التعليقة على مناسك الحجّ (شرائط وجوب حجّة الإسلام ـ القسم الثاني)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(2 ـ 7 ـ 2026م)
شرائط وجوب حجّة الإسلام
...
الشرط الثالث: الحريّة، فلا يجب الحجّ على الملوك وإن كان مستطيعاً ومأذوناً من قبل المولى. ولو حجّ بإذن مولاه صحّ، ولكن لا يجزيه عن حجّة الإسلام، فتجب عليه الإعادة إذا كان واجداً للشرائط بعد العتق([1]).
مسألة ١٠: إذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحجّ بما يوجب الكفارة، فكفّارته على مولاه في غير الصيد، وعلى نفسه فيه([2]).
مسألة ١١: إذا حجّ المملوك بإذن مولاه وانعتق قبل إدراك المشعر، أجزأه عن حجّة الإسلام، بل الظاهر كفاية إدراكه الوقوف بعرفات معتقاً، وإن لم يدرك المشعر([3]). ويعتبر في الإجزاء الاستطاعة حين الانعتاق، فإن لم يكن مستطيعاً لم يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام. ولا فرق في الحكم بالإجزاء بين أقسام الحجّ من الإفراد والقران والتمتع إذا كان المأتيّ به مطابقاً لوظيفته الواجبة.
مسألة ١٢: إذا انعتق العبد قبل المشعر([4]) في حجّ التمتع، فهديُه عليه، وإن لم يتمكّن فعليه أن يصوم بدل الهدي على ما يأتي، وإن لم ينعتق فمولاه بالخيار، فإن شاء ذبح عنه، وإن شاء أمره بالصوم.
الشرط الرابع: الاستطاعة([5])، ويعتبر فيها أمور:
الأوّل: السعة في الوقت، ومعنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب إلى مكّة والقيام بالأعمال الواجبة هناك، وعليه فلا يجب الحجّ إذا كان حصول المال في وقتٍ لا يسع للذهاب والقيام بالأعمال الواجبة فيها، أو أنّه يسع ذلك ولكن بمشقّة شديدة لا تتحمّل عادة. وفي مثل ذلك يجب عليه التحفّظ على المال إلى السنة القادمة، فإن بقيت الاستطاعة إليها وجب الحجّ فيها، وإلا لم يجب([6]).
الثاني: الأمن والسلامة، وذلك بأن لا يكون خطراً على النفس أو المال أو العرض ذهاباً وإياباً، وعند القيام بالأعمال([7])، كما أنّ الحج لا يجب مباشرةً على مستطيعٍ لا يتمكّن من قطع المسافة، لهرمٍ أو مرضٍ أو لعذرٍ آخر، ولكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجيء تفصيله([8]).
مسألة ١٣: إذا كان للحجّ طريقان: أحدهما مأمونٌ والآخر غير مأمون، لم يسقط وجوب الحجّ، بل وجب الذهاب من الطريق المأمون، وان كان أبعد([9]).
مسألة ١٤: إذا كان له في بلده مال معتدّ به، وكان ذهابه إلى الحج مستلزماً لتلفه، لم يجب عليه الحجّ([10])، وكذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعاً، كما إذا استلزم حجّه ترك واجبٍ أهمّ من الحج، كإنقاذ غريقٍ أو حريق، أو توقّف حجّه على ارتكاب محرّم، كان الاجتناب عنه أهمّ من الحجّ([11]).
مسألة ١٥: إذا حجّ مع استلزام حجّه ترك واجب أهمّ أو ارتكاب محرّم كذلك، فهو وإن كان عاصياً من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام، إلا أنّ الظاهر أنّه يجزي عن حجّة الإسلام، إذا كان واجداً لسائر الشرائط. ولا فرق في ذلك بين من كان الحجّ مستقرّاً عليه ومن كان أوّل سنة استطاعته([12]).
مسألة ١٦: إذا كان في الطريق عدوٌّ لا يمكن دفعه إلا ببذل مال معتدّ به، لم يجب بذله ويسقط وجوب الحجّ([13]).
