hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (مسائل متفرّقة ـ الاستنابة في الحجّ ـ القسم الأوّل)

تاريخ الاعداد: 8/13/2026 تاريخ النشر: 8/13/2026
40
التحميل

 

 

 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(6 ـ 8 ـ 2026م)

 


 

]مسائل متفرّقة ـ الاستنابة في الحجّ[

مسألة ٥٧: إذا حجّ لنفسه أو عن غيره تبرّعاً أو بإجارةٍ،‌ لم يكفه عن حجّة الإسلام، فيجب عليه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك([1]).

مسألة ٥٨: إذا اعتقد أنّه غير مستطيع فحجّ ندباً قاصداً امتثال الأمر الفعلي، ثمّ بان أنّه كان مستطيعاً‌ أجزأه ذلك، ولا يجب عليه الحجّ ثانياً([2]).

مسألة ٥٩: لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ إذا كانت مستطيعة، كما لا يجوز للزوج منع زوجته عن الحجّ الواجب عليها، نعم يجوز له منعها من الخروج في أوّل الوقت مع سعة الوقت([3])، والمطلقة الرجعيّة كالزوجة ما دامت في العدّة([4]).

مسألة ٦٠: لا يشترط في وجوب الحجّ على المرأة وجود المحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها‌ ومع عدم الأمن لزمها استصحاب محرم لها ولو بأجرة إذا تمكّنت من ذلك، وإلا لم يجب الحجّ عليها([5]).

مسألة ٦١: إذا نذر أن يزور الحسين× في كلّ يوم عرفة ـ مثلاً ـ واستطاع بعد ذلك،‌ وجب عليه الحجّ وانحلّ نذره، وكذلك كلّ نذرٍ يزاحم الحجّ([6]).

مسألة ٦٢: يجب على المستطيع الحجّ بنفسه إذا كان متمكّناً من ذلك، ولا يجزئ عنه حجّ غيره تبرّعاً أو بإجارة([7]).

مسألة ٦٣: إذا استقرّ عليه الحجّ ولم يتمكّن من الحجّ بنفسه،‌ لمرضٍ أو حصر أو هرم، أو كان ذلك حرجاً عليه، ولم يُرج تمكّنه من الحجّ بعد ذلك من دون حرج، وجبت عليه الاستنابة، وكذلك من كان موسراً ولم يتمكّن من المباشرة، أو كانت حرجيّةً. ووجوب الاستنابة كوجوب الحجّ فوريٌّ([8]).


 

في إجزاء الحجّ عن النفس أو الغير قبل الاستطاعة عن حجّة الإسلام وعدمه

([1]) فرض المسألة هنا تحقّق الحجّ من المكلّف حال كونه غير مستطيع، وهنا صورتان:

الصورة الأولى: أن يحجّ عن غيره تبرّعاً أو بإجارة أو غير ذلك، وهنا حكموا بأنّه لا يجزيه عن حجّة الإسلام؛ لأنّ المفروض أنّ الحجّ الواجب عليه هو ذلك الحجّ الذي يأتي به لنفسه لا لغيره، فحجّه عن غيره لا يصدق عليه عرفاً أنّه حقّق معه الحجّ عن نفسه.

لكن قد يقال بأنّ المراد بحجة الإسلام مطلق حجّ يأتي به المكلف لأوّل مرّة في عمره، فلماذا لا يجزئ هنا عن حجّة الإسلام؟ ويؤيّده أخبار، منها:

أ ـ خبر معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله×، عن رجلٍ حجّ عن غيره، أيجزئه ذلك من حجّة الإسلام؟ قال: «نعم..» (الكافي 4: 274 ـ 275).

ب ـ خبر معاوية بن عمار، قال أبو عبد الله: «حجّ الصرورة يجزي عنه وعمّن حجّ عنه» (الاستبصار 2: 320).

ج ـ خبر جميل دراج، عن أبي عبد الله×، في رجلٍ ليس له مال، حجّ عن رجل أو أحجّه غيره، ثم أصاب مالاً، هل عليه الحجّ؟ فقال: «يجزي عنهما» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 423).

ويعارض هذه الأخبار خبرُ آدم بن عليّ، عن أبي الحسن×، قال: «من حجّ عن إنسان، ولم يكن له مال يحجّ به، أجزأت عنه حتى يرزقه الله ما يحجّ به، ويجب عليه الحجّ» (الاستبصار 2: 320).

وقد جمع الطوسي بينهما بالقول: «لا ينافي الخبر الأوّل؛ لأنّ معنى قوله: يجزي عنه، ما دام معسراً لا مال له، فإذا أيسر وجب عليه الحجّ حسب ما تضمّنه الخبر الأوّل، وإنّما قلنا ذلك؛ لأنّه مجمل محتمل، والخبر الأوّل مفصّل والحكم به على المجمل أولى» (الاستبصار 2: 321).

لكنّ السيد الخوئي رفض خبر آدم بن علي؛ لضعفه سنداً، واعتبر أنّ خبري معاوية بن عمار متسالم على إهمالهما؛ لأنّ الفقهاء اتفقوا على عدم الإجزاء (الموسوعة (المعتمد) 28: 68).

