hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ملحق حول ليلة القدر وأعمالها ـ القسم الثاني)

تاريخ الاعداد: 5/28/2026 تاريخ النشر: 5/28/2026
3310
التحميل


 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(21 ـ 5 ـ 2026م)

 


 


ملحق حول ليلة القدر وأعمالها

...

 

4 ـ أعمال ليالي القدر، ما ثبت منها وما لم يثبت

سوف أعتمد في أعمال ليالي القدر على كلام الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان، وأعلّق عليه، وأكتفي بذلك إن شاء الله.

 

4 ـ 1 ـ الغُسل

قال الشيخ عباس القمي: «وأعمال ليالي القدر على نوعين: منها ما ينبغي أن يُعمل به في الثلاث ليالي، وأخرى ما يكون خاصَّا لكلّ ليلة. والأوّل فيه عدّة أعمال: الأول: الغُسل، قال العلامة المجلسي: «وإذا كان الغسل في هذه الليالي مقارنًا لغروب الشمس فهو أفضل، لكي يصلّي المغرب على غسل (زاد المعاد: 126)».

أقول: قد تقدّم في مباحث الأغسال المندوبةعدم ثبوت استحباب غسل ليالي الإفراد في شهر رمضان، ولا ليالي القدر، ولا العشر الأواخر بعنوانها، فراجع.

 

4 ـ 2 ـ صلاة ركعتين خاصّتين

قال الشيخ عباس القمي: «الثاني: ركعتان؛ يقرأ في كلّ ركعة بعد (الحمد) سبع مرّات (التوحيد)، وبعد الفراغ يقول سبعين مرّة: «أَسْتَغْفِرُ اللهَ وأَتُوبُ إِلَيْهِ»، وفي الرواية النبويّة: من فعل ذلك لا يقوم من مقامه حتّى يغفر الله له ولأبويه..الخبر».

أقول: أورد العلامة المجلسي هذا الحديث، كالآتي: «عَنْ النبي‘‏ أَنَّهُ: مَنْ صَلَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ؛ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَ (الْحَمْدِ) (سُورَةَ التَّوْحِيدِ) سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَسْتَغْفِر الله بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ سَبْعِينَ مَرَّةً، يَقُولُ: «أَسْتَغْفِرُ الله وَ أَتُوبُ إِلَيْهِ»؛ لَا يَقُومُ‏ مِنْ‏ مَكَانِهِ‏ حَتَّى‏ يَغْفِرَ الله لَهُ‏ وَلِوَالِدَيْهِ‏، وَيَبْعَثُ عِدَّةَ مَلَائِكَةٍ يَكْتُبُونَ لَهُ الْحَسَنَاتِ حَتَّى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، وَبِمَلَكٍ إِلَى الْجَنَّةِ لِيَغْرِسَ لَهُ فِيهَا الْأَشْجَارَ وَيَبْنِي لَهُ الْقُصُورَ، وَيُجْرِي لَهُ الْأَنْهَارَ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَرَاهَا كُلَّهَا» (زاد المعاد: 125).

ولكنّ الرواية مرسلة لم يذكر لها المجلسيّ إسناداً أساساً، فلم تثبت هذه الصلاة بهذه الكيفيّة الخاصّة بعنوانها.

 

4 ـ 3 ـ دعاء رفع المصاحف في ليلة القدر

قال الشيخ عباس القمي: «الثالث: تفتح القرآن المجيد وتضعه في مقابلك، وتقول: تأخذ المصحف فتنشره وتضعه بين يديك وتقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكِتَابِكَ الْمُنْزَلِ وَمَا فِيهِ وَفِيهِ اسْمُكَ الْأَكْبَرُ وَأَسْمَاؤُكَ الْحُسْنَى وَمَا يُخَافُ وَيُرْجَى أَنْ تَجْعَلَنِي مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ» وَتَدْعُو بِمَا بَدَا لَكَ مِنْ حَاجَةٍ. الرابع: خذ المصحف الشريف وضعه على رأسك، وقُل: اللّهم بِحَقِّ هذَا الْقُرْآنِ، وَبِحَقِّ مَنْ اَرْسَلْتَهُ بِهِ، وَبِحَقِّ كُلِّ مُؤْمِن مَدَحْتَهُ فيهِ، وَبِحَقِّكَ عَلَيْهِمْ، فَلا أحَدَ اَعْرَفُ بِحَقِّكَ مِنْكَ. ثمَّ قُل عَشر مرّات: بِكَ يا اللهُ، وعَشر مرّات: بِمُحَمَّد، وعَشر مرّات: بِعَليٍّ، وعَشر مرّات: بِفاطِمَةَ، وعَشر مرّات: بِالْحَسَنِ، وعَشر مرّات: بِالْحُسَيْنِ، وعَشر مرّات: بِعَلِي بْنِ الْحُسَيْنِ، وعَشر مرّات: بِمَحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وعَشر مرّات: بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّد، وعَشر مرّات: بِمُوسَى بْنِ جَعْفَر، وعَشر مرّات: بِعَلِيِّ بْنِ مُوسى، وعَشر مرّات: بِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وعَشر مرّات: بِعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّد، وعَشر مرّات: بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وعَشر مرّات: بِالْحُجَّةِ، وتسأل حاجتك».

أقول: هناك دعاءان بهذه الصيغة:

الدعاء الأوّل: وهو الدعاء الوارد في أعمال ليلة القدر في شهر رمضان المبارك، والذي يبدو هو أنّ المصدر الرئيس لهذا الدعاء في ليلة القدر، هو السيّد علي بن طاووس (664هـ)، فقد ذكر في كتاب إقبال الأعمال ـ ونقله عنه صاحب البحار أيضاً وغيره ـ ما نصّه: «ذكرُ دعاءٍ آخر للمصحف الشريف: ذكرنا إسناده وحديثه في كتاب إغاثة الداعي، ونذكر ها هنا المراد منه، وهو عن مولانا الصادق صلوات الله عليه، قال: خذ المصحف فدعه على رأسك، وقل: اللهم بحقّ هذا القرآن، وبحقّ من أرسلته به، وبحقّ كل مؤمن مدحته فيه، وبحقّك عليهم فلا أحد أعرف بحقّك منك، بك يا الله ـ عشر مرات. ثم تقول: بمحمّد ـ عشر مرات، بعليّ ـ عشر مرات، بفاطمة ـ عشر مرات، بالحسن ـ عشر مرات، بالحسين ـ عشر مرات، بعلي بن الحسين ـ عشر مرات، بمحمد بن علي ـ عشر مرات، بجعفر بن محمد ـ عشر مرات، بموسى بن جعفر ـ عشر مرات، بعلي بن موسى ـ عشر مرات، بمحمد بن علي ـ عشر مرات، بعلي بن محمد ـ عشر مرات، بالحسن بن علي ـ عشر مرات، بالحجّة ـ عشر مرات. وتسأل حاجتك، وذكر في حديثه إجابة الداعي وقضاء حوائجه. ذكرُ دعاءٍ آخر للمصحف الشريف: ذكرناه بإسنادنا إليه في كتاب إغاثة الداعي عن علي بن يقطين رحمه الله، عن مولانا موسى بن جعفر صلوات الله عليهما يقول فيه: خذ المصحف في يدك وارفعه فوق رأسك، وقل: اللهم بحقّ هذا القرآن، وبحقّ من أرسلته إلى خلقك، وبكلّ آية هي فيه، وبحقّ كلّ مؤمن مدحته فيه، وبحقّه عليك ولا أحد أعرف بحقّه منك. يا سيدي يا سيدي يا سيدي، يا الله يا الله يا الله ـ عشر مرات، وبحقّ محمد ـ عشر مرات، وبحقّ كلّ إمام ـ وتعدّهم حتى تنتهي إلى إمام زمانك عشر مرات. فإنّك لا تقوم من موضعك حتى يقضى لك حاجتك، وتيسّر لك أمرك» (إقبال الأعمال: 346 ـ 347؛ وبحار الأنوار 95: 146 ـ 147).

وقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب (زاد المعاد: 126) أنّ هذا الدعاء بصيغته الأولى منقول عن الباقر والصادق عليهما السلام، ولكنّني أظنّ أنّ هذا سهو منه، فلم يرد حتى في بحار الأنوار ذكر هذا الدعاء مرويّاً عن الإمام الباقر، بل الذي يبدو بالمقارنة أنّ المجلسي في البحار لم يكن لديه مصدر آخر غير ابن طاووس نفسه هنا. ولعلّه يقصد رواية نشر القرآن بين اليدين التي رواها حريز بن عبد الله السجستاني وليس فيها وضع القرآن على الرأس، ولا التوسّل بالنبي وأهل بيته أساساً.

وقد اعتمد الشيخ عباس القمي (1359هـ) ذكر هذا الدعاء في ليلة القدر في كتابه (مفاتيح الجنان: 357 ـ 358)، لكنّه لم يُشر هناك إلى الصيغة الثانية من صيغ دعاء القرآن هذا، مما سبق أن ذكره ابن طاووس والمجلسي معاً. ولم يذكر ابن طاووس طريقه أو سنده هنا إلى هذا الدعاء، ولكنّه يشير إلى أنّه ذكر الإسناد إلى ذلك في كتاب إغاثة الداعي.

والذي يبدو هو أنّ هناك فوارق بين الروايتين المرويّتين عن الإمامين الصادق والكاظم، ففي رواية الصادق يصل الدعاء إلى الإمام الثاني عشر، بينما لا نجد هذا التعبير في رواية الكاظم، وإنّما يقول: «حتى تنتهي إلى إمام زمانك»، ولعلّ المراد من إمام زمان علي بن يقطين هو الإمام الكاظم وليس الإمام المهدي، فيكون هذان دعاءين مختلفين، وربما كانا معاً واردين في الشرع دون أيّ تنافٍ.

نعم، قد يقول قائل بأنّ معرفة اسم الإمام اللاحق كانت غير متوفّرة للجميع بشهادات عديدة من بعض أصحاب الأئمة، كما ورد في حقّ زرارة بن أعين مثلاً فكيف يعلّم الإمام الصادق هذا الشخص تمام الأسماء؟! فتكون الصيغة الثانية المرويّة عن الإمام الكاظم أنسب منطقيّاً من الصيغة الأولى التي هي أشهر تداولاً بين الناس اليوم، وإن كانت النتيجة في حقّ أبناء اليوم هو الصيغة الأولى؛ لأنّ المفروض أنّ إمام زمانهم ليس هو الإمام الكاظم فلاحظ جيداً. وهذا إشكال يحتاج لبسط كلام في التعليق عليه ـ سلباً أو إيجاباً ـ فلا نطيل.

لكن لو تأمّلنا قليلاً في متن الرواية الأولى والثانية أعلاه، فنحن لا نجد أيّ إشارة إلى ليلة القدر أساساً، فلعلّ ابن طاووس حذف المقطع الذي يدلّ على ارتباط هذين الدعاءين بليلة القدر، أو أنّه أضافهما إلى أعمال ليلة القدر، نظراً لما فيهما من أهميّة وقضاء حاجة، وإلا فالنصّ نفسه ـ بحسب ما وصلنا ـ لا يدلّ على أنّ هذا الدعاء ورد في أعمال ليلة القدر بخصوصها، بل هو عملٌ عام غايته يمكن الإتيان به في ليلة القدر كأيّ ليلةٍ أخرى.

