hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (شرائط وجوب حجّة الإسلام ـ القسم الثالث)

تاريخ الاعداد: 7/16/2026 تاريخ النشر: 7/16/2026
30
التحميل

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(9 ـ 7 ـ 2026م)

 


 

شرائط وجوب حجّة الإسلام

...

الثالث: الزاد والراحلة([1])، ومعنى الزاد هو وجود ما يتقوّت به في الطريق من المأكول والمشروب وسائر ما يحتاج إليه في سفره، أو وجود مقدار من المال (النقود وغيرها) يصرفه في سبيل ذلك ذهاباً وإياباً، ومعنى الراحلة هو وجود وسيلة يتمكّن بها‌ من قطع المسافة ذهاباً وإياباً، ويلزم في الزاد والراحلة أن يكونا مما يليق بحال المكلّف([2]).

مسألة ١٨: لا يختصّ اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة إليها، بل يشترط مطلقاً ولو مع عدم الحاجة إليها، كما إذا كان قادراً على المشي من دون مشقّة ولم يكن منافياً لشرفه([3]).

مسألة ١٩: العبرة في الزاد والراحلة بوجودهما فعلاً، فلا يجب على من كان قادراً على تحصيلهما بالاكتساب ونحوه([4])، ولا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد([5]).

مسألة ٢٠: الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ إنّما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فإذا ذهب المكلّف إلى المدينة مثلاً للتجارة أو لغيرها، وكان له هناك ما يمكن أن يحجّ به من الزاد والراحلة أو ثمنهما وجب عليه الحج، وإن لم يكن مستطيعاً من بلده([6]).

مسألة ٢١: إذا كان للمكلّف ملكٌ، ولم يوجد من يشتريه بثمن المثل، وتوقّف الحجّ على بيعه بأقلّ منه بمقدار معتدّ به،‌ لم يجب البيع([7])، وأمّا إذا ارتفعت الأسعار فكانت أجرة المركوب مثلاً في سنة الاستطاعة أكثر منها في السنة الآتية، لم يجز التأخير([8]).

مسألة ٢٢: إنّما يعتبر وجود نفقة الإياب في وجوب الحج فيما إذا أراد المكلّف العود إلى وطنه. وأمّا إذا لم يرد العود وأراد السكنى في بلدٍ آخر غير وطنه، فلا بدّ من وجود النفقة إلى ذلك البلد، ولا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه. نعم إذا كان البلد الذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه لم يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه([9]).

الرابع: الرجوع إلى الكفاية، وهو التمكّن بالفعل أو بالقوّة من إعاشة نفسه وعائلته بعد الرجوع. وبعبارة واضحة: يلزم أن يكون المكلّف على حالة‌ لا يخشى معها على نفسه وعائلته من العوز والفقر بسبب صرف ما عنده من المال في سبيل الحج، وعليه فلا يجب على من يملك مقداراً من المال يفي بمصارف الحج وكان ذلك وسيلة لإعاشته واعاشة عائلته، مع العلم بأنّه لا يتمكّن من الإعاشة عن طريقٍ آخر يناسب شأنه، فبذلك يظهر أنّه لا يجب بيع ما يحتاج إليه في ضروريّات معاشه من أمواله، فلا يجب بيع دار سكناه اللائقة بحاله وثياب تجمّله وأثاث بيته، ولا آلات الصنائع التي يحتاج إليها في معاشه، ونحو ذلك مثل الكتب بالنسبة إلى أهل العلم مما لا بدّ منه في سبيل تحصيله. وعلى الجملة كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في حياته، وكان صرفه في سبيل الحج موجباً للعسر والحرج لم يجب بيعه. نعم لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة، وجب بيع الزائد في نفقة الحج، بل من كان عنده دار قيمتها ألف دينار ـ مثلاً ـ ويمكنه بيعها وشراء‌ دار أخرى بأقلّ منها من دون عسرٍ وحرج، لزمه ذلك إذا كان الزائد وافياً بمصارف الحج ذهاباً وإياباً وبنفقة عياله([10]).