ولكنّ اتفاق الفقهاء على عدم الإجزاء ـ لو تحقّقنا منه ـ يمكن أن يكون ناتجاً عن التحليلات عينها التي استخدمها المتأخّرون ـ كالسيد الماتن ـ في إبطال حجّ غير المستطيع عن حجّة الإسلام، أو في ترجيحهم خبراً على آخر، فلماذا يفترض القول بحجيّة تسالمهم هذا؟!

لكنّ صدق أنّ حجّة الإسلام هي مطلق أوّل حجّ في العمر ولو لم يكن حجّاً عن نفسه محلّ تأمّل شديد، بل منع، إذ العرف والعقلاء لا يفهمون ذلك إطلاقاً، والأخبار هنا آحاديّة معرَض عنها ومعارضة، فالأقرب عدم الاجتزاء بمثل هذا الحج عن حجّة الإسلام.

الصورة الثانية: لو حجّ عن نفسه ـ ولو ندباً ـ ثم استطاع بعد ذلك، فقد قلنا سابقاً بأنّ هذه القصود لا تؤثر هنا، والاستطاعة شرط وجوب وليست شرط صحّة، فيصدق عليه أنّه أتى بحجّة الإسلام. نعم لو كان الحجّ الذي أتى به مقيّداً بعنوان لزومي آخر مثل الوفاء بالنذر، ففي إجزائه عن حجّة الإسلام تأمّل، ينطلق من:

أ ـ أنّه حقّق الحجّ المطلوب منه، فلماذا لا يصدق عليه أنّه حجّ حجّة الإسلام، علماً أنّه لا دليل على أنّه يلزمه في حجّة الإسلام أن يقصدها بهذا العنوان، وقد سبق أن قلنا بأنّ حجّة الإسلام ليست عنواناً أو حقيقة مستقلّة في الشرع، خلافاً لما ذهب إليه الماتن، بل هي ليست إلا الحجّ الأوّل في العمر.

ب ـ ومن أنّ قصده الوفاء بالنذر يسلب هذا الحجّ عرفاً صفة الحجّ الصادر بذاته منه وبعنوانه، فيشكل الأمر.

نعم، إذا قصد من النذر أن يحجّ، بمعنى أن يصدر منه الحجّ ولو بقصد شيءٍ آخر، لا بقصد النذر حصراً، بحيث قصد منه أن يصدر منه فعل الحجّ، ولو كان حجة الإسلام، أجزأ عن الاثنين معاً على الأقرب.

وقد تسأل: إذا لم یکن المکلّف مستطیعاً، کیف یمکن له أن یحجّ في هذه الفروض؟

والجواب: إنّ الأمر في مثل فرض الإجارة واضح، أمّا في فرض التبرّع، فأن يحجّ متسكعاً، حيث الفقهاء يعتبرونه غير مستطيع وفي الوقت نفسه قد حجّ.

وقد يشكل هنا بأنّه حينما يحجّ المكلّف وهو غير مستطيع، فإنّه يمتثل الخطاب الندبي، ويستوفي الملاك الاستحبابي، أمّا حجّة الإسلام، فهي تكليف إلزامي مشروط بالاستطاعة، وبما أنّ المكلّف لم يكن مستطيعاً، فإن الأمر الوجوبي لم يتوجّه إليه أصلاً؛ لانتفاء شرطه، فإذا حدثت الاستطاعة لاحقاً، وُلد خطاب وجوبي جديد يقتضي امتثالاً جديداً. وأمّا ما قيل من أنّ حجّة الإسلام ليست عنواناً مستقلاً، فهو يفتقر إلى الدليل، بل الأدلّة تشير إلى أنّ حجّة الإسلام ذات ملاك ملزم خاصّ، لا يسدّه الملاك الندبي السابق، فكما أنّ صلاة النافلة قبل الزوال لا تجزئ عن فريضة الظهر إذا دخل وقتها، بحجّة أنّ كليهما صلاة، فكذلك الحجّ المندوب لا يجزئ عن حجّة الإسلام التي ينعقد وجوبها بتحقّق الاستطاعة. ولو كان مجرّد إيقاع طبيعة الحجّ مرّة واحدة في العمر كافياً مطلقاً، للزم أن تصرّح الروايات بإجزاء حجّ الفقير المتطوّع عن حجّة الإسلام إذا أيسر، والحال أنّ الروايات المعتبرة صريحة في أنّ العبد أو الصبي إذا حجّا ثم أعتق العبد أو كبر الصبي واستطاعا، وجب عليهما حجّة الإسلام، مما يدلّ بوضوح على أنّ الحجّ قبل تكامل شرائط الوجوب لا يسدّ مسدّ الحجّ الواجب.

