التعليقة على مناسك الحجّ (وجوب الحجّ)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(18 ـ 6 ـ 2026م)
وجوب الحجّ
يجب الحجّ على كلّ مكلّف جامع للشرائط الآتية. ووجوبه ثابت بالكتاب، والسنّة القطعيّة.
والحج ركنٌ من أركان الدين، ووجوبه من الضروريّات وتركه ـ مع الاعتراف بثبوته ـ معصية كبيرة([1])، كما أنّ إنكار أصل الفريضة ـ إذا لم يكن مستنداً إلى شبهة ـ كفر([2]).
قال الله تعالى في كتابه المجيد: ﴿وَلِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ﴾.
وروى الشيخ الكلينيّ ـ بطريق معتبر ـ عن أبي عبد الله×، قال: «من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، ولم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق معه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً»([3]).
وهناك روايات كثيرة تدلّ على وجوب الحجّ والاهتمام به لم نتعرّض لها طلباً للاختصار. وفي ما ذكرناه من الآية الكريمة والرواية كفاية للمراد.
واعلم أنّ الحجّ الواجب على المكلّف ـ في أصل الشرع([4]) ـ إنّما هو لمرّة واحدة، ويسمّى ذلك بـ (حجّة الإسلام)([5]).
مسألة ١: وجوب الحج بعد تحقّق شرائطه فوريٌّ، فتجب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة، وإن تركه فيها عصياناً، أو لعذرٍ وجب في السنة الثانية وهكذا. ولا يبعد أن يكون التأخير من دون عذرٍ من الكبائر([6]).
مسألة ٢: اذا حصلت الاستطاعة وتوقّف الاتيان بالحجّ على مقدّمات وتهيئة الوسائل، وجبت المبادرة إلى تحصيلها([7]). ولو تعدّدت الرفقة، فإن وثق بالإدراك مع التأخير جاز له ذلك، والا وجب الخروج من دون تأخير([8]).
مسألة ٣: إذا أمكنه الخروج مع الرفقة الأولى ولم يخرج معهم؛ لوثوقه بالإدراك مع التأخير، ولكن اتفق أنّه لم يتمكّن من المسير، أو أنّه لم يدرك الحج بسبب التأخير، استقرّ عليه الحجّ، وإن كان معذوراً في تأخيره([9]).
([1]) في كون تركه معصية كبيرة تأمّل، وقد سبق أن ألمحنا لشيءٍ من هذا في مباحث الاجتهاد والتقليد، عند التعليق على (المسألة: 29)، فراجع.
مسألة إنكار الحجّ والتمييز بين تكذيب النبيّ وتكذيب رسالته
([2]) في حال استلزم تكذيب رسالة النبيّ، لا مطلقاً. وقد تداول الفقهاء الحديث عن أنّ تكذيب النبيّ أو تخطئته في مورد معناه تكذيب رسالته، أو أنّه بعنوانه موجبٌ للكفر، والصحيح أنّ الموجب للكفر ـ بمعنى الخروج عن الحدّ الأدنى لصدق عنوان المسلم ـ هو إنكار التوحيد أو إنكار الرسالة والنبوّة المحمديّة، أمّا تخطئة النبيّ في أمرٍ بعينه أو تكذيبه في موردٍ بعينه ولو لشبهة عرضت، فهو لا يلازم قهراً تكذيب الرسالة؛ لإمكان عدم اعتقاد المكذّب بالعصمة المطلقة للنبيّ أو بنائه على رؤية خاصّة في موضوع العصمة، ولو كان مخطئاً، فلزم التفريق بين ما يستلزم مطلق تكذيب النبيّ، وما يستلزم تكذيب نبوّة النبيّ‘.