مسألة ٢٣: إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحج لحاجته إليه، ثمّ استغنى عنه،‌ وجب عليه بيعه لأداء فريضة الحج، مثلاً إذا كان للمرأة حليّ تحتاج إليه، ولا بدّ لها منه، ثمّ استغنت عنه؛ لكبرها أو لأمر آخر، وجب عليها بيعه لأداء فريضة الحج([11]).

مسألة ٢٤: إذا كانت له دار مملوكة وكانت هناك دار أخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرجٍ عليه،‌ كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه، وجب عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصارف الحج، ولو بضميمة ما عنده من المال، ويجري ذلك في الكتب العلميّة وغيرها مما يحتاج إليه في حياته([12]).

مسألة ٢٥: إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحج وكان بحاجة إلى الزواج أو شراء ‌دار لسكناه أو غير ذلك مما يحتاج إليه، فإن كان صرف ذلك المال في الحجّ موجباً لوقوعه في الحرج، لم يجب عليه الحجّ، وإلا وجب عليه([13]).


 

4 ـ الاستطاعة الماليّة (ضرورة استبدال عنوان الزاد والراحلة بعنوان النفقة وتكاليف الحجّ)

([1]) تعبير "الزاد والراحلة" تعبيرٌ قديم، والأفضل استبداله اليوم بتعبير "نفقة الحجّ وتكاليفه ومصاريفه". ودليل هذا النوع من الاستطاعة واضح وهو مجموعة عديدة من الروايات، مضافاً لعدم صدق الاستطاعة عرفاً على من لا يتوفّر له نفقة الحجّ المطلوبة للسفر ونحوه.

يضاف على ذلك أنّ نفقة الحجّ لا تقتصر على وسيلة السفر والزاد، بل تشمل نفقات الحاج في فترة استقراره لأداء المناسك، وهذا يشمل نفقات حجز الفنادق ومكان الإقامة، والقدرة على التنقّل بين المناطق التي تُقام فيها الشعائر، وغير ذلك مما يتعارف الحاجة إليه، ويختلف باختلاف الأزمنة، بل باختلاف الأفراد، فقد يحتاج شخص إلى أن يكون مقرّ إقامته بارداً بسبب وضعٍ صحّي عنده، حيث لا يتحمّل شدّة الحرّ باستمرار، ويستلزم ذلك نفقة أعلى لمكان الإقامة، وهكذا.

 

تأمّلٌ في شرط كون الزاد والراحلة مما يليق بحال المكلّف (مفهوم الشأنيّة)

([2]) هذا القيد بهذه الطريقة محلّ نظر؛ فإنّ جملة «يليق بالحال» أو «الشأنيّة»، أوسع من مقتضى الدليل المتوفّر هنا؛ إذ قد يكون من متطلّبات مكانته الاجتماعيّة أن ينزل في فندقٍ ذي كلفة باهظة، فنزوله في غيره لا يليق بحاله، لكنّه لو نزل فيه فلا يلزم منه حرجٌ ولا إهانة ولا مشقّة، بل قد يكون تعبيراً عن التواضع والزهد والعزوف عن الدنيا في رحلة الحجّ، بما يرفع من احتماليّات الحرج أو الإهانة في حقّه، وهنا لا دليل على شرط توفّر ما يليق بحاله. بل بعض النصوص التي ناقشها الفقهاء هنا والتي تفرض الحجّ ولو مع مشقّة، ربما تكون ناظرةً لكسر تبريرات الناس وحُججهم الوهميّة المزعومة في أنّ الحجّ شاقٌّ أو غير مقدور لهم أو لا تناسبهم هذه الطريقة أو تلك في السفر والإقامة، على الرغم من بناء الشريعة للحجّ ـ وفق مجمل النصوص في بابه ـ على العزوف عن الدنيا والتجمّلات الزائدة.

