hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (شرائط وجوب حجّة الإسلام ـ القسم الرابع)

تاريخ الاعداد: 7/23/2026 تاريخ النشر: 7/23/2026
170
التحميل

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(16 ـ 7 ـ 2026م)

 


 

شرائط وجوب حجّة الإسلام

...

مسألة ٢٦: إذا كان ما يملكه ديناً على ذمّة شخصٍ، وكان الدين حالاً، وجبت عليه المطالبة، فإن كان المدين مماطلاً وجب إجباره على الأداء، وإن توقّف تحصيله على الرجوع إلى المحاكم العرفيّة لزم ذلك، كما تجب المطالبة فيما إذا كان الدين مؤجّلاً، ولكن المدين يؤدّيه لو طالبه، وأمّا إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً ولا يمكن إجباره أو كان الإجبار مستلزماً للحرج، أو كان الدين مؤجلاً والمدين لا يسمح بأداء ذلك قبل الأجل، ففي جميع ذلك إن أمكنه بيع الدين بما يفي بمصارف الحجّ، ولو بضميمة ما عنده من المال، ولم يكن في ذلك ضررٌ ولا حرج، وجب البيع، وإلا لم يجب([1]).

مسألة ٢٧: كلّ ذي حرفة كالحدّاد والبنّاء والنجار وغيرهم، ممن يفي كسبهم بنفقتهم ونفقة عوائلهم، يجب عليهم الحج، إذا حصل لهم مقدار من المال بإرث أو غيره، وكان وافياً بالزاد والراحلة ونفقة العيال مدّة الذهاب والإياب([2]).

مسألة ٢٨: من كان يرتزق من الوجوه الشرعيّة، كالخمس والزكاة وغيرهما، وكانت نفقاته ـ بحسب العادة ـ مضمونةً من دون مشقّة، لا يبعد وجوب الحجّ عليه فيما إذا ملك مقداراً من المال يفي بذهابه وإيابه ونفقة عائلته، وكذلك من قام أحدٌ بالإنفاق عليه طيلة حياته، وكذلك كلّ من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ وبعده من جهة المعيشة إن صرف ما عنده في سبيل الحجّ([3]).

مسألة ٢٩: لا يعتبر في الاستطاعة الملكيّة اللازمة،‌ بل تكفي الملكيّة المتزلزلة أيضاً، فلو صالحه شخصٌ ما يفي بمصارف الحجّ، وجعل لنفسه الخيار إلى مدّة معيّنة، وجب عليه الحجّ، وكذلك الحال في‌ موارد الهبة الجائزة([4]).

مسألة ٣٠: لا يجب على المستطيع أن يحجّ من ماله، فلو حجّ متسكّعاً أو من مال شخصٍ آخر، أجزأه، نعم إذا كان ثوب طوافه أو ثمن هديه مغصوباً، لم يجزئه ذلك([5]).

مسألة ٣١: لا يجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره، فلو وهبه أحدٌ مالاً يستطيع به لو قبله، لم يلزمه القبول، وكذلك لو طلب منه أن يؤجّر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً، ولو كانت الخدمة لائقةً بشأنه، نعم لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ واستطاع بذلك، وجب عليه الحجّ([6]).

مسألة ٣٢: اذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحجّ واستطاع بمال الإجارة، قدّم الحجّ النيابي إذا كان مقيّداً بالسنة الحالية، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحجّ، وإلا فلا، وإن لم يكن الحجّ النيابي مقيّداً بالسنة الفعليّة قدّم الحجّ‌ عن نفسه([7]).

مسألة ٣٣: إذا اقترض مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ، وكان قادراً على وفائه بعد ذلك، وجب عليه الحجّ([8]).

مسألة ٣٤: اذا كان عنده ما يفي بنفقات الحجّ، وكان عليه دين، ولم يكن صرف ذلك في الحجّ منافياً لأداء ذلك الدين،‌ وجب عليه الحجّ، وإلا فلا، ولا فرق في الدين بين أن يكون حالاً أو مؤجّلاً، وبين أن يكون سابقاً على حصول ذلك المال أو بعد حصوله([9]).

