hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (كتاب الاعتكاف ـ القسم الأوّل)

تاريخ الاعداد: 6/4/2026 تاريخ النشر: 6/4/2026
70
التحميل

التعليقة على منهاج الصالحين

 

حيدر حبّ الله

 

(كتاب الاعتكاف ـ القسم الأوّل)

 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(28 ـ 5 ـ 2026م)

 


 

الخاتمة

في الاعتكاف

وهو اللبث في المسجد، والأحوط أن يكون بقصد فعل العبادة فيه من صلاة ودعاء وغيرهما، وإن كان الأقوى عدم اعتباره([1])، ويصحّ في كلّ وقت يصحّ فيه الصوم، والأفضل شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر([2]).

 

[مسائل في الاعتكاف]

مسألة 1068: يشترط في صحّته ـ مضافاً إلى العقل والإيمان([3]) ـ أمور:

(الأوّل): نية القربة، كما في غيره من العبادات، وتجب مقارنتها لأوّله بمعنى وجوب إيقاعه من أوّله إلى آخره عن النيّة، وحينئذ يشكل الاكتفاء بتبييت النيّة، إذا قصد الشروع فيه في أوّل يوم، نعم لو قصد الشروع فيه وقت النيّة في أوّل الليل كفى([4]).

مسألة 1069): لا يجوز العدول من اعتكافٍ الى آخر، اتفقا في الوجوب والندب أو اختلفا، ولا عن نيابة عن شخص إلى نيابة عن شخص آخر، ولا عن نيابة عن غيره إلى نفسه وبالعكس([5]).

(الثاني): الصوم، فلا يصحّ بدونه([6])، فلو كان المكلّف ممن لا يصحّ منه الصوم؛ لسفرٍ أو غيره، لم يصحّ منه الاعتكاف.

(الثالث): العدد، فلا يصحّ أقلّ من ثلاثة أيام([7])، ويصحّ الأزيد منها وإن كان يوماً أو بعضه، أو ليلة أو بعضها. ويدخل فيه الليلتان المتوسّطتان دون الأولى والرابعة، وإن جاز إدخالهما بالنيّة، فلو نذره كان أقلّ ما يمتثل به ثلاثة أيّام. ولو نذره أقلّ لم ينعقد، وكذا لو نذره ثلاثة معيّنة، فاتفق أنّ الثالث عيد لم ينعقد، ولو نذر اعتكاف خمسة فإن نواها بشرط لا، من جهة الزيادة والنقصان، بطل، وإن نواها بشرط لا، من جهة الزيادة ولا بشرط من جهة النقصان وجب عليه اعتكاف ثلاثة أيام، وإن نواها بشرط لا، من جهة النقيصة، ولا بشرط من جهة الزيادة ضم إليها السادس أفرد اليومين أو ضمّهما إلى الثلاثة([8]).

(الرابع): أن يكون في أحد المساجد الأربعة: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة، أو في المسجد الجامع في البلد، والأحوط استحباباً ـ مع الإمكان ـ الاقتصار على الأربعة([9]).

مسألة 1070: لو اعتكف في مسجدٍ معيّن فاتفق مانعٌ من البقاء فيه، بطل، ولم يُجْزِ اللبثُ في مسجد آخر، وعليه قضاؤه على الأحوط ـ إن كان واجباً ـ في مسجدٍ آخر، أو في ذلك المسجد، بعد ارتفاع المانع([10]).

مسألة 1071: يدخل في المسجد سطحه وسردابه، كبيت الطشت في مسجد الكوفة، وكذا منبره ومحرابه، والإضافات الملحقة به([11]).

مسألة 1072: إذا قصد الاعتكاف في مكانٍ خاصّ من المسجد لغي قصده([12]).

(الخامس): إذن من يُعتبر إذنه في جوازه، كالسيد بالنسبة إلى مملوكه، والزوج بالنسبة إلى زوجته، إذا كان منافياً لحقّه، والوالدين بالنسبة إلى ولدهما إذا كان موجباً لإيذائهما شفقةً عليه([13]).