وعلى أيّة حال، فهذا الدعاء لا نعرف مصدره ولم يُذكر له سند أصلاً، وبين ابن طاووس والإمام الصادق والكاظم ما يقرب من خمسة قرون، ومن ثمّ فهذا الدعاء ضعيف الإسناد جداً، وإذا أُتي به فيؤتى به بالعنوان الدعائي العام، لا بعنوان وروده بخصوصه، فضلاً عن عنوان كونه من أعمال ليلة القدر بخصوصها، وبالتالي لا يستدلّ به في مطلب عقدي أو أخلاقي أو غيرهما، نعم بناء على قاعدة التسامح في أدلّة السنن ـ والتي لا نؤمن بها ـ يمكن الإتيان بهذا الدعاء بوصفه دعاءً مستحباً. وسيكون لنا كلام له علاقة بالموضوع قريباً عند الحديث عن الدعاء الثاني، فانتظر.

وأمّا إحالة السيد ابن طاووس على كتاب إغاثة الداعي، فقد تكرّرت منه في بعض المواضع القليلة، لكنّ هذا الكتاب غير متوفّر اليوم، بل قد يظهر من صاحب الذريعة وغيره ذلك. وأمّا اعتقاد ابن طاووس أو المجلسي أو الشيخ عباس القمي بصحّة هذا الدعاء، فهو وجهة نظر شخصيّة لهم لا تُلزم غيرهم بشيء، خاصّةً ابن طاووس الذي يعلم الجميع ـ بمراجعة مقدّمته على كتابه فلاح السائل ـ كم هو متساهل في أمر إثبات الحديث ويغضّ الطرف عن التضعيفات والطعون في الرواة، حتى لا يرد أيّ طعن على أيّ راوٍ تقريباً! فلتُراجع مقدّمته فهي نافعة في بيان منهجه الحديثي العام رحمه الله.

الدعاء الثاني: ما رواه الشيخ الطوسي في الأمالي بعيداً عن ليلة القدر أو أعمال شهر رمضان المبارك، وهو ما نصّه: «أبو محمد الفحام، قال: حدّثني أبو الحسن محمد بن أحمد الهاشمي المنصوري بسرّ من رأى، قال: حدّثنا أبو السرى سهل بن يعقوب بن إسحاق مؤذّن المسجد المعلق بصف شنيف بسر من رأى سنة ثمان وتسعين ومائتين، قال: حدثنا الحسن بن عبد الله بن مطهر (مطر)، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى سيّدنا الصادق×، فقال له: يا سيدي، أشكو إليك دَيناً ركبني وسلطاناً غشمني، وأريد أن تعلّمني دعاءً اغتنم به غنيمة أقضي بها ديني وأكفي بها ظلم سلطاني. فقال: إذا جنّك الليل، فصلّ ركعتين، اقرأ في الأولى منهما الحمد وآية الكرسي، وفي الركعة الثانية الحمد وآخر الحشر: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل. إلى خاتمة السورة، ثم خذ المصحف فدعه على رأسك وقل: بهذا القرآن وبحقّ من أرسلته به، وبحقّ كلّ مؤمن مدحته فيه، وبحقّك عليهم، فلا أحد أعرف بحقّك منك، بك يا الله عشر مرات، ثم تقول: يا محمد عشر مرات، يا علي عشر مرات، يا فاطمة عشر مرات، يا حسن عشر مرات، يا حسين عشر مرات، يا علي بن الحسين عشر مرات، يا محمد بن علي عشر مرات، يا جعفر بن محمد عشر مرات، يا موسى بن جعفر عشر مرات، يا علي بن موسى عشر مرات، يا محمد بن علي عشر مرات، يا علي بن محمد عشر مرات، يا حسين (حسن) بن علي عشر مرات، يا حجّة عشر مرات. ثم تسأل الله (تعالى) حاجتك. قال: فمضى الرجل وعاد إليه بعد مدّة، قد قضى دينه، وصلح له سلطانه، وعظم يساره» (أمالي الطوسي: 292 ـ 293؛ وتفصيل وسائل الشيعة 8: 125 ـ 126؛ وبحار الأنوار 88: 346، و89: 112 ـ 113؛ ومفاتيح الجنان (الباقيات الصالحات): 943).

وهذا الدعاء ـ كما هو واضح من متنه ـ لا علاقة له بليلة القدر ولا بأعمال شهر رمضان المبارك، بل له علاقة بردّ السلطان وقضاء الديون والحاجات، وامتياز هذا الدعاء عن الدعاءين السابقين هو أنّه يخاطب أهل البيت أنفسهم، فهو يقول: يا علي يا فاطمة، بينما رأينا في الدعاءين السابقين مخاطبة الله بحقّهم، فتقول: يا الله بفاطمة.. بعليّ.. بالحسن.. ومن الواضح أنّ سند هذا الدعاء مذكور، وبصرف النظر عن تصحيح نسبة كتاب الأمالي للطوسي أو لولد الطوسي (وهناك كلام كثير في هذا) ممّا يرتاب فيه بعضهم اليوم ويتحفّظ بعض الشيء، مثل الشيخ آصف محسني.. بصرف النظر عن ذلك، فهذا الحديث ضعيف بل سنده تالف، وذلك أنّ فيه سلسلة من المجاهيل بل والضعفاء، مثل سليمان الديلمي الذي لم يوثّق في كتب الرجال، بل نقل الكشي أنّه من الغلاة الكبار (رجال الكشي 2: 673)، وذكر فيه النجاشي أنّه غمز عليه، وأنّه قيل: كان غالياً كذاباً. وكذلك ابنه محمّد لا يعمل بما انفردا به من الرواية (رجال النجاشي: 182). وأمّا ابنه فنصّ الطوسي في الرجال على أنه يُرمى بالغلوّ (رجال الطوسي: 343)، وضعّفه في موضع آخر من رجاله أيضاً وفقاً لبعض النسخ (رجال الطوسي: 363)، وقال عنه النجاشي بأنّه ضعيف جداً لا يعوّل عليه في شيء (رجال النجاشي: 365). وأيضاً في السند الحسن بن علي بن مطهر، وهو رجل مهمل جداً قليل الرواية للغاية، وقد ذكر النمازي الشاهرودي أنّهم لم يذكروه مقرّاً بأنّه لم يتعرّضوا له بتوثيق أو غيره (مستدركات علم رجال الحديث 2: 425 ـ 426). وكذلك الحال في سهل بن يعقوب بن إسحاق، فإنّه لم يذكره أحدٌ بتوثيقٍ، ورواياته قليلةٌ للغاية.. وفي مثل سندٍ كهذا كيف يمكن تحصيل الرواية المعتبرة، فضلاً عن الوثوق والاطمئنان بالصدور؟! وعليه فهذه الرواية غير صحيحة أيضاً، مضافاً إلى أنّ الشيخ الطوسي لم يذكرها في كتاب مصباح المتهجّد المخصّص للأدعيّة والأعمال، ولم ترد هذه الرواية في المصادر الحديثية الكبرى الأمّ عند الشيعة أو السنّة أو غيرهم. بل إنّني أحتمل أنّ السيد ابن طاووس قصد في الصيغة الأولى من صيغتي الدعاء الأوّل هذه الرواية بالذات، ولعلّه وضعها في أعمال ليلة القدر بعد أن رأى الأهميّة فيها.

والنتيجة: إنّ مختلف الروايات التي وردت بعنوان دعاء نشر المصحف الشريف على الرأس لم تثبت، بل لم يثبت إطلاقاً أنّها وردت في خصوص ليلة القدر أو من أعمالها المنسوبة إليها، فكلّ دعاء لا يرى فيه الإنسان مشكلةً متنيّةً مضمونيّة يمكنه أن يدعو الله به، لكن إذا لم يثبت صحّته واعتباره فلا يمكنه نسبته إلى الدين أو الإفتاء باستحبابه أو البناء على ذلك أو الاستدلال به لإثبات أمر عقدي أو فقهي أو أخلاقي، بل يؤتى به إمّا بعنوان الدعاء المطلق أو بعنوان رجاء المطلوبيّة. نعم يمكن الدعاء به بعنوان الاستحباب بناءً على قاعدة التسامح في أدلّة السنن والتي قلنا بأنّها غير ثابتة.

وينتج أيضاً عن ذلك أنّ الاستدلال بهذا الدعاء ـ أعني الدعاء الثاني، وليس الصيغتين الأوليين من الدعاء الأوّل ـ لإثبات مسألة التوسّل، بمعنى توجيه الطلب والدعاء لأهل البيت أنفسهم، غيرُ صحيح، وهو من الروايات القليلة جداً التي يظهر منها الدعاء الموجّه للنبي وأهل بيته مباشرةً.

وأمّا إشكال بعض أهل السنّة اليوم على هذا الدعاء بأنّه بدعة ووضع المصاحف على الرؤوس كذلك، وأنّ الأجدر هو العمل بالقرآن، فهو إشكال غير صحيح؛ فبصرف النظر عن ثبوت هذا الدعاء وعدمه، لا نجد في وضع القرآن على الرأس أيّ بدعة أو شرك، فهو توسّل إلى الله تعالى ببركة هذه الشخصيّات العظيمة، والدعاء موجّهٌ إليه سبحانه، كما هي العادة الجارية بين الشيعة في ليالي القدر اليوم، فليس في الأمر شرك أو كفر، بل قد ورد في بعض الروايات من طرق أهل السنّة ما يفيد وضع بعض الصحابة القرآن على رأسه، ولا نريد أن نطيل في هذا السجال. والعملُ بالقرآن مطلوب، لكنّ ضمّ هذا الدعاء إلى العمل ليس أمراً منبوذاً، وإذا لم يثبت عندي هذا الدعاء أو عندك فلا يعني أنّ من ثبت عنده والتزم باستحبابه ومارسه فهو مبتدع، فالاختلاف في تصحيح الأحاديث عظيم بين العلماء منذ قديم الأيّام، ولا ضير في ذلك هنا.

ولا بأس أن أشير أخيراً إلى أنّ مصطلح (دعاء القرآن) يُطلق أحياناً ويُراد به الأدعية التي وردت في القرآن الكريم نفسه، وهذا لا علاقة له ببحثنا هنا، وإنّما نقصد خصوص الدعاء الذي يُنشر فيه القرآن على الرأس ويجري فيه التوسّل.

 

4 ـ 4 ـ زيارة الإمام الحسين

قال الشيخ عباس القمي: «الخامس: يزور الإمام الحسين×، في الحديث:.. إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَفِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، نَادَى مُنَادٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: إِنَّ الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِمَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ× فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ».

أقول: الرواية المشار إليها أوردها الطوسي في (تهذيب الأحكام 6: 49)، وهي مصحّحة سنداً، لكنّها آحاديّة.

 

4 ـ 5 ـ إحياء الليالي بالعبادة و..

قال الشيخ عباس القمي: «السادس: يحيي هذه الليالي؛ ففي الحديث: مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُهُ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ وَمَثَاقِيلِ الْجِبَالِ وَمَكَايِيلِ الْبِحَارِ».

أقول: إحياء ليلة القدر بالدعاء والذكر والعبادة من الأمور التي وردت فيها العديد من الروايات، لكنّ الرواية التي نقلها الشيخ القمي هنا ضعيفة السند بابن الحريش وغيره، وقد أوردها الشيخ الصدوق في (فضائل الأشهر الثلاثة: 117).

 

4 ـ 6 ـ صلاة مائة ركعة

قال الشيخ عباس القمي: «السابع: يصلّي مائة ركعة ففيها فضلٌ كثير، وأفضلها يقرأ في كلّ ركعة بعد (الحمد) عشر مرّات (التوحيد).