مسألة ١٧: لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحج، إلا مع خوف الغرق أو المرض، ولو حجّ مع الخوف صحّ حجّه على الأظهر([14]).
الشرط الثالث: الحريّة
شرط الحرية في وجوب الحجّ، تحليل وافتراضات
([1]) تظافرت النصوص والفتاوى بين مذاهب المسلمين جميعاً على هذا الحكم، والروايات في ذلك عديدة، بعضها يدلّ عليه مباشرةً، وبعضها الآخر يرى أنّه لا يجزيه حجّه في حال الرقّية عن حجّة الإسلام لو تحرّر، والكاشف بالفهم العرفي أنّ الحجّ الأوّل لم يكن واجباً عليه.
ويمكن هنا طرح بعض التحليلات:
التحليل الأوّل: أن نفهم هذه القضية ضمن بناء الفقه التقليدي الداخلي، فنقول بأنّ الفقه والنصوص انطلقا من تصوّر قانوني يقضي بعدم امتلاك العبد استقلالاً قانونياً كاملاً؛ لأنّ وقته ومنفعته بأكملهما لسيّده، فيكون فاقداً للاستطاعة، وهنا يظهر معنى أنّ نكتة ذلك هو عدم ملكيّة العبد شيئاً، فلا تتحقّق الاستطاعة في مورده؛ حيث لا يملك الزاد والراحلة، كما قد توحيه كلمات بعض فقهاء أهل السنّة.
غير أنّ هذا لو كان هو العلّة، ما صحّ تعميم الحكم في النصوص، بل في بعض الروايات أنّ العبد أو الأمة يأتي مع سيّده إلى مكّة ويكون مجيؤه بإذنه، على أنّ الحجّ البذلي يفترض أن يصحّ في حقّه، لو كانت هذه هي العلّة ـ أعني الاستطاعة ـ ومع ذلك أطلقت النصوص ذلك، مع كونه محتملاً جداً وقوعاً، لا أقلّ من طرف المالك للعبد. هذا مضافاً إلى أنّ الملكيّة بعنوانها ليست شرطاً، بل قدرة التصرّف الموصل لأداء مناسك الحجّ هو الشرط، كما سيأتي.
التحليل الثاني: وهو تحليل تاريخي اجتماعي واقتصادي، يرى أنّ هذا الحكم هو نتيج طبيعي لكون الرقّ مؤسّسة اجتماعية اقتصاديّة قائمة، وأنّ العبد يعتبر جزءاً من القوّة الإنتاجيّة والاقتصاد المنزلي، لهذا فالسفر الطويل له قد يضرّ بمصالح المالك الاقتصاديّة، وبخاصّة أنّ رحلة الحجّ في العصور القديمة كانت محفوفة بالكثير من المخاطر، فليس للمسألة علاقة بنقص إنسانيّة العبد، بل لها ارتباط قويّ بالمنظومة الاقتصاديّة والإنتاجيّة للمجتمع القديم.
وهذا التحليل معقول، غير أنّه أيضاً لا يتسق مع إطلاقيّة الحكم والفتاوى كما قلنا آنفاً، بل لو صحّ لزم أن يُنتج بطلان حجّه؛ لأنّه يلحق الضرر بمالكه، مع أنّ الفقه والنصوص صريحان بصحّة حجّه مع إذن مولاه.
التحليل الثالث: إنّ إسقاط وجوب الحجّ عنه يرجع للتخفيف عن الفئات غير المستقلّة في المجتمع، فكما لا يجب الحجّ على الصبيّ والفقير، فكذا العبد، فسقوط الوجوب لسقوط الاستقلال، لا لسقوط الأهليّة الإنسانيّة أو الروحيّة، ولهذا لو حجّ صحّ حجّه ونال ثوابَه. وبعبارة ذات طابع فلسفي: إنّ هناك علاقة بين الحريّة والمسؤولية القانونيّة، فكلّما زادت الولاية على الإنسان من الخارج خفّت مسؤوليّته القانونية المستقلّة، كما هي الحال في الصبيّ والمجنون والعبد والمكرَه وأمثالهم.