وهذا الإشكال سبق أن ناقشناه في مباحث حجّ الصبيّ، ومثال النافلة والفريضة في الصلاة مختلف تماماً، لاختلاف أعمالهما، ولهذا قبل السيّد الخوئي صلاة الصبي بعد بلوغه وأنّها تجزئ عن صلاته الواجبة عليه بعد البلوغ، وإذا كانت الأدلّة تشير لمصلحة حجّة الإسلام وملاكها، فهذا لا يعني أنّ الملاك لم يتحقّق؛ لأنّ ملاك الحجّ ليس بكونك مستطيعاً قبله، بل الملاك يكمن في أدائك الحجّ وأعماله. وشرط الاستطاعة ليس شرط تحصيل الملاك بحسب الفهم العقلائي والعرفي، وفقاً لمناسبات الحكم والموضوع، بل شرط الإلزام بالإتيان به.

([2]) لأنّ المفروض أنّه حجّ وهو مستطيع، ومجرّد النية المبنيّة على خطأ في التقدير لا تؤثر، بل قد تكلّمنا سابقاً عن موضوع تقييد النية بالندب، وقلنا بصحّته وإجزائه، فهذا مثل ما لو أنّ شخصاً ظنّ استحباب صلاة الظهر فصلاها سنين، على أنّها مستحبّة، أجزأته بالمفهوم العقلي والعقلائيّ.

 

مديات شرط إذن الزوج في حجّ الزوجة والمطلقة الرجعيّة

([3]) في الدائرة التي له فيها عليها حقّ، وسيأتي في كتاب النكاح، عند التعليق على (المسألة رقم: 1407) من الجزء الثاني من المنهاج، أنّ الزوج ليس له مطلق الحقّ في موضوع خروج الزوجة من البيت، بل لها الخروج ما لم ينافِ حقوقه كالاستمتاع.

([4]) الصحيح هو أنّ أغلب أحكام الزوجة ـ على الأقلّ ـ تجري على المطلقة رجعيّاً، وسيأتي الحديث عن ذلك عند التعليق على (المسألة رقم: 1474) من الجزء الثاني من المنهاج، إن شاء الله تعالى.

 

عدم اشتراط المحرَم بعنوانه في وجوب الحجّ على المرأة

([5]) ما أفاده الماتن هو الصحيح، ومستنده واضح، وقد ذكرنا في آخر بحث صلاة المسافر أنّ سفر المرأة مطلقاً ـ بما فيه سفر الحجّ ـ غير مشروط بالمحرَم ولا إذنه، وأنّ النكتة الكامنة خلف الموضوع هي نكتة الأمن، ولهذا أدرج بعض فقهاء أهل السنّة هذه المسألة ضمن الاستطاعة الأمنيّة (السربيّة).

 

تعارض الحجّ الواجب مع الوفاء بالنذر

([6]) ما ذهب إليه السيد الماتن والعديد من متأخّري المتأخّرين هو الصحيح؛ لأنّه لا يمكن الاعتماد على فكرة المانع الشرعي هنا حتى لو فرضنا أنّ الاستطاعة الشرعيّة تشمل ذلك، مع أنّها لا تشمل كما هو واضح من لسان الروايات والفهم العرفي، فالعرف لا يقولون بأنّ هذا الشخص لا يستطيع الحجّ، بل يقولون بأنّه يستطيعه غاية الأمر يزاحمه واجبٌ آخر.

وإنّما لا يمكن الاعتماد على فكرة المانع الشرعي هنا؛ لأنّ النذر في نفسه لا ينعقد إلا إذا كان متعلّقه راجحاً، فلا يعقل أن ينذر زيارة الحسين أو أيّ شيء آخر مع كون هذه الزيارة مرجوحة قياساً بالحجّ الواجب، فلا يكون هناك رجحان، فأصل انعقاد النذر هنا محلّ إشكال في إطلاقه، ولهذا قال الماتن بأنّ النذر ينحلّ في هذه الحال.

وإنّما قلنا بأنّ المسألة لا علاقة لها بموضوع الاستطاعة ـ سعةً وضيقاً في تعريفها ـ؛ لأنّ النذر بهذه الطريقة يمكن من خلاله التحلّل من الكثير من الفرائض، كأنّ ينذر أن يصلّي في مسجد مدينته يوم عرفة كلّ عام، أو ينذر أن يأكل مع الفقراء في نهار شهر رمضان تواضعاً، أو ينذر أن يزور صديقه المؤمن كلّ يوم جمعة في وقت صلاة الجمعة، وهكذا، ومن الواضح أنّ هذا المعنى غير معقول؛ وليست عدم معقوليّته إلا لكون الاعتبار العرفي القانوني قائماً على أنّ النذر هو الذي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الأشياء بعنوانها الأوّلي، قبل أن يتحقّق، وليس العكس.

وقد تسأل: إنّه بناءً على ذلك، هل ينعقد مثل هذا النذر، وعلى فرض انعقاده، يكون المقام من مصاديق تزاحم الواجبين، وكأنّ الحجّ هو الأهم في هذا التزاحم، أو أنّه لا ينعقد أساساً فيما إذا اشتغلت ذمّة المكلّف به بالعنوان الأوّلي؟

والجواب: إنّ المفترض انكشاف عدم انعقاد النذر بناء على كون المنذور عبارة عن المجموع، لكنّ هذا الانكشاف لا يكون إلا عند مواجهة الحجّ للزيارة المنذورة، ما لم يقل في نذره بأنّني أنذر زيارة أبي عبد الله الحسين في كلّ عرفة إلا عرفة الذي أكون فيه مستطيعاً، فلو صحّحنا هذا النذر، فلا إشكال ولا انحلال.