(السادس): استدامة اللبث في المسجد الذي شرع به فيه، فإذا خرج لغير الأسباب المسوّغة للخروج بطل، من غير فرق بين العالم بالحكم والجاهل. ولا يبعد البطلان في الخروج نسياناً أيضاً، بخلاف ما إذا خرج عن اضطرار أو إكراه أو لحاجة لا بدّ له منها من بولٍ أو غائط، أو غسل جنابة، أو استحاضة، أو مس ميت، وإن كان السبب باختياره. ويجوز الخروج للجنائز لتشييعها، والصلاة عليها، ودفنها، وتغسيلها، وتكفينها ولعيادة المريض، أمّا تشييع المؤمن وإقامة الشهادة وتحمّلها وغير ذلك من الأمور الراجحة ففي جوازها إشكال، والأظهر الجواز فيما إذا عدّ من الضرورات عرفاً، والأحوط ـ استحباباً ـ مراعاة أقرب الطرق، ولا تجوز زيادة المكث عن قدر الحاجة، وأمّا التشاغل على وجه تنمحي به صورة الاعتكاف فهو مبطل، وإن كان عن إكراه أو اضطرار، والأحوط وجوباً ترك الجلوس في الخارج، ولو اضطرّ إليه اجتنب الظلال مع الإمكان([14]).

مسألة 1073: إذا أمكنه أن يغتسل في المسجد، فالظاهر عدم جواز الخروج لأجله، إذا كان الحدث لا يمنع من المكث في المسجد كمسّ الميت([15]).



حقيقة الاعتكاف وتعليقٌ نقدي على رأي المشهور

([1]) ذكر الماتن هنا أنّ الاعتكاف هو ذات اللبث في المسجد بشروطه الآتية، بصرف النظر عن كون هذا اللبث مقصوداً به أو متضمّناً لعبادةٍ أخرى كالصلاة أو لا، فمجرّد اللبث في المسجد بقصد القربة لمدّة معيّنة بشروط ذلك، يصدق عليه أنّه اعتكاف، على أساس أنّ الآية القرآنية: ﴿.. وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: 125)، ميّزت بين العاكف والطائف والراكع والساجد، بما يعني أنّ الاعتكاف منفصل عن هذه جميعها.

لكنّ هذه الآية لا دلالة لها على ذلك؛ إذ ليس المقام هو مقام تبيين كلّ واحدة من هذه المفردات حتى يكون الفصل بينها موجباً للتمييز التام، فلو كان الاعتكاف يتضمّن العبادة كالصلاة والدعاء والطواف مثلاً؛ لصدق تطهير البيت لهؤلاء جميعاً، بل إنّ التمايز يكفي فيه أنّ الركوع والسجود ليسا ذات الاعتكاف، كما أنّ الطواف ليس عين الاعتكاف حتى لو قلنا بأنّ الاعتكاف يلزم أن يشتمل على فعلٍ عبادي آخر، إذ قد يكون قراءة القرآن أو الدعاء أو الذكر المطلق أو غير ذلك، فيصحّ الفصل بين هذه العناوين في هذه الحال، وعليه فالعطف في الآية نوع من عطف الأصناف، وليس عطفاً قائماً على التمايزات الماهويّة الحادّة.

بناءً عليه، لا يصحّ أخذ التحليل اللغوي المعجمي لكلمة الاعتكاف لفهم الآية وفقاً له، وكذا فهم الروايات، بل يلزم أخذ الدلالة المجتمعيّة والثقافية والتاريخيّة للكلمة، والتوظيف القرآني لها، فالاعتكاف موجود في الديانات الأخرى، وهو يطلق على ذلك الذي يقيم ويلازم العبادة (خلوة نسكيّة)، ولهذا ربط القرآن العكوف على عبادة الأصنام، مما يعني أنّ الاعتكاف مرتبط بالملازمة والإقامة على فعل العبادة، لا أنّه بذاته عبادة، قال تعالى في حكاية حال بني إسرائيل مع عبادة العجل: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (طه: 91)، وقال سبحانه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (الشعراء: 71)، وقال: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: 138)، وقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (الأنبياء: 52)، فلا يظهر وجود مفهوم اسمه مجرّد الجلوس في مكانٍ ما دون أيّ فعل آخر يسمّى اعتكافاً في الفضاء الديني اليهودي أو المسيحي أو العربي قبل الإسلام، بل طبيعة الإقامة في أيّ مكان لا تعرف بأنّها اعتكاف ـ بما للكلمة من مدلول ديني ـ إلا في سياق ممارسة عبادات أو طقوس معيّنة.