أقول: هذه الصلاة التي موردها الليلة الواحدة والعشرون والثالثة والعشرون، نقلها الصدوق في (فضائل الأشهر الثلاثة: 103 ـ 104)، وفي السند صالح بن أبي حماد الرازي الذي لم تثبت وثاقته، وروى قريباً منها في (الخصال : 519)، بسندٍ فيه الحسين بن الحسن بن أبان القمي الذي لم تثبت وثاقته أيضاً، لكنّ الصدوق نقل الرواية في (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 156)، بطريقه ـ ظاهراً ـ إلى سليمان الجعفري الثقة، وطريقه إليه صحيح، فالرواية معتبرة.

 

4 ـ 7 ـ دعاء: اللهم إنّي أمسيت لك عبداً داخراً، ودعاء الجوشن..

قال الشيخ عباس القمي: «الثامن: يقرأ: «اللّهم اِنّي أمْسَيْتُ لَكَ عَبْدًا داخِرًا لا أمْلِكُ لِنَفْسي نَفْعًا وَلا ضَرًّا، وَلا أصْرِفُ عَنْها سُوءًا، أشْهَدُ بِذلِكَ عَلى نَفْسي، وَأعْتَرِفُ لَكَ بِضَعْفِ قُوَّتي، وَقِلَّةِ حيلَتي، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَأنْجِزْ لي ما وَعَدْتَني وَجَميعَ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ في هذِهِ اللَّيْلَةِ، وَأتْمِمْ عَلَيَّ ما آتَيْتَني فَإنّي عَبْدُكَ الْمِسْكينُ الْمُسْتَكينُ الضَّعيفُ الْفَقيرُ الْمَهينُ، اللّهم لا تَجْعَلْني ناسِيًا لِذِكْرِكَ فيما أوْلَيْتَني، وَلا لإحْسانِكَ فيما أعْطَيْتَني، وَلا آيِسًا مِنْ اِجابَتِكَ وَإنْ أبطَأَتَ عَنّي، في سَرّاءَ أوْ ضَرّاءَ، أوْ شِدَّة أوْ رَخاء، أوْ عافِيَة أوْ بَلاء، أوْ بُؤْس أوْ نَعْماءَ، إنَّكَ سَميعُ الدعاء». هذا الدعاء رواه الكفعمي عن الإمام زين العابدين×، بأنَّه كان يدعو به في هذه اللّيالي قائمًا وقاعدًا وراكعًا وساجدًا. وقال العلاّمة المجلسي&: وأفضل الأعمال في هذه الليالي الاستغفار والدعاء لمطالب دنياه وآخرته ووالديه وأقربائه وإخوته المؤمنين حيّهم وميّتهم والأذكار والصلوات على محمد وآل محمد ما تيسّر، وورد في بعض الروايات أن يقرأ دعاء (الجوشن الكبير) في كلّ ليلة من ليالي القدر الثلاث‏. يقول الفقير: مرّ فيما سبق (عاء الجوشن)، وروي: أنَّه قيل لرسول الله‘:إِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَمَا أَسْأَلُ رَبِّي، قَالَ‘: الْعَافِيَة».

أقول: ذكر ـ رحمه الله ـ هنا عدّة أمور:

أ ـ دعاء «اللهم إنّي أمسيت لك عبداً داخراً..»، وهذا الدعاء ذكره السيد ابن طاووس مرسلاً في (إقبال الأعمال 1: 348)، وعدّه الأبطحي في الصحيفة السجّادية الدعاءَ (رقم: 126)، والظاهر أنّه اعتمد في ذلك على نقل الكفعمي المرسَل لهذا الحديث عن الإمام زين العابدين في (البلد الأمين: 203، والمصباح: 585)، فالدعاء لم يثبت.

ب ـ دعاء الجوشن الكبير، وقد أسلفنا الحديث مفصّلاً عنه في مباحث التكفين في كتاب الطهارة، فراجع، وقلنا بأنّه لم يثبت أساساً، كما لم يثبت كونه من أدعية ليالي القدر.

ج ـ الرواية عن النبيّ في سؤال العافية، وقد نقل هذه الرواية المحدّث النوري (1320هـ)، في (مستدرك الوسائل 7: 458)، عن القطب الراوندي في كتابه "لبّ اللباب"، وليس لها سند.

 

4 ـ 8 ـ الاستغفار مائة مرّة

قال الشيخ عباس القمي: «وأمّا الثاني؛ يعني الأعمال الخاصّة بهذه الليالي. فأعمال الليلة التاسعة عشرة عدّة أمور: الأول: مائة مرّة «أسْتَغْفِرُ اللهَ وأتُوبُ إلَيْهِ».

أقول: الروايات في الحث على الاستغفار في شهر رمضان وليالي القدر متعدّدة، وهذا الرقم المذكور جاء في حديثٍ لم يثبت سنداً.

 

4 ـ 9 ـ لعن قتلة الإمام عليّ مائة مرّة

قال الشيخ عباس القمي: «الثاني: مائة مرّة: اللّهم الْعَنْ قَتَلَةَ أميرِ الْمُؤمِنينَ».

أقول: لم أعثر على كون ذلك من أعمال ليلة القدر، عدا ما قاله ابن طاووس: «وروي أنّه يستغفر ليلة تسع عشرة من شهر رمضان مائة مرّة، ويلعن قاتل مولانا عليّ× مائة مرة..» (إقبال الأعمال 1: 344)، فالخبر لا إسناد له.

وبهذه المناسبة نشير إلى أنّه لم يثبت أنّ من أعمال ليلة القدر إقامة المآتم على شهادة أمير المؤمنين× بعنوانها.

 

4 ـ 10 ـ دعاء: يا ذا الذي كان..

قال الشيخ عباس القمي: «الثالث: يقرأ: «يَا ذَا الَّذِي كَانَ..»، الذي مضى ذكره في القسم الرابع من الكتاب».

أقول: هذا الدعاء هو عبارة عن «يَا ذَا الَّذِي كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ يَبْقَى وَيَفْنَى كُلُّ شَيْ‏ءٍ. يَا ذَا الَّذِي‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَيَا ذَا الَّذِي لَيْسَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى وَلَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى وَلَا فَوْقَهُنَّ وَلَا تَحْتَهُنَّ وَلَا بَيْنَهُنَّ إِلَهٌ يُعْبَدُ غَيْرُهُ. لَكَ‏ الْحَمْدُ حَمْداً لَا يَقْوَى عَلَى إِحْصَائِهِ إِلَّا أَنْتَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ صَلَاةً لَا يَقْوَى عَلَى إِحْصَائِهَا إِلَّا أَنْتَ». وهذا الدعاء ذكره المفيد مرسلاً في (المقنعة: 320)، كما أنّ الصدوق ذكره ـ دون إشارة لشهر رمضان ـ في (التوحيد: 47 ـ 48)، بسندٍ غير تامّ، ولكنّ الرواية في التوحيد تنتهي عند قوله: «إله يُعبد غيره».

 

4 ـ 11 ـ دعاء: اللهم اجعل فيما تقضي وتقدّر..

قال الشيخ عباس القمي: «الرابع: يقرأ: «اللَّهُمَ‏ اجْعَلْ‏ فِيما تَقْضِي‏ وَتُقَدِّرُ مِنَ‏ الْأَمْرِ الْمَحْتُومِ وَفِيما تَفْرُقُ مِنَ الْأَمْرِ الْحَكِيمِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَفِي الْقَضاءِ الَّذِي لا يُرَدُّ وَلا يُبَدَّلُ، أَنْ تَكْتُبَنِي مِنْ حُجّاجِ بَيْتِكَ الْحَرامِ، الْمَبْرُورِ حَجُّهُمْ، الْمَشْكُورِ سَعْيُهُمْ، الْمَغْفُورِ ذُنُوبُهُمْ، الْمُكَفَّرِ عَنْهُمْ سَيِّئَاتُهُمْ، وَاجْعَلْ فِيما تَقْضِي وَتُقَدِّرُ أَنْ تطِيلَ عُمْرِي، وَتُوَسِّعَ عَلَيَ فِي رِزْقِي، وَتَفْعَلَ بِي [كَذا وَكَذا]»، وبدلًا عن هذه الكلمة يذكر حاجته».

أقول: ورد هذا المضمون في أكثر من رواية تارةً لكل أيام وليالي شهر رمضان وأخرى لخصوص بعض ليالي القدر، مثل الخبر المرسل الذي نقله الصدوق في (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 162)، وكذلك خبر أبي بصير الذي نقله الطوسي في (تهذيب الأحكام 3: 124 ـ 125)، وكذا خبر الكليني في (4: 161)، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن عطية، وغير ذلك من المصادر.

 

4 ـ 12 ـ حول ليلة الحادي والعشرين ونقد مقولة الصدوق في أفضليّة العلم على العبادة في ليلة القدر

قال الشيخ عباس القمي: «الليلة الحادية والعشرون. وفضلها أكبر من الليلة التاسعة عشرة، وينبغي الإتيان بأعمال تلك الليلة في هذه الليلة، كالغسل والإحياء والزيارة والصلاة بسبع مرّات ﴿قل هو الله أحد﴾ ورفع القرآن ومائة ركعة ودعاء الجوشن الكبير وغيرها، وقد أكّدت الروايات على الغسل والإحياء والجدّ والاجتهاد في العبادات في هذه الليلة وليلة ثلاث وعشرين؛ فليلة القدر واحدة من هاتين الليلتين، وفي عدّة روايات سُئل المعصوم عن تعيين ليلة القدر في أي هاتين الليلتين، فلم يعيّن ولكنه قال: «..مَا أَيْسَرَ لَيْلَتَيْنِ‏ فِيمَا تَطْلُبُ..» أو قال: «..وَمَا عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ خَيْراً فِي لَيْلَتَيْنِ..»، ونحو ذلك. وقال شيخنا الصّدوق فيما أملى على المشايخ في مجلس واحد من مذهب الإماميّة: ومن أحيا هاتين الليلتين بمذاكرة العلم‏ فهو أفضل. وبصورة عامّة، ليَبدأ هذه الليلة بأدعية الليالي العشر الأواخر، والتي منها ما رواه الشيخ الكليني في (الكافي) عن الإمام الصادق× أنّه قال: تَقُولُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ: «أَعُوذُ بِجَلَالِ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي شَهْرُ رَمَضَانَ أَوْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَتِي هَذِهِ وَلَكَ قِبَلِي ذَنْبٌ أَوْ تَبِعَةٌ تُعَذِّبُنِي عَلَيْهِ»..».

أقول: مجمل ما ذكره سبق أن تعرّضنا له، فالكلام هو الكلام، نعم ما ذكره الصدوق في مسألة أفضليّة مذاكرة العلم (الأمالي: 747) يبدو أنّه رأي شخصي له، وقد يكون استقاه من رواية، أو من النصوص الدالّة بالعموم على أفضليّة العلم على غيره، وأفضلية العالم على العابد، لكنّه لم يثبت في ذلك بالخصوص هنا رواية معتبرة، بل مجمل النصوص هنا على العكس، حيث تؤكّد على الدعاء والذكر والصلاة والعبادة. وكليّة كون طلب العلم أفضل من العبادة ـ لو تمّت ـ لا تعني أنّه في كلّ المواضع يكون الأمر كذلك، بل في بعض المواضع ورد التركيز على العبادة بوصفها أعمالاً خاصّة لبعض الأمكنة والمناسبات، مما يشير لتعيّنها مقابل أيّ شيء آخر، ولو كان طلب العلم. والأفضليّة تكون في النوع والجملة.