([7]) لوضوح ظهور الأدلّة في المباشرة، وكذلك للشكّ في فراغ الذمّة بغيرها في حال المكنة، والشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

 

حكم الاستنابة في الحج بين الوجوب وعدمه (وبعض القيود)

([8]) البحث في هذه المسألة يقع ضمن نقاط:

 

النقطة الأولى: في أصل حكم الاستنابة، فهل هي واجبة أو جائزة؟

الذي يظهر من الكثير من فقهاء الإماميّة أنّها واجبة في الجملة، فيما يميل الكثير من فقهاء أهل السنة إلى التعبير بأنّها جائزة، ويختلفون في أنّها تقع عن الحج الواجب كما قالت الشافعيّة أو عن النافلة كما قال المالكيّة.

ولكي نأخذ نقطة الانطلاق في هذا الموضوع يجب أن نعرف أنّ مقتضى الروايات العامّة في الاستطاعة والتي عبّرت بالصحّة البدنيّة، وكذلك مقتضى ظهور الآية القرآنية في الاستطاعة بمعناها العرفي، هو أنّ غير القادر على الذهاب بنفسه نتيجة عجز بدني، يسقط عنه الحجّ، بمعنى لا يكون مستطيعاً حتى يجب عليه، فلا موضوع للحديث عن وجوب الاستنابة.

ولكنّ الفقهاء اعتمدوا هنا على مجموعة روايات خاصّة، ولأهميّتها نتعرّض لها؛ لأنّ موضوع وجوب الاستنابة موضوع في غاية الأهميّة والابتلاء، وعمدة هذه الروايات هو الآتي:

الرواية الأولى: خبر معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×، قال: «إنّ عليّاً رأى شيخاً لم يحجّ قطّ، ولم يطق الحجّ من كبره، فأمره أن يجهّز رجلاً فيحجّ عنه».

الرواية الثانية: خبر الحلبي، عن أبي عبد الله ـ في حديث ـ قال: «وإن كان موسراً وحال بينه وبين الحجّ مرض أو حصر أو أمر يعذره الله فيه، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له».

الرواية الثالثة: خبر سلمة أبي حفص، عن أبي عبد الله×: «إنّ رجلاً أتى عليّاً ولم يحجّ قطّ، فقال: إنّي كنت كثير المال وفرّطت في الحجّ حتى كبرت سنّي؟ فقال: فتستطيع الحجّ؟ فقال: لا، فقال له عليّ: إن شئت فجهّز رجلاً، ثم ابعثه يحجّ عنك».

الرواية الرابعة: خبر الفضل بن العباس، قال: أتت امرأة من خثعم رسول الله‘، فقالت: إنّ أبي أدركته فريضة الحجّ، وهو شيخٌ كبير لا يستطيع أن يلبث على دابته؟ فقال لها رسول الله‘: «فحجّي عن أبيك».

الرواية الخامسة: خبر محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر×، قال: «كان عليٌّ يقول: لو أنّ رجلاً أراد الحجّ، فعرض له مرض أو خالطه سقم، فلم يستطع الخروج، فليجهّز رجلاً من ماله، ثم ليبعثه مكانه».

الرواية السادسة: خبر عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله×، قال: «إنّ أمير المؤمنين ـ صلوات الله عليه ـ أمر شيخاً كبيراً لم يحجّ قطّ، ولم يطق الحجّ لكبره، أن يجهّز رجلاً يحجّ عنه».

الرواية السابعة: خبر عليّ بن أبي حمزة، قال: سألته عن رجلٍ مسلم حال بينه وبين الحجّ مرض أو أمر يعذره الله فيه؟ فقال: «عليه أن يحجّ من ماله صرورة لا مال له».

الرواية الثامنة: خبر عبد الله بن ميمون القداح، عن أبي جعفر، عن أبيه’: «أنّ عليّاً قال لرجل كبير لم يحجّ قط: إن شئت أن تجهّز رجلاً، ثم ابعثه يحجّ عنك».

وقد علّق الحر العاملي على هذه الرواية بعد نقله هذه النصوص فقال: «إن شئت، لا يدلّ على نفي الوجوب؛ لاحتمال عدم إرادة مفهوم الشرط، واحتمال أن يراد: إن شئت أن تأتي بالحجّ الواجب، وغير ذلك» (تفصيل وسائل الشيعة 11: 63 ـ 66).

وقد روى الشافعي، فقال: «وروي عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، أنّ عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال لشيخٍ كبير لم يحجج: إن شئت فجهّز رجلاً يحجّ عنك» (كتاب الأم 2: 125).

