hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم الثامن)

تاريخ الاعداد: 4/16/2026 تاريخ النشر: 4/16/2026
90
التحميل

 

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(9 ـ 4 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

...

مسألة 1043: لا تختصّ حجيّة البيّنة بالقيام عند الحاكم، بل كلّ من علم بشهادتها عوّل عليها([1]).

مسألة 1044: إذا رؤي الهلال في بلدٍ كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الأفق، بحيث إذا رؤي في أحدهما رؤي في الآخر، بل الظاهر كفاية الرؤية في بلدٍ ما في الثبوت لغيره من البلاد المشتركة معه في الليل، وإن كان أوّل الليل في أحدهما آخرَه في الآخر([2]).

بيان ذلك أنّ([3]) البلدان الواقعة على سطح الأرض تنقسم إلى قسمين:

أحدهما: ما تتفق مشارقه ومغاربه، أو تتقارب.

ثانيهما: ما تختلف مشارقه ومغاربه اختلافاً كبيراً.

أمّا القسم الأول: فقد اتفق علماء الإماميّة على أنّ رؤية الهلال في بعض هذه البلاد كافية لثبوته في غيرها، فإنّ عدم رؤيته فيه إنّما يستند ـ لا محالة ـ إلى مانع يمنع من ذلك، كالجبال، أو الغابات، أو الغيوم، أو ما شاكل ذلك.

وأمّا القسم الثاني (ذات الآفاق المختلفة): فلم يقع التعرّض لحكمه في كتب علمائنا المتقدّمين، نعم حكي القول باعتبار اتحاد الأفق عن الشيخ الطوسي في (المبسوط)، فإذن: المسألة مسكوت عنها في كلمات أكثر المتقدّمين، وإنّما صارت معركةً للآراء بين علمائنا المتأخّرين: المعروف بينهم القول باعتبار اتحاد الأفق، ولكن قد خالفهم فيه جماعة من العلماء والمحقّقين فاختاروا القول بعدم اعتبار الاتحاد، وقالوا بكفاية الرؤية في بلدٍ واحد لثبوته في غيره من البلدان ولو مع اختلاف الأفق بينها.

فقد نقل العلامة في (التذكرة) هذا القول عن بعض علمائنا، واختاره صريحاً في (المنتهى)، واحتمله الشهيد الأوّل في (الدروس)، واختاره ـ صريحاً ـ المحدّث الكاشاني في (الوافي)، وصاحب الحدائق في حدائقه، ومال إليه صاحب الجواهر في جواهره، والنراقي في (المستند)، والسيد أبو تراب الخوانساري في شرح (نجاة العباد)، والسيد الحكيم في مستمسكه في الجملة.

وهذا القول ـ أي كفاية الرؤية في بلدٍ ما لثبوت الهلال في بلدٍ آخر مع اشتراكهما في كون ليلة واحدة ليلة لهما معاً، وإن كان أوّل ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر، ولو مع اختلاف أفقهما ـ هو الأظهر، ويدلّنا على ذلك أمران([4]):

(الأوّل): أنّ المشهور القمريّة إنّما تبدأ على أساس وضع سير القمر واتخاذه موضعاً خاصّاً من الشمس في دورته الطبيعيّة، وفي نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس، وفي هذه الحالة (حالة المحاق) لا يمكن رؤيته في أيّة بقعة من بقاع الأرض، وبعد خروجه عن حالة المحاق والتمكّن من رؤيته ينتهي شهرٌ قمري، ويبدأ شهر قمري جديد.

ومن الواضح، أنّ خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها، لا لبقعة دون أخرى، وإن كان القمر مرئيّاً في بعضها دون الآخر، وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس، أو حيلولة بقاع الأرض أو ما شاكل ذلك، فإنّه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق، ضرورة أنّه ليس لخروجه منه أفراد عديدة، بل هو فردٌ واحد متحقّق في الكون، لا يعقل تعدّده بتعدّد البقاع([5])، وهذا بخلاف طلوع الشمس فإنّه يتعدّد بتعدّد البقاع المختلفة فيكون لكلّ بقعة طلوعٌ خاص بها.

وعلى ضوء هذا البيان، فقد اتضح أنّ قياس هذه الظاهرة الكونيّة بمسألة طلوع الشمس وغروبها قياس مع الفارق، وذلك لأنّ الأرض بمقتضى كرويّتها يكون ـ بطبيعة الحال ـ لكلّ بقعة منها مشرقٌ خاصّ ومغرب كذلك، فلا يمكن أن يكون للأرض كلّها مشرق واحد ولا مغرب كذلك، وهذا بخلاف هذه الظاهرة الكونيّة ـ أي خروج القمر عن منطقة شعاع الشمس ـ فإنّه لعدم ارتباطه ببقاع الأرض وعدم صلته بها لا يمكن أن يتعدّد بتعدّدها.