هذا التحليل ممتاز؛ غير أنّه لا يفي بالفكرة التي جاءت في النصوص والدالّة على أنّه لو حجّ لا يسقط عنه الحجّ الواجب لو انعتق بعد ذلك، فإنّ هذا التحليل يُسقط التكليف الإلزامي عنه، لكنه لا يُفهمنا لماذا أسقط الإجزاء أيضاً على تقدير القيام بالفعل؟!
التحليل الرابع: أن يكون القصد من ذلك هو أنّ الشريعة يهمّها الحفاظ على البنية الطبقيّة في المجتمع وتكريسها، لهذا تظلّ تجعل بين الحرّ والعبد فوارق، كما نشاهد ذلك في أبواب كثيرة، مثل إقامة نصف الحدّ عليه، واختلاف الشهادات، والولايات، وجملة من أحكام القضاء والستر وغيرها، فعدم وجوب الحجّ عليه ولا إجزاؤه، ليس بسبب العجز الواقعي أو فقدان الاستطاعة، بل بهدف تكريس الفارق القانوني بين الطبقتين، والحجّ له دلالة تحرّر من تمام العلائق، ورفع مستوى الإنسان من العبودية للحريّة، وهذا ينافي تكريس فكرة الطبقيّة المشار إليها، فالحريّة في نفسها لها في المنظور الشرعي مكانة قانونيّة يجب الحفاظ عليها متميّزةً عن مكانة الرقيّة. والله العالم بالغايات.
هذا، ونحن هنا لا نجزم بشيء، بل نحاول تقديم فرضيّات ممكنة، والمقصود أنّ الحجّ هو رمز التحرّر المطلق من كلّ شيء، فقد تكون الشريعة رفعت وجوبه عن العبد؛ لأنّه يتنافى مع عبوديّته وعدم تحرّره، وهذا مجرّد فرض، وإن كان ربما يقال بأنّه لو صحّ هذا لربما لزم إبطال حجّه، وليس رفع الوجوب فقط. أمّا انحصار الكرامة في التقوى، فهذا بمعنى الكرامة عند الله في المنظور الإيماني، لا في المنظور الحقوقي، وإلا يلزم التمييز في الكرامة بين مراتب التديّن، فكما أنّه يوجد تمييز بين الرجل والمرأة في أحكام الشريعة، كذا بين العبد والحرّ، ولا ينافي ذلك مبدأ الأكرميّة بالتقوى.
كفارات العبد على مولاه في حال الإذن دون غيره
([2]) الأقرب أنّه إذا لم يكن الحجّ بإذن مولاه فلا دليل على ثبوت الكفارة عليه، أمّا إذا كان بإذنه فإنّ أغلب النصوص تُثبت الكفارة على المولى، وهذا منسجم مع روح القواعد العامّة في أنّ المولى يتحمّل مسؤوليّة ما يصدر من العبد قانونيّاً في الشؤون الماليّة، وأمّا استثناء الصيد فلرواية آحادية منفردة، فالأرجح أنّ الحكم عام في ثبوت الكفارة على المولى مع إذنه.
([3]) هذه الصورة ليست من شؤون البحث في العبد خاصّة، بل هي عامّة في كفاية الحجّ لمن أدرك عرفات أو المشعر حتى لو كان صبياً أو غير ذلك.
([4]) انعتاقه قبل المشعر مرتبط بإجزاء حجّه، لا بكون الهدي عليه.
الشرط الرابع: الاستطاعة وعناصرها
([5]) ثبوتها من الواضحات المنصوصة في الكتاب والسنّة، وهذه العناصر التي يذكرها الماتن في تعريف الاستطاعة، مفهومةٌ كلّها عقلائيّاً من ذات مفهوم الاستطاعة، فلا يصدق ـ عرفاً وعقلائيّاً ـ أنّ فلاناً مستطيع إذا لم يُسعفه الوقت أو لم يكن هناك أمان وسلامة، أو لم يكن لديه مال أو غير ذلك، باستثناء مسألة شرط الرجوع إلى كفاية، فإنّ فيها كلاماً، وسيأتي تحقيق الحال فيها، وأنّ الصحيح هو أنّها أيضاً من عناصر الاستطاعة عرفاً وعقلائيّاً، خلافاً للماتن.
