الذكاء الاصطناعي والفتوى وقصّة أسنان الفرس
يُحكى ـ في قصّة غير ثابتة تاريخيّاً على الأرجح ـ أنّ مجموعة من العلماء كانوا يتناقشون في عدد أسنان الفرس، وكان كلّ واحد منهم يستدلّ بطريقة تحليليّة ليثبت عدداً معّيناً، وينفي غيره، ويرجعون للكتب والمدوّنات لإثبات هذا الرأي أو ذاك. هذا يقول: لو كان عددها كذا وكذا للزم كذا وكذا، وهو محال.. وذاك يقول: بل لو كان عددها كذا وكذا للزم كذا وكذا، وهذا غير معقول.. فخرج أحدهم، وقال: إنّنا نتناقش منذ ساعات، والإسطبل بجانبنا، فلماذا لا نخرج للإسطبل ونعدّ مباشرةً أسنان الفرس ونُنهي النقاش؟!
توضع هذه القصّة في سياق نقد منهج التحليلات العقليّة المجرّدة البعيدة عن الملاحظة والتجربة، وهي قصّة لها صدقيّة في مغزاها على بعض الصعد، وإن لم تكن صحيحة على جميع الصعد؛ لأنّ التجربة ليست بديلاً عن الفلسفة.
اليوم وفي عالم ثورة الذكاء الاصطناعي تتماوج الأفكار حول قدرته على الإفتاء والتعليم الديني، وهل سيكون بديلاً عن الفقهاء والمرجعيّات الدينيّة وعلماء الدين في البلدان والمدن والأرياف أو لا؟ وتبدأ عمليّات التحليل التنظيري في عجز الذكاء الاصطناعي أو في قدرته على فعل ذلك، ولا أبخس أيّاً من هذه المناقشات حقّها، فكلّها محفوظة ولها جانبٌ صحيح، لكن لماذا لا نضيف ـ على الأقل ـ معياراً آخر في مقاربة الموضوع، وهو المعيار التجريبي؟ نطلب من الذكاء الاصطناعي صياغة بحث استدلالي في مسألة فقهيّة ونطلب من "فقيه إنساني" الأمر نفسه، ثم نعرض هذه الأبحاث ـ محذوفة الاسم ودون معرفة مؤلّفها ـ على الفقهاء والخبراء لنعرف هل وصل البحث الذي قدّمه الذكاء الاصطناعي ـ في بنيته ومكوّناته ومراحله وآلياته وعمقه ـ لمرحلة الفقاهة أو لا؟ وقد نطلب منه منظومة أصوليّة وفقهيّة، ونختبره عشرات، بل مئات المرات، في مئات، وربما آلاف الموضوعات.. وبتراكم التجربة نستطيع تحديد مديات قدرته على الفتيا..
قناعتي حتى اليوم، وبعد اختبار الذكاء الاصطناعي شخصيّاً، أجد أن نسخه المتوفّرة ـ ومنها النسخ المدفوعة ـ لم تصل لمرحلة اعتباره فقيهاً أبداً، فهو أقرب لإعادة استرجاع المعلومات وتركيبها، منه لإنتاج عمق فقاهتي، وما زالت أمامه طريق طويلة جداً، ولديه أخطاء كثيرة وأحياناً فادحة، لكن وفي ظلّ تطوّر الأجيال المتتالية للإصدارات الذكائيّة هذه، لا يمكن لأحد أن يبتّ من اليوم بعدم قدرة الذكاء الاصطناعي على الوصول لمرحلة الفتيا وإبداء الرأي العلمي المعترف به، فالتجربة قادرة بمرور الزمن على تعليمنا الكثير، فلنعبر من مرحلة التنظير حول الإمكان إلى مرحلة اختبار الإمكان.
ملاحظة: لا أقصد هنا الحديث عن حجيّة فتوى الذكاء الاصطناعي، بل أقصد الحديث عن إمكاناته في التوصّل لفتوى، فالسؤال ايبستمولوجي بامتياز، وإلا فقد نقتنع بإمكان توصّله لفتوى، لكن لا حجيّة لفتواه، تماماً كما يقول مشهور الفقهاء في أنّه حتى لو كان غير المسلم فقيهاً لكن لا حجيّة لفتواه.. وكلامي في قدرته لا في حجيّة مخرجاته، وإن كان لي رأيٌ في ذلك أيضاً، يُفهم مما بحثناه في "التعليقة على منهاج الصالحين" في مباحث الاجتهاد والتقليد.
حيدر حبّ الله
الخميس 27 ـ 8 ـ 2026م