أمّا حديث (الكافي 4: 160) فقد نقله عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا، فيكون معتبراً وفقاً لبعض المباني الرجاليّة والحديثية.

 

4 ـ 13 ـ دعاء: اللهم أدّ عنّا حقّ ما مضى من شهر رمضان

قال الشيخ عباس القمي: «ونقل الكفعمي في هامش كتاب (البلد الأمين): كان الإمام الصّادق× يقرأ في كلّ ليلة من العشر الأواخر بعد الفرائض والنّوافل: «اللّهم أدِّ عَنّا حَقَّ ما مَضى مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ، وَاغْفِرْ لَنا تَقْصيرَنا فيهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنّا مَقْبُولًا وَلا تُؤاخِذْنا بِاِسْرافِنا عَلى اَنْفُسِنا، وَاجْعَلْنا مِنَ الْمَرْحُومينَ وَلا تَجْعَلْنا مِنَ الَمحْرُومينَ». وقال: مَن قال هذا غفر الحقّ تعالى تقصير ما صدر عنه في الأيام السالفة من شهر رمضان، وعصمه من المعاصي في باقي الشهر».

أقول: لم أتحقّق من هذه الرواية؛ لعدم وجودها فيما بأيدينا من كتاب البلد الأمين أو غيره، والسند غير معلوم.

 

4 ـ 14 ـ دعاء: اللهم أنت قلت في كتابك المنزل..

قال الشيخ عباس القمي: «ومنها ما نقله السيد ابن طاووس في (الإقبال)، عن ابن أبي عمير، عن مُرازم، قال: كان الصّادق× يقرأ في كلّ ليلة من من العشر الأواخر: «اللّهم اِنَّكَ قُلْتَ في كِتابِكَ الْمُنْزَلِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الذي أنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ﴾، فَعظَّمْتَ حُرْمَةَ شَهْرِ رَمَضانَ بما اَنْزَلْتَ فيهِ مِنَ الْقُرآنِ، وَخَصَصْتَهُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَجَعَلْتَها خَيْرًا مِنْ ألْفِ شَهْر، اللّهم وَهذِهِ أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ قَدِ انْقَضَتْ، وَلَياليهِ قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَقَدْ صِرْتُ يا إلهي مِنْهُ إلى ما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّي وَأحْصى لِعَدَدِهِ مِنَ الْخَلْقِ أجْمَعينَ، فَأسْأَلُكَ بِما سَأَلكَ بِهِ مَلائِكَتُكَ الْمُقَرَّبُونَ وَأنْبِياؤُكَ الْمُرْسَلُونَ، وَعِبادُكَ الصّالِحُونَ، أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَأنَ تَفُكَّ رَقَبَتي مِنَ النّارِ، وَتُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ، وَأنْ تَتَفَضَّلَ عَليَّ بِعَفْوِكَ وَكَرَمُكَ وتَتَقبَّل تَقَربي وَتَسْتَجيْبَ دُعائي، وتَمُنَّ عَليّ بالأمن يوم الخوف مِنْ كُلِّ هَوْل أعْدَدْتَهُ لِيَومِ الْقِيامَةِ، إلهي وَأعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَريمِ، وَبِجَلالِكَ الْعَظيمِ أنْ يَنْقَضِيَ أيّامُ شهْرِ رَمَضانَ وَلَياليهِ وَلكَ قِبَلي تَبِعَةٌ أوْ ذَنْبٌ تُؤاخِذُني بِهِ أوْ خَطيئَةٌ تُريدُ أنْ تَقْتَصَّهَا مِنّي لَمْ تَغْفِرْها لي. سَيِّدي سَيِّدي سَيِّدي، أسألُك يا لا إِلهَ إلاّ أنْتَ إذْ لا إِلهَ إلاّ أنْتَ، إنْ كُنْتَ رَضَيْتَ عَني في هذَا الشهر فَاْزدَدْ عَنّي رِضًا، وَإنْ لَمْ تَكُن رَضَيْتَ عنِّي فَمِنَ الآنَ فَارْضَ عَنّي يا أرْحَمَ الرّاحِمينَ، يا اَللهُ يا أحَدُ يا صَمَدُ يا مَنْ لَمْ يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ» وأكثر من قول: (يا مُلَيِّنَ الْحَديدِ لِداوُدَ×، يا كاشِفَ الضَرّ والكُرَبِ العِظام عَن أيّوب×، أَي مُفَرِّجَ هَمِّ يَعْقُوبَ×، أيْ مُنَفِّسَ غَمِّ يُوسُفَ×، صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد كَما أنْتَ أَهْلهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ أجْمَعينَ وَافْعَلْ بي ما أنْتَ أهْلُهُ وَلا تَفْعَلْ بي ما أنَا أهْلُهُ)».

أقول: نقل هذا الحديث ابن طاووس في (الإقبال 1: 364، وانظر: المصدر نفسه: 469)، وصحّحه العلامة المجلسي في (زاد المعاد: 136). والظاهر أنّه عملاً بوجود طرق معتبرة لدى ابن طاووس إلى هارون بن موسى، وأنّ الأخير له إسناد معتبر إلى ابن أبي عمير، والله العالم. وأمّا ما أضافه من الدعاء في آخر كلامه، فلم نتحقّق له على سندٍ معتبر.

 

4 ـ 15 ـ دعاء: يا مولج الليل في النهار..

قال الشيخ عباس القمي: «ومنها هذه الأدعية المنقولة في (الكافي) مُسندًا وفي (المقنعة) و(المصباح) مرسلًا، تقول في الليلة الأولى يعني بها اللّيلة الحادية والعشرين: «يا مُولِجَ اللَّيْلِ فِي النَّهارِ، وَمُولِجَ النَّهارِ فِي اللَّيْلِ، وَمُخْرِجَ الْحَيِّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمُخْرِجَ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ، يا رازِقَ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب، يا اَللهُ يا رَحْمنُ، يا اَللهُ يا رَحيمُ، يا اَللهُ يا اَللهُ يا اَللهُ لَكَ الأسْماءُ الْحُسْنى، وَالأمْثالُ الْعُلْيا، وَالْكِبْرِياءُ وَالآلاءُ، أسْألُكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَأنْ تَجْعَلَ اسْمي في هذِهِ اللَّيْلَةِ فِي السُّعَداءِ، وَرُوحي مَعَ الشُّهَداءِ، وَإحْساني في عِلِّيّينَ، وَإساءَتي مَغْفُورَةً، وَأنْ تَهَبَ لي يَقيناً تُباشِرُ بِهِ قَلْبي، وَإيمانًا يُذْهِبُ الشَّكَّ عَنّي، وَتُرْضِيَني بِما قَسَمْتَ لي، وَآتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ الْحَريقِ، وَارْزُقْني فيها ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ، وَالرَّغْبَةَ إلَيْكَ وَالإنابَهَ وَالتَّوْفيقَ لِما وَفَّقْتَ لَهُ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّد عَلَيْهِ وَعليهم السلام».

أقول: أورد هذا الدعاء ـ وكذا مقاطع منه ـ الكليني في (الكافي 4: 160 ـ 164)، والصدوق في (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 161 ـ 162)، والطوسي في (تهذيب الأحكام 3: 101 ـ 102)، وغيرها من المصادر، بسندٍ غير ثابت.

 

4 ـ 16 ـ دعاء اليلة الثالثة والعشرين: يا ربّ ليلة القدر.. ودعاء اللهم كنّ لوليّك..

قال الشيخ عباس القمي: «دُعاء اللّيلة الثالثة وَالْعِشْرينَ: «يا رَبَّ لَيْلَةِ الْقَدْر وَجاعِلَها خَيْرًا مِنْ ألْفِ شَهْر، وَرَبَّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وَالْجِبالِ والْبِحارِ، والظُّلَمِ والأنوارِ، وَالأَرْضِ وَالسَّماءِ، يا بارِئُ يا مُصَوِّرُ، يا حَنّانُ يا مَنّانُ، يا اَللهُ يا رَحْمنُ، يا اَللهُ يا بَديعُ، يا اَللهُ يا اَللهُ يا اَللهُ، لَكَ الأَسْماءُ الْحُسْنى، وَالأَمْثالُ الْعُلْيا، وَالْكِبْرِياءُ وَالآلاءُ، أسْاَلُكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَأنْ تَجْعَلَ اسْمي في هذِهِ اللَّيْلَةِ فِي السُّعَداءِ، وَرُوحي مَعَ الشُّهَداءِ، وَإحْساني في عِلِّيّينَ، وَإساءَتي مَغْفُورَةً، وَأنْ تَهَبَ لي يَقينًا تُباشِرُ بِهِ قَلْبي وَإيمانًا يُذهِبُ الشَّكَّ عَنّي، وَتُرْضِيَني بِما قَسَمْتَ لي، وَآتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النّارِ الْحَريقِ، وَارْزُقْني فيها ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَالرَّغْبَةَ إلَيْكَ وَالإنابَةَ والتَّوبَةَ والتَّوْفيقَ لِما وَفَّقْتَ لَهُ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّد عليهم السلام».

أقول: أمر هذا الدعاء صار واضحاً مما تقدّم، وراجع أيضاً: (الكافي 4: 162؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 162؛ وزاد المعاد: 138).

قال الشيخ عباس القمي: «وروى محمّد بن عيسى بسنده عن الصّالحين^ قالوا: تُكَرِّرُ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ هَذَا الدُّعَاءَ سَاجِداً وَقَائِماً وَقَاعِداً وَعَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِي الشَّهْرِ كُلِّهِ وَكَيْفَ أَمْكَنَكَ وَمَتَى حَضَرَكَ مِنْ دَهْرِكَ، تَقُولُ بَعْدَ تَحْمِيدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ|: اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ [وتقول عوض فلان بن فلان الحُجَّةِ بْنِ الْحَسَنِ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلى آبائِه] فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلِيّاً وَحَافِظاً وَنَاصِراً وَدَلِيلًا وَقَائِداً وَعَوْناً وَعَيْناً حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فِيهَا طَوِيلًا».

أقول: الرواية ضعيفة السند بالإرسال، وقد وردت في (الكافي 4: 162)، وصحّحها المجلسي في (زاد المعاد: 138)؛ كما أنّ ما بين [ ] لم يرد في الحديث، وقد وُضِع مكان فلان بن فلان جملة: «الْقَائِمِ بِأَمْرِكَ الْحُجَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَهْدِيِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَام».

 

4 ـ 17 ـ دعاء: يا مدبّر الأمور يا باعث من في القبور..

قال الشيخ عباس القمي: «وتقرأ أيضاً: يا مُدَبِّرَ الأمُورِ، يا باعِثَ مَنْ فِي الْقُبُورِ، يا مُجْرِيَ الْبُحُورِ، يا مُلَيِّنَ الْحَديدِ لِداوُدَ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآل مُحَمد وافْعَلْ بي [كَذ وَكَذا وتسْأل حاجتك] اللَّيْلَةَ اللَّيْلَةَ». وارفع يديك إلى السماء، أي وقت قول (يا مدبّر الأمور) إلى آخره، وقل هذا الدعاء في حال الركوع والسجود والقيام الجلوس، وكرّره وقله أيضًا في آخر ليلة من شهر رمضان».

