hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (الحجّ البذلي)

تاريخ الاعداد: 8/6/2026 تاريخ النشر: 8/6/2026
80
التحميل

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(30 ـ 7 ـ 2026م)

 


 

]الحجّ البذلي[

مسألة ٤٣: كما تتحقّق الاستطاعة بوجدان الزاد والراحلة تتحقّق بالبذل، ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الباذل واحداً أو متعدّداً، وإذا عرض عليه الحج والتزم بزاده وراحلته ونفقة عياله وجب عليه الحجّ، وكذلك لو أعطي مالاً ليصرفَه في الحجّ، وكان وافياً بمصارف ذهابه وإيابه وعياله. ولا فرق في ذلك بين الإباحة والتمليك، ولا بين بذل العين وثمنها([1]).

مسألة ٤٤: لو أوصي له بمالٍ ليحجّ به،‌ وجب الحجّ عليه بعد موت الموصي، إذا كان المال وافياً بمصارف الحجّ ونفقة عياله، وكذلك لو وقف شخصٌ لمن يحجّ أو نذر، أو أوصى بذلك وبذل له المتولّي أو الناذر أو الوصي، وجب عليه الحجّ([2]).

مسألة ٤٥: لا يجب الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذليّة، نعم لو كان له مالٌ لا يفي بمصارف الحجّ وبذل له ما يتمّم ذلك وجب عليه القبول، ولكن يعتبر حينئذٍ الرجوع إلى الكفاية([3]).

مسألة ٤٦: إذا أُعطي مالاً هبةً على أن يحجّ وجب عليه القبول، وأمّا لو خيّره الواهب بين الحجّ وعدمه، أو أنّه وهبه مالاً من دون ذكر الحجّ، لا تعييناً ولا تخييراً، لم يجب عليه القبول([4]).

مسألة ٤٧: لا يمنع الدَّين من الاستطاعة البذليّة.‌ نعم إذا كان الدين حالاً وكان الدائن مطالِباً والمدين متمكّناً من أدائه إن لم يحجّ، لم يجب عليه الحجّ([5]).

مسألة ٤٨: إذا بُذل مالٌ لجماعةٍ ليحجّ أحدهم، فإن سبق أحدهم بقبض المال المبذول، سقط التكليف عن الآخرين، ولو ترك الجميع مع تمكّن كلّ واحد منهم من القبض، استقرّ الحجّ على جميعهم([6]).

مسألة ٤٩: لا يجب بالبذل إلا الحجّ الذي هو وظيفة المبذول له على تقدير استطاعته، فلو كانت وظيفته حجّ التمتع، فبذل له حجّ القران أو الإفراد لم يجب عليه القبول، وبالعكس([7])، وكذلك الحال لو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام([8])، وأمّا من استقرّت عليه حجّة الإسلام وصار معسراً، فبذل له، وجب عليه ذلك، وكذلك من وجب عليه الحجّ لنذرٍ أو شبهه ولم يتمكّن منه([9]).

مسألة ٥٠: لو بُذل له مالٌ ليحجّ به، فتلف المال أثناء الطريق‌ سقط الوجوب([10])، نعم لو كان متمكّناً من الاستمرار في السفر من ماله، وجب عليه الحجّ وأجزأ عن حجّة الإسلام([11])، إلا أنّ الوجوب حينئذ مشروطٌ بالرجوع إلى الكفاية([12]).

مسألة ٥١: لا يعتبر في وجوب الحجّ البذل نقداً، فلو وكّله على أن يقترض عنه ويحجّ به، وجب عليه([13]).

مسألة ٥٢: الظاهر أنّ ثمن الهدي على الباذل([14])،‌ فلو لم يبذله وبذل بقيّة المصارف، لم يجب الحجّ على المبذول له، إلا إذا كان متمكّناً من شرائه من ماله([15]). نعم إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه القبول، وأمّا الكفارات فالظاهر أنّها واجبة على المبذول له، دون الباذل([16]).

مسألة ٥٣: الحجّ البذلي يجزئ عن حجّة الإسلام،‌ ولا يجب عليه الحجّ ثانياً إذا استطاع بعد ذلك([17]).

مسألة ٥٤: يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام أو بعده، لكن إذا رجع‌ بعد الدخول في الإحرام وجب على المبذول له إتمام الحجّ إذا كان مستطيعاً فعلاً، وعلى الباذل ضمان ما صرفه للإتمام، وإذا رجع الباذل في أثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود([18]).

مسألة ٥٥: إذا أُعطي من الزكاة من سهم سبيل الله، على أن يصرفها في الحجّ، وكان فيه مصلحة عامّة، وجب عليه ذلك([19])، وإن أعطي من سهم السادة أو من الزكاة من سهم الفقراء، واشترط عليه أن يصرفه في سبيل الحجّ، لم يصحّ الشرط، فلا يجب عليه الحجّ([20]).

مسألة ٥٦: إذا بذل له مال فحجّ به، ثمّ انكشف أنّه كان مغصوباً لم يجزئه عن حجّة الإسلام([21])، وللمالك أن يرجع إلى الباذل أو إلى المبذول له، لكنّه إذا رجع إلى المبذول له، رجع هو إلى الباذل إن كان جاهلاً بالحال، وإلا فليس له الرجوع([22]).


 

صدق الاستطاعة في الحجّ البذلي

([1]) تعرّض السيد الماتن في هذه المسألة لعدّة أمور، ويمكننا إضافة أمور أخرى، وهي:

 

1 ـ أصل وجوب الحجّ البذلي

الحجّ البذلي هو أن يبذل شخص مالاً لشخصٍ آخر يكفيه للحجّ. ووجوبُه واضح، ليس من النصوص الحديثيّة الخاصّة فحسب، بل لا نحتاج لتلك النصوص؛ بل لأنّه يصدق عليه ـ أيضاً ـ في حال صار مبذولاً له أنّه مستطيع، فالعرف يقول بأنّه بات يمكنه الحجّ بلا حرجٍ ولا إجحافٍ بحاله، بل بعض النصوص الخاصّة هنا استدلّت بنفسها بصدق عنوان الاستطاعة في مورده، مثل خبر محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر×: قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾؟ قال: «يكون له ما يحجّ به». قلت: فإن عرض عليه الحجّ فاستحيا؟ قال: «هو ممن يستطيع الحجّ، ولمَ يستحي؟!..» (الاستبصار 2: 140).

ومن الواضح أنّ قبول البذل مشروط بعدم استلزام القبول الحرج وما شابه ذلك، وإلا فيسقط بقاعدة نفي الحرج.

والذي يبدو أنّ الكثير من الفقهاء عندما درسوا مسألة الاستطاعة البذليّة ركّزوا نظرهم أكثر على بضعة روايات معدودة ورد فيها الحديث عن الاستطاعة البذليّة، في حين لعلّ الأقرب هو أنّ هذه الروايات لا تقوم سوى بتطبيق مبدأ الاستطاعة العرفي على المورد، لهذا فالأفضل العودة للقواعد العامّة في الاستطاعة عرفاً واستنطاقها، مضافاً لدلالة النصوص الخاصة المساعدة.