إنّ القائلين بكون إنكار الضروري في نفسه لا يوجب الكفر، لكنّه يوجبه لو استلزم تكذيبَ النبي، لا يقولون بإنكار الضروري بعنوانه، بل يرون كونه كفراً لو كان ملازماً لتكذيب النبيّ، وعادةً ما يعتبرون أنّ تكذيب النبيّ أو تخطئته في أمرٍ معيّن يلازم إنكار الرسالة، بما يوجب الخروج عن الإسلام، لكنّنا نقول بأنّ تكذيب النبيّ نفسه لا يوجب بعنوانه الكفر؛ لأنّ التكذيب تارة يكون للنبيّ في أمرٍ هنا وهناك، وأخرى يكون تكذيباً لرسالته، فلأنّهم لم يتصوّروا إمكان أن يصدّق شخصٌ بنبوّة النبيّ، وفي الوقت عينه يكذّبه في تفصيلٍ نقله أو يخطّئه؛ انطلاقاً من طريقة تفكيرهم في بحث العصمة ونحوها، لهذا قالوا بأنّ لازم إنكار الضروري مع الالتفات هو التكذيب، والتكذيب معناه أنّه لم يعد يؤمن بنبوّة النبيّ، فكفره يأتي من إنكاره النبوّة، مع أنّ هذا ليس على إطلاقه، كما بيّنا.
ولعلّه لما قلناه عبّر السيد محمّد باقر الصدر في مناسكه بقوله: «وإنكار وجوبه يعني عادةً إنكار الشريعة الإسلاميّة، فيكون كفراً»، فهذا يعني أنّ إنكاره أحياناً لا يكون ملازماً لذلك، وإن كان المعيار ليس إنكار الشريعة أيضاً، بل إنكار الرسالة على الصحيح.
وقد يقال: إنّ هذا بحث عقائدي يترك ظلاله على البحث الفقهي، ومن المفترض أنّ المعتقدات تختلف باختلاف الأشخاص وقناعاتهم، ولا يصحّ التقليد في العقائد، وعليه فلا وجه لذكر موقفهم هنا أصلاً؛ لأنّ تكذيب الرسول أو عدم تصديق كلامه أو التشكيك به أو ما شابه هذا، إنّما يعبّر عن حقيقة ما يؤمن به المكلّف، ومن ثمّ فكيف يكون كافراً بما لم يؤمن به، كعصمة الرسول المطلقة، ومن هنا فالقول بالكفر فيه مصادرةٌ.
والجواب: إنّ ما يقوم به الفقهاء هنا هو توصيف موقف الشريعة من هذا الشخص من حيث ترتيب آثار الكفر أو الإسلام عليه في الدنيا، وهم لا ينكرون أنّ هناك أسباباً أدّت لقناعة هذا الشخص بما اقتنع به، فهذا لا يعنيهم؛ لأنّ هذا بحثٌ معرفي كلامي، فيما بحوثهم هنا فقهيّة دنيوية، فهذا مثل القاضي في المحكمة عندما يحكم بإعدام القاتل، حتى لو كان القاتل فعل ذلك عن عقيدة معيّنة موهومة. إنّ أيّ ديانة أو مذهب أو فكر يقوم بتوصيف الآخرين من حيث قناعاتهم، تبعاً لموقعهم من أفكاره، وليس هذا أمراً غريباً.
وإذا قلت بأنّهم يرتّبون الحكم على ما بنوه عقائديّاً بأنفسهم، وهم لا يقولون بالتقليد في العقائد، فكيف ينفون التقليد، ثم يكفّرون من لا يقول بمثل قولهم؟! إنّ معنى هذا أنّ التقليد في العقائد أولى من التقليد في الفقهيّات، ولو من باب وجوب حفظ النفس!
قلنا: إنّ الدليل دلّ الفقيهَ على أنّ من لا يؤمن بهذا الأمر العقائدي المعيّن فهو كافر لا تترتب عليه آثار الإسلام، فهو يتكلّم عن دليله هو، وفقاً لقناعته هو، ومن الطبيعي أن يقول بأنّ الدليل دلّني على كفر من قال بكذا وكذا، فالمسألة هي مسألة الدليل عنده، أمّا النجاة وغير ذلك فخارج عن سلطان الفقيه بما هو فقيه.
([3]) قد يبدو من سياق كلام السيّد الماتن أنّه يستدلّ بالآية والرواية على كفر منكر الحجّ، ولعلّه لا يقصد ذلك، ولا سيما بقرينة ما يظهر من بحوثه الاستدلاليّة، بل يقصد بيان الأدلّة على وجوبه وأهميّته، ولو بمعونة ما ذكره بعد ذلك من وجود روايات كثيرة في وجوب الحجّ والاهتمام به، ما لم نفهم ما ذكره بعد ذلك على أنّه استئناف.