وبتعبير آخر: هذا التعبير الفقهي هنا يمكن أن يكون مضلِّلاً، فيفترض استبداله بتعبير: «ويلزم في نفقة الحجّ أن تكون بحيث لا يقع المكلّف في ضررٍ أو حرج ومشقّة شديدة، محكوم برفعهما بدليلَي: نفي الضرر والحرج». وبعد ذلك يصار لإحالة الموقف للمكلّف نفسه وظروفه العرفيّة.

أمّا استدلال بعض الفقهاء بقاعدة نفي الحرج لاشتراط الشأنيّة والشرف، فهو أخص من المدّعى، فليس كلّ ما ينافي الشأنيّة يوجب الحرج المسقط للتكاليف، بل هل يثبتون هذا الشرط في باب الصلاة فيما لو كان المكلف في جمعٍ أو وضعٍ يعدّ فيه إتيان الصلاة منافياً لشأنه؟!

 

طريقيّة شرط الزاد والراحلة (مناطيّة القدرة العرفيّة دون ذات الزاد والراحلة ولو مع عدم الحاجة إليهما)

([3]) مستند هذه الفتوى هو إطلاقات نصوص اشتراط الزاد والراحلة، فإنّ هذه النصوص لم تشر لإمكانيّة الحجّ من دون الزاد والراحلة بلا مشقّة، فيفهم منه أنّ الاستطاعة هنا شرعيّة بمعنى خاصّ، وهذا ما ذهب إليه المشهور.

لكنّ الصحيح أنّ تعابير الزاد والراحلة في النصوص ليست إلا تعابير يفهم منها العرف القدرة على السفر والإقامة والعودة، إذ هذا هو السفر المتعارف في تلك الأزمنة، فبدون زادٍ لا يمكنه أن يعيش، ومن دون الراحلة لا يمكنه أن يسير إلا بمشقّة عالية، فتُحمل هذه النصوص على الحالة المتعارفة في الأسفار بين الناس من حيث كونها يطلب منها تأمين مؤونة السفر ووسيلته، ومن دون ذلك غالباً ما يكون حرجيّاً وشاقاً. وربما يؤيّد ما نقول أنّ الراحلة في اللغة العربية غالباً ما تطلق على الجمل المتمكّن من السفر، فهل يسقط الحجّ عن المكلّف لو لم يتمكّن منه، بل تمكن من الفرس أو السيارة أو الطائرة؟!

بل إنّ النص القرآني واضح في التقعيد هنا؛ إذ جَعَلَ المعيار هو الاستطاعة، فلو كان مستطيعاً للحجّ بلا راحلة ولم يكن في ذلك مشقّة عليه ولا إهانة ولا ضرر ولا غير ذلك، وجب عليه الحجّ، كما لو كان بيته قريباً من مكّة المكرّمة، بل تعبير القرآن بأنّهم يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامر، يفهم منه أنّ الحجّ يمكن أن يكون عبر المشي أو باستخدام البعير الضامر، وهو البعير الهزيل مع قدرته على المشي، مما يكشف عن الطبيعة المجهدة لرحلة الحجّ في نفسها.