مسألة ٣٥: إذا كان عليه خمسٌ أو زكاة، وكان عنده مقدار من المال، ولكن لا يفي بمصارف الحجّ لو أدّاهما، وجب عليه أداؤهما، ولم يجب عليه الحجّ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخمس والزكاة في عين المال أو يكونا في ذمّته([10]).

مسألة ٣٦: إذا وجب عليه الحجّ، وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة، لزمه أداؤها، ولم يجز له تأخيره لأجل السفر إلى الحجّ، ولو كان ثياب طوافه وثمن هديه من المال الذي قد تعلّق به الحقّ، لم يصحّ حجّه([11]).


 

هل يجب الحج بمال هو دينٌ في ذمّة شخص آخر؟ صور وحالات

([1]) مرجع الحكم في هذه الصور التي ذكرها الماتن، هو تشخيص مدى صدق الاستطاعة عرفاً على هذا الشخص أو ذاك:

أ ـ ففي الصورة الأولى حيث كان الدين حالاً والمدين باذلاً، تصدق الاستطاعة.

ب ـ وكذا في الصورة الثانية ـ وهي كون الدين حالاً مع مماطلة المدين ـ؛ لأنّه في الحقيقة مالك لهذا المال، غاية الأمر أنّ هذا المال المملوك له يحتاج لبذل جهد في التمكّن من وضعه في يده والتصرّف به، لا في تملّكه له أو كونه لديه، ولهذا لزمه إجباره بالطرق القانونيّة لتحصيل المال الذي له عنده، وبخاصّة على ما بنينا عليه من أنّ تحصيل المال بالطريق الميسور قد يصدق عليه في بعض الأحيان عنوان المستطيع عرفاً. وأمّا مسألة الترافع عند المحاكم المدنيّة والعرفيّة، فقد سبق الكلام فيه في كتاب الاجتهاد والتقليد، عند التعليق على (المسألة رقم: 21).

ج ـ أمّا الصورة الثالثة، فالحكم فيها هو صدق الاستطاعة؛ لأنّ ملكه للمال وقدرته على التصرّف فيه ميسورة بمجرّد المطالبة، حتى لو كان الدَّين مؤجّلاً ما دام المدين مستعداً للبذل؛ إذ العرف في هذه الحال يرى أنّ هذا الشخص الذي يملك قيمة ما أعطاه للطرف الآخر، قادر على الوصول لمملوكه بلا ضرر ولا حرج، ولا يوجد مانع شرعي ولا عقلي، فما الوجه في نفي عنوان الاستطاعة عنه؟!

د ـ نعم، في الصورة الرابعة، وهي الصورة التي تنتفي فيها الصور الثلاث المتقدّمة، بحيث يكون الدَّين حالاً والمدين معسراً غير مقدورٍ على إجباره، أو يكون الدين مؤجّلاً والمدين غير باذل، ففي هذه الحال إذا كانت له طريقة للحصول على ماله ـ ولو بمثل بيع الدين بأقلّ من ثمنه ـ وكان هذا ضمن قواعد الاستطاعة المالية التي تكلّمنا عنها سابقاً، فإنّه ملزم بذلك؛ لأنّ عمليّة البيع هنا ليست تحقيقاً للاستطاعة، بل تسهيلٌ للتمكّن من البناء على هذه الاستطاعة خارجاً، فيندرج هذا كلّه في مقدّمات الوجود دون الوجوب، غايته أنّه لو لم تتوفر عمليّة البيع هذه ولا غيرها من السبل الممكنة، أو كان ذلك متوفّراً لكنّه حرجيّ أو ضرري بمقدار يجحف بالحال ـ كما قلنا سابقاً ـ لم يصدق عليه أنّه مستطيعٌ بالفعل.