وقد علّق المحدث البحراني على رواية المشيئة هنا فقال: «ولا ينافي ذلك قوله×: «إن شئت فجهّز رجلاً»، فإنّه ليس المراد هنا التخيير له بين التجهيز وعدمه، بل هذه العبارة ـ كثيراً ما يرمى بها في أمثال هذه المقامات ـ المراد منها الوجوب، كما وقعت أيضا في رواية القداح المتقدّمة، وكأنّ المراد منها: إن شئت أداء ما وجب عليك وخلاص ذمّتك. وبذلك يظهر ما في كلام صاحب الذخيرة حيث إنه توهّم من هذه الكلمة التخيير وعدم الوجوب، فقال بعد نقل الخبر المشار إليه: وفيه إشعار بعدم الوجوب. فإنه لا يخفى على من أحاط خبراً بالأخبار أنّه كثيراً ما يؤتى بهذه الكلمة في مقام الوجوب، ويؤيّد ذلك استدلال الأصحاب بهذين الخبرين المذكورين على الوجوب في المسألة، وما ذاك إلا من حيث فهمهم من هذه الكلمة الحمل على غير المعنى المتبادر منها» (الحدائق الناضرة 14: 132)، وهذا ما فهمه غير واحدٍ أيضاً، منهم السيّد الماتن (انظر: الموسوعة (المعتمد) 28: 76)، والشيخ اللنكراني (تفصيل الشريعة، الحجّ 1: 283 ـ 284).

ولنا هنا بعض التعليقات الموجزة:

التعليق الأوّل: إنّ حمل الروايتين ـ المعزّزتين بمرسل الشافعي المشير إلى تداول هذا النقل خارج الدائرة الشيعية الخاصّة الداخليّة ـ على إرادة فراغ الذمّة، لو لم نقل بأنّه مرجوح، فلا أقلّ من أنّه ليس بظاهر من الرواية، فاحتمال إرادة الإمكان وأنّه يجزئك فعل هذا، في مقابل عدم سقوط حجّة الإسلام عنه بذلك، واردٌ جداً، بل هو الظاهر الأوّلي من التعليق على المشيئة، وعليه، يقع نوع من المعارضة بين الرواية الثالثة والثامنة ـ ومعهما مرسل الشافعي ـ مع غيرها من الروايات المفيدة لأمره× الرجل بالاستنابة، والظاهرة في الوجوب.

وقد حاول السيد الماتن رفع هذه المشكلة من ناحية أخرى، عبر القول بضعف سند الروايتين المتعلّقتين بالمشيئة، وكلامه صحيح، لكنّ هذا لا يلغي تأثير احتمالهما في حساب الوثوق المجموعي.

قد تقول: إنّ دعوى بأنّ الظاهر الأوّلي من التعليق على المشيئة هو إرادة الإمكان ونفي الوجوب، تمثل استظهاراً منقطعاً عن سياق صدور النص، وإذا تأمّلنا في خبر سلمة أبي حفص، نجد أنّ السائل يبدأ كلامه بإقراره باشتغال ذمّته، قائلاً: إنّي كنت كثير المال وفرّطت في الحجّ حتى كبرت سنّي، فهذا السياق هو سياق المقرّ بالتفريط والعالم بوجوب الحجّ عليه واستقراره في ذمّته، والسائل هنا لا يبحث عن أصل التكليف، بل يبحث عن المخرج الشرعي لتفريغ ذمّته المشتغلة يقيناً؛ وبناء على هذا السياق، فإنّ تعليق الإمام أمير المؤمنين للمسألة على المشيئة بقوله: إن شئت فجهّز رجلاً لا يمكن حمله صناعياً على إرادة الاستحباب أو التخيير البدوي الذي ينفي الوجوب، بل هو تعليق مصبوب على مقام الامتثال والتفريغ لا على مقام الجعل والتشريع. والمعنى العرفي الدقيق هنا هو: إن شئت تدارك ما فرّطت فيه وتفريغ ذمّتك المشغولة فجهز رجلاً، وهذا الاستظهار ليس تكلّفاً، بل هو مقتضى الجمع العرفي وقواعد المحاورة عند مواجهة سؤال من شخص يقرّ بالذنب والتفريط، وله نظائر كثيرة في الفقه كقولهم: إن شئت أن يطهر ثوبك فاغسله، فالمشيئة هنا لا تنفي وجوب الصلاة في الطاهر، بل ترشد إلى طريق تحصيله.

والجواب: إنّ مجرّد أنّه عصى الله في ترك الحجّ في مثل خبر سلمة أبي حفص لا يعني أنّ المستقرّ في ذهن السائل هو وجوب الحجّ عليه، رغم أنّه لم يعد يتمكّن منه، بل لعلّه يسأل عما إذا كان يلزمه فعل شيء أو لا، فالإمام أخبره بأنّ بإمكانه أن يفعل كذا وكذا، ويكون ذلك خيراً له، فكيف عرفنا أنّ المرتكز في الذهن هو الوجوب، ويبحث عن كيفيّة التفريغ، فلعلّ المرتكز في ذهنه هو أنّه عصى، ويسأل: هل عليه بعصيانه هذا شيء؟ فهو يسأل عن أصل اشتغال ذمّته الآن بفعل الحجّ، وهذا محتمل جداً ويعيق الاستظهار المدّعى من الخبر.