قد تقول: إنّ عنوان الاستطاعة المأخوذ في لسان الدليل الأوّلي كقيدٍ للوجوب، ينصرف لو خُلّي وطبعه، إلى القدرة التكوينية والمالية المستقلّة الناشئة عن الملكية الفعليّة المنجّزة للزاد والراحلة، فالعرف لا يرى مَن تبرّع له غيرُه بمالٍ مستطيعاً بالاستقلال، خاصّة إذا كانت إباحةً جاز للباذل الرجوع فيها، كما أنّ ورود الأدلّة اللفظية الخاصّة، مثل خبر محمّد بن مسلم، لم يكن على نحو الإرشاد أو التطبيق العرفي لمفهوم الاستطاعة على مصاديقه، بل ورد مَورد الحكومة بتوسعة الموضوع، فالشارع مارس هنا تدخّلاً تشريعياً ليقول ما لا يراه العرف استطاعةً تامّة؛ لقصورٍ في عنصر الملكيّة، فالدليل الحاكم هنا يُنزّل المبذول له منزلة المالك في ترتب الأثر الشرعي وهو فعليّة الوجوب؛ وبناء على هذا كلّه يندفع القول بأنّ الروايات مجرّد تطبيقات عرفيّة؛ لأن التطبيق شأنٌ عقليٌ عرفي محض، ولو كان المورد من باب التطبيق الوجداني للعرف، لكان ورود الدليل الخاص لغواً أو إرشاداً تأكيديّاً، بينما مقتضى الصناعة حمل الخطابات الشرعيّة على التأسيس المولوي، مما يُبرهن على أنّ الاستطاعة في باب الحج قد نُقلت من معناها اللغوي لتصبح حقيقة شرعيّة أو متشرعيّة ذات قيود وتوسّعات خاصة، تدور مدار النص اللفظي ضيقاً وسعة.

والجواب:

أوّلاً: إنّ الاستطاعة بمفهوم العرف لا تدلّ على مجرّد أصل المكنة بالمفهوم العقلي؛ بل العرف يطلق نفي الاستطاعة على موارد يكون الإنسان فيها قادراً عقلاً على فعل الشيء، وهذا كثير، كما في قولنا: هذا الرجل العجوز لا يستطيع أن يسير ماشياً مئات الأمتار، مع أنّ الحال أنّه يمكنه ذلك بمشقّة بالغة للغاية، لكنّ العرف ينظر للصعوبات البالغة على أنّها عجز يسلب الاستطاعة، ولا يفكّر بطريقة عقليّة خالصة، فدعوى أنّ الاستطاعة في النصوص بالفهم العرفي تعني ـ حصراً ـ المكنةَ بالمفهوم العقلي غير واضحة.

ثانياً: إنّ مفهوم الاستطاعة غاية ما يفيد عرفاً أنّ لديك قدرة ـ بلا حرج ولا ضيق شديد ـ على أن تذهب للحجّ، ولا يعني هذا المفهوم عرفاً ـ لو وضعنا النصوص الخاصّة جانباً ـ أنّ لديك مالاً بالفعل، فهذا تمّ أخذه من النصوص الخاصّة وفق فهمهم لها، لا من أصل مفهوم الاستطاعة ونصوصها، فلو سألتَ شخصاً: هل تستطيع السفر هذه السنة إلى المكان الفلاني، فقال: نعم أستطيع، وقصد أنّه بإمكانه أن يحصل على مال لاحقاً، ليتمكّن من خلاله من السفر، أو أنّ بإمكانه أن يقنع شخصاً بسهولة أن يؤمّن له هذا المال، وأن هذا ليس بشاقّ ولا مستحيل عليه.. إنّ جوابه هذا عرفيّ تماماً ولا يناقض الواقع.

ثالثاً: لا توجد ـ لا عقلاً ولا عقلائياً ولا عرفاً ولا شرعاً ـ أصالة اسمها أصالة التأسيس في النصوص، بل المسألة تابعة للقرائن والظروف والملابسات المحيطة بالنصّ، من حيث تقوية احتمال التأسيس أو غير ذلك، بل التأسيس يحتاج إلى قرينة إضافيّة في بعض الأحيان ويكون على خلاف الأصل، فما هو الدليل على أصالة التأسيس المولوي في النصوص؟! وقد سبق أن ناقشنا بالتفصيل في كتاب حجيّة السنّة أصالة الموضوعيّة مقابل أصالة الطريقيّة، بما ينفع هنا في بعض جوانبه، وقلنا بأنّه لا توجد أصالات من هذا النوع عقلائيّاً، فراجع.

 

2 ـ عدم الفرق في الباذل بين الوحدة والتعدّد، والوجوب وعدمه

هذا أيضاً دليله واضح، وهو عين دليل أصل وجوب الحجّ البذلي، فإن استندنا فيه إلى النصوص الخاصّة، فقد يقال بأنّها مطلقة من حيث وحدة الباذل أو تعدّده، لكنّ الأفضل الاستناد مباشرةً للمبدأ القرآني والحديثي، وهو الاستطاعة، فمع تعدّد الباذل أو وحدته تحصل الاستطاعة، والمدار عليها لا على كيفيّة حصولها، كما هو واضح.

وهكذا الحال في أنّ البذل واجب على الباذل أو غير واجب، مستحب أو غير مستحبّ، فلا فرق بمقتضى إطلاق النصوص من ناحية أولى وصدق الاستطاعة من ناحية ثانية.

 

3 ـ العرض والإعطاء

ذكر الماتن صورتين راجعتين في الحقيقة لطريقة البذل عرفاً، وهما:

أ ـ العرض، بمعنى أن يعرض عليه أن يحجّ، ويتعهّد له ويلتزم بأنّه سوف يتكفّل له بنفقات حجّه، فهنا يجب عليه قبول هذا العرض، ويثبت الحجّ في ذمّته؛ لصيرورته مستطيعاً.

ب ـ الإعطاء، بمعنى أن يعطيه مالاً الآن، ويكون هذا الإعطاء بهدف أن يصرفه في الحجّ، ويكون المقدار المعطى وافياً بمتطلّبات الحجّ ومحقّقاً للاستطاعة، فهنا أيضاً يصدق عليه أنّه مستطيع، كما قلنا في أصل فكرة الحجّ البذلي.

والفرق بين الصورتين أنّه في الصورة الأولى لا يعطيه شيئاً، لكنّه يعرض عليه ويتعهّد أمامه ويلتزم بأنّه عندما يحين موعد الحجّ يقوم الباذل بدفع تكاليف الحجّ، فيجري هو ـ أي الباذل ـ المحاسبات مع شركة الطيران مثلاً وغير ذلك، فتتحقّق الاستطاعة من لحظة العرض، لا من لحظة دفع الباذل للمال، أمّا في الصورة الثانية فهو يعطيه الآن المالَ الكافي للحجّ، على أن يحجّ به لا غير، ومع ذلك ففي كلتا الحالتين يقع الحجّ بذليّاً وتتحقّق الاستطاعة.