ونتيجة ذلك: أنّ رؤية الهلال في بلدٍ ما أمارة قطعيّة على خروج القمر عن الوضع المذكور الذي يتخذه من الشمس في نهاية دورته، وأنّه بداية لشهرٍ قمري جديد لأهل الأرض جميعاً، لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الأفق.

ومن هنا يظهر: أنّ ذهاب المشهور إلى اعتبار اتحاد البلدان في الأفق مبنيٌّ على تخيّل أنّ ارتباط خروج القمر عن تحت الشعاع ببقاع الأرض كارتباط طلوع الشمس وغروبها بها، إلا أنّه لا صلة ـ كما عرفت ـ لخروج القمر عنه ببقعة معيّنة دون أخرى، فإنّ حاله مع وجود الكرة الأرضيّة وعدمها سواء([6]).

(الثاني): النصوص الدالّة على ذلك([7])، ونذكر جملة منها:

1 ـ صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله×، أنّه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال: «إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصرٍ أنّهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً».

فإنّ هذه الصحيحة بإطلاقها تدلّنا ـ بوضوح ـ على أنّ الشهر إذا كان ثلاثين يوماً في مصرٍ كان كذلك في بقيّة الأمصار، بدون فرق بين كون هذه الأمصار متفقة في آفاقها أو مختلفة؛ إذ لو كان المراد من كلمة مصر فيها المصر المعهود المتفق مع بلد السائل في الأفق لكان على الإمام× أن يبيّن ذلك، فعدم بيانه مع كونه× في مقام البيان كاشفٌ عن الإطلاق.

2 ـ صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله×، أنّه سُئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، فقال: «لا تقضيه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر»، وقال: «لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار فإن فعلوا فصمه».

الشاهد في هذه الصحيحة جملتان: (الأولى) قوله×: «لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة» (إلخ) فإنّه يدلّ ـ بوضوح ـ على أنّ رأس الشهر القمري واحدٌ بالإضافة إلى جميع أهل الصلاة على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقها ولا يتعدّد بتعددها، (الثانية) قوله×: «لا تصم ذلك اليوم إلا أن يقضي أهل الأمصار» فإنّه كسابقه واضح الدلالة على أنّ الشهر القمري لا يختلف باختلاف الأمصار في آفاقها فيكون واحداً بالإضافة إلى جميع أهل البقاع والأمصار، وإن شئت فقل: إنّ هذه الجملة تدلّ على أنّ رؤية الهلال في مصرٍ كافية لثبوته في بقية الأمصار من دون فرق في ذلك بين اتفاقها معه في الآفاق أو اختلافها فيها، فيكون مردّه إلى أنّ الحكم المترتب على ثبوت الهلال ـ أي خروج القمر عن المحاق ـ حكمُ تمام أهل الأرض، لا لبقعة خاصّة([8]).

3 ـ صحيحة إسحاق بن عمار، قال سألت أبا عبد الله×، عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: «ولا تصمه إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلدٍ آخر أنّهم رأوه فاقضه».

فهذه الصحيحة ظاهرة الدلالة بإطلاقها على أنّ رؤية الهلال في بلدٍ تكفي لثبوته في سائر البلدان بدون فرق بين كونها متّحدة معه في الأفق أو مختلفة، وإلا فلا بدّ من التقييد بمقتضى ورودها في مقام البيان.

4 ـ صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله× عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: «لا تصم، إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه»، فهذه الصحيحة كسابقتها في الدلالة على ما ذكرناه([9]).

ويشهد على ذلك ما ورد في عدّة روايات في كيفيّة صلاة عيدي الأضحى والفطر، وما يقال فيها من التكبير من قوله× في جملة تلك التكبيرات: «أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً».

فإنّ الظاهر أنّ المشار إليه في قوله× «في هذا اليوم»، هو يوم معيّن خاص جعله الله تعالى عيداً للمسلمين، لا أنّه كلّ يوم ينطبق عليه أنّه يوم فطر أو أضحى على اختلاف الأمصار في رؤية الهلال باختلاف آفاقها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنّه تعالى جعل هذا اليوم عيداً للمسلمين كلّهم، لا لخصوص أهل بلد تقام فيه صلاة العيد.

فالنتيجة على ضوئهما أنّ يوم العيد يومٌ واحد لجميع أهل البقاع والأمصار على اختلافها في الآفاق والمطالع([10]).

ويدلّ أيضاً على ما ذكرناه الآيةُ الكريمة الظاهرة في أنّ ليلة القدر ليلةٌ واحدة شخصيّة لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في آفاقهم، ضرورة أنّ القرآن نزل في ليلة واحدة، وهذه الليلة الواحدة هي ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر، وفيها يفرق كل أمر حكيم.