ولعلّه يؤيّد ذلك أيضاً بعض النصوص التي تدلّ على الحج ولو على حمار أجدع أبتر، كما في خبر الحلبيّ، عن أبي عبد الله×، في قول الله عزّ وجل: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾، قال: ما السبيل؟ قال: «أن يكون له ما يحجّ به، قال: قلت: من عرض عليه ما يحجّ به، فاستحيى من ذلك، أهو ممن يستطيع إليه سبيلاً؟ قال: «نعم، ما شأنه أن يستحيي ولو يحجّ على حمار أجدع أبتر، فإن كان يطيق أن يمشي بعضاً ويركب بعضاً، فليحجّ» (الكافي 4: 266 ـ 267)، وخبر أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله×، يقول: «من عرض عليه الحج ولو على حمار أجدع مقطوع الذنب، فأبى، فهو ممّن يستطيع الحجّ» (الصدوق، التوحيد: 350)، وخبر معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×، في قول الله عز وجل: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾، قال: «هذا لمن كان عنده مال وصحّة، فإن سوّفه للتجارة فلا يسعه ذلك، وإن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا ترك الحجّ وهو يجد ما يحجّ به، وإن دعاه أحدٌ إلى أن يحمله، فاستحيى فلا يفعل، فإنّه لا يسعه إلا أن يخرج ولو على حمار أجدع أبتر، وهو قول الله عز وجل: ﴿ومن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين﴾..» (تفسير العياشي 1: 190).ومثلها أخبار أخر كخبر محمّد بن مسلم (الاستبصار 2: 140)، أو تدلّ على وجوب الحجّ على القادر على المشيّ، كخبر معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله×، عن رجلٍ عليه دَين، أعليه أن يحجّ؟ قال: «نعم، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين، ولقد كان أكثر من حجّ مع النبيّ‘ مشاة، ولقد مرّ رسول الله‘ بكراع الغميم، فشكوا إليه الجهد والعنا، فقال: شدّوا أزركم واستبطنوا، ففعلوا ذلك فذهب عنهم» (تهذيب الأحكام 5: 11)، وغيره، وقد أفرد الحرّ العاملي باباً تحت عنوان «باب وجوب الحجّ على من أطاق المشي كلاً أو بعضاً، وركوب الباقي من غير مشقّة زائدة» (تفصيل وسائل الشيعة 11: 43 ـ 44).

والنتيجة: إنّ المعيار هنا هو النص القرآني المبيِّن للمناط والمدار، وهو الاستطاعة، وأمّا نصوص الزاد والراحلة، فهي تعبير عن القدرة المتعارفة بلا مشقّة للسفر وأداء المناسك، لا أنّها تعريف شرعي جديد لمفهوم الاستطاعة في الآية، فالآية قادرة على تفسير عنوان الزاد والراحلة في النصوص أكثر من قدرة النصوص الحديثية على تأويل معنى الاستطاعة بواسطة ابتكار مدلولٍ شرعي خاصّ للكلمة، فالتمسّك بها بطريقة حرفيّة لا دليل عليه.

وعليه، فكلّ من قدر ـ بلا ضررٍ ولا حرجٍ ولا مشقّةٍ ولا مهانة ـ على الحجّ، ولو مشياً، وجب عليه الحجّ.

 

مراجعة في إطلاق القول بعدم وجوب تحصيل المال للحجّ

([4]) المستند في ذلك هو عدم وجوب تحصيل شرط الوجوب على ما تقرّر في علم أصول الفقه، وقد فهموا من شرط الوجوب أن تكون القدرة على الزاد والراحلة مساويةً لوجود الزاد والراحلة بالفعل، وأنّ هذا هو مفاد النصوص، وبهذا تكون الاستطاعة مصطلحاً شرعيّاً خاصّاً لا يساوي مطلق القدرة العقليّة ولا حتى العرفيّة.

لكن يمكن النقاش في ذلك، بما قلناه آنفاً من أنّ تعابير الروايات عن الزاد والراحلة ليست سوى معبّر عن القدرة العرفيّة، فإنّهم يعبّرون عن القادر عرفاً على السفر بأنّه يملك الزاد والراحلة؛ لمشقّة السفر من دونهما في العادة، ولهذا نحن اليوم نقول: إنّ استطاعتك للسفر من حلايب (على حدود السودان) إلى السلّوم (على حدود ليبيا)، متوقّفة على قدرتك على حجز تذكرة سفر بالطائرة أو القطار أو الحافلة، مع أنّه من الممكن ـ ولو في حالات قليلة ـ أن يسافر ماشياً، لكن لأنّ هذا في العادة أمرٌ شاقّ، لهذا يستخدم التعبير الغالب، وهو بيان وسائل النقل المتعارفة بحسب المكان والزمان، وكأنّ الروايات لا تريد إيقاع العبد في المشقّة السفريّة، ولهذا أخذت وسيلة النقل بعين الاعتبار.