ولا يقصد بالاستطاعة هنا القدرة العقليّة خاصّة، بل الأعمّ منها ومن القدرة الشرعيّة، التي تتكوّن من مجموعة عناصر سوف يشير لها الماتن بالترتيب، كالاستطاعة الوقتية والسربيّة والماليّة والبدنيّة وغيرها.
1 ـ الاستطاعة الوقتيّة، مفهومها وأحكامها
([6]) يمكن تحليل شرط الاستطاعة الوقتيّة بهذه الطريقة: إنّ الشرط هو أن تكون سعة الوقت مما يعتبر في الاستطاعة، بمعنى أنّه لو لم يسع الوقت سقط وجوب الحجّ؛ لأنّ الاستطاعة غير متوفّرة، وبناءً عليه فهذا المال الذي يملكه المكلّف هذا العام ـ أي العام الذي لم يُسعفه الوقت للحجّ فيه ـ لا يمثل استطاعةً لهذا العام، لكنّه يمثل استطاعةً للعام القادم، فهو الآن مستطيع للحجّ في العام القادم؛ لأنّ سعة الوقت متحقّقة في مثل هذه الحال، فشرط الوجوب متحقّق، غايته أنّ زمان الواجب لم يحِن بعد. ويتضح هذا الأمر أكثر على مبنانا في عدم وجوب الفوريّة، بمعنى الذهاب في سنة الاستطاعة.
لكنّ هذا الكلام يمكن فهمه لو قلنا بأنّ الشريعة أثبتت الوجوب على المستطيع لحظة الاستطاعة، سواء كانت هذه اللحظة في أشهر الحجّ أم في غيرها، وفي هذا العام أم في غيره، وهو ما بنى عليه الماتن في بحوثه الاستدلاليّة، أمّا لو قلنا بأنّ الاستطاعة التي هي شرط الوجوب هي خصوص تلك التي تتوفّر في أشهر الحجّ ـ كما هو المحكيّ عن النائيني ـ أو عند خروج الرفقة والتمكّن من المسير ـ كما اختاره في العروة ـ لا قبل ذلك، ففي هذه الحال، إذا لم يسعه الوقت للذهاب إلى الحجّ هذا العام، فهذا معناه أنّه غير مستطيع هذا العام، فبانتهاء موسم الحجّ في هذا العام يمكنه صرف المال؛ لأنّه لم يكن هناك وجوب؛ إذ شرط الوجوب هو الاستطاعة في أشهر الحجّ، والمفروض أنّها انقضت هذا العام، فيمكنه صرف المال ـ على مقتضى القاعدة ـ وينظر في أنّه لو استجدّ له هذا المال في العام القادم في أشهر الحجّ ووسعه الوقت، ثبت عليه الوجوب، وقبل ذلك لا وجوب إطلاقاً.
والصحيح ما ذهب إليه أمثال السيد الماتن؛ لأنّ النصوص القرآنية والحديثية تثبت الوجوب عند تحقّق عنوان الاستطاعة أو عنوان المستطيع، بلا تقييد، فبتحقّق هذا العنوان يثبت الوجوب، وزمان تحقيق الواجب قد يتأخّر.
لكن يلزمنا إضافة أمر، وهو أنّ لزوم الاحتفاظ بالمال على تقدير عدم توفّر السعة في الوقت هذا العام، إنّما يثبت لو كان المكلّف محرزاً ـ بعلمٍ أو حجّة ـ أنّه سيكون قادراً على الحجّ في العام القادم أو ما يليه وهكذا، فلو لم يتحقّق منه هذا الإحراز عقلائيّاً، فلا يقال بأنّه قد ثبتت استطاعته حقيقةً، ومع عدم ثبوتها لا يحرز تعلّق خطاب وجوب الحجّ به؛ لأنّ الخطاب متعلّق بالمستطيع، والمفروض عدم إحراز تعنونه به، ولا يمكن التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للعام نفسه.
ويبقى سؤال: لو اتفق أن استطاع، ثم ذهب المال من يده من غير إفراطٍ ولا تفريط، كما لو سرق ماله، فهل يثبت الحجّ في ذمّته؟ أشار الماتن هنا في هذه المسألة إلى سقوط الوجوب، وسيأتي التعرّض لذلك في (المسألة رقم: 39).