ومن المعلوم أنّ تفريق كلّ أمر حكيم فيها لا يخصّ بقعة معيّنة من بقاع الأرض، بل يعمّ أهل البقاع أجمع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى قد ورد في عدّة من الروايات أنّ في ليلة القدر يكتب المنايا والبلايا والأرزاق وفيها يفرق كلّ أمرٍ حكيم، ومن الواضح أنّ كتابة الأرزاق والبلايا والمنايا في هذه الليلة إنّما تكون لجميع أهل العالم، لا لأهل بقعة خاصة. فالنتيجة على ضوئهما أنّ ليلة القدر ليلة واحدة لأهل الأرض جميعاً، لا أنّ لكلّ بقعة ليلة خاصّة([11]).

هذا، مضافاً إلى سكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار اتحاد الأفق في هذه المسألة، ولم يرد ذلك حتى في رواية ضعيفة([12]).

ومنه يظهر أنّ ذهاب المشهور إلى ذلك، ليس من جهة الروايات، بل من جهة ما ذكرناه من قياس هذه المسألة بمسألة طلوع الشمس وغروبها، وقد عرفت أنّه قياسٌ مع الفارق.


([1]) عملاً بالإطلاقات الموجودة في النصوص. ومجرّد تعارف مجيء البيّنات إلى الحاكم لإعلان العيد أو غيره، لا يدلّ على خصوصيّتها.

 

مسائل حول إعلان العيد

هذا، ومن المناسب هنا الإشارة لبعض الأمور:

1 ـ إنّه إذا أصدر المرجع أو مكتبه بياناً يعلن فيه بداية شهر رمضان أو العيد، فهذا البيان ـ ما لم يكن حكماً من الحاكم، وقد تحدّثنا في المسألة السابقة عن حكم الحاكم في الهلال ـ لا حجيّة له في نفسه، إلا إذا أورث الوثوق بثبوت الهلال من خلال قيام الشهادات الكافية أو نحو ذلك على رؤيته أو ثبوته، أو على إمكان رؤيته، فلو رأى المكلّف استحالة رؤية الهلال مثلاً ورأى المرجع ثبوت الهلال نتيجة مجيء البيّنة لديه، فلا حجيّة لرأي المرجع هنا ما دام المرجع نفسه لا يرى حجيّةً للبينة التي تخالف القطع، حتى لو لم يلتفت هنا للأمر مصداقاً.

2 ـ ما تقدّم لا يعني إمكان استقلال المكلّف بالحكم بالعيد أو غيره دون ملاحظة فتوى مرجعه؛ وذلك أنّ اختلاف الفقهاء في معيار ثبوت بداية الشهر يوجب رجوع المكلّف إلى المعيار الذي يتبعه وفقاً لتقليده، فلو ثبت الهلال في غرب الكرة الأرضيّة، وكان من يرجع إليه المكلّف لا يرى كفاية ذلك لمن هو في شرق الأرض حتى مع الاشتراك في الليل، فإنّه لا يحقّ للمكلّف الحكم لنفسه، وهو في الشرق، بثبوت الهلال في هذه الحال، حتى لو تيقّن من صدق الشهود في الغرب، وهكذا.

3 ـ لا يلزم في بيان مكتب المرجعيّة أن يكون المرجع حيّاً، فلو قام أعضاء اللجان العلميّة في مكتب مرجعٍ متوفّى بإعلان العيد مثلاً على فتوى مرجعهم، كان إعلانهم حجّة لمقلّدي هذا المرجع، لو أفاد الوثوق بثبوت الهلال وفق فتوى مرجعهم، لا غير.

4 ـ بالنسبة للمرجعيّات الدينية التي تعلن العيد أو غيره، وتكون قائلةً بشرط وحدة الأفق (أعني هنا لا بد من كون بلد الرؤية وبلد المكلف واحداً في الأفق)، فإنّ إعلانها العيد لا يبرّر لكلّ المكلّفين الأخذ به؛ إذ قد يكون الإعلان بملاحظة منطقة الشرق الأوسط مثلاً، وهذا لا يثبت العيد في شرق آسيا، فإعلان العيد وفقاً لشرط وحدة الأفق، يتطلّب من المكلّف التأكّد من الدائرة الجغرافيّة التي تمّ إعلان العيد فيها من قبل مرجعه، ويتطلّب أيضاً من مكتب المرجعيّة أو المرجع نفسه تبيين هذا الأمر للمكلّفين، حتى لا يقعوا في التباس.