وفقاً لهذا الفهم للنصوص، والمنسجم مع الدلالة اللغويّة والعرفيّة لكلمة الاستطاعة في النصّ القرآني، فإنّه في العديد من المواضع يصدق عرفاً على الشخص أنّه قادر على الحجّ ومستطيع حتى لو لم يكن يملك الآن الزاد والراحلة، كما لو كان قادراً على تحصيل المال في مدّة زمنية قصيرة وبسهولة عالية، كأن يشارك في صفقة تجارية معيّنة مضمونة النتائج، أو يكون طياراً (قائد طائرة)، بحيث يمكنه أن يطلب من الشركة أن تسمح له بأن تكون رحلةٌ من رحلاته إلى مدينة جدّة، ويصادف ذلك موسم الحجّ.

إنّ مثل هؤلاء يصدق عرفاً عليهم أنّ بإمكانه الذهاب للحجّ، بخلاف الذي يحتاج مدّة زمنية معتدّ بها لتحصيل المال وجمعه كي يتمكّن، فهذا لا يقال له بأنّه مستطيع الآن عرفاً للذهاب للحجّ هذا العام أو العام القادم أو نحو ذلك، كما هي الحال مع أغلب الناس محدودي الدخل أو متوسّطي الدخل.

بل ربما يقال بأنّ هذه الطريقة في التفكير الفقهي عندهم بعيدة عن الفهم المقاصدي، فإنّهم فسّروا الاستطاعة في الروايات بوجود الزاد والراحلة، ووجود الزاد والراحلة ظاهرٌ عندهم في الوجود الفعلي، فيما المنهج المقاصدي، بل حتى المنهج الذي يرى القضايا الدينية في حالتها الطبيعيّة قضايا عرفيّة قابلة للإدراك بحسب الارتكاز العرفي، يفهم أنّ المناط في هذه الخطابات هو قدرة الشخص على تأمين ما يحتاج إليه في سفره، ولا يهمّ بعد ذلك أن يكون قد أمّنه مسبقاً أو كان واثقاً بقدرته على تأمينه في الطريق وما شابه ذلك.

 

اشتراط الراحلة بين القريب والبعيد

([5]) قد أصبح أمره واضحاً مما تقدّم، ولكنّ الفقهاء أطلقوا اشتراط الراحلة حتى في القريب الذي هو من أهل مكّة، مع أنّ المشي للمشاعر بالنسبة إليه، ولا سيما في تلك الأزمنة أمرٌ مقدور في الكثير من الحالات.

ولا نقصد هنا ما ذكره المحقّق الحلّي من عدم اعتبار الراحلة للمكّي (شرائع الإسلام 1: 252)، بل نقول بأنّ المسألة تابعة لمدى قدرة المكلّف المكّي على الحجّ بلا وسيلة نقليّة (راحلة) والانتقال بين المشاعر كذلك، ومدى استلزام ذلك الضررَ أو الحرج له؛ لأنّ شرط الاستطاعة لا يُراد به شرط الوصول إلى مكّة، بل شرط القدرة على أداء المناسك بلا حرج ولا ضرر أيضاً.

 

عدم ارتباط عنوان الاستطاعة بكونه من البلد أو الوطن حصراً

([6]) هذا واضح؛ لأنّ مختلف أدلّة الاستطاعة تعلن شرط الاستطاعة بالمطلق، ولا تقيّده بالاستطاعة من بلده أو من مكان معيّن، فكلّما تحقّق منه ـ من أيّ مكانٍ كان ـ عنوان المستطيع، ثبت الحجّ في ذمّته.

