hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

كلمات ومواقف

المؤسّسة الدينية والذكاء الاصطناعي وتحدّيات ثلاثة

تاريخ الاعداد: 8/29/2026 تاريخ النشر: 8/29/2026
60
التحميل

 

تواجه المؤسّسة الدينية والحوزة العلمية اليوم ثلاثة تحدّيات أساسيّة، يفرضها الذكاء الاصطناعي:

1 ـ التحدّي المعرفي، ويتمثل في ارتفاع مستوى التوقّعات بظهور أجيال تقنية مُدرّبة على العمل الفقهي؛ مما يضعنا أمام منافسٍ حقيقي قادر على إنتاج معرفة فقهيّة وأصوليّة وحديثية و.. وإذا ما مُنح القدرة ـ من قِبل مبرمجيه ـ على إنتاج معرفة فقهية مخالفة للمشهور أو للسائد، أو إنتاج معرفة إشكاليّة، فإنّ ذلك سيتسبّب في خلق تحدّيات مضاعفة وغير مسبوقة. وسيظهر سؤال هنا: من هو صاحب المعرفة الفقهية عندما تصبح هذه المعرفة قابلة للأتمتة؟ هل ثمّة شيء خلف المعلومات الأوليّة الخام والقدرة على تركيبها وإعادة إنتاجها يجعل الفقيه فقيهاً أو لا؟ إذا تخطّت النسخ المبرمجة لفهم الشريعة هذه الإشكاليّة فستخلق تحدّياً غير موصوف.

2 ـ التحدّي الأخلاقي، ويتجلّى في توقّع ظهور أجيال من المُدّعين الذين يُظهرون أنفسهم بمظهر العلماء، بينما نتاجهم العلمي ليس سوى مخرَجات للذكاء الاصطناعي، سواء في كتابة المقالات، أو الكتب، أو البحوث العلميّة، مما قد يُمكّنهم من تجاوز مراحل علميّة متقدّمة إثباتاً وليس ثبوتاً. وهو تحدٍّ يستوجب التفكير الجادّ؛ علماً أن الجامعات ومراكز البحوث الغربيّة عملت وتعمل على وضع محدّدات أخلاقيّة ورقابيّة لضبط هذه العمليّة على مستوى الدراسات والبحوث، ولا أدري إلى أيّ مدى نجحت.

وتزداد المشكلة صعوبةً عندما يستخدم الفقيه الحقيقي ـ وهذا مجرّد فرض ـ الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان بما يعكس صورة غير واقعية عنه، ليظهر سؤال أشدّ تعقيداً: من هو صاحب المعرفة هنا؟ ومن هو العالم؟ إنّ الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وخوض حوار معه، ليس عيباً، لكن أن يصبح بديلاً كاملاً في الإنتاجيّة، فهذا يفرض إعادة تعريف العالِم نفسه! وأن يتمّ إخفاء مستوى الاستعانة به فهذا أمر خطير أخلاقيّاً.

دائماً ما كان الإنسان يستعين بعناصر خارجية وهمية لمنح نفسه القوّة والاعتبار، وهذا أمرٌ وقع في تاريخ الحوزات أيضاً أحياناً هنا وهناك، فقد استعان بعضٌ بالسياسة والإعلام للتعويض عن نقص الفقاهة لديه، واستعان آخرون بالانتماء لأسرة علميّة لفعل الأمر نفسه، ومن الطبيعي أن يظهر من يستعين بعنصر قوّة خارجي ـ مثل الذكاء الاصطناعي ـ لفعل الأمر نفسه.

3 ـ ​التحدّي السلطوي (سلطة المعرفة)، والمقصود به أنّ ظهور الذكاء الاصطناعي بوصفه معرفةً موازية، قد يؤدّي إلى تراجع السلطة التي يحوزها علماء الدين والمؤسّسة الدينية؛ انطلاقاً من أنّ "المعرفة سلطة"، ومن يملك المعرفة يملك السلطة، واحتكار المعرفة سوف يأخذ بالتلاشي، وهو أمرٌ قد يضعف المركزيّة التي تتمتع بها المؤسّسة الدينية والمرجعيّة.

​إنّ هذه التحدّيات الثلاثة تتطلّب منّا جميعاً التفكير الجادّ والمعالجة الموضوعيّة، بدلاً من الاكتفاء بالنكران والمكابرة؛ فنحن أمام استحقاقات قادمة تستوجب الاستعداد لها، حتى لا يحدث معنا ما حدث من قبل، عندما دخلت الكهرباء، والميكروفون، والكتب المطبوعة، وكراسي وطاولات الدرس الحوزي، وغير ذلك، فاستُنكرت ثم تمّ الترحيب بها! فالمؤمن لا ينبغي له أن يقع في نفس الخطأ مرّتين. وفي حدود اطّلاعي فالحوزة العلميّة في مدينة قم تنبّهت للمشكلة وبدأت العمل عليها في مراحل أوليّة.

ملاحظة: تجدر الإشارة إلى أنّ هذه التحديات ليست حكراً على الحوزة العلميّة، وإنّما يجري التركيز عليها لكونها مجال الاشتغال والاهتمام بالنسبة لنا، وللحديث صلة.

حيدر حبّ الله

الخميس 28 ـ 8 ـ 2026م