 

4 ـ شمول المبذول لنفقة العيال وعدمه

جاء في بعض تقريرات السيد الماتن (الموسوعة (المعتمد) 28: 54) أنّ النصوص الخاصّة هنا لا تبيّن شمول المبذول لنفقة العيال، فلو بذل له المال الكافي للذهاب والعودة تحقّقت الاستطاعة، فلو لم يكن لأهله مالٌ يكفيهم حال غيابه، وقع التزاحم بين وجوب أداء حقّهم عليهم، وهو النفقة، ووجوب الحجّ، فيقدّم وجوب أداء الحقّ على وجوب الحج؛ بملاك الأهميّة وعملاً بقاعدة تقديم حقّ الناس على حقّ الله.

إلا أنّ الصحيح أنّ المدار هنا ليس على قانون التزاحم، وإن صحّ في نفسه وفقاً لبعض المباني، بل على عنوان الاستطاعة، والذي هو عنوان قرآني حديثي معاً، والنصوص تشير لمجرّد المثال لهذا العنوان وتحقّقه بالبذل، وقد قلنا سابقاً بأنّ وجود ما به الكفاية لأهله وعياله في فترة غيابه، هو جزءٌ ـ عرفاً ـ من الاستطاعة، فلو قدّم له مقداراً لا يفي بتمام عناصر الاستطاعة لم يصدق تحقّقها في مورده، فلا يثبت عليه الحجّ، ولا يجب عليه قبول البذل في هذه الحال، بل قد يحرم التصرّف في هذا المال لو أخذه؛ وذلك في حالة العلم بعدم رضا المالك بالتصرّف فيه بغير أداء الحجّ.

 

5 ـ مقدار المال المبذول

المراد بهذه النقطة أنّه قد يملك المكلّف بعضَ المال الذي لا يكفي للحجّ فلا يكون مستطيعاً، لكنّ الباذل يبذل له مقداراً لا يفي لوحده بالحجّ، وإنّما يفي لو ضمّ المقدار المبذول إلى المقدار الذي عند المكلّف المبذول له، ففي هذه الحال يجب عليه قبول البذل ويثبت في ذمّته الحجّ.

والملاك في ذلك هو أنّه قد حصلت الاستطاعة فعلاً، ولا يهمّنا كيفيّة حصولها، بل عين تحقّقها هو المهم، ولو كان ناتجاً عن تركيب ماله مع مال الباذل.

 

6 ـ عدم الفرق في البذل بين التمليك والإباحة

تارةً يملّك الباذلُ المبذولَ له المالَ، وأخرى لا يملّكه إيّاه، بل يبيحه له، وفي كلتا الحالتين يصدق على المبذول له أنّه مستطيع للذهاب إلى الحجّ.

 

7 ـ بين بذل العين وبذل الثمن

تارةً يقوم الباذل ببذل نقدٍ أو قيمة ماليّة مباشرة، وأخرى يبذل له شيئاً عينيّاً يمكنه أن يبيعه ليحصل من خلاله على نفقة الحجّ أو يمكنه دفع العين مباشرةً في مقابل وصوله لمكّة مثلاً، أو تكون العينيّة بمعنى تقديم عين الزاد والراحلة له، وهكذا. ولا فرق بين الصورتين في تحقّق الاستطاعة؛ لأنّ العرف يرى أنّه في كلتا الحالتين هو قادر على الذهاب للحجّ، غايته أنّ الأمر يتطلّب منه بعض الإجراءات الميدانيّة التي تسهّل له أمر تحقيق هذا الذهاب للحجّ لا غير.

 

8 ـ حول شرط الوثوق بعدم تراجع الباذل

البذل تارةً يكون بطريق لازم لا يمكن للباذل الرجوع معه، كما في هبة المحارم كما هو المعروف، وأخرى يكون له حقّ الرجوع، كما في الكثير من الحالات:

أ ـ ففي الصورة الأولى، لا إشكال في وجوب الحجّ وتحقّق الاستطاعة، كما قلنا.

ب ـ وأمّا في الصورة الثانية، فينطبق عليه ما قلناه في مبحث الملكيّة المتزلزلة في الاستطاعة، عند التعليق على (المسألة رقم: 29) من المناسك، حيث قلنا هناك بأنّ الأقرب أنّه لو كان واثقاً أو لديه ظنّ عالٍ ـ فضلاً عن اليقين ـ بأنّه لن يقوم باسترداد الهبة مثلاً، ولو لنقل الموهوب له الملكية من التزلزل إلى اللزوم، ثبتت الاستطاعة ووجب عليه الحجّ، وإلا ـ وبخاصّة لو حصل له ظنٌّ بأنّه سوف يستردّها ـ فصدق عنوان الاستطاعة عرفاً مشكوك، ويكفي الشكّ في هذه الحال؛ إذ لا يمكن التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للعام نفسه.

قد تقول: إنّ الاستطاعة هنا فعلية وجداناً، والمكلّف الآن قُدّم له المال أو تذكرة السفر، فهو مستطيع فعلاً، واحتمال تراجع الباذل في المستقبل هو شكّ في بقاء الاستطاعة، وليس شكّاً في أصل حدوثها، كما أنّ إقحام الوثوق والظنّ كمعيار لصدق الاستطاعة هو إقحام لشرطٍ نفسيّ لم يقم عليه دليل شرعيّ؛ لأنّ التكليف يتنجّز بالقدرة الواقعيّة، دون القدرة المظنون بقاؤها، وكذا الحال في تطبيق مسألة التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة هنا؛ فإنّه في غير محلّه؛ لأنّ الشبهة المصداقيّة تكون عندما نشكّ في دخول الفرد تحت المفهوم من الأساس، وأنّ هذا المال هل يكفي أو لا مثلاً؟ أمّا هنا فالمال يكفي وموجود، فهو مصداق قطعيّ للاستطاعة الفعليّة، والشكّ إنّما هو في طروّ المانع مستقبلاً، وهو فسخ الباذل، والقاعدة تقول: القدرة الفعليّة تنجّز التكليف؛ فإن طرأ العجز لاحقاً سقط التكليف، ولا يجوز ترك المبادرة للامتثال بحجّة احتمال طروء العجز.

والجواب: إنّ نقطة الارتكاز في هذا الإشكال تقع في ادّعاء الاستطاعة الفعليّة، مع أنّ هذا غير معلوم؛ فالشخص الذي لا يعلم هل سيظلّ هذا المال ملكَه حتى موسم الحجّ؛ لقوّة احتمال أنّ الطرف الآخر قد يُرجعه، هو في الحقيقة لا يعلم أنّه مستطيع؛ لأنّ الاستطاعة ليست حصولك على مالٍ في لحظة واحدة وانتهى الأمر، بل حصولك على مال يمكّنك من السفر إلى الحجّ في هذا العام أو ذاك، فما لم يعلم أنّ هذا المال الذي بيدي سوف يكون كذلك؛ لقوّة احتمال أنّه لن يكون لي أصلاً قبيل موسم الحجّ، فهذا معناه أنّني لا أحرز انعقاد الاستطاعة الواقعيّة، فكيف أرتّب الحكم عليها؟!

