفسه، بل كلامه لا يأبى عن أن يكون غرض المكلّف من الوصية في الثلث هو إيصال الثواب، أو رفع استحقاق العقاب، أو حتى طاعة الله تعالى. والنكتة المحوريّة في كلامه هو أنّ ما تعلّقت به الوصية في الثلث لا ينتقل إرثاً، وإذا تعذر المورد الذي أوصى به الموصي، فإنّه ينتقل إلى مصاديق الأقرب فالأقرب، والأقرب إلى إيصال الثواب ودفع العقاب وطاعة الله تعالى هو صرف المال في الصدقة وأمثالها. نعم، قد يُحتمل أنّ يكون غرضه محض الوصيّة، بصرف ذلك المقدار من الثلث فيما يجب عليه، ولكن هل يمكن القول بأنّ هذا الاحتمال يوجب صيرورة المال مجهولَ المالك؟ إذ نعلم أنّ الوصية قد تحقّقت، وإذا تحقّقت الوصية فإنّ المال لا ينتقل إرثاً، ولذا فإنّ احتمال وجود الوصية في خصوص الثلث يمنع من انتقاله إرثاً، فيصير المال مجهول المالك.

والجواب: إنّ ما نفهمه هو أنّ الوصية ليست إلا طريقاً لتحقيق الموصى به، فهو لم يوصِ بصرف ماله في الحجّ بما أنّ الصرف هو مقصوده، بل أوصى بصرف ماله في الحجّ بمعنى أن يحجّ عنه ويسقط عنه التكليف، والمفروض أنّ ذلك قد تحقّق، فلم يعد للوصيّة وجود. ولا نقول بأنّ المال مجهول المالك، بل هو مال الورثة؛ لأنّ الوصية لم تعد تشمله حقيقةً.

([11]) الحكم واضح؛ لأنّ تنفيذ الوصيّة لازم، لكن لو زادت عن أصل تحقيق الحجّ، لزم الإخراج من الثلث، وهكذا.