نعم، المثال الذي ذكره الماتن قد يناقَش في بعض صوره، ولعلّ الماتن لا يقصدها؛ وذلك أنّ مجرّد اتفاق دخوله المدينة المنوّرة للتجارة، مع قدرته على السفر إلى مكّة، لا يعني أنّه مستطيع؛ إذ قد يُفرض موسم الحجّ بعد أشهر، وتأشيرة دخوله للمملكة العربية السعوديّة خاصّة بفترة شهرٍ واحد، فهنا لا يقال بأنّ هذا الشخص يستطيع الحجّ هذا العام أو غيره؛ لأنّ المفروض أنّه غير قادر على الحجّ في وقته بسبب عدم كونه مستطيعاً، وهذه الاستطاعة اللحظيّة التي حدثت له وهو في المدينة لأيّام، لا يصدق عليها عنوان استطاعة الحجّ، بل يصدق عليها عنوان استطاعة السفر إلى مكّة قبل وقت الحجّ، فانتبه.

 

تفصيلٌ في مسألة بيع الملك بأقلّ من ثمنه لتأدية مناسك الحجّ

([7]) قد أصبح واضحاً مما أسلفناه في مسائل الاستطاعة أنّ كلام الماتن هنا ليس على إطلاقه، بل الصحيح أن يقال: لا يجب عليه بيع ماله بأقلّ من ثمن المثل لتأدية فريضة الحجّ، إذا لزم من ذلك الحرج أو الإجحاف به، وبخاصّة لو لم يره العرف مستطيعاً. ومعنى ذلك أنّه لو كان يملك عشرات المباني السكنيّة، وكان بإمكانه بيع وحدة سكنيّة واحدة لكن بأقلّ من ثمن المثل، ولا يؤثر ذلك على موقعه المالي بشكل يجحف به أو يوقعه في حرجٍ في حياته، وجب عليه ذلك، وكان هذا من ضمن نفقة الحجّ في عامه.

([8]) قد أسلفنا عدم اشتراط الفوريّة في عام الاستطاعة ما لم يلزم التهاون وأمثاله، فالأمر واضح.

 

نفقة سفر العودة وعلاقتها بالاستطاعة، صور وحالات

([9]) الطريقة التي بيّن بها السيد الماتن المسألة قابلة للنقاش؛ وذلك أنّ الصحيح هو وجود عدّة صور:

الصورة الأولى: أن يكون الحاجّ قاصداً الذهاب إلى مكّة والبقاء فيها بقيّة عمره أو لسنين طويلة أخرى مثلاً، فهنا لا يلزم في الاستطاعة أن يكون لديه مال العودة من حيث انطلق أو إلى وطنه ومسكنه أو إلى مسقط رأسه أو غير ذلك؛ لأنّه يصدق عليه أنّه مستطيع للحجّ حتى لو لم يكن لديه مال العودة، مع فرض أنّه أساساً يريد البقاء في مكّة طوعاً بلا ضرر عليه.

الصورة الثانية: أن لا يكون قاصداً البقاء في مكّة لكن يكون البقاء في مكّة غير حرجيّ عليه، بل هو موازٍ لعودته لوطنه بالنسبة إليه ولأهل بيته، فلا يلزم من البقاء حرج ولا ضرر ولا كلفة زائدة مجحفة بحقّه، فهنا يجب عليه البقاء في مكّة أو بتعبير آخر: لا يلزم لتحقّق استطاعته أن يكون له مال العودة من حيث انطلق؛ لأنّ المفروض أنّه مستطيع للحجّ ولو لم يكن له مال العودة، ما دام البقاء في مكّة مقدوراً وغير حرجي ولا مضرّ بحاله.

الصورة الثالثة: أن لا يكون قاصداً البقاء في مكّة وكان البقاء فيها مضرّاً بحاله أو حرجيّاً عليه، فهنا يلزم أن يكون لديه مال يوفّر له العودة أو الذهاب لأيّ مكان آخر، حتى يكون مستطيعاً، لكن هنا حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون العودة أو الذهاب لمكان آخر مساويين لبعضهما في التكلفة المالية أو كان الذهاب لمكان آخر أقلّ كلفة، فهنا يجب أن يكون لديه مال يوفر له الذهاب لأحد المكانين، ما لم يلزم من الذهاب إليهما حرجٌ عليه.