وقد تقول: إنّه متى ما تعلّق لي حقّ وضعي بشيء ضمن عقد معتبر، فهذا يعني أنّ العرف والمقنّن قد أراد إبقاء الطريق مفتوحاً لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه؛ وفي هذه الحالة، لا يمكنني قبول سدّ هذا الطريق استناداً إلى الحالة النفسيّة للشخص؛ بمعنى أنّني أفترض أنّه لو تيقّن الشخص بأنّ من له الحقّ لن يرجع، فتصرّف تصرّفاً منافياً لحقّه، ثم قصد من له الحقّ الرجوع، والتفت إلى أنّ من عليه الحق قد تصرّف استناداً إلى يقينه الشخصي بعدم الرجوع، فإنّ الاستناد إلى هذا اليقين لا يعدّ عذراً مقبولاً عند من له الحقّ ولا عند العرف، فالعرف يتوقّع حفظ الحقّ وإبقاء طريق إرجاع الحالة مفتوحاً، استناداً إلى هذا الحكم الوضعي المقتضي للمنع التكليفي من التصرّف، وهذا كلّه ينتج عدم إمكان القول بوجود استطاعة حتى في حالة الوثوق بأنّ الطرف الآخر لن يرجع.

والجواب: إنّه لا يوجد منعٌ تكليفي عن التصرّف في الملكيات المتزلزلة، وهذا ما عليه تباني العقلاء أيضاً؛ ولهذا فهم يتصرّفون بالهبات دون مشكلة، مع العلم بأنّها جائزة وليست لازمة، وإنّما ربطنا الأمر بالوثوق؛ لأنّ الوثوق الاستقبالي ـ إذا صحّ التعبير ـ يجعل الشخص متأكّداً من أنّه مستطيع فعلاً، حتى لو كان القانون يسمح ـ نظريّاً ـ للواهب باسترداد ماله، غاية ما في الأمر أنّه لو تبيّن لي بطلان وثوقي، انكشف عدم الاستطاعة من الأوّل، فهذا مثل الوثوق بصحّة البيع اللازم الذي وقع بيني وبين زيد، فإنّ هذا الوثوق كافٍ لترتيب الآثار على نقل الملكيّات، حتى لو أمكن نظريّاً أن يكون قد وقع خلل في المعاملة، فانكشف لاحقا أنّها وقعت باطلة وأنّه لم يتمّ نقل الملكيّات.

([2]) الحكم واضح، فإنّ هذا كلّه ـ مع تحقق شروطه ـ من مصاديق البذل أو الاستطاعة.

 

حول شرط الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذليّة

([3]) ذكر السيد الماتن هنا صورتين:

الصورة الأولى: أن لا يكون له مال، ويقوم الباذل ببذل مال الحجّ له، فهنا حكم الماتن بعدم اشتراط الاستطاعة البذليّة هذه برجوعه إلى كفاية؛ والسبب في ذلك أنّ الماتن بنى شرط الرجوع إلى كفاية على الحرج، لا على كونه جزءاً مقوّماً من مفهوم الاستطاعة عرفاً، خلافاً لما قلنا سابقاً، وهنا قال بأنّ هذا الشخص لم يستهلك مالاً من جيبه إطلاقاً، حتى يكون الحجّ موجباً لوقوعه في الحرج، فذهابه للحجّ وعدم ذهابه لا يغيّر من وضعه المالي شيئاً، فلا موجب لتنزيل قاعدة نفي الحرج عليه.

لكن الماتن في تقريرات بحثه أشار إلى أنّه في بعض الحالات قد يمكن تطبيق قاعدة نفي الحرج في هذا المورد، وذلك كما لو كان ذهابه للحجّ يعطّل عليه العمل في أشهر الحجّ، وكانت طبيعة عمله تقوم على أشهر الحجّ، فإنّه لو ذهب للحجّ فإنّ حياته سوف تتعطّل لبقيّة العام، فيقع في الحرج، فهنا يمكن الأخذ بشرط الرجوع إلى كفاية على قانون نفي الحرج.

وكان ينبغي بالماتن أن يشير لهذه الحالات التي اعتبرها نادرةً، ويلتزم هو فيها بشرط الرجوع إلى كفاية، بل إنّه لا يبعد أن لا تكون هذه الحالات نادرة، وذلك أنّ المياومين ومحدودي الدخل، يمكن أن يكون لديهم مقدارٌ مالي محدود قاموا بحفظه، وهنا لو ذهب أحدهم للحجّ فإنّه سوف تستهلك عائلتُه هذا المال المحفوظ كلّه، فعندما يرجع، يرجع لعدم كفاية ـ على تقدير عدم قدرته على إنتاج المال الكافي يومياً ـ بعد أن كانت له كفاية، وهنا يمكن تطبيق قانون نفي الحرج، بل يصدق هنا أنّه غير مستطيع للحجّ وفقاً لما قلناه، من اندراج الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة، لا في قانون نفي الحرج.

وعليه، فيلزم التفصيل هنا ـ لا إطلاق الفتوى ـ بين صورة عدم تأثير ذهابه للحجّ على وضعه المالي بعد العودة، وتأثير ذهابه للحجّ على وضعه المالي كذلك، فإنّ هذا التقسيم يظلّ أوفق بتغطية الصور والحالات. وكأنّ السيد الماتن تصوّر أنّ تغطية الباذل نفقات الحجّ كلّها معناها أنّ المبذول له لا يملك فلساً واحداً، فلن يتغيّر حاله، مع أنّ هذا غير صحيح دائماً.

الصورة الثانية: أن يكون له مال لا يفي بمصارف الحجّ، فيبذل له الباذل ما يتمّم له المصارف، فهنا نحصل على استطاعة مركّبة من استطاعتين جزئيتين: مالية وبذليّة، وهنا حكم الماتن بشرط الرجوع إلى كفاية؛ لأنّه يجري في هذه الحال عين الأدلّة التي تقدّمت في أصل شرط الرجوع إلى كفاية.

هذا التقسيم في الصور يفهم منه أنّ الماتن لاحظ أنّ المقدار المالي الموجود عند المبذول له سوف يتمّ صرفه في نفقات الحجّ، وما أفاده هنا صحيح، كما صار واضحاً.

والأفضل في التقسيم أن يجعل الأمر على صورتين:

1 ـ تأثير ذهابه للحجّ على وضعه المالي بعد العودة تأثيراً سلبيّاً يفقده الاستطاعة أو يوقعه في الحرج، بلا فرق بين كون المبذول هو تمام المصارف أو بعضها، وبين كون المبذول له سوف يصرف جزءاً من ماله في نفقات الحجّ وعدمه.

2 ـ عدم تأثير ذهابه للحجّ على وضعه المالي بعد العودة تأثيراً سلبياً بالشكل المتقدّم، فهنا لا ىشترط الرجوع إلى كفاية، كما صار واضحاً.

فهذا التقسيم للصور أدقّ من الذي ذكره الماتن وغيره، والله العالم.