([2]) المسألة واضحة، ولعلّ الماتن ذكرها للإشارة إلى مثال من الأمثلة التي تشرح أنّ الرجوع إلى كفاية لا يلزم فيه فعليّة الكفاية بمجرّد الرجوع، بل يكفي أن تكون بالقوّة ـ كالموظّفين والمياومين وغيرهم، ممن يملكون الكفاية بالقوّة دون الفعل ـ بعد العودة من الحجّ. وقد تقدّم آنفاً الكلام عن هذا الموضوع، فلا نعيد.

 

حجّ من يعتاشون على نفقة غيرهم أو على الحقوق الشرعيّة

([3]) الكلام في هذه المسألة كالكلام في التي سبقتها، فلا نعيد، والأمر واضح. مع ضرورة توضيح أنّ مال الخمس والزكاة لا فرق في حال من يعتاش عليهما بين أن يحصل عليهما بنحو التمليك أو بنحو الترخيص والإذن في التصرّف والاستهلاك؛ لأنّ الثاني سوف يكون استطاعة بذليّة في هذه الحال.

وقد تسأل: هل يظلّ هذا الشخص بعد صيرورة الحجّ واجباً عليه مستحقّاً للخمس في هذه الحال؟

والجواب: لا مانع من ذلك، إمّا لكون الحجّ أصبح من حاجاته الشرعيّة بعد تحقّق الاستطاعة، أو لكون أخذه الخمس لا بعنوان الفقير على ما يراه الحاكم، أو غير ذلك.

 

مديات تحقّق الاستطاعة بين الملكيّة اللازمة والمتزلزلة

([4]) اختلف الفقهاء في كفاية الملكيّة المتزلزلة في تحقّق الاستطاعة، فذهب كثيرون ـ ومنهم ماتن العروة ـ إلى أنّها غير كافية، فيما مال السيد الماتن هنا للكفاية.

وعمدة دليل الكفاية هو صدق أنّ الإنسان واجدٌ للزاد والراحلة في صورة ملكيّته المتزلزلة، وتشمله نصوص «عنده ما يحجّ به»، وليس في النصوص ما يشير لضرورة كون الملكيّة لازمة، والمفروض أنّ أصالة عدم فسخ الطرف الآخر جارية بملاحظة المستقبل، فالعناصر جميعها مكتملة لتحقيق عنوان الاستطاعة. وبعبارة أخرى: الحجّ يتنجّز بمجرّد تحقّق "الملكيّة"، أمّا احتمال فسخ الواهب مستقبلاً فهو مجرّد احتمال لزوال القدرة لاحقاً، والقاعدة تنصّ على أنّ الشكّ في بقاء القدرة مستقبلاً لا يمنع من تنجّز التكليف الفعلي، فإن فَسَخ الطرف الآخر لاحقاً وسحب ماله، انكشف لنا سقوط التكليف؛ لانتفاء موضوعه، وإلا مضى المكلّف في حجّه.

ونوقش بأنّ الملكيات المتزلزلة في معرض الزوال، وفي هذه الحال لا يرى العرف تحقّق عنوان الاستطاعة.

والتحقيق التفصيل بين حالات:

الحالة الأولى: أن يحصل للمكلّف وثوق وظنّ عالٍ بأنّ الطرف الآخر لن يقوم بفسخ المعاملة، ولن يستردّ هبته غير المعوّضة مثلاً، وفي هذه الحال لا شكّ في أنّ العرف يرى تحقّق الاستطاعة؛ لأنّ تمام عناصرها مكتملة.

الحالة الثانية: أن لا يحصل للمكلّف هذا الوثوق والظنّ العالي، فضلاً عن اليقين، فهنا ليس واضحاً أنّ العرف يعتبره مستطيعاً، وبخاصّة لو كان هناك ظنّ بأنّ الطرف الآخر سوف يفسخ، بل يرى حالته المالية معلّقة، ومن ثم فعنوان الاستطاعة سنخُ عنوان معلّق غير ثابت، والأدلّة الدالّة على شرط الاستطاعة ظاهرها الانصراف لحالة الوثوق بالقدرة على الحجّ وعدم تسبّب ذلك بأيّ حرج أو إجحاف له، وفي مثل هذه الحال يصعب الاستناد إليها، لانعدام هذا الوثوق النوعي، وعلى الأقل لا يظهر منها إطلاقٌ؛ لعدم كونها ناظرة لمثل هذه التفاصيل في أنواع الملكيّات.