وعلى أيّة حال، فالآية الكريمة لا يقصد منها الكفر الاصطلاحي، على تقدير وقوعها في مقابل فعل الحجّ، أي تركه، وربما قصد منها الكفر الاصطلاحي لا في مقابل فعل الحجّ، والرواية كذلك؛ إذ كثيراً ما تستخدم مثل هذه التعابير في النصوص ضمن سياقات لا تدلّ على الكفر الاصطلاحي، بل للتوكيد وبيان الأهمية والموقعيّة، وقد بيّن الماتن وغيره في بحوثهم الاستدلاليّة أوجهاً أخرى، فلا نطيل.
([4]) بمعنى في غير ما ثبت بعنوان طارئ مثل النذر أو اليمين أو لو أفسد حجّه السابق ـ في بعض الموارد الخاصّة ـ فلزمته الإعادة بعد الإتمام، مما يسمّى، عند من يرى هذا القول، بالحجّ الواجب بالإفساد، وغير ذلك.
ثبوت وجوب الحجّ مرّة واحدة في العمر، ونقد قول الشيخ الصدوق في وجوبه كل ّعام على أهل الثروة
([5]) المعروف بين فقهاء الإسلام أنّ حِجّة الإسلام واجبة لمرّة واحدة، لكن نُسبت هنا آراء مخالفة، وأبرزها:
الرأي الأوّل: ما ذكره الشيخ الصدوق ـ معلّقاً على رواية محمد بن سنان التي تعلّل فرض الحجّ مرّة واحدة في العمر ـ حيث قال: «(قال محمّد بن علي مؤلّف هذا الكتاب): جاء هذا الحديث هكذا، والذي أعتمده وأفتي به أنّ الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام فريضة» (علل الشرائع 2: 405).
الرأي الثاني: ما نقله النووي الشافعي قائلاً: «لا يجب على المكلّف المستطيع في جميع عمره إلا حجّة واحدة وعمرة واحدة بالشرع، ونقل أصحابنا إجماع المسلمين على هذا. وحكى صاحب البيان وغيره عن بعض الناس أنّه يجب كلّ سنة، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: وقال بعض الناس: يجب الحجّ في كلّ سنتين مرة. قالوا: وهذا خلاف الإجماع، قائله محجوج بإجماع من كان قبله» (المجموع 7: 13، نشر مكتبة الإرشاد، جدّة).
إنّ هذا الرأي يرى الوجوب كلّ سنتين مرّة، إلى جانب قول بوجوبه كل سنة مرّة دون تقييد بأهل الثروة.
والصحيح أنّ الحجّ واجب في أصل الشرع مرّة واحدة في العمر، وقد تعدّدت الروايات عند الفريقين على ذلك، مضافاً إلى الإجماع والتسالم والارتكاز والسيرة المتشرّعيّين، فضلاً عن قانون "لو كان لبان" وغير ذلك.
لكنّه وردت بعض الروايات الإماميّة الدالّة على وجوب الحجّ كلّ عام على أهل الجدة والمال والثروة، ومنها:
الرواية الأولى: خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى×، قال: «إنّ الله عز وجل فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام؛ وذلك قوله عزّ وجل: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين﴾..» (الكافي 4: 265 ـ 266).
الرواية الثانية: خبر حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله×، قال: «إنّ الله عزّ وجل فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام» (الكافي 4: 266).
إلى غيرها من الروايات التي تقارب السبع، والتي جمعها الحرّ العاملي في الباب الثاني من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، فراجع.
وقد علّق الحرّ العاملي هنا فقال: «حَمَلَ الشيخُ هذه الأحاديث على الاستحباب، وجوّز حملها على إرادة الوجوب على طريق البدل، وأنّ من وجب عليه الحجّ في السنة الأولى فلم يفعل وجب في الثانية، فإن لم يفعل وجب في الثالثة وهكذا، والأقرب ما قلناه من الوجوب الكفائي، ويأتي ما يدلّ عليه في عدم جواز تعطيل الكعبة عن الحجّ، وفي وجوب إجبار الناس عليه، وإن لم يكن لهم مال، وغير ذلك» (تفصيل وسائل الشيعة 11: 18 ـ 19)، واستعرض هذه الوجوه أيضاً صاحب العروة.