إنّ هذه الفروض داخلة في محلّ البحث أيضاً، كما لو صادفت أيام الحج أيام التوظيف في شركة أو دائرة ما، بحيث لو ذهب إلى الحج لفاتته تلك الفرصة الوظيفيّة، أو حتى الامتحانات الجامعيّة التي لها أثر في مستقبله المهني ودخله المادي. ولو دخلت هذه الموارد في البحث لأمكن القول بأنّه كان الأولى بالسيد الخوئي أن يستند إلى نفس كبرى الحرج، بدلاً من التقسيم الذي قدّمه، وأن يوكل تشخيص المصداق إلى المكلف، على غرار التقسيم الذي ذكرناه أخيراً، والذي أشرنا فيه لقيدَي: الاستطاعة والحرج، دون الحرج وحده، بمعنى معياريّة كلّ واحد منهما، سواء تحقّق الآخر أم لا، فعلى تقدير تحقّق الاستطاعة، ولكن لزم الحرج، سقط الوجوب بمعيار الحرج، وعلى تقدير عدم تحقّق الاستطاعة، سقط الوجوب بمعيار عدم تحقّقها، وهذا لا يعني أنّنا نلتزم بمعياريّة الحرج حصراً في تفسير شرط الرجوع إلى كفاية، كما كان يراه الخوئي.

 

الهبة المطلقة أو التعيينيّة أو التخييريّة

([4]) الحديث عن الهبة ـ من منظار موضوع الحجّ البذلي ـ له صور ثلاث، تعرّض لها السيد الماتن:

الصورة الأولى: الهبة التعيينيّة الحجيّة، وهي أن يهبه مالاً بما يجعله مستطيعاً، وتكون الهبة هذه مبنيّةً على أن يحجّ، فيقول له مثلاً: وهبتك هذا المقدار من المال على أن تحجّ به لا غير، فهنا يجب عليه قبول الهبة؛ لأنّ الهبة نوعٌ من البذل، ويصدق معها في هذه الحال الاستطاعة، حيث يقول العرف بأن هذا الشخص يستطيع أن يذهب للحجّ.

ومن الطبيعي في هذه الصورة أن تكون مقيّدةً ـ كتمام صور الحجّ البذلي وما يرتبط به ـ بعدم لزوم الحرج أو نحوه في القبول.

الصورة الثانية: الهبة التخييرية، وهي أن يهبه مقداراً من المال يكون به مستطيعاً، لكنّه يخيّره بين أن يذهب به للحجّ أو يتصرّف فيه بنحوٍ آخر من أنحاء التصرّف، كالذهاب به للزيارة أو سفر ترفيه أو غير ذلك.

وهنا حكم السيد الماتن وآخرون بعدم وجوب قبول هذه الهبة؛ لأنّ هذا لا يصدق عليه عنوان البذل المأخوذ في النصوص، والمرتبط بتقديم مالٍ ما للمكلّف ليحجّ به، فيكون قبول هذه الهبة محقِّقاً لشرط الوجوب، أي أنّ القبول هو الذي يحقّق الاستطاعة، ولا يجب تحقيق شرط الوجوب كما هو واضح.

ويناقش بما قلناه سابقاً، من أنّ العرف في مثل هذه الحالات يعتبر أنّ هذا الشخص مستطيع، وأنّه بات بإمكانه الذهاب للحجّ، وقول كلمة: قبلت وقبضه الهبة، ليس شيئاً من تحقيق شرط الوجوب، بل هو إجراء ميداني للحصول على المال ووضعه في جيبه، وإلا فبنفس العرض ـ عرض الهبة ـ الذي قدّمه له الواهب يصدق عرفاً أنّه شخص يمكنه الآن الذهاب للحجّ وتتوفّر له الاستطاعة الماليّة.

الصورة الثالثة: الهبة المطلقة، وهي أن يهبه مقداراً من المال، بلا إشارة للحجّ، لا تعييناً ولا تخييراً، والأمر فيه عند السيد الماتن كالصورة الثانية؛ للدليل عينه، بل لعلّ الأمر هنا أوضح عنده.

والنقاش هنا يجري بعينه؛ إذ العرف يقول بأنّه ما لم يلزم مهانة أو حرج في قبول هذه الهبة التي لا تحتاج لبذل جهد فيها، يصدق على الموهوب له أنّه الآن ـ بعرض الهبة ـ بات قادراً على الذهاب للحجّ، وليس هذا بنظر العرف من نوع تحصيل شرط الوجوب.

ولعلّ سبب المشكلة هنا ـ والله العالم ـ أنّ الفقهاء قصروا النظر على روايات الحجّ البذليّ، وقرؤوها بشكل موضوعي، بحيث تكون قائمةً بنفسها، فتفهم على أنّها إيقاع وليست عقداً يحتاج لقبول، في حين يفترض فهم الحج البذلي ضمن القوانين العرفيّة لفكرة الاستطاعة، وهناك لا فرق بين أن يهبه مالاً ليحجّ وأن يهبه المال نفسه للحجّ أو غيره، ويهبه المال عينه لأمر مطلق، ففي كلّ هذه الحالات أصبح هذا الشخص بنظر العرف مستطيعاً حتى قبل أن يقبض المال، رغم أنّ الصورة الأولى تحتاج أيضاً للقبول.

 

الدَّين والاستطاعة البذليّة

([5]) الحديث عن الدَّين والاستطاعة البذليّة له جانب مالي وآخر عملي إجرائي:

أ ـ أمّا الجانب المالي، فالحكم فيه واضح؛ لأنّ أداء الدين لا علاقة له بالحجّ؛ إذ لن يستهلك مالَه لنقول بأنّ الحجّ أثر على أدائه للدين، وإنّما يقوم باستهلاك مال غيره المبذول له، لكن لو كانت الاستطاعة مزيجاً من استطاعة ماليّة وبذليّة، فإنّ صرفه المال في الحجّ هو صرفٌ للمال المبذول ولماله الخاصّ أيضاً، فيفترض أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار هنا، وتطبيق بحث الدين عليه تماماً، مع أنّ الماتن لم يُشر لهذه الصورة، وكان ينبغي الإشارة إليها.

ب ـ وأمّا الجانب العملي الإجرائي، فيتعلّق بكون الذهاب للحجّ معيقاً بنفسه عن أداء الدين في وقته، سواء كان هذا الدين حالاً أم مؤجلاً، فالمشكلة هنا ليست مالية بالضرورة، بل في أنّه لو ذهب للحجّ لن يتمكّن من أداء الدين في وقته، إمّا لأنّه لن يتمكّن من جمع مالٍ يكفي لأداء الدين؛ لأنّه سوف يكون في الحجّ، أو لأنّه بذهابه للحجّ لن يتمكّن من لقاء الدائن لتسديد الدين له، بما يؤجّل الأمر لما بعد عودته.

وهنا حكم الماتن في صورة الدين الحالّ بعدم وجوب الحجّ، عملاً بقانون التزاحم وتقديم حقّ الناس على حقّ الله. وكان من المناسب إضافة الدين المؤجّل أيضاً؛ لعدم الفرق.