2 ـ الاستطاعة السَّربيّة (الاستطاعة الأمنيّة)
([7]) ودليلها واضح من داخل الفهم العرفي لعنوان الاستطاعة، فلا يصدق عرفاً أنّ فلاناً مستطيعٌ للحجّ إذا لم يكن السرب مخلّى وآمناً، مضافاً إلى النصوص الخاصة المتعدّدة الواردة في هذا المجال عند الفريقين، فلا نطيل.
3 ـ الاستطاعة البدنيّة
([8]) ودليلها تماماً مثل دليل الاستطاعة الوقتيّة والسربيّة، غاية ما في الأمر أنّ الشريعة وضعت هنا بالخصوص بديلاً، وهو الاستنابة، وسوف تأتي تفصيلات بحثها لاحقاً، فنتعرّض لها هناك، ولولا النصوص الخاصة بالاستنابة في الحجّ لكان مقتضى العجز البدني عدم تحقّق الاستطاعة وسقوط الوجوب، وهذا واضح.
أحكام الاستطاعة السربيّة
([9]) إذا كان المال ميسوراً لاختيار الطريق الأبعد، وكان الوقت الذي يستغرقه لا يوجب زوال وقت الحجّ بحيث يخسر الاستطاعة الوقتيّة في هذا العام، وإلا فلو كان الطريق الأبعد مكلِفاً مالياً بشكل أكبر، ولا يتيسّر له استخدامه، فلا يحرز تحقّق الاستطاعة في حقّه.
حكم خسارة مالٍ إضافيّ بسبب سفر الحجّ
([10]) إطلاق الكلام فيه نقاش، وذلك أنّه قد يقال بأنّه لو كان هذا طبع الأمور بالنسبة إليه، فيكون حجّه مستلزماً لصرف مبلغ أكبر من غيره، فيندرج المبلغ المذكور في الاستطاعة، فإن أمكنه خسارته والعود إلى كفاية، حُسب من نفقات الحجّ وإلا فلا يكون مستطيعاً من الأوّل.
وبعبارة أخرى: إنّ خسارة أيّ مال في بلده أو في الطريق إذا كان من طبع الحجّ ومقتضياته المتعارفة في زمانه وحاله، فلا يلزم إسقاط التكليف عنه، أمّا إذا كانت خسارة هذا المال توجب انتكاسته مالياً والإجحاف بحاله، بحيث تكون تكلفة الحجّ بالنسبة إليه بذلك غير مقدورة عرفاً، فلا يكون مستطيعاً مالياً من الأوّل.
ومن هنا يحسن تعديل عبارة الماتن من تعبير «مال معتدّ به»، إلى «مال توجب خسارته حرجاً أو إجحافاً به»، فبهذه الطريقة يكون ذلك أدقّ.
وأمّا الاستناد لقاعدة نفي الضرر، على أساس أنّها تشمل كلّ ضرر لا يتطلبه طبع الواجب، فلا محلّ له هنا؛ لأنّ تكاليف الحجّ تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن كان بعيداً كانت تكلفة الحجّ بالنسبة إليه كبيرة، ومن كان قريباً كانت أقلّ، وهكذا من كان في منطقة آمنة كان سفره قليل الكلفة، وإلا يكون مكلِفاً أكثر، فهذا ليس من نوع ما يزيد عن متطلّبات الواجب، بل من نوع متطلّبات الواجب، لكن تبعاً لاختلاف الظروف والأحوال التي هي أمرٌ شائع، وليس استثنائياً ونادراً، وسيأتي شبيه هذا الكلام عند التعليق على (المسألة رقم: 16).
([11]) هذا الذي أفاده الماتن هو على مقتضى قواعد التزاحم التي فصّلناها في كتابنا (فقه المصلحة: 399 ـ 517)، فراجع، علماً أنّه لو كان المزاحِم مساوياً في الملاك والأهميّة للحجّ، ثبت التخيير.