مع ذلك، فإنّ الكلمة صادقة لغوياً بمجرّد اللبث والإقامة في مكانٍ معيّن، فيحصل تردّد في أنّ الاعتكاف في البيانات الدينيّة له حقيقة شرعية أو له دلالة لغويّة خالصة، فالمسألة مشكلة، لهذا نرى أنّ مقتضى الاحتياط هو أخذ قيد قصد العبادة في المسجد بأيّ نوعٍ من أنواعها ضمن تعريف الاعتكاف، والله العالم.

قد تقول: إذ راجعنا المعاجم القديمة، فلا يبدو أنّ أيّاً منها يؤيّد هذا التحليل الذي ذكرتموه، ولعلّ الاقتران الذي حصل بين العبادة والاعتكاف في تلك الأزمنة، هو لأنّهما يحصلان عادةً معاً، لكن ليس من اللازم أن تكون كلمة "الاعتكاف" نفسها متضمّنة لعبادة إضافيّة.

والجواب: إنّ ما قلتُه هو أنّ فهم مدلول الكلمة لا يقف عند الدلالة المعجميّة، بل يمتدُّ ليشمل المفهوم الكامل الاجتماعي من كلمة «الاعتكاف في المسجد»، ولتقريب الفكرة فإنّنا اليوم عندما نقول: اعتكف فلانٌ في المجلس النيابي، فإنّ الاعتكاف لا يعني مجرّد اللبث في مبنى المجلس النيابي، بل يتضمّن التنديد بأمرٍ سياسي معيّن، وما ندّعيه هو أنّ هذه الكلمة ـ أعني الاعتكاف في المسجد ـ لها سياق ديني، يجعل مفهومها محتوياً لفكرة القيام بأمرٍ عبادي فيه، لا مجرّد الجلوس فيه للّعب على الأجهزة الحديثة مثلاً طيلة الأيام الثلاثة، فنحن نقرّ بالموضوع من الزاوية اللغويّة المعجميّة، لكنّ ضمّ الاعتكاف لفكرة المسجد أو لمكان عبادي، يعطي في الدلالة المجتمعيّة الثقافية الدينية مفهوماً آخر.

ولعلّ ما يؤيّد ذلك، هو شرطهم قصد القربة في الاعتكاف؛ فإنّ الدليل عليه هو الإجماع والتسالم والارتكاز المتشرّعي، وأنّ الله ـ كما قال السيد الخوئي في بحوثه الاستدلاليّة ـ لما أمر بتطهير البيت الحرام للطائفين والعاكفين، تمّ فهم أنّ التطهير لأمرٍ عبادي، لا لغيره، مع أنّ الدلالة المعجميّة لكلمة الاعتكاف لا تستدعي إطلاقاً شرط قصد القربة، لكن لأنّ فكرة الاعتكاف في المساجد وأماكن العبادة ملازمة للتعبّد، ارتكز في الأذهان شرط القربة.

وقد تقول مرّةً أخرى: إنّه لم يتضح المعيار في القدرة على تحديد مصالح الأحكام، فكيف عرفتم أنّ المصلحة تكمن في التعبّد داخل المسجد؟! كما أنّ البقاء في المسجد بنفسه له دلالة عباديّة، بغضّ النظر عما يفعله المكلف، فتكون الحكمة من وراء الاعتكاف بذاته هو الاعتياد على الذهاب إلى المسجد، والابتعاد عن الأسرة، وتجنّب التجارة ، وغير ذلك، دون أن يعني ذلك بالضرورة ممارسة فعلٍ عباديّ إضافي في المسجد.