الحالة الثالثة: أن يكون المكلّف قادراً على نقل حالة التزلزل إلى حالة اللزوم، عبر التصرّف بالمال تصرّفاً موجباً للزوم، كما في البيع وغيره من النواقل، فإذا وهبه زيد لوحةً فنّية ثمينة جداً، ملكها بملكيّة متزلزلة، فإذا كان قادراً ـ بلا حرج ولا مشقّة ـ على بيعها، قبل استردادها من الطرف الآخر، صدق عليه أنّه مستطيع؛ والنكتة في ذلك صدق عنوان الوثوق بأنّ هذا المال مستقرّ ـ عملاً ـ في ملكيّته، وأنّ حجّه مضمون لا مخاطرة فيه.

فالأقرب القول بأنّه لو كان واثقاً أو لديه ظنّ عالٍ ـ فضلاً عن اليقين ـ بأنّه لن يقوم باسترداد الهبة مثلاً، ولو لنقل الموهوب له الملكية من التزلزل إلى اللزوم، ثبتت الاستطاعة ووجب عليه الحجّ، وإلا ـ وبخاصّة لو حصل له ظنٌّ بأنّه سوف يستردّها ـ فصدق عنوان الاستطاعة عرفاً مشكوك، ويكفي الشكّ في هذه الحال؛ إذ لا يمكن التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للعام نفسه.

يُضاف إلى ذلك أنّ أصالة عدم الفسخ أو الاستصحاب الاستقبالي هنا، لا حجيّة لها إذا لم ترجع لنكتة عقلائيّة، كما تحدّثنا عن ذلك عند التعليق على (المسألة رقم: 733)، من بحث صلاة القضاء، ومن غير الواضح أنّ العقلاء يعملون بمثل هذا الاستصحاب في موردٍ من هذا القبيل، بل الراجح أنّهم يعتبرونه محض فروضٍ ذهنيّة. ويكفي الشكّ في عملهم به؛ لكون المشار إليه في نصوص الاستصحاب هو الارتكازات العقلائيّة، وهي أدلّة لبيّة يؤخذ فيها بالقدر المتيقّن.

 

عدم تعيّن صرف مال الاستطاعة عينه في سفر الحجّ وحكم الحجّ بمالٍ مغصوب

([5]) يهدف السيد الماتن هنا للتمييز بين مال الاستطاعة الموجب لثبوت وجوب الحج في ذمّته، ونفقات الحجّ الفعلية الخارجيّة التي يصرفها الحاجّ بالفعل في أثناء سفره لمكّة وأدائه المناسك؛ وذلك أنّ مال الاستطاعة يُثبت الوجوب، لكنّه لا دليل على لزوم كون السفر من مال الاستطاعة نفسه، ولهذا لو حجّ بمال شخص آخر كفى، وهكذا لو حجّ متسكّعاً، كي يحتفظ بمال الاستطاعة، فهذا شأنه، إذ المهم ـ بعد تحقّق الوجوب ـ أن يوصل نفسه إلى مكّة ويقوم بأداء المناسك.

والفصل هنا شأنٌ واقعيّ، وليس شأناً دلاليّاً، بمعنى أنّه حصل على مال الاستطاعة، فوجب عليه الحجّ، فأراد ـ ولو لكونه بخيلاً مثلاً ـ أن يجمع بين بقاء المال عنده وذهابه للحجّ عبر الذهاب متسكّعاً، لا عبر الذهاب بمال الاستطاعة الذي عنده.