ومقصود السيد الماتن من "الدين الحالّ" هو الدين الحال في تمام مدّة الحج، أي ليس الحال فعلاً فحسب، بل الحال في تمام المدّة التي يزاحمها الحج، أمّا نحن فنوسع ونقصد أيضاً أنّه لو كان دين الشخص يحلّ بعد الحجّ بستة أشهر مثلاً، ولكنّ ذهابه إلى الحجّ يمنعه من تهيئة مبلغ الدين، فحقّ الدائن سوف يضيع بذهابه للحجّ؛ لأنّه لن يتمكّن من توفير المبلغ خلال الأشهر القادمة بسبب ذهابه للحجّ.

 

البذل الجماعي

([6]) مفاد كلام الماتن واضحٌ على قواعدهم في مثل الوجوب التخييري، والتكاليف المتعلّقة بالجامع، ولا حاجة للشرح والتوضيح، لكنّ الأقرب أنّ البذل لجماعةٍ لا يعني تحقّق عنوان الاستطاعة لهم جميعاً، حتى إذا تخلّفوا ثبت الحجّ في ذمّتهم جميعاً، بل البذل في هذه الحال يفهم على أنّه استطاعة معلّقة، فكلّ واحدٍ منهم هو على شُرف الاستطاعة، لا أنّه مستطيع بالفعل بمجرّد العرض، أو موقوفاً على عدم أخذ الآخرين للمال، ولا تتحقّق الاستطاعة الحقيقيّة بالنسبة لأحدهم إلا بحصوله على المال وتعيّنه له، ويشهد لذلك أنّ معنى ثبوت الحج في ذممهم جميعاً هو أنّهم جميعاً كانوا مستطيعين مع أنّ العرف يفهم ذلك على أنّه أمرٌ غريب، فكيف كانوا جميعاً مستطيعين مع أنّ المال لا يكفي إلا لواحدٍ منهم في الحقيقة ولوح الواقع؟!

من هنا، نشكّ في صدق الاستطاعة في هذه الصورة قبل تحقّق التعيّن على أحدهم، ولعلّ النكتة هنا هو أنّ وجود الآخرين ضمن دائرة العرض والبذل لا يسمح لنا بإثبات صفة الاستطاعة لأيّ واحد منهم إلا بنحو التعليق، لكن ليس التعليق على عدم أخذ الآخرين، بل التعليق على أخذه هو، إلا في صورة واحدة وهي أن يعلم الفرد أنّ الآخرين أعرضوا عن هذا المال، فينزّل ذلك منزلة تعيّن المال له.

قد تقول: إنّه بمجرّد البذل لجماعة، يصير كلّ واحد منهم مستطيعاً ما دام لم يُقدم غيرُه على الأخذ، بمعنى أنّه عرفاً ما لم يأخذ الغير المال، فإنّ إمكان الحجّ متحقّق لهم بالفعل، أي ما دام الغير لم يأخذ، فهذا الإمكان فعليٌّ وليس بالقوّة، غاية الأمر أنّه لو أقدم الغير على الأخذ، زالت هذه الاستطاعة من دون تفريط من هذا الشخص، وخرج عن الاستطاعة، کمن کان له مال وتحقّق شرط الاستطاعة بالنسبة إلیه، ثم سرق منه سارقٌ مالَه وزالت منه الاستطاعة. ومثاله ما لو وضع شخص قدحاً من الماء على المنضدة، وقال: من شاء فليشرب منه، ففي هذه اللحظة يكون كلّ فرد متمكّناً من شرب الماء ومستطيعاً له، وتبقى هذه الاستطاعة فعليّة ما دام لم يأخذ أحد آخر الماء لنفسه.

والجواب: إنّ العرف لا يرى أنّه يمكنني شرب الماء بنحو مطلق فعلي، بل الشرب هنا معلّق.

وربما لما قلناه لاحظنا أنّ بعض الفقهاء المعاصرين ـ مثل السيد علي السيستاني والميرزا جواد التبريزي والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد محمد صادق الصدر ـ لا يرى في فتاويه ثبوت الحجّ في ذمّة الجميع على تقدير ترك الجميع، وبعضهم بنى المسألةَ على الاحتياط الوجوبي، مثل الشيخ الوحيد الخراساني.

([7]) لأنّ البذل لا يغيّر هويّة الحجّ الثابت في ذمّته، ولا يثبت فيها حجّاً آخر، وهذا واضح.

([8]) فإذا لم يكن هو قد حجّ حجّة الإسلام فلا يكون البذل متحقّقاً في حقّه، وأما إذا حجّ حجّة الإسلام فإنّ مجرّد البذل لا يثبت عليه حجّاً آخر؛ لأنّ البذل لا يؤسّس وجوباً جديداً، بل هو يخرج الوجوب الثابت جعلاً إلى حيّز الفعليّة والتنجيز.

([9]) كما هو واضح.

([10]) لانكشاف عدم وجود الاستطاعة حقيقةً، كما تقدّم نظيره سابقاً.

([11]) لصدق أنّه مستطيع في هذه الحال.

([12]) لأنّ هذه الاستطاعة ماليّة ملكيّة، وليست بذليّة، وقد قلنا سابقاً: إنّه يؤخذ فيها الرجوع إلى كفاية. وقد تقدّم أيضاً ما له صلة بهذا، عند التعليق على (المسألة رقم: 45) من المناسك، فراجع.

 

عدم اشتراط النقد في البذل (صورة الاقتراض)

([13]) هنا صورتان:

الصورة الأولى: أن يكون البذل نقديّاً، بحيث يقدّم له المال نقداً مثلاً.

ولا إشكال في صدق الاستطاعة البذليّة في هذه الحال.

الصورة الثانية: أن لا يقدّم البذل نقداً، بل يطلب منه أن يقترض المال من شخصٍ ثالث، ويُبدي له أنّني مستعدّ لتسديد المال عنك، وهنا حالتان:

الحالة الأولى: ما بعد الاقتراض، أي أن يقوم المبذول له بالاقتراض فعلاً، وهنا بعد الاقتراض، لا شكّ في أنّه يصدق عليه أنّه مستطيع؛ لأنّه يتوفّر بيده المال للحجّ، وفي الوقت نفسه البذل متحقّق من الباذل في تسديد هذا المال، فلا يشكّ العرف في صدق الاستطاعة البذليّة هنا.

الحالة الثانية: ما قبل الاقتراض، أي أن لا يقوم المبذول له بالاقتراض، وهنا نسأل: قبل أن يقترض هل يصدق عليه أنّه مستطيع بحيث يكون الاقتراض شرطَ واجبٍ، فيجب عليه الاقتراض، أو أنّ الاقتراض ما يزال شرط وجوبٍ، فلا يجب عليه الاقتراض رغم وعود الباذل المشار إليها؟

ظاهر إطلاق عبارة الماتن هنا هو الوجوب، وأنّ الاستطاعة قد تحقّقت قبل الاقتراض، لكنّ بعض تقريراته تفيد أنّ الاقتراض شرط وجوب، فلا يجب عليه تحصيله، وهو ما ذكره أيضاً فقهاء آخرون.