التعليق الثاني: إنّ الرواية الرابعة ـ خبر الفضل بن العباس ـ مضافاً لضعفها السندي، غاية ما تفيد وجوب الحجّ على البنت عن والدها، لكنّها لا تفيد وجوب استنابة الوالد والذي هو موضوع بحثنا، علماً أنّها ليست ظاهرة في الوجوب؛ إذ يُعلم من الشرع عدم وجوب الحجّ عن الوالد في حياته على البنت تكليفاً، بما يجعل الرواية تحتمل معنى أنّ النبيّ يريد أن يبيّن لها طريقاً لعلاج مشكلتها، وهي أن تحجّ هي عنه، لا أنّه يريد أن يوجب عليها الحجّ، فضلاً عن أن يوجب عليه الاستنابة، وبهذا تخرج هذه الرواية أيضاً عن دائرة الاستدلال بها هنا؛ لعدم انعقاد ظهور واضح فيها.

التعليق الثالث: إنّ الروايات الخمس المتبقية ذات الدلالة وبعضها صحيح السند، تعارض الأخبار الدالّة على أخذ السلامة البدنيّة في الاستطاعة، والظاهرة ـ ولو بحسب المقام ـ في نفي الاستطاعة عنه، ومعه فلا معنى للوجوب في حال عدم الاستطاعة، وكذلك الدلالة القرآنيّة العامّة.

وإذا قلت بأنّ الدلالة القرآنية عامّة، وهذه الروايات خاصّة، ونجمع بينها جميعاً بالقول بوجوب الحجّ عند الاستطاعة وكذلك عند عدم الاستطاعة البدنيّة بالخصوص حجّاً نيابياً، فلا يمكن الأخذ به ـ لو سلّمناه ـ في التوفيق بين النصوص هنا ونصوص أخذ قيد السلامة البدنيّة، والمعزّزة بخبرَي المشيئة هنا، وهذا كلّه يضعف الأخذ بنصوص وجوب الاستنابة، بل جملة من نصوص بيان الاستطاعة البدنية ظاهرة في تفسير الآية وتحديد معنى الاستطاعة فيها.

ومن هذه الروايات:

1 ـ خبر محمّد بن يحيى الخثعمي، قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد الله× ـ أنا عنده ـ عن قول الله عز وجل: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه مخلّى سربه، له زاد وراحلة، فهو ممن يستطيع الحجّ» أو قال: «ممن كان له مال»، فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلّى سربه له زاد وراحلة فلم يحجّ فهو ممن يستطيع الحجّ؟ قال: «نعم» (الكافي 4: 267).

2 ـ خبر الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا× ـ في حديث ـ قال: «.. وحجّ البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلاً، والسبيلُ الزاد والراحلة مع الصحّة..» (عيون أخبار الرضا 2: 131).

3 ـ خبر هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله×، في قول الله عزّ وجل: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾، ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه مخلّى سربه له زاد وراحلة» (التوحيد: 350 ـ 351).

4 ـ خبر عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا عبد الله×، عن قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾؟ قال: «الصحّة في بدنه والقدرة في ماله» (تفسير العياشي 1: 193).

5 ـ خبر معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×، قال: قال الله عزّ وجل: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾، قال: «هذه لمن كان عنده مال وصحّة، وإن كان سوّفه للتجارة لا يسعه، فإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحجّ به..» (تهذيب الأحكام 5: 18).

6 ـ خبر ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله×، قال: «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحجّ أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» (الكافي 4: 268، 269).

وغيرها من الروايات وفيها ما هو الصحيح سنداً، فكيف يمكن فهم هذه الروايات فهماً عرفيّاً إذا لم يسقط وجوب الحجّ عنه على تقدير عدم المكنة البدنيّة؟! ومن ثم فيترجّح أنّ المراد بالنصوص هو أنّه سقط عنه وجوب الحجّ، لكنّه إذا استناب ـ ولا يجب ـ أجزأه عن حجّة الإسلام، فيكون ذلك تكرّماً من الشريعة.

قد تقول: إنّ الصحة شرط في وجوب الحجّ المباشر، أمّا وجوب الاستنابة فهو حكم جديد.

ويجاب بأنّه لو كانت الشريعة تريد إنشاء تكليف جديد مستقلّ، لكان المتوقّع أن تبيّنه بلسان مستقل، لا أن يتم تفسير الآية أوّلاً بجزئية الصحّة البدنيّة من الاستطاعة، ثم يُجعل فاقد الصحّة داخلاً في وجوب الحجّ، فتجب عليه ـ بحسب الفهم العرفي ـ الاستنابة، فالعرف لا يفهم وجوب الاستنابة مستقلّةً عن ثبوت وجوب الحجّ نفسه على المكلّف بعينه قبل الاستنابة، فانتبه. وبهذا لا يعود هناك معنى أيضاً لدعوى حكومة أدلّة الاستنابة على أدلّة الاستطاعة.