وقد ناقش السيد الماتن وغيره في هذه الأوجه من الجمع والتوفيق بمناقشات كثير منها موفّق؛ لوضوح ضعف هذه الوجوه، لكنّه قدّم تفسيراً آخر، فقال: «والأولى في توجيه هذه الروايات أن يقال: إنّها ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهليّة من عدم الإتيان بالحجّ في بعض السنين؛ لتداخل بعض السنين في بعض بالحساب الشمسي، فإنّ العرب كانت لا تحجّ في بعض الأعوام، وكانوا يعدّون الأشهر بالحساب الشمسي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، وربّما لا تقع مناسك الحجّ في شهر ذي الحجّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردّاً عليهم بأنّ الحجّ يجب في كلّ عام وأنّه لا تخلو كلّ سنة عن الحجّ. وبالجملة: كانوا يؤخِّرون الأشهر عمّا رتبها الله تعالى، فربّما لا يحجّون في سنة وقد أوجب الله تعالى الحجّ لكلّ أحد من أهل الجدة والثروة في كلّ عام قمري، ولا يجوز تغييره وتأخيره عن شهر ذي الحجّة. فالمنظور في الروايات أنّ كلّ سنة قمريّة لها حجّ ولا يجوز خلوها عن الحجّ، لا أنه يجب الحجّ على كل أحد في كلّ سنة، ولعلّ هذا الوجه الذي ذكرناه أحسن من المحامل المتقدّمة، ولم أرَ من تعرّض إليه» (الموسوعة (شرح المناسك) 28: 5 ـ 6).
وقد يعترض على تأويله بأنّ هذه الروايات جاءت في القرن الثاني الهجري وما بعده، فليس لها نظر لظاهرة كانت بين العرب وانتهت منذ أكثر من قرن، كما أنّها غير محتفّة بأيّ سياق يشير لهذا الأمر أو يطرحه بوصفه احتمالاً، فضلاً عن نقاش في موضوع النسيء تقدّم في مباحث ثبوت الهلال في كتاب الصوم.
والخلاصة: إنّ هذه الروايات إذ فسّرت بتفسيرٍ معقول فبها، وإلا فلا يمكنها مواجهة الأدلّة القويّة على ثبوت الحجّ مرّة كلّ عام، فتفقد قوّتها الوثوقيّة، وتسقط عن الاعتبار.
يُشار هنا إلى خبر أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله‘، قال: «قال الله: إنّ عبداً صحّحت له جسمه، ووسّعت عليه في المعيشة، يمضي عليه خمسة أعوام لا يَفِدُ إليّ لمحرومٌ» (صحيح ابن حبان 9: 16؛ وانظر: البيهقي، السنن الكبرى 5: 262)، حيث قد يفهم منه الوجوب كلّ خمس سنوات، لكنّ الصحيح أنّ غايته الحثُّ والترغيب؛ فإنّ الحرمان من الفضل لا دليل على استلزامه تحريماً، فإنّ ترك المستحبات حرمانٌ أيضاً.
كما أنّ الاستدلال بكلام صاحب العين: «.. والحج: كثرة القصد إلى من يعظّم» (العين 3: 9)، غير صحيح؛ فإنّ مقصوده أنّ كلمة الحجّ تطلق على كثرة القصد، لكنّ ذلك لا يمنع من إطلاقها على مطلق القصد، كما أفاد هو نفسه وغيره من سائر اللغويّين.
نقد القول بفوريّة وجوب الحجّ، واختيار تحريم التهاون والاستخفاف
([6]) المعروف في الفقه الإسلامي أنّ الحجّ إذا تحقّقت شروطه وصار واجباً بالفعل على المكلّف كان فورياً، بمعنى وجوب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة نفسها، وعدم جواز تأخيره إلى السنة اللاحقة، فضلاً عمّا بعدها. ولو فرض أنّه تركه في سنة الاستطاعة وجب عليه في السنة اللاحقة مباشرةً أيضاً، ولا يجوز تأخيره مرّةً أخرى إلى السنة التي تليها وهكذا. بل قد ادُّعي في كلمات بعض الفقهاء الإجماع والاتفاق وأمثال ذلك عليه. وذهب قليل من الفقهاء ـ كالسيّد علي السيستاني ـ إلى أنّ الوجوب هنا عقليٌّ من باب الاحتياط لئلا يلزم الإخلال بالواجب، وليس شرعياً كما لعلّه المشهور.