أقول: ذكره الصدوق في (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 162 ـ 163).

 

4 ـ 18 ـ دعاء: اللهم اقسم لي حلماً يسدّ عني باب الجهل..

قال الشيخ عباس القمي: «نقل الكفعمي عن السيد ابن باقي: تقرأ في اللّيلة الحادية والعشرين: اللّهم صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وَاقْسِمْ لي حِلْمًا يَسُدُّ عَنّي بابَ الْجَهْلِ، وَهُدىً تَمُنُّ بِهِ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ ضَلالَة، وَغِنىً تَسُدُّ بِهِ عَنّي بابَ كُلِّ فَقْر، وَقُوَّةً تَرُدُّ بِها عَنّي كُلَّ ضَعْف، وَعِزًّا تُكْرِمُني بِهِ عَنْ كُلِّ ذُلٍّ، وَرِفْعَةً تَرْفَعُني بِها عَنْ كُلِّ ضَعَة، وَأمْنًا تَرُدُّ بِهِ عَنّي كُلَّ خَوْف، وَعافِيَةً تَسْتُرُني بِها عَنْ كُلِّ بَلاء، وَعِلْمًا تَفْتَحُ لي بِهِ كُلَّ يَقين، وَيَقينًا تُذْهِبُ بِهِ عَنّي كُلَّ شَكٍّ، وَدُعاءً تَبْسُطُ لي بِهِ الاِجابَةَ في هذِهِ اللَّيْلَةِ، وَفي هذِهِ السّاعَةِ، السّاعَةَ السّاعَةَ السّاعَةَ يا كَريمُ، وَخَوْفًا تَنْشُرُ لي بِهِ كُلَّ رَحْمَة، وَعِصْمَةً تَحُولُ بِها بَيْني وَبَيْنَ الذُّنُوبِ، حَتّى أفْلِحَ بِها عِنْدَ الْمَعْصُومُينَ عِنْدَكَ، بِرَحْمَتِكَ يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ».

أقول: الحديث مرسل، وقد ورد في (البلد الأمين: 202؛ المصباح: 584).

 

4 ـ 19 ـ روايتا حمّاد والفضيل عن الباقر والصادق في ليلة إحدى وعشرين..

قال الشيخ عباس القمي: «ورُوي عن حماد بن عثمان، قال: دخلت على الصّادق× ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، فقال لي: يا حماد اغتسلت؟ فقلت: نعم جعلت فداك، فدعا بحصير ثمّ قال: إليّ لزقي فصلّ فلم يزل يصلّي وأنا أصلّي إلى لزقه حتّى فرغنا من جميع صلواتنا، ثمّ أخذ يدعو وأنا أءَمِّن على دعائه إلى أن اعترض الفجر، فأذّن وأقام ودعا بعض غلمانه فقمنا خلفه، فتقدّم فصلّى بنا الغداة، فقرأ بفاتحة الكتابِ وَاِنّا اَنْزَلناهُ في لَيلَةِ الْقَدْرِ في الأولى، وفي الرّكعة الثانية بفاتحة الكتاب وقُل هُوَ اللهُ أحَدٌ، فلمّا فرغنا من التّسبيح والتّحميد والتّقديس والثّناء على الله تعالى والصّلاة على رسول الله‘ والدّعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، خرّ ساجدًا لا أسمع منه إلا النفس ساعة طويلة، ثمّ سمعته يقول: لا إِلهَ إلاّ أنْتَ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالأبْصارِ، إلى آخر الدّعاء المروي في (الإقبال)».

أقول: الرواية ضعيفة السند، وقد ذكرها ابن طاووس في (إقبال الأعمال 1: 366).

قال الشيخ عباس القمي: «وروى الشيخ الكليني [عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ] قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ [الباقر]× إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَخَذَ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى يَزُولَ اللَّيْلُ، فَإِذَا زَالَ اللَّيْلُ صَلَّى».

أقول: ورد هذا الحديث في (الكافي 4: 155) بسندٍ غير تامّ، لكنّه ورد في (الخصال: 519) بسندٍ مصحَّح.

 

4 ـ 20 ـ الغسل والاعتكاف

قال الشيخ عباس القمي: «واعلم أنَّه في كلّ ليلة من هذه الليالي العشر يستحبّ الغُسل، وروى أنّ الرسول‘ أَنَّهُ‏ كَانَ‏ يَغْتَسِلُ‏ فِي‏ كُلِ‏ لَيْلَةٍ مِنَ‏ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. والاعتكاف في هذه العشرة مستحبّ، وله فضل كبير، وهو من أفضل أوقات الاعتكاف، وروي أنّه يعدل حجّتين وعمرتين. وكَانَ رَسُولُ الله| إِذَا كَانَ‏ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ اعْتَكَفَ‏ فِي‏ الْمَسْجِدِ وَضُرِبَتْ‏ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ شَعْرٍ وَشَمَّرَ الْمِئْزَرَ وَطَوَى فِرَاشَه.‏ واعلم أنَّه في هذه الليلة من سنة (40 [هـ]) كانت شهادة مولانا الإمام أمير المؤمنين×، وفي هذه الليلة تتجدّد أحزان آل محمد^ وأشياعهم. وروي بأنَّه في هذه الليلة كليلة شهادة الإمام الحسين× ما رُفع حجر من الأرض إلّا كان تحته دم. قال الشيخ المفيد&:.. والإكثار من الصلاة على محمد وآل محمد^، والاجتهاد في الدعاء على ظالميهم، ومواصلة اللعنة على قاتلي أمير المؤمنين×».

أقول: قد تقدّم سابقاً عدم ثبوت استحباب الغُسل بعنوانه هنا، والرواية التي نقلها عن اغتسال النبيّ ذكرها في (إقبال الأعمال 1: 411) مرسلةً، وأمّا الاعتكاف فهو ثابت الاستحباب في الليالي العشر الأخيرة، وفيه روايات عديدة عند الفريقين، وسوف يشير الماتن إلى هذا الاستحباب مطلع بحث الاعتكاف قريباً إن شاء الله، لكنّ رواية مساواته لحجّتين وعمرتين ليست ثابتة السند على التحقيق؛ لأنّ فيها السكونيّ وغيره. وأمّا حديث ضرب القبّة من الشعر لرسول الله‘ فهو مصحّحٌ سنداً.

 

4 ـ 21 ـ إحياء عزاء أمير المؤمنين عليّ في ليالي القدر

أمّا ما قاله عن كون هذه الليلة هي ليلة شهادة أمير المؤمنين فهو المشهور المعروف، غير أنّ تجدّد الحزن فيها وكونها ليلة إحياء حزن وبكاء عليه ـ سلام الله عليه ـ لم يثبت، فلم يرد في أيّ رواية شيءٌ من هذا، بل هو كلامٌ للشيخ المفيد، ولم ينسبه لروايةٍ أساساً، بل ظاهر جميع روايات باب قيام شهر رمضان وليالي القدر والعشر الأواخر ـ وهي بالعشرات ـ أنّها غائبة تماماً عن فكرة إحياء ذكرى شهادة أمير المؤمنين في هذه الليالي، ولا توجد مؤشّرات على أنّهم ـ عليهم السلام ـ وأصحابهم فعلوا شيئاً من ذلك في خلواتهم أو جماعاتهم الصغيرة طيلة قرنين من الزمان بعد شهادته، فلم يثبت هذا الاستحباب بعنوانه ولم يثبت أنّه من أعمال ليلة القدر أيضاً، وسوف يأتي التوسّع في هذا الموضوع في باب الشعائر عند الحديث عن ملحقات باب الحجّ والزيارة، فانتظر.

 

4 ـ 22 ـ قراءة سور: العنكبوت والروم والدخان والقدر

قال الشيخ عباس القمي: «الأعمال الخاصّة لليلة الثالثة والعشرين: هي أفضل من ليلتَي القدر السابقتين، ويُستفاد كثيرًا من الأحاديث بأنَّ ليلة القدر هي هذه الليلة، وهي ليلة الجهني، وفي هذه الليلة تُقدّر جميع الأمور على وفق الحكمة. وفيها من أعمال أخرى غير ما تشترك فيه مع الليلتين السابقتين: الأوّل: قراءة سورتَي العنكبوت والروم، وقد أقسم الإمام الصادق× أنّ من قرأ هاتين السّورتين في هذه اللّيلة كان من أهل الجنّة. الثاني: قراءة ﴿حم﴾ الدخان. الثالث: قراءة سورة القدر ألف مرّة».

أقول: قد تقدّم الكلام حول ليلة الجهني وتعيين ليلة القدر فلا نعيد، أمّا استحباب قراءة السور المشار إليها، فلم يثبت بعنوانه؛ وذلك أنّ مستنده هو الآتي:

الرواية الأولى: خبر أبي بصير، عن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ×، قَال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ وَالرُّومِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ فَهُوَ وَاللَّهِ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا أَسْتَثْنِي فِيهِ أَبَداً وَلَا أَخَافُ أَنْ يَكْتُبَ اللَّهُ عَلَيَّ فِي يَمِينِي إِثْماً وَإِنَّ لِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِنَ اللَّهِ مَكَاناً» (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 109).

والسند ضعيف بالبطائني وغيره، ونقلها مرسلةً الطوسيُّ في (مصباح المتهجّد: 577)، على أنّ هذا النوع من المتون فيه نظر.

الرواية الثانية: خبر أبي يحيى الصنعاني، عن أبي عبد الله×، أنّه قال: «لَوْ قَرَأَ رَجُلٌ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أَلْفَ مَرَّةٍ؛ لَأَصْبَحَ وَهُوَ شَدِيدُ الْيَقِينِ بِالاعْتِرَافِ بِمَا يَخُصُّ بِهِ فِينَا وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِشَيْ‏ءٍ عَايَنَهُ فِي نَوْمِه» (تهذيب الأحكام 3: 100 ـ 101؛ والمقنعة: 313).

والخبر ضعيف السند بالإرسال من جهةٍ، وبعدم ثبوت وثاقة أبي يحيى الصنعاني ـ وهو عمر بن توبة ـ من جهة أخرى، بل فيه بعضُ الغمز على وجهٍ (راجع: النجاشي: الفهرست: 284).

الرواية الثالثة: خبر الحسن بن العباس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني× ـ في حديث طويل ـ قال: قال السائل: يا ابن رسول الله، كيف أعرف أنّ ليلة القدر تكون في كلّ سنة؟ قال: «إذا أتى شهر رمضان، فاقرأ سورة الدخان في كلّ ليلة مائة مرّة، فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين فإنّك ناظر إلى تصديق الذي سألت عنه» (الكافي 1: 252؛ وأمالي الصدوق: 751).

والرواية ضعيفة السند بابن الحريش المضعّف المتهم، علماً أنّها غير واضحة في كون سورة الدخان من أعمال ليلة القدر هذه.