بل لعلّه يمكن أن يقال: إنّه إذا كان سفره للحجّ موجباً للخوف على أسرته الذين يبقون في البلد، كما لو كانت هناك حرب في بلده، وكان يخشى على أهله لو بقوا لوحدهم أن يتعرّضوا للأذى من دون حمايته واهتمامه بهم، فإنّ المورد هنا يكون من موارد عدم الأمن أيضاً، فلا يصدق عليه عرفاً أو عقلائياً أنّه يستطيع الحجّ، وإن كان الأقوى صدق ذلك عرفاً غايته أنّ هناك مانع أهمّ عن تحقيقه ذلك.
([12]) ذلك كلّه على مقتضى قانون الترتّب.
التكاليف الماليّة الإضافيّة في طريق الحجّ
([13]) ما قناه عند التعليق على (المسألة رقم: 14)، يجري هنا بعينه، والأصحّ هنا أن تصاغ المسألة بطريقة أكثر سعةً، وذلك بطرح صور متعدّدة بعيداً عن تخصيص المسألة بعنوان العدوّ، وذلك:
الصورة الأولى: أن تكون التكاليف المالية في الطريق من نوع الضرائب والرسوم التي تأخذها الدول التي يمرّ بها الحجّاج، كمثل ضرائب المطارات وغيرها، وتكون متعارفةً، فهنا ينبغي أن يُحسب هذا المال من ضمن الاستطاعة، فمن قدر عليه وجب، ومن لم يقدر عليه لا يكون مستطيعاً أصلاً، ولا يصحّ أن تساق المسألة بخصوص الطريقة المذكورة في المتن أعلاه.
الصورة الثانية: أن لا تكون هناك رسوم أو ضرائب أو تكاليف مالية رسميّة ثابتة في الأسفار، لكن يتفق أنّ بعض البلدان التي يمرّ بها الحاجّ تعاني من فساد إداري ومالي بحيث كثيراً ما يطلب الجنود وعناصر القوى الأمنيّة على الحدود مبالغ ماليّة لتمرير الحجيج، وهنا قد لا يصدق على هؤلاء عنوان العدوّ، ولا أنّ هدفهم منع الحجيج من الحجّ، فإن كانت هذه هي الحال السائدة في ذلك الزمن الذي يريد الحاجّ أن يقصد فيه مكّة، وكان هذا معلوماً، دخل في الاستطاعة كالصورة الأولى.
الصورة الثالثة: أن يكون مقصود المانع للحجّاج ليس المال، بل هدفه منعهم من الحجّ، لكنّه يمكن لو دفع الحجيج له المال أن يمرّرهم، فهنا إذا كان هذا أمراً سائداً بحيث يُعلم من الأوّل بأنّ طريق مكّة تتطلّب مثل هذه التكاليف الماليّة، دخل في الاستطاعة أيضاً، كما تقدّم.
من هنا، يظهر أنّ ما ذكره بعض الفقهاء من أنّه لا يجب بذل المال لاستعطاف ذلك العدوّ المانع للحجيج عن المرور، لكي يفتح الطريق، غير دقيق؛ فإنّه إذا كانت طبيعة الطريق تتطلّب ذلك، كان هذا من ضمن الاستطاعة، فإن قدر عليه وجب؛ لأنّ هذا يصبح جزءاً من متطلّبات السفر المتعارفة بحسب الزمان والمكان والظرف والحال.
([14]) لا خصوصيّة لطريق البحر هنا، ولا سيما في زماننا. والسيد الماتن كأنّما نظر هنا للطريق قبل الإحرام، فالخوف هنا وعدم الأمن مرتبط بالطريق والمقدّمات، ولهذا صحّح الحجّ، أمّا لو كان انعدام الأمن مرتبطاً بالحجّ نفسه وبعد الإحرام أو حال كونه يؤدّي مناسك الحجّ، بحيث يخشى على نفسه الموت في هذه الحال، فالأمر مشكل، وإن كان الأقرب الصحّة وإجزاؤه عن حجة الإسلام إذا لم يكن فيه خوف هلاك نفسه وما شابه ذلك؛ إذ لا يُحرز تحقّق ملاك الحجّ في مثل هذه الحال.