والجواب: إنّنا هنا لا نحلّل البعد المقصدي للاعتكاف، حتى ندّعي أنّ المراد والمقصد منه هو العبادة في المسجد، لكي يُشكل علينا بأنّه لعلّ البقاء في المسجد نفسه هو الذي فيه مصلحة، إنّما يرتكز النقاش فيما يفهمه العرف من كلمة "الاعتكاف" عندما تُربَط بالأماكن الدينيّة المقدّسة، فيقال: اعتكف فلانٌ في المسجد أو اعتكف فلان في معبد اليهود أو غير ذلك. وما ندّعيه هو أنّ العقل اللغوي المحمّل بالدلالة الدينيّة التاريخيّة والاجتماعيّة يفهم الجلوس في المسجد للعبادة، لا مجرّد الجلوس في المسجد، فبحثنا ومدّعانا لغويّ، وليس مقصديّاً.

وقد تسأل: لو قبلنا بالمعنى اللغوي الاجتماعي المشار إليه، لكنّ هذا اللَّبْثَ إذا كان مقترناً بقصدِ نوعٍ من المراقبة أو الخلوة والتوجّه الصادق، فإنّه في السنن العرفانيّة يُعدّ بنفسه عملاً تعبّديّاً، ويصحّ أن يُطلق عليه عنوانُ الاعتكاف، فلماذا نطلب فعلاً عبادياً؟!

والجواب: إنّ ما ندّعيه هو أنّ الاعتكاف لا يصدق على مجرّد اللَّبْث في مكانٍ ما، بل لا بد من ضمّ فعل عبادي له، ولا نقصد بالفعل العبادي الصلاة أو الدعاء أو قراءة القرآن حصراً، بل مطلق اللَبْث الذي يتضمن فعلاً تواصلياً مع الله وعلاقة توجّه وقربة إليه، فلو تضمّن الاعتكاف فعل المحاسبة والمراقبة والخلوة التأمّلية في الله والسجود التذلّلي وغير ذلك، مما يصدق عليه عنوان العبادة الخضوعيّة التواصليّة مع الله كفى.

([2]) عملاً بالإطلاقات، وقد تقدّم الحديث عن الاعتكاف في شهر رمضان المبارك آنفاً، فلا نعيد.

 

ضرورة فصل كتاب الاعتكاف عن كتاب الصوم في التدوين الفقهيّ

هذا، ولعلّه لقوّة الترابط بين الصوم والاعتكاف من جهةٍ أولى؛ نظراً لشرط الاعتكاف بالصوم، كما سيأتي، ولكون الاعتكاف في شهر رمضان من أفضل مصاديق الاعتكاف من جهة ثانية، ذكر العديد من الفقهاء ـ ومنهم السيد الماتن هنا ـ كتاب الاعتكاف بوصفه ملحقاً وخاتمة لبحث الصوم.

والحقّ أنّه يلزم فصله كتاباً مستقلاً ولو تمّ وضعه بعد كتاب الصوم. ويتأكّد تبرير هذا الأمر بأنّه عبادة مستقلّة في نفسها، ولها أحكامٌ وشروط، كما أنّ العديد من فقهاء الشافعيّة والظاهريّة والحنابلة وبعض المالكيّة، لا يرون الصوم شرطاً في الاعتكاف، فمن المناسب على مباني الفقهاء المختلفة فصل كتاب الاعتكاف عن كتاب الصوم؛ لتغطية مختلف المدارس والاحتمالات الفقهيّة.