والصحيح أنّه في هذه الحالة تصدق الاستطاعة أيضاً، فإنّ الاقتراض ليس عمليّة تحصيل للاستطاعة، بل هي عمليّة إجرائيّة لجعل المال في يده، كي يصرفه في نفقات الحجّ، وإلا فمجرّد تعهّد شخص آخر بأنّ مصاريفك عليّ، غاية الأمر أطلب منك أن تحصل عليها بالاقتراض وأنا أسدّد، يصدق معه أنّ المبذول له صار مستطيعاً عرفاً، ما دام الاقتراض ممكناً والتسديد موثوقاً به، بلا فرق في ذلك بين أن يطلب منه أن يكون وكيلاً عنه في الاقتراض من طرف ثالث، أو أصيلاً لنفسه.

وقد تسأل: ألا ينبغي إضافة قيد في الفرض الثاني، وهو اختصاص الحكم بما إذا كان الاقتراض من الطرف الثالث أمراً ميسوراً، وأمّا إذا كان متوقّفاً على طيّ مراحل ومقدّمات تعدّ عرفاً عملاً مستقلاً لتحصيل الاستطاعة، فلا يجب الاقتراض؛ لرجوعه إلى تحصيل شرط الوجوب؟ ومثاله ما لو قال الباذل: اقترض مبلغاً معيّناً من البنك للحجّ، وعليَّ سداد أقساطه، والحال أنّ أخذ القرض يتوقّف على بيع المكلّف لسيارته مثلاً أو إيداع مبلغ في البنك لمدّة ستة أشهر، ففي هذه الصورة لا يصدق عليه عنوان المستطيع قبل الإيداع، فهل يبنى هنا على تحقّق الاستطاعة أيضاً، ويكون هذا من مقدّمات الواجب؟

والجواب: قد أشرنا لهذا في أصل البحث في موضوع تحصيل الاستطاعة سابقاً، حيث قلنا بأنّ العرف يفهم الأمر في حال السهولة أو سرعة تحقّق الأمر، بحيث يعبّر بأنّه حقّاً مستطيع الآن، غايته يتطلّب منه الأمر إجراءات ميدانيّة، كتلك التي تكون في إجراءات مقدّمات الواجب في الحج مثلاً، لا مطلقاً، والأمر يرجع فيه للعرف.

([14]) لوضوح كونه من مصاريف الحجّ، وإنّما طرحوا هذه المسألة هنا؛ لأنّ الهديَ له بدلٌ وهو الصيام، فقد يتصوّر أنّه ما دام له بدل فلا يكون ثابتاً على الباذل، لكنّ البدلية هذه تثبُت في حقّ المستطيع الذي لم يجد الهدي، لا في حقّ غير المستطيع، والمفروض أنّنا ما زلنا نتكلّم في تحقيق الاستطاعة نفسها، ولهذا أشاروا لهذا الفرض رغم وضوحه.

([15]) فتصبح الاستطاعة مركّبة من الماليّة (ثمن الهدي من الحاجّ نفسه) والبذليّة (من الباذل).

 

تفصيلٌ في من يتحمّل الكفارات العمديّة والخطئيّة: الباذل أو المبذول له؟

([16]) فصّل بعضهم بين الكفارات العمدية والخطئيّة، فأثبت على الباذل الخطئيّة دون العمديّة، كما قد تفيده عبارة السيد اليزدي في العروة، وظاهر عبارة الماتن هنا إطلاق النفي، وهو الصحيح مبدئيّاً؛ لأنّ العرف لا يعتبر الطوارئ المترتّبة على سلوكٍ معيّن في الحجّ جزءاً من الاستطاعة، بل يراها أمراً إضافيّاً، فلو كان يمكنه الحجّ ذهاباً وإياباً، وتمت عناصر الاستطاعة كلّها، لكنّه لو ارتكب فعلاً ما يثبت عليه كفارة لا يقدر عليها، فإنّنا لا نحسب قيمة هذه الكفارة في أصل الاستطاعة عرفاً، فنقول: حيث لم يمكنه ذلك ـ لو وقع منه موجب الكفارة ـ فإذاً هو الآن غير مستطيع!

لكن مع ذلك ينبغي إخراج صورة هنا، وهي أن يكون المكلّف سنخ مكلّف يُتوقّع منه في العادة صدور ما يوجب الكفارة الخطئيّة، كما لو كان قليل التركيز الذهني بحيث يوجب ذلك في العادة بالنسبة إليه الوقوعَ في أخطاء؛ فإنّ التعهّد بتغطية نفقات حجِّ شخصٍ مثل هذا، يُفترض ـ في النظر العرفي ـ أن يتضمّن ما يتوقّع أن يتطلّبه حجّ شخص مثله، فلا يبعد أخذ الكفارة الخطئية هنا على الباذل، والله العالم.

وقد تسأل: هل المرجع في تفسير تعهّدات الشخص هو العرف في جميع الموارد؟ فمثلاً: لو تعهّد شخص ببذل نفقات (أو مؤونة) سفر مَن يكثر منه ارتكاب حوادث السير، فهل يجب عليه تدارك خسارة السيارة لو وقع له حادث في سفره؟ ألا عبرة في هذه الموارد بنيّة المتعهّد وقصده من مفاد تعهّده؟ وألا يكون علم المتعهّد بكون ذلك الشخص كثير الخطأ من عدمه مؤثراً في تفسير تعهّده؟

والجواب: إنّ كلامنا في صورة الإطلاق لا في تمام الصور، كما أنّ كلامنا في أنّ الباذل قد أعلن أنّه متكفّل لمصاريف الحجّ، لا لمصاريف أخرى زائدة على الحجّ، وإلا فلو صرّح أو بيّن أو دلّ العرف على ما هو أوسع، كان الأمر مختلفاً، إنّما الكلام هنا في مفهوم البذل وإلحاق الكفارات بنفقات الحجّ في الصورة المطلقة للقضيّة.

 

إجزاء الحجّ البذلي عن حجّة الإسلام (الإيسار بعد الحجّ البذلي)

([17]) هذه هي المسألة المعروفة بمسألة إيسار المبذول له بعد الحجّ، بمعنى أنّه بُذل له مالٌ فحجّ به، ثم أيسر، فصار لديه هو مال يقدر به على الحجّ.

والظاهر أنّ الفقهاء متفقون على أنّه لا يجب عليه حجّة الإسلام بعد ذلك، بل يحسب حجّه حجةَ الإسلام؛ لأنّ المفروض أنّ الاستطاعة تحقّقت بالنسبة إليه، فيكون حجّه هذا حجّاً عن استطاعة، وحجّة الإسلام ليست إلا هذا.

لكنّ الشيخ الطوسي في الاستبصار كان له رأي آخر، وهو ضرورة أن يحجّ حجة الإسلام بعد أن أيسر؛ معتمداً على خبر الفضل بن عبد الملك، قال: سألت أبا عبد الله× عن رجلٍ لم يكن له مالٌ، فحجّ به أناس من أصحابه، أقضى حجّة الإسلام؟ قال: «نعم، وإن أيسر بعد ذلك فعليه أن يحجّ». قلت: هل تكون حجّته تامّة أو ناقصة إذا لم يكن حجّ من ماله؟ قال: «نعم، قضي عنه حجّة الاسلام وتكون تامّة وليست بناقصة، فإن أيسر فليحجّ».