التعليق الرابع: إنّ الروايتين الأولى والسادسة، ظاهرهما الإخبار عن حدثٍ جزئي محدّد، غير معلوم الملابسات والسياقات، والروايتان بعينهما لا تشرحان سياق حديث الإمام الصادق لهذا الخبر عن عليّ، فهل كان في سياق بيان وجوب الاستنابة مطلقاً، أو في سياق عقوبة لهذا الرجل على ما فعله من إهمال الحجّ طيلة عمره أو غير ذلك، ومن ثمّ فربما كان السياق يحكي عن بيان شيء غير مرتبط بثبوت هذا الحكم بنحو مطلق في أصل الشرع، لو غضضنا النظر عن روايتَي المشيئة.

قد تقول: لو كان الإشكال في الروايات منحصراً في معارضتها لشرط الصحّة البدنية، لأمكن الإجابة عنه بأنّ ظاهر الآية الكريمة هو وجوب الإتيان بالحج على نحو المباشرة، لكن، ما هو الإشكال أو المنافاة في أن تتكفّل الروايات هنا ببيان تكليف من لا يتمكّن من الإتيان بالحجّ بنفسه؟ فهل كان سيلزم أيّ تنافٍ لو كان الخطاب متصلاً هكذا: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وأما من لم يستطع فليجهّز رجلاً من ماله)؟ وعليه، فإذا كان استظهاركم من الآية الكريمة هو ظهورها في وجوب الحجّ المباشري، فبانتفاء شرط الوجوب (أي الاستطاعة) ينتفي ذلك الوجوب المباشري نفسه؛ إذ الاستطاعة والصحّة البدنية إنّما هما شرطان للحجّ المباشري. وأمّا الروايات، فقد بيّنت على نحو الانفصال ـ وكما كان يمكن أن تكون قيداً متصلاً ـ وجوب الحج (أو التجهيز) على من لا يتمكّن من أدائه بنفسه.

وقد يصاغ الإشكال بطريقة أخرى: إنّ دعوى التعارض تبتني على افتراض أنّ الاستطاعة المأخوذة في لسان الآية الكريمة ذات حقيقة واحدة لا تتجزأ، وهي الاستطاعة المباشريّة، غير أنّ التحقيق الفقهي يقرّر أنّ الاستطاعة تتحقّق بأحد نحوين: إما استطاعة مباشريّة تعتمد على قدرة المكلّف الذاتيّة ببدنه، وإما استطاعة تسبيبيّة تعتمد على قدرته الماليّة على إيكال الأمر لغيره، بل لو تنزّلنا وافترضنا أنّ أدلّة اشتراط الصحة البدنيّة لها إطلاق شمولي ينفي وجوب الحجّ مطلقاً ـ المباشري أو التسبيبي ـ عند انتفاء الصحّة، فإنّ طائفة أخبار الاستنابة تمثل دليلاً خاصاً وارداً في مورد المريض والشيخ العاجز بدنيّاً الموسر ماليّاً، والقاعدة تقضي بأنّ الخاصّ مقدّم على العام، والمقيّد مقدّم على المطلق.

والجواب: إنّ هذه المداخلة هي عينها فكرة الوجوب المستقلّ للحج النيابي الذي أشرنا إليه آنفاً وعلّقنا عليه، كما أنّ ظاهر أدلّة شرط الاستطاعة في الآية ـ بل وكذا في النصوص ـ هو أنّ أصل وجوب الحج يسقط عن غير المستطيع، لا الوجوب المباشري يسقط، فهذا هو الذي يفهمه العرف؛ ولهذا إذا قيل للمكلّف: إنّ الصوم واجب عليك إذا كنت صحيحاً غير مريض، فإنّ العرف يفهم أنّه يسقط عنه إذا كان مريضاً، لا أنّه يقول بأنّ الذي سقط هو وجوب المباشرة، أمّا وجوب الاستنابة فمسكوت عنه، ونحتاج لكي نسقطه إلى الرجوع للأصل العملي كالبراءة! فهذا الفهم غير عرفيّ.

وبهذا تكون الروايات الدالّة هي الرواية الثانية والخامسة والسابعة، بصرف النظر عن المعارضات، وعليه يترجّح بالنظر بناء وجوب الاستنابة على الاحتياط، دون البتّ، وقد نُسب للنراقي والسبزواري والمحقّق الحلي والمحقّق النجفي عدمَ وجوب الاستنابة، والله العالم.

 

النقطة الثانية: شمول الحكم لغير من استقر الحجّ في ذمته أو عدمه

هل يختصّ الحكم هنا بمن استقرّ الحجّ في ذمته أو يكون الأمر مطلقاً في كلّ مستطيعٍ ولو لم يستقر الحجّ في ذمّته؟

ظاهر الماتن الشمول، ومعه بعض الفقهاء، لكنّ فريقاً آخر من الفقهاء حصر المسألة بحال استقرار وجوب الحجّ في الذمّة، كما لو وجب عليه الحجّ فتركه، ثم بعد سنوات وحيث استقرّ في ذمّته أراد أن يحجّ فلم يتمكّن بدنياً.