 

في نفي شرط البلوغ والعقل والإيمان في الاعتكاف بعنوانها

([3]) أمّا العقل، فلا دليل على اشتراطه بعنوانه، بل العبرة بصدق قدرة هذا الإنسان على تحقيق الاعتكاف بما في ذلك القصد الحقيقيّ، فلو تحقّق فلا مانع منه، بمعنى إمكان تحقّق الملاك في حقّه، وترتيب الآثار على ما أتى به، وإذا لم يتحقّق لم يقع الاعتكاف؛ لعدم تحقّق القصد، لا لخصوصيّة الجنون، وأمّا الثواب والعقاب وغير ذلك، فهي من الشؤون الأخرويّة، بينما نتكلّم هنا في الشؤون الفقهيّة، بل لا دليل على أنّ الله لا يثيب غير العاقل لو صدر منه حقّاً أمرٌ عبادي، نعم الدليل على عدم معاقبته لو صدرت منه معصية.

وأمّا الإيمان بالمعنى الأخصّ، فقد قلنا مراراً بأنّه لا دليل على شرط صحّة العبادات بالتشيّع الاثني عشري، أو بأيّ مذهب إسلامي آخر، بل ما يصدر من أيّ إنسان يتحقّق منه قصد القربة يقع صحيحاً، غاية الأمر مسألة القبول الإلهي في الآخرة وعدمه شيء آخر، وقد تقدّم الكلام عن هذه النقطة أكثر من مرّة في هذه التعليقة.

ومن هذا يعلم أيضاً أنّ البلوغ ليس شرطاً في صحّة الاعتكاف إذا تحقّقت الشروط واللوازم.

 

عدم وجود إشكال في تبييت النيّة في الاعتكاف

([4]) عباديّة الاعتكاف واضحة، والنتيجة المترتّبة على ذلك واضحة، لكنّ استشكال الماتن وغيره في أن ينوي الاعتكاف في الغد ثمّ ينام، فيمرّ أوّل وقت الاعتكاف وهو نائم، في غير محلّه؛ إذ يكفي أنّه نام عن نيّة الاعتكاف، والمفروض أنّه حال النوم كان في المسجد أيضاً، فما الفرق بين هذا وبين نيّة الصوم قبل الفجر؟! فلا دليل على أنّه يلزمه المقارنة بالمعنى الذي قاله الماتن.

([5]) هذا كلّه على الأحوط وجوباً.

قد تقول: إنّ جواز العُدول على خلاف الأصل؛ لأنّ العبادات مرکّباتٌ ارتباطیّة یتعلّق کلُّ جزءٍ منها بالمجموع، فیکون العُدولُ عن الأصل محتاجاً إلى دلیلٍ یُثبتُه.

والجواب: هذا الكلام صحيح؛ لكن ما دفعنا للتردّد ثم الاحتياط وجوباً، هو أنّ الفعل هو هو، إنّما المسألة مسألة نيّة، فليس هناك انفكاك بين الارتباطات، بل هو فعل واحد متواصل لم يتغيّر، غايته قمنا بتعديل النيّة في جانبٍ منها، مع بقاء النيّة القربيّة المقوّمة لأصل الفعل على حالها.

([6]) لكن لا يلزم أن يكون الصوم منعقداً له خاصّة، فلو كان عليه نذر صومِ ثلاثة أيام فأوقعها ضمن الاعتكاف كفى، وكذلك لو نوى صوم القضاء أو صوم شهر رمضان أو الكفارة أو صام عن غيره أو غير ذلك، فالمهم هو صدق الصيام حال الاعتكاف.

وقد تسأل: إنّ غالب الروایات يدلّ على أنّ الاعتکافَ لا یصحّ إلا بالصوم، فما هو الدلیلُ على صحّة الاعتکاف مع کلّ صومٍ أیّاً کان؟! وهل یُمکن أن یُقال: إنّ عباراتِ الروایات منصرفةٌ إلى الصومِ الخاصّ بالاعتکاف، أي الصوم الذي یکون بقصد الاعتکاف، إلا في مورد شهر رمضان، فإنّ الاعتکاف فیه قد ثبتت صحّتُه بدلیلٍ خاصّ؟

والجواب: لا دليل على تخصيص الصوم بصومٍ معيّن، بل غاية ما تفيد الروايات أنّ الاعتكاف يجب أن يصاحبه صوم، فتحقيق غايتين من صومٍ واحد كافٍ، ولا دليل على شرط الصوم في الاعتكاف بوقوعه للاعتكاف خاصّة، ومقتضى الإطلاقات، بل السيرة، خلافه. واعتكافات شهر رمضان المبارك تصبح شاهداً هنا، ولو كانت على خلاف الأصل لربما أثارت سؤالاً، وهو معدوم.