وقد خالف في أصل هذا الحكم بعضٌ قليل، فمنعوا من التسويف والتهاون أو التأخير لغير عذر عقلائي ولم يُلزموا بالفوريّة، ومن أبرزهم السيّد محمّد حسين فضل الله. ونُسب القول بالتراخي إلى الشيباني أو الشافعي، ونسب إلى سحنون إعطاء مهلة إلى بلوغ ستين سنة، وإلا فبنحو الفور، كما نسب التراخي ـ وفق ما قيل ـ إلى الكثير من مالكيّة المغرب وبعض العراقيين، وغير ذلك.
وقد بحثنا في محلّه بالتفصيل مسألة الفوريّة في وجوب الحجّ، وتوصّلنا إلى أنّ المقدار الذي يمكن تحصيل الوثوق به سنداً ودلالةً بنظرةٍ مجموعيّة للأخبار ليس وجوب الفوريّة، بل حرمة التسويف الكاشف عن التهاون والاستخفاف، وهو ـ أي التسويف الكاشف عن التهاون ـ يحصل:
أ ـ تارةً بالتأخير مرةً واحدة مع ظنّه عدم القدرة في المستقبل، أي العام القادم.
ب ـ وأخرى بالتأخير لمصالح دنيويّة بحتة يرى الذهن المتشرّعي أنّ تقديمها فيه استخفاف بالحجّ.
ج ـ وثالثة بكون التأخير مكرّراً بحدّ المماطلة التي يفهم منها العرف التهاون بالأمر بلا عذر منطقي معقول.
أما في غير ذلك، فلا يحرز حرمة التأخير ولو لغير عذر عقلائي، ولا وجوب المبادرة، خلافاً لما يظهر من بعض أفاضل المعاصرين، فلو أخّر الحجّ لغير عذر عقلائي ولم يصدق عليه الاستخفاف والتهاون عرفاً جاز، تماماً كتأخير قضاء الصلاة ليومٍ واحدٍ مثلاً لغير عذر عقلائي مع اعترافهم بأنّه لا يساوق دوماً التهاونَ والاستخفاف. وعليه فلا القول بالوجوب الشرعي أو العقلي للفوريّة بنحوٍ مطلق صحيح، ولا القول بالتراخي، ولا فكرة الستين سنة، ولا نحو ذلك.
ولعلّه من هنا يمكننا أن نربط بين النصوص فيما اعتبروه دالاً على الفوريّة ونصوص الاستخفاف بالحج، لتكون المجموعتان هادفةً إلى أمرٍ واحد، وليس الاستخفاف بدالّ على وجوب الفورية كما ذكره بعض الفقهاء؛ إذ من الواضح أنّ الذهن العقلائي يمكنه تصوّر حالات متعدّدة لتأخير الحجّ عاماً واحداً دون صدق عنوان الاستخفاف. والأمر عينه يجري لو لم يذهب إلى الحجّ في العام الأوّل، فيكون حكم التأخير عامين كحكم التأخير عاماً واحداً إذا تحقّقت المعايير التي أشرنا إليها (راجع بحث: الفوريّة في وجوب الحجّ، محاولة قراءة جديدة، ضن كتابنا: دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 2: 197 ـ 225).
وينجم عما تقدّم أنّ مجرّد تأخير الحجّ لمرّة واحدة مثلاً ليس بعنوانه من الكبائر، حتى لو قلنا بكون ترك الحجّ من الكبائر، والأمر صار واضحاً.
وقد تسأل: هل تقصدون من نفي كون تأخير الحج مرّة واحدة من الكبائر، خصوص حال الاستخفاف؟ لأنّه لو لم يكن في حال الاستخفاف فلا حرمة فيه على ما ذكرتم سابقاً.