وعلى أساس هذه القاعدة يأتي الحديث عن الحجّ بالمال المغصوب، وهنا تفصيل بين صورتين:

الصورة الأولى: أن يحجّ المستطيع بمال مغصوب يصرفه في كلّ شيء عدا المناسك نفسها، بمعنى أن يحصل منه على تذكرة الطائرة ذهاباً وإياباً، ويصرفه في التنقّل في الأماكن المختلفة في مكّة والمشاعر والمواقيت وما بينها، وغير ذلك من مثل أكله وشربه ولوازمه، فهنا قالوا بأنّه يمكن للمستطيع أن يحجّ بمال عنده مغصوب، حصل عليه قبل أو بعد الاستطاعة، وهو وإن كان مرتكباً للحرام في تصرّفه بهذا المال المغصوب، لكنّه يكون قد أدّى الحجّ، وبخاصّة أنّ تصرّفه في المال المغصوب لا يرتبط مباشرةً بأعمال الحجّ ذاتها، بل بالمقدّمات والمصاحبات.

لكنّ السيد فضل الله استشكل ـ بنحو الاحتمال ـ هنا، فقال بأنّ العقلاء لا يعتبرون هذا الحجّ مصداقاً للواجب، وأنّ جعله كذلك مبنيٌّ على مقارباتٍ عقليّة عند الأصوليّين (فقه الحج 1: 138).

وقد يناقش: بأنّ المسألة ليست مسألة مقاربات عقليّة، بل هي تفكيك عقلائي بين المقدّمات والأفعال، فإنّ العقلاء يقولون هنا بأن ّهذا الشخص حجّ بمال حلال، وكلمة «الحجّ» تعني القيام بالمناسك، وسبب الوهم أنّنا اليوم نعبّر بحَجَّ فلانٌ، ونقصد ما يشمل مطلق المقدّمات الوجوديّة التي هي ليست جزءاً من المناسك كالسفر وغير ذلك، ولو فصلنا الأمرين عن بعضهما لقلنا ـ بلا تدقيقٍ فلسفي ـ بأنّ هذا الشخص مكّن نفسه من الحجّ بمال مغصوب، لكنّه حجّ بمال حلال.

الصورة الثانية: أن تكون مناسك الحجّ نفسها بمال مغصوب، ولا يمكن تصوّر هذا الأمر إلا في موردين، لهذا ذكرهما الماتن هنا وكأنّهما استثناء من القاعدة، وهما:

أ ـ ثوب الطواف وصلاة الطواف، على قاعدة اشتراط الإباحة فيه. والمراد هنا أنّ عين الثوب كانت مغصوبة، لا أنّه غصب مالاً، ثمّ اشترى به ـ بنحو الشراء في الذمّة ـ ثوبي الإحرام، فإنّه لا شكّ في هذه الحال في صحّة حجّه.

لكنّنا ناقشنا أصل هذه المسألة في بحث الستر والساتر في الصلاة، عند التعليق على شرط الإباحة في لباس المصلّي، وقلنا بأنّه لا دليل على ذلك، بل غايته أنّه يكون قد فعل حراماً، وفي الوقت نفسه حقّق الواجب من جهة أخرى.

ب ـ ثمن الهدي، باعتباره جزءاً من النسك، وإطلاق عبارة الماتن يوحي بأنّ مغصوبيّة ثمن الهدي كافٍ في البطلان، لكن في الحقيقة يلزم التمييز بين كون شراء الهدي بالثمن المغصوب عينه، وكون الشراء في الذمّة وسدّدَ ما في ذمّته من المال المغصوب الموجود في يده؛ إذ في الحالة الثانية لا داعي للحكم بالبطلان؛ لأنّ المفروض أنّ الهدي لم يكن ثمنه محرّماً؛ إذ هو في الذمّة، غاية ما في الأمر أنّ المشتري سدّد ما في ذمّته من مالٍ محرّم. أمّا في الحالة الأولى فصحيح، والأوضح منها ما لو كانت عين الهدي مغصوبةً كما هو جليّ.