 

4 ـ 23 ـ بعض الأدعية الأخرى في ليلة الثالث والعشرين

قال الشيخ عباس القمي: «الرابع: أن يكرّر في هذه اللّيلة بل في جميع الأوقات هذا الدّعاء: «اللّهم كُنْ لِوَلِيِّكَ..»إلى آخره ، وذُكر هذا ضمن أدعية الليالي العشر بعد دعاء (الليلة الثالثة والعشرين). الخامس: يقرأ «اللّهم امْدُدْ لي في عُمْري، وَأوْسِعْ لي في رِزْقي، وَأصِحَّ لي جِسْمي، وَبَلِّغْني أمَلي، وَإنْ كُنْتُ مِنَ الأَشْقِياءِ فَاْمُحني مِنَ الأشْقِياءِ، وَاْكتُبْني مِنَ السُّعَداءِ، فَاِنَّكَ قُلْتَ في كِتابِكَ الْمُنْزَلِ عَلى نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ صَلَوتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ: ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ اُمُّ الْكِتابِ﴾. السادس: يقرأ: اللّهم اجْعَلْ فيما تَقْضي وَفيما تُقَدِّرُ مِنَ الأمر المحتومِ، وَفيما تَفْرُقُ مِنَ الأمر الْحَكيمِ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مِنَ الْقَضاءِ الذي لا يُردُّ وَلا يُبَدَّلُ اَنْ تَكْتُبَني مِنْ حُجّاجِ بَيْتِكَ الْحَرامِ في عامي هذا الْمَبْرُورِ حَجُّهُمْ الْمَشْكُورِ سَعْيُهُمُ، الْمَغْفُورِ ذُنُوبُهُمُ، الْمُكَفَّرِ عَنْهُمْ سَيِّئاتُهُمْ، وَاجْعَلْ فيما تَقْضي وَتُقَدِّرُ أنْ تُطيلَ عُمْري وَتُوَسِّعَ لي في رِزْقي».

أقول: تقدّم الكلام في الدعاء الأوّل والثالث آنفاً، أمّا الثاني فلم يرد في روايةٍ هنا، بل ذكره ابن طاووس في (إقبال الأعمال 1: 378 ـ 379)، دون أن يُسنده لنبيّ أو إمام.

 

4 ـ 24 ـ دعاء: با باطناً في ظهوره..

قال الشيخ عباس القمي: «السابع: يقرأ هذا الدعاء في (الإقبال): يا باطِنًا في ظُهُورِهِ وَيا ظاهِرًا في بُطُونِهِ وَيا باطِنًا لَيْسَ يَخْفى، وَيا ظاهِرًا لَيْسَ يُرى، يا مَوْصُوفًا لا يَبْلُغُ بِكَيْنُونَيِةِ مَوْصُوفٌ وَلا حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَيا غائِبًا غَيْرَ مَفْقُود، وَيا شاهِدًا غَيْرَ مَشْهُود، يُطْلَبُ فَيُصابُ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْهُ السَّماواتُ وَالأَرْضِ وَما بَيْنَهُما طَرْفَةَ عَيْن، لا يُدْرِكُ بِكَيْف وَلا يُؤَيَّنُ بِأيْن وَلا بِحَيْث، أنْتَ نُورُ النُّورِ وَرَبّ الأربابِ، أحَطْتَ بِجَميعِ الاُمُورِ، سُبْحانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ سُبْحانَ مَنْ هُوَ هكَذا وَلا هكَذا غَيْرُهُ.ثمّ تدعو بما تشاء».

أقول: تفرّد بنقله ابن طاووس في (إقبال الأعمال 1: 382)، عن الإمام الحسن بن علي، دون إسنادٍ ولا مصدر، فيما نقله المجلسي في (بحار الأنوار 95: 165) عن الإمام عليّ بن الحسين بلا سندٍ أيضاً، ويبعد صحّة نسبة مثل هذه اللغة إلى القرن الأوّل الهجري.

 

4 ـ 25 ـ الغسل الثاني في ليلة الثالث والعشرين وأعمال أخرى..

قال الشيخ عباس القمي: «الثامن: غير غسل أوّل الليل يأتي بغسل أيضًا آخر الليل. واعلم أنَّ ثمّة تأكيد وفضل كبير للغسل وإحياء هذه الليلة وزيارة الإمام الحسين× وصلاة مائة ركعة. روى الشيخ [الطوسي] في (التهذيب) عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله×‏: ..فَإِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا مَا يُرْجَى فَصَلِّ مِائَةَ رَكْعَةٍ تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ﴿قُلْ هُوَ الله أحدٌ﴾ عَشْرَ مَرَّاتٍ، قَالَ: قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِنْ لَمْ أَقْوَ قَائِماً؟ قَالَ: فَجَالِساً، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَقْوَ جَالِساً؟ قَالَ: فَصَلِّ وَأَنْتَ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِكَ. وعن (دعائم الإسلام): إنّ رسول الله‘ كان يطوي فراشه ويشدّ مئزره للعبادة في العشر الأواخر من شهر رمضان، وكان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين، وكان يرشّ وجوه النّيام بالماء في تلك اللّيلة. وكانت فاطمة÷ لا تدع أحدًا من أهلها ينام تلك الليلة، وتداويهم بقلّة الطعام وتتأهّب لها من النهار، وتقول: محروم من حرم خيرها. وروي كان أبو عبد الله× مريضا دنفًا، فأمر فأخرج إلى مسجد رسول الله‘ فكان فيه حتى أصبح ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان».

أقول: هنا أمور:

1 ـ الغسل الثاني في الليلة الثالثة والعشرين، وقد وردت فيه رواية واحدة، وهي خبر بريد، قال: «رأيته اغتسل في ليلة ثلاث وعشرين مرّتين: مرّة من أوّل الليل ومرّة من آخر الليل» (تهذيب الأحكام 4: 331).

ولكنّ الرواية لا دلالة فيها؛ إذ يحتمل أنّ غسل الإمام ـ لو ثبتت النسبة للإمام ـ كان لأمرٍ آخر، فلا نعلم أنّ الغسل الثاني مستحبّ بعنوانه هنا، وبخاصة أنّ هذا حدثَ مرّةً واحدة أمام الرواي.

2 ـ الغسل والصلاة مائة ركعة، وهذا تقدّم الحديث عنه آنفاً فلا نعيد.

3 ـ رواية أبي بصير التي نقلها الطوسي في (تهذيب الأحكام 3: 64)، وهي مصحَّحة عند غير واحدٍ، لكنّ التحقيق عدمه؛ لوجود سعدان بن مسلم فيها، ولم تثبت وثاقته.

4 ـ روايتا (الدعائم 1: 282)، والأولى مرسلة ولم تثبت، بل ورد في كتب أهل السنّة شبيهها وتمّ التصحيح بأنّ المقصود هو ابن عباس، وليس النبيّ، فراجع (الرازي، العلل 3: 138)، كما أنّ الرواية الثانية ـ المرتبطة بالسيدة الزهراء ـ مرسلة كذلك.

5 ـ الرواية في مرض الإمام الصادق، وهي رواية نقلها الطوسي في (الأمالي: 676)، وهي ضعيفة السند بعلي بن محمّد بن الزبير القرشي.

قال الشيخ عباس القمي: «قال العلامة المجلسي&: ويقرأ ما تيسّر له من القرآن، وأدعية (الصحيفة السجادية) وبخاصّة (دعاء مكارم الأخلاق) و(دعاء التوبة)، ويحفظ حرمة أيّام هذه الليالي أيضًا، ويقضيها بالعبادة وتلاوة القرآن والدعاء، فقد ورد في الأحاديث المعتبرة أنَّ يوم القدر في الفضل مثل ليلة القدر».

أقول: ما ذكره المجلسي في (زاد المعاد: 129) هو ملاحظة عامّة منه، لا لدليل خاصّ في هذه الأدعية وأنّها تُقرأ ليلة القدر أو يومه، نعم الرواية الأخيرة التي ذكرها صحيحةُ السند، فقد نقلها الطوسي في (تهذيب الأحكام 4: 331)، عن هشام بن الحكم، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله×، قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَوْمُهَا مِثْلُ لَيْلَتِهَا».

 

4 ـ 26 ـ قراءة حديث الكساء (دراسة نقدية في حديث الكساء اليماني الفاطمي)

ينتشر بين العديد من المؤمنين اليوم قراءة حديث الكساء في ليالي القدر، وأيضاً في كلّ أسبوع، في يوم الأربعاء، في بعض البلدان، فلا بأس بالحديث عنه هنا أيضاً.

إنّ حديث الكساء المعروف والذي يتكلّم عن آية التطهير وشمولها للنبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، قد ورد في عشرات الروايات في المصادر الشيعيّة والسنّية، وبينها روايات معتبرة الإسناد عند الفريقين، وهذا ليس هو محلّ الحديث، بل محلّ الحديث هنا والذي يقرؤه الناس في ليالي القدر أحياناً، هو ما يعرف بحديث الكساء الفاطمي اليماني.

وهذه الرواية هي خبر جابر بن عبد الله الأنصاري، عن فاطمة الزهراء÷ بنت رسول الله‘، قال: سمعت فاطمة أنّها قالت: «دخل عليّ أبي رسول الله‘ في بعض الأيّام، فقال: السلام عليك يا فاطمة، فقلت: وعليك السلام، قال: إنّي أجد في بدني ضعفاً؛ فقلت له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف، فقال: يا فاطمة، ايتيني بالكساء اليماني فغطّيني به، فأتيته بالكساء اليماني فغطّيته به وصرت أنظر إليه وإذا وجهه يتلألأ كأنّه البدر في ليلة تمامه وكماله، فما كانت إلّا ساعة وإذا بولدي الحسن قد أقبل، وقال: السلام عليك يا أمّاه، فقلت: وعليك السلام يا قرّة عيني وثمرة فؤادي؛ فقال لي: يا أمّاه، إنّي أشمّ عندك رائحة طيّبة، كأنّها رائحة جدّي رسول الله‘، فقلت: نعم، إنّ جدّك تحت الكساء، فأقبل الحسن نحو الكساء، وقال: السلام عليك يا جدّاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أدخل معك تحت الكساء؟ قال‘: وعليك السلام يا ولدي ويا صاحب حوضي قد أذنت لك؛ فدخل معه تحت الكساء، فما كانت إلّا ساعة وإذا بولدي الحسين قد أقبل، وقال: السلام عليك يا أمّاه، فقلت: وعليك السلام يا ولدي ويا قرّة عيني وثمرة فؤادي، فقال لي: يا أمّاه، إنّي أشمّ عندك رائحة طيّبة كأنّها رائحة جدّي رسول الله‘، فقلت: نعم يا بنيّ، إنّ جدّك وأخاك تحت الكساء؛ فدنى الحسين نحو الكساء، وقال: السلام عليك يا جدّاه، السلام عليك يا من اختاره الله، أتأذن لي أن أكون معكما تحت الكساء؟ فقال‘: وعليك السلام يا ولدي، وشافع أمّتي، قد أذنت لك، فدخل معهما تحت الكساء. فأقبل عند ذلك أبو الحسن عليّ بن أبي طالب، وقال: السلام عليك يا بنت رسول الله ‘، فقلت: وعليك السلام يا أبا الحسن ويا أمير المؤمنين، فقال: يا فاطمة، إنّي أشمّ عندك رائحة طيّبة، كأنّها رائحة أخي وابن عمّي رسول الله‘، فقلت: نعم، ها هو مع ولديك تحت الكساء. فأقبل عليّ نحو الكساء، وقال: السلام عليك يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟ قال له: وعليك السلام يا أخي ويا وصيّي وخليفتي، وصاحب لوائي، قد أذنت لك، فدخل عليّ تحت الكساء، ثمّ أتيت نحو الكساء، وقلت: السلام عليك يا أبتاه يا رسول الله، أتأذن لي أن أكون معكم تحت الكساء؟ قال: وعليك السلام يا بنتي ويا بضعتي، قد أذنت لك، فدخلت تحت الكساء. فلمّا اكتملنا جميعاً تحت الكساء، أخذ أبي رسول الله بطرفي الكساء، وأومئ بيده اليمنى إلى السماء، وقال: اللهمّ إنّ هؤلاء أهل بيتي، وخاصّتي وحامّتي، لحمهم لحمي، ودمهم دمي، يؤلمني ما يؤلمهم، ويحزنني ما يحزنهم، أنا حربٌ لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدوّ لمن عاداهم، ومحبّ لمن أحبّهم، إنّهم منّي وأنا منهم، فاجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك وغفرانك ورضوانك عليّ وعليهم، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. فقال الله عزّ وجلّ: يا ملائكتي، ويا سكّان سماواتي، إنّي ما خلقت سماء مبنيّة، ولا أرضاً مدحيّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فَلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً تسري، إلّا في محبّة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء. فقال الأمين جبرائيل: يا ربّ، ومن تحت الكساء؟ فقال عزّ وجلّ: هم أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة، وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها، فقال جبرائيل: يا ربّ، أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادساً؟ فقال الله: نعم، قد أذنت لك. فهبط الأمين جبرائيل، وقال: السلام عليك يا رسول الله، العليّ الأعلى يقرئك السلام ويخصّك بالتحيّة والإكرام، ويقول لك: وعزّتي وجلالي، إنّي ما خلقت سماء مبنيّة ولا أرضاً مدحيّة، ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة، ولا فَلكاً يدور، ولا بحراً يجري، ولا فُلكاً تسري، إلّا لأجلكم ومحبّتكم، وقد أذن لي أن أدخل معكم، فهل تأذن لي يا رسول الله؟ فقال رسول الله: وعليك السلام يا أمين وحي الله، نعم، قد أذنت لك. فدخل جبرائيل معنا تحت الكساء، فقال لأبي: إنّ الله عزّ وجلّ قد أوحى إليكم يقول: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. فقال عليّ لأبي: يا رسول الله، أخبرني، ما لجلوسنا هذا تحت الكساء من الفضل عند الله؟ فقال النبيّ‘: والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا، إلّا ونزلت عليهم الرحمة، وحفّت بهم الملائكة، واستغفرت لهم، إلى أن يتفرّقوا. فقال عليّ: إذاً والله فزنا وفاز شيعتنا وربّ الكعبة. فقال أبي رسول الله‘: يا عليّ، والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً، واصطفاني بالرسالة نجيّاً، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبّينا، وفيهم مهموم إلّا وفرّج الله همّه، ولا مغموم إلّا وكشف الله غمّه، ولا طالب حاجة إلّا وقضى الله حاجته؛ فقال عليّ: إذاً والله فزنا وسعدنا، وكذلك شيعتنا فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة بربّ الكعبة» ((عبد الله البحراني، العوالم ومستدركاتها (السيدة الزهراء) 2: 931 ـ 934).