([7]) ولو ملفّقة. وهذا صحيح وفق روايات أهل البيت المتعدّدة التي لا معارض لها، والمعتضدة بالإجماع الإمامي، وخالف فيه جمهور فقهاء المسلمين، فقالوا بكفاية صدق عنوان الاعتكاف، وقال بعضهم بكفاية ساعة، وقال آخرون بكفاية يومٍ وليلة.

هذا، وقد اختلف الفقهاء في التلفيق، فرفضه بعضهم، وهو ما قد توحيه عبارات الماتن هنا، لكنّ الأدلّة مطلقة.

وليس المراد بالتلفيق الاعتكاف في ثلاثة أيّام متفرّقة، وإنّما أن یعتکف من ظهر یومٍ إلى ظهر یومٍ آخر على نحوٍ یتحقّق معه مجموع ثلاثة أیّام، مع کونه متتابعاً في الاعتکاف الواقع بياضه ونهاره في حال الصيام الصحيح الكامل.

([8]) هذه الصور والتفاصيل المرتبطة بنذر اعتكاف خمسة أيام وما بعدها، مبنيّة على رواية واحدة آحاديّة، وهي معتبرة أبي عبيدة، عن أبي جعفر×، قال: «.. ومن اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة، فلا يخرج من المسجد حتى يتمّ ثلاثة أيام أخر» (الكافي 4: 177 ـ 178؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 186 ـ 187؛ والاستبصار 2: 129).

وحيث إنّنا لا نعمل بالخبر الآحادي المنفرد، فيمكن نذر خمسة بالصور المختلفة، وينعقد النذر، ولا يحتاج للاقتصار على ثلاثة، ولا للزيادة إلى ستة، ولا للفصل بين الاعتكافين، ولا غير ذلك، بل يعمل بمقتضى نذره.

 

كفاية الاعتكاف في أيّ مسجدٍ جامع، ونقد فكرة المساجد الأربعة وكلام الشيخ الصادقي الطهرانيّ

([9]) الفرق بين المسجد والجامع هو أنّ المسجد مكان إقامة الصلاة جماعة أو فرادى، فقد ىكون مسجد السوق أو مسجد القبيلة أو مسجد هذا الحيّ أو ذاك، بينما الجامع هو المكان الذي تقام فيه الصلوات العامّة كصلاة الجمعة والعيدين وأمثالهما من المناسبات الجامعة، فالمراد بالمسجد الجامع ليس كلّ مسجد، بل ما يتصف بصفة الجامعيّة (وهي أعمّ من مجرّد إقامة صلاة الجمعة فيه)، ويكون هو المسجد الرئيس الذي يجتمع فيه عامّة الناس، فإطلاق الجامع على كلّ مسجد ـ كما هو متعارف بين الناس في بعض البلدان الإسلاميّة اليوم ـ غير صحيح، وفقاً للمقاربة التاريخية والفقهيّة، وإن صحّ لغةً.

وعلى أيّة حال، فلا شكّ في اشتراط الجامعيّة في المسجد الذي يتمّ فيه الاعتكاف؛ لورود النصوص العديدة في ذلك بغير معارض، أمّا تعيين الأربعة ونفي غيرها فلا دليل عليه سوى أخبار آحاديّة قليلة جداً وبعضها ضعيف السند، مع معارضتها بغيرها مما هو أكثر منها، بل إنّ مسجد الكوفة والبصرة دليلهما آحادي جداً، وفي بعضه ورد تعبير البصرة وفي بعضه لم يرد أيضاً، لهذا لا يوجد دليل معتبر يمكنه أن يعيّن مسجد النبي أو المسجد الحرام، فضلاً عن مسجد الكوفة والبصرة، فضلاً عما قاله بعضهم ـ مثل السيد محمد محمد صادق الصدر ـ من أيّ مسجد صلّى فيه نبيّ أو وصيّ نبيّ.