وعليه، اعتبروا أنّه لو ذبح الهدي الذي ثمنه مغصوب، لا يكون ما ذبحه مصداقاً للواجب؛ لأنّه ليس هديَه، بل هدي شخص آخر، وقد قالوا بأنّ ترك الهدي في الحجّ عن علم وعمد موجب لبطلان الحجّ والطواف، كما سوف يأتي بحثه إن شاء الله.

([6]) أصل عدم وجوب تحصيل الاستطاعة مقبول إذ لا يجب تحصيل شرط الوجوب، كما هو واضح، لكنّنا بحثنا عند التعليق على (المسألة رقم: 19) من المناسك، وقلنا بأنّ الأمر ليس على إطلاقه، فراجع.

 

تزاحم الحجّ النيابي مع حجّة الإسلام

([7]) الحكم واضح؛ لأنّ الحجّ النيابي مقدَّم على حجّة الإسلام؛ إذ يقع في رتبة المانع الشرعي المعيق عن تحقّق الاستطاعة في سنتها، ولهذا قال الماتن بأنّه لو لم تبقَ الاستطاعة سقط الحجّ عنه؛ لأنّ وجودها في العام الذي تقع فيه المزاحمة مع الحجّ الإجاري لا قيمة له؛ لأنّ تمام عناصر الاستطاعة لم تتحقّق، فالتعبير بأنّه استطاع في هذه الحال تعبيرٌ تعليقي تقديري، أي على تقدير عدم وجود الحجّ النيابي في ذمّته.

ولا فرق في ذلك بين العام الأوّل والثاني، خلافاً لما توحيه عبارة الماتن هنا؛ فإنّه حتى لو كان الحجّ النيابي في العام الثاني وكان حجّه عن نفسه في هذا العام موجباً لعدم قدرته على الحجّ النيابي الإجاري، لم يجب عليه الحجّ عن نفسه هذا العام؛ لأنّ وجوب الحجّ النيابي ولو في العام القادم يفرض عليه توفير المقدّمات، فحجّه عن نفسه بهذه الطريقة حيلولة دون حجّه الإجاري. وبعبارة جامعة: يلزم في حجّه عن نفسه أن لا يصبح عاجزاً عن الوفاء بحجّه النيابي في الوقت المطلوب منه.

وهذه المسألة بالصيغة التي طرحها السيّد الماتن، تتناسب مع فكرة الفوريّة في وجوب الحجّ، أمّا لو قلنا بعدم الفوريّة، فإنّ وجود مال الاستطاعة لديه في العام الأوّل كافٍ في ثبوت وجوب الحجّ عليه في العام الثاني، حتى لو فرض أنّه يلزمه الحج النيابي في العام الأوّل؛ وعليه الاحتفاظ بهذا المال؛ لأنّ الحجّ ثبت في ذمّته، وهو غير مقيّد من الأساس بعام تحقّق الاستطاعة، والمفروض أنّه استطاع وقادرٌ على الحجّ في العام القادم، فيثبت الحجّ عليه مطلقاً.

بل قد يقال ـ ولو على مبنى الفوريّة ـ بأنّ الحجّ النيابي غايته أنّه بالنسبة إليه كفقدان الاستطاعة البدنيّة، الأمر الذي يُلزمه بالحجّ النيابي بنفسه، وباستنابة الغير في العام نفسه ليحجّ له عن نفسه، وسيأتي الحديث عن تفاصيل الحجّ النيابي في محلّه قريباً إن شاء الله.

 

الحجّ بمال القرض

([8]) إذ بعد تحقّق القرض أصبح لديه مال الاستطاعة، وذهابه للحجّ لا يوقعه في حرجٍ أو نحوه؛ لأنّ المفروض أنّه قادر على الوفاء به لاحقاً بسهولة، وبخاصّة على تقدير التأجيل في أداء الدين لمدّة طويلة كسنواتٍ عديدة. نعم لا يلزمه الاقتراض عند الماتن مطلقاً؛ لعدم وجوب تحصيل شرط الوجوب، وعندنا على تفصيل سبق بيانه عند التعليق على (المسألة رقم: 19) من المناسك، فراجع.