هذه الرواية هي المعروفة بحديث الكساء الفاطمي المشتهر اليوم بين الشيعة الإماميّة، والذي يُقرأ وينسب له فضلٌ كبير كما ورد في هذه الرواية نفسها، وقد تسبّب هذا الحديث في نقاش دار مؤخّراً في الوسط الشيعي الإمامي، ففيما اعترض عليه جماعة مثل السيد محمد حسين فضل الله والسيد مرتضى العسكري والشيخ حسين الراضي، والشيخ اليوسفي الغروي، والشيخ محمدي الريشهري، وغيرهم، وافق عليه آخرون مثل السيد محمد الشيرازي، والسيد صادق الشيرازي، والسيد محمد صادق الروحاني، وغيرهم.

وقال الشيخ جواد التبريزي، في جوابه عن سؤال: هل ثبت لديكم صحّة سند حديث الكساء؟: «حديث الكساء مشهور، والثواب المنقول يعطى للقارئ والمتوسّل بقراءته، ومن ورد في حقّهم الحديث إلى الله سبحانه وتعالى عند الحاجات» (الأنوار الإلهيّة في المسائل العقائدية: 97).

وهذا الجواب يستوحى منه أنّه لم يثبت عنده الحديث سنداً، لهذا يبني المسألةَ على رجاء المطلوبيّة وروايات من بلغ.

كما قام الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في مشروعه في المفاتيح الجديدة، بذكر هذا الحديث قائلاً في بدايته: «لم توثّق كتب الرجال بعض أفراد هذا السند. ولكن حيث لا إشكال خاصّاً في مضمون الحديث ويرى بعض الأعلام أهمّية قراءته واستناداً لأحاديث من بلغ، فإنّه يمكن قراءته بقصد رجاء المطلوبيّة والأمل في قضاء الحاجات» (المفاتيح الجديدة: 826).

أوّل ما يظهر جزءٌ بسيط من هذه الرواية، في كتاب "غرر الأخبار ودرر الآثار" للشيخ الحسن بن علي الديلمي (ق8هـ) (انظر: غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب أبي الأئمّة الأطهار: 298 ـ 299)، دون أن يذكر له مصدراً أو سنداً، ثم يظهر بعد ذلك في كتاب "المنتخب في المراثي والخطب" لفخر الدين الطريحي (1085هـ)، والمعروف بكتاب الفخري، ثم ورد ذكره في بعض نسخ كتاب "عوالم العلوم والمعارف" للشيخ عبد الله بن نور الله (الدين) البحراني (ق 12هـ) في الهامش كما سيأتي، ثم بدأ يظهر بعد ذلك. ويقال بأنّه تمّ العثور مؤخّراً على نسخة مخطوطة يمنيّة فيها هذا الحديث، ترجع للقرن الثالث عشر الهجري، ولكنّ هذا ـ لو صحّ ـ لا يكفي لحسم الأمر؛ إذ هو متأخر عن المصادر الأخرى أيضاً، كما صار واضحاً.

والمعروف أنّ هذا الحديث لم يضعه الشيخ عباس القمي في مفاتيحه، لكنّ بعض الناشرين وضعه، وقد انتقد القمي هذا الحديث بنفسه، حيث اعتبر أنّه لم يرد في الكتب المعتبرة، وأنّه من مختصّات كتاب المنتخب في المراثي والخطب لفخر الدين الطريحي (1085هـ)، والمعروف بكتاب الفخري، حيث قال: «أمّا حديث الكساء المعروف عندنا الآن، فإنّه لم يورد في الكتب المعروفة المعتبرة وفي أصول الحديث والمجامع المتقنة للمحدّثين، بهذه الكيفيّة. ويمكن القول بأنّ هذا من خصائص كتاب المنتخب» (انظر: منتهى الآمال في تواريخ النبيّ والآل 1: 788). ومن المعروف أنّ القمي كان انتقد عموماً الإضافات التي كانت توضع في كتابه حتى في زمن حياته.

وعلى أيّة حال، فقد تناقش هذه الرواية:

أوّلاً: إنّها بهذه الكيفيّة لا وجود لها في أيّ من مصادر الحديث والتاريخ والسيرة والتفسير عند المسلمين قاطبة، بمذاهبهم، وتبدأ تظهر في القرون الأخيرة فقط، مع الطريحي في القرن الحادي عشر الهجري، وبلا سند، بما يؤكّد فاصلاً يزيد عن الألف عام. بل حتى لو قلنا بأنّ قسماً من الحديث ظهر مع الديلمي، وهو قسم بسيط، فنحن ما نزال نتكلّم عن القرن الثامن الهجري، وليس للديلمي سندٌ مذكور للحديث ولا مصدر.

إنّ مجرّد وجود مقطع قصير من حديث الكساء الفاطمي في كتاب غرر الأخبار للديلمي، لا يعني صحّة الحديث؛ لأنّ المعروف أنّ الوضّاعين يأخذون حديثاً موجوداً من قبل، ثمّ يضيفون عليه.

والسؤال: حديثٌ بهذه الأهمية في السياق الشيعي، كيف غاب عن المدوّنات التفسيريّة والتاريخيّة والحديثيّة والعقديّة طيلة ثمانية قرون أو عشرة؟!

ثانياً: إنّ النسَخ الخطية لكتاب العوالم، لا تشتمل كلّها على هذا الحديث، بل تختلف. وقد أشار الشيخ الريشهري لهذا الأمر قائلاً: «العجيب أنّ هذا النصّ الفاقد للسند، صار ذا سند في حاشية النسخة المخطوطة لكتاب عوالم العلوم، حيث جاء فيه..» (انظر: موسوعة معارف الكتاب والسنّة 6: 36).

كما ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي أنّ هذا الحديث لم يرد في متن كتاب العوالم بحسب النسخة المخطوطة المتوفّرة في مكتبة يزد، بل موجود في هامش كتاب العوالم وبخطّ مختلف عن خطّ صاحب العوالم (المفاتيح الجديدة: 826).

وعليه، فلو صحّت النسبة، سيكون السيد عبد الله البحراني قد عثر ـ ولعلّه يُنقل في التاريخ أنّه عثر في بلاد البحرين على بعض الكتب والأوراق ـ على شيءٍ فيه هذا الحديث، وهو شخص إخباري معروف بالتساهل الشديد في أمر الأخبار. وتنقل قصّة خلافه مع العلامة المجلسي في إضافة هذا الحديث لبحار الأنوار، وأنّه لما رفض المجلسي، انفرد عنه، وألّف موسوعةً بديلة، وهي موسوعة العوالم المشهورة التي امتُدح عليها من جهة، وانتقده آخرون عليها بوصفها نسخة مشوّهة لبحار الأنوار من جهة ثانية، والله العالم.

وربما لتساهله وإخباريّته، قال السيد محمّد حسين فضل الله بأنّ هذه الرواية من روايات كتاب العوالم، ثم عقّب بأنّ في الكتاب والمؤلّف كلامٌ (الندوة 2: 588). بما يوحي وكأنّه يتحفّظ على شخص السيد البحراني، ولعله يراه متساهلاً جداً في أمر الحديث أو لديه خلل منهجي كبير في تعامله مع الحديث، والله العالم.

ثالثاً: إنّ سند الرواية في العوالم كالآتي: «رأيت بخطّ الشيخ الجليل السيّد هاشم عن شيخه السيّد ماجد البحراني، عن الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني، عن شيخه المقدّس الأردبيلي، عن شيخه عليّ بن عبد العالي الكركي، عن الشيخ عليّ بن هلال الجزائري، عن الشيخ أحمد بن فهد الحليّ، عن الشيخ عليّ بن الخازن الحائري، عن الشيخ ضياء الدين عليّ بن الشهيد الأوّل، عن أبيه، عن فخر المحقّقين، عن شيخه العلّامة الحلّي، عن شيخه المحقّق الحلّي، عن شيخه ابن نما الحلّي، عن شيخه محمّد بن إدريس الحلّي، عن حمزة الطوسي صاحب ثاقب المناقب، عن الشيخ الجليل محمّد بن شهرآشوب، عن الطبرسي صاحب الاحتجاج، عن شيخه الجليل الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسي، عن أبيه شيخ الطائفة الطوسي، عن شيخه المفيد، عن شيخه ابن قولويه القمّي، عن شيخه الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، [عن أبيه إبراهيم] بن هاشم، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن قاسم بن يحيى الجلاء الكوفي، عن أبي بصير، عن أبان بن تغلب البكري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن فاطمة الزهراء بنت رسول الله‘..» (العوالم 2: 930 ـ 931؛ وموسوعة معارف الكتاب والسنّة 6: 36 ـ 37).