ومما قلناه، يظهر النقاش فيما أفاده الشيخ الصادقي الطهراني، من أنّ القرآن الكريم نصّ بقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: 187)، على مشروعيّة الاعتكاف في أيّ مسجد ولو لم يكن جامعاً، عملاً بالجمع المحلّى باللام في الآية؛ وذلك أنّ الآية ليست في مقام البيان من ناحية شروط المساجد التي يكون فيها الاعتكاف، بل في مقام البيان من حيث حكم مباشرة النساء حال التواجد في المساجد، فلا ينعقد لها عموم أو إطلاق حاكم على شروط المسجد الذي يلزم فيه الاعتكاف.

([10]) إذا كان الواجب موسّعاً لزمه الإتيان به مرّةً أخرى بلا معنى لعنوان القضاء، وإلا سقط التكليف لو تعذّر عليه الإتيان نتيجة المانع الحقيقي، ولا دليل على وجوب القضاء في هذه الحال. ومجرّد كون الوجوب محدّداً بوقت معيّن، لا يعني استلزام الفوات مع انقضاء الوقت للقضاء؛ لأنّ القضاء ـ كما تقرّر في أصول الفقه ـ لا يتبع دليل الأداء، بل يحتاج لدليلٍ جديد، ولهذا بحثوا عن الأدلّة الخاصّة على وجوب قضاء الصلوات الفائتة.

هذا وقد تقيَّد فكرة وحدة المكان بحال ما لو فرضنا وجود مسجدين متلاصقين ويصدق عليهما عنوان المسجد الجامع بحيث لا يصدق على الانتقال من أحدهما إلى الآخر الخروج أساساً من المسجد دون الكون في المسجد الثاني، أو كانا قريبين جداً من بعضهما، فهنا يشكل الأمر، فالأحوط وجوباً وحدة المسجد في هذه الحال أيضاً.

([11]) يحال الأمر في ذلك إلى العرف وما يصدق عليه عنوان المسجد بحسب الوقف، والظاهر أنّ قصد الماتن هو عدم اقتصار الأمر على المكان المتعارف لصلاة المصلّين فيه، وهذا صحيح.

([12]) لدلالة الدليل على كفاية ما يصدق عليه عنوان المسجد. نعم لو كان ذلك محلاً لنذرٍ وكان فيه رجحانٌ فلا بأس، لكنّه يكون من باب الوفاء بالنذر، لا من باب كون ذلك من متعلّقات الاعتكاف نفسه ولوازمه.

 

اعتكاف المملوك والزوجين والولد

([13]) أمّا المملوك، فقد قلنا عند التعليق على (المسألة رقم: 1067)، بأنّه لا مانع من إقدامه على ما يريد، ما لم ينافِ حقّ سيّده، ولا يشترط في أفعاله إذن سيّده، وكذلك الحال في الزوج والزوج في علاقتهما ببعضهما.

أمّا الولد فقد قلنا في كتاب (فقه الحرب والسلم في الشريعة الإسلاميّة 1: 202 ـ 221) أنّ غاية ما تدلّ عليه الأدلّة القرآنيّة والروائيّة هو حرمة عقوق الوالدين وأذيّتهما ووجوب التعامل بالمعروف، فلو صدق أنّه يتعامل بالمعروف ولم يصدق عليه عنوان العقوق، كفى، وعليه، فالاعتكاف لا يحتاج لإذن الوالدين ـ بل حتى لو منعا ـ ما لم يلزم منه أذيّة لهما وعقوق.

 

الخروج من المسجد حال الاعتكاف بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي

([14]) الراجح هنا أن يقال بأنّ للخروج من المسجد صورتين:

الصورة الأولى: أن يلزم منه سلب عنوان المعتكف عنه، فزوال عنوان الاعتكاف وانمحاؤه يوجب بطلان الاعتكاف بلا إشكالٍ ولا ريب، حتى لو كان خروجه مبرّراً وشرعيّاً، بل ومندوباً، وبلا فرق فيه بين صورة العلم والنسيان والجهل بالموضوع أو الحكم، وبين الإكراه والاضطرار وعدمهما، وهذا واضح.