والجواب: ما نقصده هو أنّه في المورد الذي يكون التأخير فيه حراماً، لكنّه لا يترك أصل الحجّ، بل يفعله، غايته يسوّف متهاوناً، فهذا ليس من الكبائر. أمّا أصل الإعراض عن الحجّ وتركه وإهماله التام، فهو من الكبائر. هذا مضافاً إلى أنّه حتى على مبنى القائلين بوجوب الفوريّة، فإنّ التأخير لا يعني صدور الكبيرة، بل الكبيرة في ترك الحجّ بالكليّة.
وقد تقول: لقد أشرتم إلى أنّ الواجب هو عدم الاستخفاف والاستهانة بأمر المولى، ولكنّ حدّ الاستخفاف والاستهانة إنّما يُشخّص بالاعتماد على فهم مفاد الأمر؛ لأنّ الاستخفاف بأمر المولى يساوق تركه وإهماله، أو عدم الإتيان به في زمانه المقتضي، وفهم الزمان المقتضي ـ أي الحدّ الذي يوجب تجاوزه الاستخفاف بأمر المولى ـ منوطٌ بفهم مقتضى الأمر نفسه، ومقتضيات الأوامر تختلف، فالأمر بالإتيان بالماء يغاير الأمر بشراء ساعة، ولكن بالجملة ما لم يُصرّح بالفورية، فلا يدلّ الأمر عليها، فاستكشاف مقتضى الأمر من حيث الفوريّة والتراخي يكون بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع، إلّا أنّه يبدو أنّ تأخير الحجّ إلى العام القابل ـ على أقلّ تقدير ـ يُعدّ مصداقاً للاستخفاف؛ ولنتصوّر في مثال شراء الساعة، لو أمر المولى عبده قائلاً: «متى تيسّر لك فاشترِ لي ساعة»، فإذا تيسّر ذلك للعبد، فذهب مثلاً إلى سوق الساعات أو كان بالقرب منه، فامتنع عن الشراء من غير «عذر»، أفلا يكون قد خالف مقتضى الأمر؟! والمفهوم من الأمر بالحجّ المنوط بالاستطاعة من هذا القبيل أيضاً، وقيد «الاستطاعة» بنفسه يعني أنّ المطالبة قد صارت فعلية بمجرد تحقّق الاستطاعة، فلو أخّر العبدُ العملَ إلى العام القابل من دون عذر، لكان ذلك استخفافاً؛ لأنّ المتبادر من الأمر أنّه يدعو المكلّف إلى الإتيان بالعمل من اللحظة الأولى لفعليّته.
والجواب: إنّ الاستطاعة شرط وجوب لا شرط واجب، فهذا مثل: إذا زالت الشمس فصلّ، فهل يُفهم منها الصلاة في أوّل الوقت خاصّة إلا ما خرج بالدليل؟! والسبب في عدم فهم ذلك أنّ المراد بيان شرط الوجوب، ومتى يكون تحقّق الوجوب في عهدتك، لا بيان زمان صدور الفعل منك، أو مدّة الفعل، ومتى يمكنك الإتيان به.
لزوم تهيئة المقدّمات حتى لو كان الحجّ سوف يقع في العام اللاحق (مثال معاصر)
([7]) لكون ذلك من مقدّمات الواجب. وهذا واضح، لكنّ ظاهرةً استجدّت اليوم تندرج ضمن هذه المسألة، ومن الضروري الإشارة إليها، وهي أنّه في بعض الدول الإسلاميّة يقوم المستطيعون بتسجيل أسمائهم للحجّ ويقدّمون مبلغاً ماليّاً، فتوضع أسماؤهم في قرعة، فيستخرج اسم بعضهم هذا العام، ويبقى البقيّة للأعوام القادمة، وهكذا، وهنا يجب على المستطيع أن يبادر لتهيئة هذه المقدّمات (من التسجيل في الدوائر الرسميّة وحجز وديعة مالية في الحساب البنكي وغير ذلك) حتى لو كان الحجّ لن يقع إلا في الأعوام القادمة، وهذا أمر ضروري ومهم، فلو علم أنّ المقدّمات اليوم هي مقدّمات للواجب الذي يمكنه الإتيان به في الأعوام القادمة وجب، هذا كلّه بصرف النظر عن مسألة أخذ تخلية السرب في الاستطاعة، مما سنبحثه لاحقاً إن شاء الله.