والصحيح هو الشمول، بناءً على الأخذ بهذه الروايات؛ لأنّ ضم بعضها إلى بعض يعطي عدم وجود قيد زائد على فكرة العجز البدني، وأنّها هي الخصوصيّة المأخوذة هنا، لا استقرار الوجوب في الذمّة الذي لم تتم الإشارة إليه رغم ضرورة الموقف.

 

النقطة الثالثة: موضوع الاستنابة

والمقصود بذلك أنّه ما هو الموضوع الذي على أساسة يحكم بوجوب الاستنابة، أو حتى بشرعيّتها وتأثيرها؟ هل هو المرض أو مطلق العجز البدني أو يشمل الحصر أيضاً؟

والجواب إنّ الروايات ناظرة للعجز البدني لأيّ سببٍ من الأسباب، ولو كان هو كبر السنّ، أمّا الحصر فلم يرد إلا في رواية الحلبيّ، وهي آحاديّة منفردة، فلا يصح التعميم.

لكن قد يقال بأنّ المسألة هي مسألة المكنة المالية وعدم المكنة في المباشرة، بمعنى أنّ القضية مرتبطة بالعجز عن مباشرة الحجّ، لا بالعجز البدني خاصّة، ولهذا جاءت مسألة الاستنابة لترفع شرط المباشرة؛ لكونه أصبح غير مقدور، ومعه فلا يبعد التعميم بملاحظة النكتة العرفيّة بمناسبات الحكم والموضوع، معزّزاً ذلك بصحيح الحلبيّ.

 

النقطة الرابعة: شرط اليأس من التمكّن

السؤال الذي يطرح هنا هو أنّ العجز عن مباشرة الحجّ، هل يكفي فيه أن يقع في عام الاستطاعة، ولو كان المكلّف عالماً بأنّه في العام القادم سوف يرتفع هذا العجز أو أنّه لا بدّ من أن يكون يائساً من ارتفاع هذا العجز في المستقبل، كما هي الحال في الشيخ كبير السنّ الذي جرت الإشارة إليه في بعض هذه النصوص هنا، فإنّ احتمال عود القدرة له ضئيلٌ جدّاً؟

والجواب: إنّ النظرة التفكيكية للنصوص تعطي أنّ بعضها ناظر لحالة اليأس، مثل الروايات التي تتكلّم عن حالة الشيخ الكبير الذي لم يعد يطيق الحجّ، بينما بعضها الآخر فيه دلالة إطلاقيّة مثل خبر محمد بن مسلم وخبر الحلبي، وعلى هذا الأساس قال العديد من العلماء بأنّنا نأخذ بالإطلاق الموجود في المجموعة الثانية، وهذا كافٍ.

لكنّنا نرى أنّ الأخذ بخبرين منفردين في مسألةٍ هي في نفسها مخالفةٌ لمقتضى الأصل، صعبٌ، ويتأكّد ذلك وفقاً لما بنينا عليه من مسألة عدم وجوب الفورية في الحجّ، فإنّ هذا معناه أنّه يمكنه التأخير لبضع سنوات حتى يتمكّن ما دام يرجو ذلك، فلا يصدق عليه ـ في أغلب الحالات ـ أنّه عاجز عن مباشرة الحجّ الواجب عليه، بل هو قادر، غاية الأمر بعد بضع سنوات، والمفروض أنّه غير مسوّف في هذه الحال ولا متهاون ولا تجب الفوريّة بعنوانها كما قلنا، ومعه فلا يصحّ نسبة العجز عن الإتيان بطبيعة الحجّ ـ كما في مثل خبر الحلبي ـ لشخصٍ مثل هذا، لهذا فالأقرب اختصاص الحكم بالقدر المتيقّن، وهو حالة اليأس عن ارتفاع العذر، وأنّ إمكانيّة الحجّ المباشر باتت غير متوقّعة منه.

 

النقطة الخامسة: فوريّة وجوب الاستنابة وعدمها

طبقاً للقول بفوريّة وجوب الحجّ عام الاستطاعة، سيكون من الطبيعي القول بما ذكره أمثال السيد الماتن من وجوب الاستنابة فوراً؛ لأنّ المفروض أنّ الحج واجب عليه، وأنّه يمكنه الإتيان به ولو بغير المباشرة، فيجب عليه الحجّ، والمفروض أنّ الاستنابة هي طريق تحقيق هذا الواجب، فتكون واجبة في ظرف الواجب نفسه، وهو ظرف الفوريّة.

أمّا على ما بنينا عليه من عدم وجوب الفورية في الحجّ بعنوانها، فإنّه لا تجب الفوريّة في الاستنابة، بل تخضع لحالة التهاون والتسويف غير المبرّر، فإذا صحّ هذا في مورد وجبت الاستنابة الرافعة لحالة التهاون وأمثاله.