الصورة الثانية: أن يخرج من المسجد خروجاً لا يوجب سلب العنوان عنه، بلا فرق ما لو كان لضرورة أو إكراه أو لأمر راجح أو غير ذلك، وهنا لا يحكم بالبطلان، بل يصحّ اعتكافه، غايته أنّ هنا حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون خروجه لضرورة أو حاجة أو إكراه أو لأمرٍ راجح، فهنا لا يوجد إشكال تكليفي، فضلاً عن الوضعي فيما يفعله.

الحالة الثانية: أن لا يكون خروجه لذلك، ومع ذلك يظلّ عنوان الاعتكاف والمعتكف صادقاً في حقّه، فهنا يكون قد ارتكب حراماً تكليفاً، ولكنّ اعتكافه صحيح.

والمستند في ذلك أنّ النصوص التي تحدّثت عن خروج المعتكف من المسجد لا يُعلم أنّها ناظرة ـ في غير صورة ارتفاع عنوان الاعتكاف ـ للحكم الوضعي؛ إذ لا يوجد مانع ـ مع صدق عنوان المعتكف عليه ـ أن يكون ذلك حكماً تكليفيّاً، فلا نجد ظهوراً وضعياً في المقام؛ لأنّ هذه الأمور حيث لا توجب الخروج عن صدق عنوان الاعتكاف يمكن تصوّر أنّها تكاليف، وليست إرشاداً للجزئيّة أو الشرطيّة أو المانعيّة أو القاطعية، ولهذا ورد في بعض هذه النصوص ـ مثل خبر داود بن سرحان ـ أنّه لو خرج فلا يجلس تحت الظلال، ومن الواضح أنّ ذلك ليس في مقام بيان حكم وضعي مرتبط بالاعتكاف، وهذا بخلاف لزوم الصوم على المعتكف فإنّ لسانه واضح في بيان الحكم الوضعي، مثل معتبرة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله× أنّه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم»، وبخلاف شرطيّة المسجد الجامع في الاعتكاف، حيث ورد في خبر الحلبيّ، عن أبي عبد الله× قوله: «لا اعتكاف إلا بصومٍ في مسجد الجامع..».

هذا، وقد لاحظت بعد تدويني هذه التعليقة ما هو قريب منها ـ نتيجةً ـ في فتاوى السيد محمد سعيد الحكيم في منهاجه.

وأمّا أنّنا لم نحصر بالموارد التي أشار لها الماتن، مما أشير له في النصوص؛ فلأنّ النصوص ظاهرة في المثاليّة، وهو ما يصبح جليّاً عند ضمّ بعضها إلى بعض، حيث بعضُها لا يشير لبعضِ ما في بعضِها الآخر.

هذا، ومسألة ترك الجلوس تحت الظلال غير ثابتة؛ لأنّ مستندها آحاديّ وفيه نقاش. كما ومما تقدّم يظهر الموقف من كلام الماتن في مسألة اختيار أقرب الطرق.

([15]) مسّ الميت هو مثالٌ للحدث الذي لا يمنع من الجلوس في المسجد، وقد اتضح الموقف مما أفاده الماتن هنا، من خلال ما قلناه في التعليق على المسألة السابقة، فلا نعيد ولا نطيل.

هذا، ويلاحَظ أنّ التصرّف والبقاء في المسجد لمثل المجنب، على تقدير الخروج للاغتسال، قد يكون أحياناً أكبر من التصرّف بالاغتسال داخل المسجد نفسه، كما لو كان على السطح وكان الاغتسال لا يتطلّب سوى حركة اليد بسرعة لصبّ الماء على نفسه، بينما الخروج يتطلّب مشياً طويلاً في المسجد كي يصبح خارجه، فليس الخروج هو المترجّح دائماً من هذه الناحية، وإن كان ذلك عادةً.