هل تتطلّب الفوريّة الخروج إلى الحجّ في أوّل أزمنة الخروج المتوفّرة أو لا؟
([8]) هنا توجد ثلاثة آراء عمدة:
الرأي الأوّل: ما ذهب إليه السيد الماتن وكثيرون، من أنّ التأخير في الخروج مع المجموعة الثانية جائز لكنّه مشروط بالوثوق.
الرأي الثاني: ما نُسب للسيد العاملي صاحب المدارك، من أنّ التأخير جائز مع احتمال إمكانيّة الخروج مع المجموعة الثانية، ولا يلزم الوثوق.
الرأي الثالث: ما نُسب للشهيد الثاني، من لزوم الخروج مع أوّل مجموعة خارجة، ولا يجوز التأخير مطلقاً.
وقد استند السيد الماتن وآخرون هنا إلى أنّه لا دليل على لزوم الخروج مع المجموعة الأولى (الحملة الأولى) ما دام واثقاً من تحقيقه الواجب؛ نتيجة وثوقه بإمكانيّة الخروج مع المجموعة الثانية، كما أنّه لا يكفي الاحتمال؛ لأنّ الاحتمال معناه عدم وثوقه بتحقيق الامتثال، بحيث إنّ العقلاء يرون أنّه خالف التكليف في هذه الحال.
وفي الحقيقة، فإنّ صحّة الرأي الأوّل في مورده، وبطلان الثالث أمر واضح؛ إنّما الكلام في الرأي الثاني؛ وذلك أنّ العقلاء يعتبرون أنّ عدم خروجه مع المجموعة الأولى واحتمال إمكان الخروج مع الثانية، تابع لجهتين:
أ ـ مدى قوّة الاحتمال ولو لم يبلغ رتبة الوثوق والظنّ القويّ للغاية، فإنّ هناك فرقاً بين احتمال الخروج مع المجموعة الثانية بدرجة ثلاثين في المائة، واحتماله بدرجة خمسة في المائة، واحتماله بدرجة ثمانين في المائة، ففي الموردين الأوّلين يصدق أنّه يهمل القيام بالمقدّمات اللازمة عليه لتحقيق التكليف، بما يفهم منه إهماله المكلّف به نفسه، أمّا في الحالة الثالثة فالأمر قد يدّعى أنّه مختلف.
ب ـ في تشخيص نظر العقلاء هنا؛ ففي الحقيقة مع وجود احتمال قويّ ولو لم يبلغ الوثوق، كلّ ما يراه العقلاء هو أنّ هذا الشخص لم يضمن تمكّنه من القيام بالحجّ، لا أنّه أهمل الإتيان بالحجّ وتركه وتخلّف عنه.
إلا أنّ الصحيح أنّه وإن كان كذلك، لكن يصدق على مثله ـ بصرف النظر عن تفاصيل مسألة الفوريّة ـ أنّه متهاون بأمر الحجّ؛ لأنّه يعلّقه على ما لا وثوق له فيه، فكأنّه استخفّ به ولم يتعامل معه بالجديّة المطلوبة، وقد دلّت النصوص على تحريم هذا النوع من التعامل مع الحجّ.
يُشار هنا إلى ما ذكره العلامة فضل الله، من أنّ هذه المسألة لم يعد لها موضوع اليوم؛ إذ مع الحصول على تأشيرة السفر وتذكرة الطائرة يحصل الوثوق بأداء الحجّ، حتى لو كان وقت السفر هو آخر الأوقات المسموح فيها باستقبال الطائرات (فقه الحجّ 1: 78).
لكنّ هذا الكلام غير دقيق على إطلاقه؛ وذلك أنّه يمكن أن يكون هناك احتمال في إلغاء الرحلات التي تكون في اليومين الأخيرين، لأسباب معيّنة، فإنّ هذا ممكن الحصول اليوم، فلا يكون هناك وثوق تامّ، علماً أنّ الفرضية نفسها يمكن تطبيقها على نفس استخراج تذكرة السفر، بحيث يؤخر الذهاب لشركة الطيران لتحصيل التذكرة، واثقاً أو غير واثق بإمكان تحصيلها ولو لاحقاً، ما لم نقل بأنّ هذا المورد يقع خلاف الاستطاعة نفسها.