وعندما رأى الطوسي أنّ هذا الخبر يعارض أخباراً أخَر، قال: «فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله×: رجلٌ لم يكن له مالٌ، فحجّ به رجلٌ من إخوانه، هل يجزي ذلك عنه من حجّة الإسلام أو هي ناقصة؟ قال: «بل (بلى) هي حجّة تامّة». فلا ينافي الخبر الأوّل الذي قلنا أنّه يعيد الحج إذا أيسر؛ لأنّه إنّما أخبر أنّ حجّته تامّة، وذلك لا خلاف فيه أنّها تامّة يستحقّ بفعلها الثواب، وأمّا قوله في الخبر الأوّل، ويكون قد قضى حجّة الإسلام، المعنى فيه الحجّة التي ندب إليها في حال إعساره، فإنّ ذلك يعبّر عنها بأنّها حجّة الإسلام، من حيث كانت أوّل الحجّة، وليس في الخبر أنّه إذا أيسر لم يلزمه الحجّ، بل فيه تصريح أنّه إذا أيسر فليحجّ، وذلك مطابق للأصول الصحيحة التي تدلّ عليها الدلائل والأخبار» (الاستبصار 2: 143 ـ 144). واللافت أنّ الطوسي عكس موقفه في كتاب (تهذيب الأحكام 5: 7)، فرأى مسلكَ المشهور.

وقد استدلّ الماتن في بحوثه لمسلك المشهور، حيث اعتبر أنّ التعارض واضحٌ بين الخبرين؛ لأنّ السؤال في خبر معاوية عن الإجزاء عن حجّة الإسلام، فعندما جاءه الجواب بأنّها حجة تامّة، فهم السائل أنّها أجزأت عن حجّة الإسلام، فيُحمل خبر الفضل بن عبد الملك على الاستحباب، بعد كون حجة الإسلام ثابتة في العمر مرّةً واحدة (الموسوعة (المعتمد) 28: 61؛ ومستند العروة (تقرير البروجردي) 1: 179 ـ 181)، وقد أضاف السيد فضل الله هنا أنّ روايات الحجّ البذلي نفسها استخدمت تعبير الاستطاعة، بما يعني أنّه مستطيع، فيكون حجّه حجة الإسلام (فقه الحجّ 1: 172).

إلا أنّه يمكن الإيراد على كلّ من الطوسي والخوئي وفضل الله وغيرهم، بأنّهم ربما وقعوا في ربطٍ خاطئ بين خبر الفضل بن عبد الملك وموضوع الإجزاء عن حجّة الإسلام، فالرواية واضحة في الإجزاء، غاية الأمر أنّها تأمر بحجٍّ آخر خاصّ بالمعسر المبذول له الذي أيسر بعد الحجّ البذلي، فوجوب الحجّ الثاني ليس من باب أنّه حجّة الإسلام، بل هو حجٌّ واجب عليه خاصّ بهذا المورد، فلا تنافي بين الأخبار في هذه الحال. ويفترض أن يأخذوا بهذا الخبر المعتبر إسناداً عندهم.

لكننا لا نأخذ بهذا الخبر؛ وذلك لتوليفة عناصر:

أوّلاً: إنّه خبر آحادي منفرد في بابه، مخالف لمقتضى القواعد والعمومات، ومعرَض عنه فقهيّاً.

ثانياً: إنّه مرسل بين ابن سماعة وأبان بن عثمان، بقوله: عن عدّة من أصحابنا، وقد أقرّ المجلسي في (مرآة العقول 17: 159) بالإرسال، فلا أدري كيف تمّ التعبير عنه بالصحيح في كلمات السيد الخوئي (تقرير الخلخالي) وغيره؟!

فالصحيح أنّ الحجّ البذلي يجزي عن حجّة الإسلام، ولا يجب الحجّ ثانيةً بعد حصول اليسار.

([18]) ما أفاده هو الصحيح؛ لعدم ثبوت اللزوم على الباذل عقلائياً، خلافاً للسيد فضل الله، غايته أنّه يضمن، فإنّه من نوع "ضمان الأمر" الثابت عند العقلاء.

([19]) إذ هو شكل من أشكال البذل، والحكم عينه يجري في سهم الإمام في الخمس، بناء على كونه ملكيّة يتولّاها الحاكم.

([20]) إذ هو مستحقّ للمال، فتحديد جهة الصرف عليه لا دليل على كونه ملزماً له، نعم إذا أخذ المال فاتفق أن صار مستطيعاً دخل في الاستطاعة الماليّة دون البذليّة.

([21]) بل الأقرب الإجزاء، وبخاصّة مع إمكان تأتي قصد القربة منه؛ لأنّ الاستطاعة من شروط الوجوب، لا من شروط الصحّة؛ وقد قلنا سابقاً بأنّه إذا حجّ ولو لم يكن مستطيعاً، صدق أنّه أدى الحجّ في العمر مرّة، وهذا كافٍ.

وربما تقول: إنّ السيد الخوئي يقول: «ليس للباذل بذل هذا المال؛ لأنّ‌ المفروض أنّه لم يكن له واقعاً، فالبذل غير سائغ وغير ممضى شرعاً في الواقع، فلم يتحقّق منه البذل الموجب للاستطاعة، وإنّما تحقّق منه في الخارج بذل المال المغصوب، وهو غير موجب للاستطاعة». وهذا يعني أنّ استدلال السيد الخوئي مبنيّ على أنّ تحقّق «الاستطاعة» منوطٌ بالمشروعيّة، أي أنّ عنوان الاستطاعة مقيّد بالقدرة من طريق الحلال، فإذا لم يتحقّق هذا العنوان واقعاً، فلن يتوجّه الأمر الوجوبي إلى المكلّف أساساً، حتى يقال بسقوط حجّة الإسلام عن المكلّف بامتثال ذلك الأمر، وعليه فإمّا أن يُلتزم بتقييد الاستطاعة بالمشروعيّة؛ وحينئذ تكون الاستطاعة شرطاً للوجوب، وبفقدانها ينتفي الوجوب، ومع انتفائه لا أمر حتى يمتثله المكلّف هنا، أو لا نلتزم بتقييد الاستطاعة بالمشروعيّة؛ وحينئذ يلزم تالٍ فاسد، وهو أنّ من تمكّن من الاختلاس والتصرّف غير المشروع في أموال الغير يُعدّ مستطيعاً أيضاً، ويجب عليه الإتيان بالحجّ من مال الغير، غاية الأمر أنّه يكون ضامناً لذلك المال.

والجواب: نحن لا نقول بأنّه مستطيع، بل نقول: لقد تحقّق منه فعل الحجّ خارجاً، فسقط الوجوب، ولو لم يصدق عليه عنوان الاستطاعة، فلا فرق بين شرط المشروعيّة وغيره هنا؛ لأنّ المشروعيّة وغيرها مرتبطة بالاستطاعة، فيما بحثنا مرتبط بالإجزاء المرتبط بفعل الحجّ خارجاً بصرف النظر عن الاستطاعة.

([22]) على طبق القاعدة في مسألة تعاقب الأيدي، وسوف يأتي الحديث عنها بالتفصيل في محلّه، إن شاء الله.