إنّ التدقيق في سند الرواية يوصل إلى مجموعة نقاط:

أ ـ إنّ أيّاً من هذه الأسماء الموجودة في هذا السند ـ وكثير منهم علماء مشهورون بارزون لهم كتب ومصنّفات ـ لم يذكروا هذا الحديث، ولا حتى إشارة له في أيّ من كتبهم، أو فيما نقل عنهم، مع أنّ غير واحدٍ منهم كتب حديث الكساء ووقائعه في كتبه، فكيف يعقل أن يتسرّب هذا الحديث (المسنَد) الذي بهذه الأهميّة، ويبيّن فضلاً عظيماً لمن يقرؤه، وفيه مطالب عقديّة عالية، ثم لا يذكره أحدٌ من هؤلاء ـ ولا غيرهم ـ بمن في ذلك المتساهلون في نقل الحديث كابن طاووس وجملة من الإخباريّين؟! بل حتى السيد هاشم البحراني الذي يُدّعى أنّه وُجد الحديثُ بخطّه، لم ينقل لنا في موسوعاته الحديثيّة شيئاً من هذا القبيل! مع أنّه يمكن ذكره في كتب الأعمال والمندوبات، للترغيب في قراءته كما ورد في متنه، ويمكن ذكره في كتب الفضائل، ويمكن ذكره في الروايات الكلاميّة.

هذا كلّه، فضلاً عن غياب الحديث عن الموسوعات الحديثية القديمة والجديدة، بما فيها كتابات الفيض الكاشاني، والحرّ العاملي، والعلامة المجلسي، والمحدّث النوري، وغيرهم.

ب ـ إنّ السند يوضح أنّ هذا النوع من الحديث يسمّى بالوجادة، والتي يعتبرون أنّ الأصل فيها هو عدم الحجيّة، ولهذا قد يتساءل بعض بأنّه كيف عرف الشيخ عبد الله البحراني بأنّ هذا خطّ السيد هاشم البحراني؟!

وقد يُجاب عن هذه الملاحظة بأنّ إمكانيّة الأُنس بالخطوط في هذه المرحلة الزمنيّة كانت قائمة، والبحرانيان متعاصران، فمن الممكن أن يكون أحدهما عالماً بنوعيّة خطّ الآخر.

إلا إذا قيل بأنّ حديثاً مشكوك الأمر مثل هذا ومحتمل الوضع جداً، يمكن أن يكون واضعه قد أجاد في الكتابة بخطّ مشابه جداً لخطّ السيد هاشم البحراني، وليس بعيداً مثل هذا لو بلغ بنا الشكّ أن احتملنا بقوّة وضع هذا الحديث بهذه الصيغة. بل كيف لم ينقل أحد من مقرّبي وتلامذة السيد هاشم البحراني حديثاً من هذا القبيل عنه؟!

ج ـ إنّ هذه القائمة الإسناديّة، تبلغ اثنين وثلاثين شخصاً، فهل يمكن أن يكون السند من القرن الحادي عشر الهجري إلى زمن النبي متصلاً بمجرّد اثنين وثلاثين شخصاً؟!

والجواب: إنّ هذا ممكن نظريّاً؛ لأنّ الفارق الزمني بين شخص توفّي عام 1110هـ والنبيّ المتوفى عام 11هـ هو حوالي 1099 سنة، فإذا كانت الرواية بينهما بواحد وثلاثين واسطة فهذا يعني وجود اثنين وثلاثين طبقة مع احتساب طبقة النبيّ نفسه، فيكون الفاصل بين كلّ راوٍ وآخر هو حوالي خمس وثلاثين سنة، وهذا أمر طبيعي في علم الأسانيد؛ إذ الراوي قد يسمع وهو ابن ثلاثين، ويروي وهو ابن سبعين، فيكون المتوسّط بين ثلاثين وأربعين سنة.

هذا من الناحية النظرية، لكن عندما نراجع واقع الأسانيد فعادةً يكون الفاصل الزمنيّ أقلّ من ذلك، فنحتاج لما بين خمس وثلاثين إلى أربعين شخصاً في سند من هذا النوع.

والنتيجة: إنّ هذا الإشكال يمكن دفعه نظريّاً.

د ـ لقد حاول السيد صادق الشيرازي، الذي يصحّح هذا الحديث، أن ينقل بنفسه سنداً متصلاً له، ومن الواضح أنّ هذا الإسناد المتأخّر هو إسناد تبرّكي، وإلا فلم يتعارف أنّ العلماء المتأخّرين لديهم سند حقيقي، فهل حضر السيد صادق الشيرازي عند شيخه، وشيخه عند شيخه، فسمعوا الحديث أو وصلهم كتابٌ خاصّ لم يصل لغيرهم؟! وما يثير أكثر أنّ السيد صادق الشيرازي ينقل الحديث عن والده، عن الشيخ عباس القمي، عن الميرزا حسين النوري، عن الشيخ مرتضى الأنصاري، عن الشيخ أحمد النراقي.. حتى يعود فيربط السند بالسند عينه الموجود في حاشية العوالم! (انظر: محمد علي العلي، حديث الكساء: 24 ـ 25)، مع أنّ النوري والقمي لم يذكرا هذا الحديث في كتبهما رغم ذكرهما للشاردة والواردة، وبخاصّة النوري، بل القمي انتقد الحديث، علماً أنّ أمثال الشيخ مرتضى الأنصاري لا يُعرف لهم حضور في مجال نقل الرواية والتحديث. وما دام السندان يرجعان ويلتقيان معاً في أغلب حلقات السلسلة، فلا يصح القول بأنّ لدينا أكثر من سند لهذا الحديث، كما ذكر بعضهم (انظر: محمد علي العلي، حديث الكساء: 26).

ولعلّ سند السيد صادق الشيرازي هو نفسه ما يشير له أخوه السيد محمد الشيرازي بقوله: «أمّا سند حديث الكساء، فقد رواه والدي «ره» في رسالةٍ مخطوطة له، بسندٍ صحيح متّصل الإسناد، وكلّ واحد منهم من الأعلام» (من فقه الزهراء 1: 9).

هذا، ونقل السيد المرعشي مصادر عدّة لهذا الحديث، ليس فيها شيء جديد ولا إسناد مختلف، مع الإشارة إلى ما نقله الديلمي وما نظمه بعضٌ آخر، فراجع (انظر: شرح إحقاق الحقّ 2: 553 ـ 562).

هـ ـ لو غضضنا الطرف عن السلسلة المتأخّرة من السند، ونظرنا للسلسلة بين الكليني والنبيّ، فنحن نجد اسم القاسم بن يحيى الجلاء الكوفي، وهذا الاسم لم تذكره كتب الفهارس والرجال والتراجم، ولم يُذكر في طبقة مشايخ البزنطي، كما لم يُذكر في طبقة من روى عن أبي بصير، وعلى فرض أنّ المراد به القاسم بن يحيى الراشدي، فإنّه أيضاً بين من وثقه ومن ضعّفه في علم الرجال، وهو عادة يروي عن جدّه الحسن بن راشد، ولا يروي عن أبي بصير بالمباشرة، بل بالواسطة. هذا فضلاً عن أنّ رواية أبي بصير عن أبان بن تغلب نادرة، وهذا كلّه يضاعف الشكَّ في أمر هذا السند.

لكنّ السيد محمد صادق الروحاني صحّح سندَ الحديث، معالجاً مشكلة القاسم بن يحيى، فقال: «سند الحديث ـ ابتداءً بصاحب العوالم قدّس سره، وانتهاءً بالصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه ـ في غاية الاعتبار، وليس يوجد فيه مَن يمكن أن يغمز في وثاقته إلّا (القاسم بن يحيى)، والصحيح عندنا وثاقته؛ لرواية البزنطي عنه، والذي قد ثبت في حقّه أنّه لا يروي إلّا عن ثقة. ومع الإغماض عن ذلك، فإنّ نفس صحّة السند إلى البزنطي كافية لاعتباره، ولا حاجة للنظر في أحوال الواقعين بعده؛ لأنّه أحد الذين أجمعت الطائفة على تصحيح ما صحّ عنهم، فسند الحديث صحيح بلا إشكال» (أجوبة المسائل في الفكر والعقيدة والتاريخ والأخلاق 2: 107).

ويمكن التعليق عليه بأنّنا حتى لو سلّمنا بقاعدة وثاقة من روى عنه البزنطي أو قاعدة تصحيح أحاديث البزنطي ـ ولا نسلّم بها ـ لكنّ المشكلة هنا أنّ هذا الإسناد يغدو مشكوكاً فيه؛ لأنّه لا يوجد في كتب الحديث رواية يرويها البزنطي عن القاسم بن يحيى، غير هذه الرواية، فكيف نريد بمثل هذه الرواية النادرة أن نُثبت تحقّق رواية البزنطي عن القاسم بن يحيى فعلاً، والمفروض أنّ الطرق تبركّية بعد عصر الطوسي تقريباً ولا أحد يعرف كيف تمّ نقل هذه الرواية عبر القرون والأجيال؟! فلعلّ أحد هؤلاء رأى كتاباً يُنسب للقاسم بن يحيى أو للبزنطي، وفيه هذه الرواية، فنسبه للطوسي مكملاً الإسناد على قاعدة أنّ الطوسي يروي كلّ كتب البزنطي وهكذا، فكيف نعرف حقيقة الحال لنجري قاعدة توثيق مشايخ الثلاثة هنا؟!

يُضاف إلى ذلك غرابة رواية القاسم بن يحيى عن أبي بصير، وكذلك رواية أبي بصير عن أبان، فهذه كلّها لا وجود لها في الأسانيد، الأمر الذي يزيد الشكّ في دقّة هذا الإسناد واحتمال وقوع خلل فيه أو سقط.

و ـ إنّه سبق لنا بحث حال جابر بن يزيد الجعفي، وتوقّفنا في رواياته لتعارض شواهد المدح والقدح فيه، فتكون الرواية ضعيفة من هذه الناحية أيضاً.

والنتيجة: إنّ هذا الحديث ضعيف السند منفرد في بابه غريب عن سائر أحاديث الباب المنتشرة في مختلف كتب المسلمين، فمن غير الدقيق ما قاله السيّد الأبطحي معلّقاً بأنّ رواته من الثقات والعلماء والأجلاء، وفيهم من هو من أصحاب الإجماع، ونظيره قليل (انظر: آية التطهير في أحاديث الفريقين 1: 47، الهامش).

رابعاً: النقد المضموني، ولا أريد الخوض فيه هنا، ففي الرواية شواهد الوضع والريب، لكن من الجيّد الإشارة إلى اعتبار الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي هذا الحديث مجعولاً، وأنّه يعاني من ركاكة بلاغيّة، وغلوّ مضمونيّ (انظر: حديث هاى خيالي: 94 ـ 96).

خامساً: إنّ الحديث لو صحّ لا يبين أنّه يقرأ بعنوانه في ليالي القدر أو الأربعاء أو غير ذلك من الأوقات المعيّنة، فلا يكون من أعمال ليالي القدر بهذا العنوان.

 

نتيجة البحث في أعمال ليلة القدر

إنّ مختلف الأعمال الخاصّة التي قيلت في ليلة القدر لم تثبت أو ثبتت بأخبار آحاديّة منفردة، لكنّ مجموع النصوص والسيرة والارتكازات، هذا كلّه يؤكّد ـ يقيناً ـ استحباباً كبيراً لإحياء هذه الليلة بالدعاء والصلاة والذكر والعبادة ونحو ذلك دون تعيّن شيء خاصّ.