وعلى أيّة حال، فإنّ هذا المعيار الذي خرجنا به في هذه المسألة لا يقف عند حدود المجموعات الخارجة للحجّ، بل له علاقة بكلّ ما هو مرتبط بالوصول إلى مكّة وأداء الحجّ، فمثلاً لو كان لديه وثوق بأنّ الذهاب عبر الجوّ يوصله لمكّة، لكن الذهاب عبر البحر لا يثق بأنّه يوصله لها؛ لسببٍ أو لآخر، لزمه اختيار الطريق التي يثق بأنّها توصله لمكّة، ولا تحول بينه وبينها، ولو كان لديه طريقان وكلاهما يثق به، أمكنه الاعتماد على أيّ منهما، وهكذا.
في معيار استقرار وجوب الحجّ في الذمّة
([9]) أمّا كونه معذوراً، فقد اتضح من المسألة السابقة، إنّما الكلام في استقرار وجوب الحجّ عليه، وهنا اختلفوا في معيار استقرار وجوب الحجّ، وذُكر معياران أساسيّان:
المعيار الأوّل: إنّ استقرار الوجوب نتيج الترك العمدي للحجّ وإهماله والتخلّف عنه، وعلى هذا التقدير لا يستقر الحجّ في الذمّة هنا؛ لأنّ المفروض أنّ هذا المكلف لم يترك الحجّ عمداً ولا إهمالاً ولا استخفافاً؛ لأنّه كان عازماً على الخروج مع المجموعة الثانية التي كان واثقاً بإمكان الخروج معها، لكن حدث طارئ منع ذلك.
المعيار الثاني: إنّ استقرار وجوب الحجّ نتيج كونه كان متمكّناً مستطيعاً من الإتيان بالحجّ، لكنّه بعدم خروجه مع المجموعة الأولى لم يتحقّق منه الحجّ، فما دام كان متمكّناً ـ ولو في آنٍ ما ـ والمفروض تحقّق الاستطاعة هنا، يكون وجوب الحجّ قد استقرّ في ذمّته.
والصحيح هو المعيار الأوّل؛ إذ ليس بأيدينا آية أو رواية تبيّن موضوع استقرار الوجوب في الذمّة على تقدير عدم الإتيان بالتكليف في عام الاستطاعة، كلّ ما هو محرز هو أنّه لو ترك الحجّ عصياناً مهمِلاً له ومتخلّفاً عنه، يكون الوجوب مستقراً في ذمّته، أمّا ما هو غير ذلك فلا دليل عليه، فيرجع فيه لمقتضى الأصول، فالصحيح ما أفاده الماتن في تعليقته على العروة، دون ما أفاده هنا، فلا يصدق عليه هنا أنّه تخلّف عن فريضة الحجّ لمجرّد أنّه أخّر الخروج واثقاً بإمكانيّة الخروج مع المجموعة الثانية.
وهذه النتيجة تغدو أوضح عندما يتبيّن له لاحقاً أنّه لم يكن ليدرك الحجّ لو خرج مع المجموعة الأولى أيضاً، أو لم يتحقّق من أنّه كان سيدركه أو لا.
كما أنّ هذه النتيجة التي توصّلنا إليها تجري في كلّ الموارد التي يكون عدم تحقّق الحجّ فيها منه بسبب ظروف قاهرة، لا يتحقّق معها عنوان أنّه أهمل الحجّ وتركه عمداً.
المعنى الفقهي لاستقرار الحجّ في الذمّة
الظاهر أنّ مرادهم من استقرار الحجّ في الذمّة هو أنّ عليه المحافظة على هذا المال؛ لكي يذهب به لاحقاً للحجّ، فإن ذهب من يده هذا المال لسببٍ أو لآخر، قصوراً أو تقصيراً، لزمه الحجّ ولو متسكّعاً، فإن لم يمكنه الذهاب بنفسه للحجّ لزمه الاستنابة، فإن لم يحصل منه ذلك حتى مات، أخرجت نفقة الحجّ من أصل التركة ولو لم يكن منه أيّ وصيّةٍ في ذلك.
وسوف تأتي بالتفصيل موارد ثبوت هذا المعنى وعدم ثبوته.