 

الحجّ وعليه قرضٌ

([9]) الحكم واضح، لكن لا بدّ من تقييده بأن لا يلزم من صرف المال في الحجّ وقوعه في حرجٍ حال قضائه الدين بعد ذلك، بحيث يكون صرف المال في الحجّ حرجيّاً عليه عرفاً، أي يوقعه في الحرج، وإلا فلو كان تسديد الدين بعد عودته ممكناً وسلسلاً، فلا شكّ في صدق عنوان المستطيع عليه. وهذا الأمر يتأثر أحياناً بأجل الدين البعيد والقريب، كما يتأثر أحياناً أخرى بمقدار الدين وقياسه لمقدار نفقات الحج وهكذا.

هذا، وأنت تلاحظ أنّ الكثير من هذه المسائل مرجعها لتشخيص الفقيه مدى صدق عنوان الاستطاعة في هذا المورد أو ذاك، ولا ضرر في هذا الأمر، من حيث إنّ بعض النقاط قد تتطلّب نظراً فقهيّاً، وإلا فالأصل في هذا كلّه أن يحال للمكلّف والعرف، لينظر في مدى صدق كونه مستطيعاً أو لا، بعد توضيح معنى الاستطاعة له بشكل مبسّط وجليّ وعرفيّ.

 

تزاحم الحجّ مع أداء الحقوق الشرعيّة كالخمس والزكاة

([10]) الحكم واضح، لأنّ الخمس والزكاة من الديون، بل الخمس قد يكون أوضح؛ من حيث إنّه خرج في الحقيقة من ماله بمجرّد حلول رأس السنة على أقلّ تقدير، فلا يكون مستطيعاً بعد ثبوت دينٍ في ذمّته كأيّ دينٍ آخر، وبهذا يُعلم أنّه لا يصحّ اعتبار الحجّ من المؤونة هنا؛ لأنّ مفروض المسألة هو تعلّق الخمس والزكاة بذمّته، وبعد ذلك يأتي السؤال هل يجب عليه الحجّ أو لا؟ وفي هذه الحال لا يصدق عليه عنوان المستطيع، إذا لم يكن ما بقي ـ بعد أداء الحقوق الشرعيّة ـ كافياً للذهاب للحجّ.

 

عدم جواز تأخير أداء الديون الحالّة الفوريّة لما بعد أداء الحجّ

([11]) المانع الشرعي كالمانع العقلي، فحيث يجب عليه أداء الديون فوراً لزمه القيام بهذا الواجب في وقته، لكنّ الماتن لم يتكلّم عن صورة ما لو استلزم إيصال المال لمستحقّه أو للحاكم عدمَ القدرة على الالتحاق بقافلة الحجّ، والمفترض أنّ الحكم هو نفسه؛ ولو بملاك تقدّم حقّ الناس على حقّ الله، أو احتمال كونه أهمّ، فيترجّح بهذا الملاك، وفقاً لقواعد التزاحم.

أمّا بالنسبة إلى ثياب الطواف وثمن الهدي، فقد تقدّم الحديث عنهما، عند التعليق على (المسألة رقم: 30) من المناسك، بل قد يقال هنا بالتفصيل بين الخمس والزكاة، وفقاً لمبنى من المباني الفقهيّة فيهما، وهو المبنى الذي يرى أنّ الخمس يَخرُجُ شرعاً من ملكية صاحبه إلى ملكية الجهة، بحلول رأس السنة على أقلّ تقدير، فيكون التصرّف فيه تصرّفاً في مالٍ مغصوب، بينما الزكاة تظلّ على ملكيّة صاحبها، غايته يجب عليه أن يخرج من ماله هذا المبلغ وجوباً تكليفيّاً، فلو صرفه في ثوبَي الإحرام أو ثمن الهدي لم يكن ذلك تصرّفاً في مالٍ مغصوب في الحقيقة، فالحكم فيه أوضح.