الحالة الثانية: أن يكون المكان الآخر ـ غير وطنه ـ أكثر كُلفة في الوصول إليه من العودة لوطنه، وهو الذي عبّر عنه الماتن بالأبعديّة التي تلازم عادةً زيادة التكلفة المالية، فهنا ينبغي القول بأنّ ذهابه للمكان الأكثر كُلفة:

أ ـ إذا كان ضروريّاً له وجزءاً من حياته وضروراته، فيلزم أن يكون معه المبلغ المالي القادر على إيصاله لهناك، حتى يصدق عليه أنّه مستطيع للحجّ؛ لأنّ فكرة الاستطاعة لا تقتصر ـ في أيّ سفر ـ على الذهاب، بل تشمل العودة، حيث لا يمكن البقاء، وهذا هو المفهوم منها عرفاً.

ب ـ وأمّا إذا لم يكن ضروريّاً بل ثانوياً، فإنّ وجود مبلغ مالي لديه يوفّر له الذهاب إلى ذلك المكان، لن يكون جزءاً من الاستطاعة؛ لأنّه يصدق عليه عرفاً أنّه مستطيع ما دام قادراً على الرجوع لوطنه بمبلغٍ أقلّ.

([10]) ما فعله السيد اليزدي في العروة أفضل مما فعله السيد الماتن هنا، وذلك أنّه فصّل المسألة إلى صورتين:

 

اشتراط القدرة على إعالة الأسرة في فترة الحجّ (المياومون أنموذجاً)

الصورة الأولى: أن يكون للحاجّ مالٌ يكفي أهله وعياله في بلده حال سفره للحجّ، وهذا الشرط واضح؛ لأنّ العرف يرى أنّه لو لم يكن الأمر كذلك، فلا يصدق على هذا الشخص أنّه مستطيع؛ إذ الاستطاعة ليست تُفهم بشكل حرفي في قدرة المكلّف على الوصول إلى مكّة، بل تُفهم بشكل عرفي في أنّ هذا السفر مقدور له عرفاً أو لا، ومع عدم وجود مال يكفي أهله وعياله، فإنّهم يقولون بأنّ هذا السفر غير مقدور عرفاً له، فهذا الشرط هنا واضح، ويقع ضمن المفهوم العام للاستطاعة الوارد في الكتاب والسنّة، هذا مضافاً لبعض النصوص الخاصّة التي دلّت على ذلك هنا، مثل خبر أبي الربيع الشامي وخبر شرائع الدين الذي رواه الصدوق عن الأعمش.

ومن هؤلاء الأشخاص الذين قد يعانون من هذه المشكلة المياومون (العمل بالمياومة)، فإنّهم إذا ذهبوا للحجّ، قد لا يكون لديهم مال لإعاشة أسرهم وعوائلهم؛ لأنّهم يعتاشون بإنتاجهم اليومي.

 

شرط العود إلى كفاية، وعلاقته بثنائيّة الاستطاعة والحرج

الصورة الثانية: أن يكون لديه ما به الكفاية بعد الرجوع (شرط الرجوع إلى كفاية). وهنا انقسم الفقهاء، فذهب بعضهم للأخذ بهذا الشرط، فيما نفاه آخرون، والمسألة هنا تبحث على ثلاثة صعد:

1 ـ مفهوم الاستطاعة نفسه، حيث قد يُدّعى بأنّ العرف لا يرى هذا الشخص مستطيعاً إذا كان لا يعود إلى كفاية، فيما قد يُدّعى في المقابل بأنّ النصوص غاية ما ذكرت القدرة على الحجّ ولم تشر لمسألة الرجوع إلى كفاية.

والصحيح هنا أنّه لا يصدق عرفاً على هذا الشخص أنّه مستطيع للحجّ إذا لم يرجع وتكون له قدرة على كفاية حياته بالطريقة التي كانت من قبل، فلو سألنا العرفَ هل هذا شخصٌ يستطيع الحجّ؟ فإنّهم يقولون بأنّ المعنى الحرفي للكلمة هو أنّه مستطيع؛ لقدرته على الذهاب، لكن بالمفهوم الاجتماعي للكلمة، فإنّ هذا غير مستطيع؛ لأنّهم يعتبرون أنّ عجزه وأهل بيته عن العيش بعد العود، مؤشّرٌ على أنّه غير قادر؛ ولهذا يقولون بأنّ كل من يُفقر نفسه بتصدّقه بجميع ماله على شخصٍ آخر، لا يقال عنه بأنّه يستطيع إعطاء مال أو التصدّق على غيره بهذا المال، ما دام يرجع هو إلى فقرٍ وفاقة.

نعم، يلزم هنا التدقيق، وذلك أنّ العرف في فهمه للاستطاعة لا يشترط وجود مال فعلي لديه بعد العودة، بل يكفي أنّه إذا رجع أمكنه العيش كما كان من قبل، ولو بالقوّة عبر إنتاج المال يوميّاً، فيكون مُيَاوِمَاً كالكثير من الناس التي تعيش بالناتج اليومي.

2 ـ مفهوم الحرج، وهذا هو المفهوم الذي جعله السيد الخوئي مدخلاً في القضيّة، وهو مفهومٌ صحيح في حدّ نفسه؛ لكنّه قد يكون أضيق من مفهوم الاستطاعة الذي استعملناه قبل قليل، فيتعاضدان فيما يشتركان فيه.

ويتجلّى مفهوم الحرج بقوّة في عصرنا الحاضر فيما لو كان سفره للحجّ قد يعرّضه لخسارة وظيفته، فإنّه في هذه الحال قد لا يرجع إلى كفاية، ويكون الموقف حرجيّاً جداً عليه.

3 ـ الروايات الخاصّة، والحقّ أنّها قليلة العدد جدّاً، ضعيفة إسناداً، مثل خبر أبي الربيع الشامي الضعيف بعدم ثبوت وثاقته إلا على بعض التوثيقات العامة كتفسير القمي، والتي لم تثبت عندنا، وخبر عبد الرحيم القصير الضعيف بعدم ثبوت وثاقته أيضاً، وخبر شرائع الدين الذي بحثنا في محلّه ضعفه سنداً، ونحو ذلك من المراسيل.

فالصحيح أنّ شرط العود إلى كفاية مأخوذ في الاستطاعة، وليس مستقلاً عنها، وذلك بالمعنى والتقريب الذي بينّاه، ولو لم نقل به فما ذكره الماتن من مدخليّة الحرج يكون هو الصحيح.

([11]) وهذا واضح؛ لكون الحكم دائراً مدار الحاجة وصدق الاستطاعة وارتفاع الحرج.

 

تنبيه في وجوب الحجّ ومديات لزوم الانتقال من السكن المملوك إلى الموقوف أو المستأجَر

([12]) المسألة واضحة وهي على مقتضى القاعدة وفقاً لما تقدّم، فلا نطيل، لكن ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أنّ استقراره في الدار الموقوفة وبيعه لداره المملوكة يمكن أن يفهمه العرف على أنّه مخاطرة حياتيّة، ولا سيما مع عدم وضوح بقائه في الدار الموقوفة تبعاً لقرارات متولّي الوقف، وكذا الانتقال من دار مملوكة لدار مستأجَرة، فإنّ طبيعة ظروف الحياة لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار في أنّ الانتقال من ملكيّة السكن إلى الإيجار، ربما تكون له مردودات شديدة على الفرد، قد يصنّف العرفُ الموقفَ معها على أنّ هذا الشخص لا يصدق عليه عنوان الاستطاعة، فينبغي النظر الدقيق في تطبيق القاعدة المستبطَنة في هذه المسألة على الموارد والمصاديق، تبعاً لاختلاف الظروف الاقتصادية للبلدان والمجتمعات والأفراد.

([13]) ما أفاده في المتن صحيح، بل قد لا يصدق عليه عنوان المستطيع في بعض الموارد ـ على الأقلّ ـ والتي يُرجع في تحديدها إلى العرف، طبقاً لما قلناه في مسألة شرط الرجوع إلى كفاية.