 

وحدة الأفق وتعدّد الأفق (اتحاد المطالع واختلافها)، الآراء والقراءات والمناقشات

([2]) المقصود بوحدة الأفق وتعدّده أو وحدة المطالع وتعدّدها ـ رغم اختلاف تعابير الفقهاء هنا واضطراب بعضها ـ هو حالة الانفصال الجغرافي بين البلد الذي رؤي فيه الهلال وبلد المكلّف، فقد يرى الهلال في بلد المكلّف نفسه، وقد يرى في بلدٍ آخر. والبلد الآخر قد يكون بحيث إذا رئي فيه الهلال يُرى حتماً في بلد المكلّف، حتى لو لم يرَ فعلاً لسببٍ أو لآخر كالغيم، فالأفق بين بلد المكلّف وبلد الرؤية واحدٌ، وقد يكون بحيث لو رُئي فيه، فلا يُرى في بلد المكلّف بالضرورة، فهنا تختلف الآفاق. وتوجد تقريبات أخرى للفكرة لا حاجة للإطالة فيها.

على هذا الأساس، قد يقول الفقيه بشرط وحدة الأفق، فلا يقبل ثبوت الهلال بالرؤية في أفق مغاير لأفق بلد المكلّف، وقد لا يقول بشرط وحدة الأفق، بل يقبل بتعدّد الآفاق، فيثبت الهلال في بلد المكلّف ولو كان بلد الرؤية بعيداً جداً عنه، وربما يتمّ التعبير عن الموضوع بطريقة أخرى، فيقال: وحدة الأفق تعني أنّ جميع الآفاق واحدة، فيكفي الثبوت في بلدٍ للثبوت في غيره مطلقاً، أو مقيّداً بقيد الاشتراك في الليل، أو غير ذلك من القيود، ويقال: تعدّد الآفاق بمعنى أنّ لكلّ أفق حكمه، وهكذا.

 

الانقسامات الفقهيّة في موضوع وحدة الأفق وتعدّد الآفاق

وتعتبر مسألة وحدة الأفق وتعدّدها أو اختلاف المطالع واتحادها (رغم بعض الاختلاف بين هذه التعابير) من المسائل التي وقع فيها بحث بين فقهاء المسلمين منذ قديم الأيام، ففيما مال الكثير من فقهاء الأحناف والمالكيّة والحنابلة وبعض فقهاء الشافعيّة، لكفاية رؤية الهلال في بلد لثبوته في سائر البلدان، قال مشهور الإماميّة (على كلام في هذه الدعوى، حيث يرى بعضٌ أنّ مشهور القدماء على مثل رأي الخوئي تقريباً) ـ وبخاصّة قبل عصر المحدّث الكاشاني ـ ومعهم جماعة كبيرة من فقهاء الشافعيّة بأنّ ثبوت الهلال في بلد لا يكفي إلا لأهل ذلك البلد وما قاربه وكان في أفقه، دون غيرهم. بل ظلّ هذا الرأي سائداً حتى زمن السيد الخوئي، حيث كانت إفتاؤه بكفاية الاشتراك في الليل لثبوت الهلال، بمثابة قفزة إفتائية لاحظنا أنّها تطلّبت منه وضع البحث الفقهي الاستدلالي في الرسالة العمليّة هنا، لكن سرعان ما اشتهر مذهب الخوئي بين الإماميّة، وتبعه الكثير من الفقهاء المتأخّرين والمعاصرين، منهم: السيد محمد باقر الصدر، والسيد كاظم الحائري، والسيد عبد الأعلى السبزواري، والسيد محمد الروحاني، والسيد محمود الهاشمي، والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ لطف الله الصافي، والسيد حسن القمي، والسيد كمال الحيدري، والسيد محمد صادق الروحاني، والشيخ الوحيد الخراساني، والشيخ جواد التبريزي، والشيخ محمد إسحاق الفياض، والشيخ بيات الزنجاني، وغيرهم.

بل ذهب الشيخ محمّد السند إلى عدم لزوم الاشتراك في الليل، وكفاية الاشتراك حتى إلى زوال النهار التالي، بل ظاهر عبارة الشيخ بشير النجفي في فتاويه الثبوت في مطلق البقاع دون تقييد بالاشتراك في الليل، وهو الظاهر من الشيخ فاضل المالكي أيضاً.

وبعضهم ميّز بين غرب بلد الرؤية فيثبت، وشرقها فلا يثبت، مثل السيد محمد محمد صادق الصدر، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والشيخ جوادي آملي.

وذهب السيد محمد سعيد الحكيم إلى الموافقة على فكرة الخوئي لكن في إطار ما أطلق عليه اسم: العالم القديم، وسيأتي الحديث عنها. وقال الشيخ محمد اليعقوبي بكفاية الرؤية في أيّ بلد يصدق عليه أنّه من بلدان أهل الصلاة، أي من بلدان العالم الإسلامي، حيث قال: «تكفي رؤية الهلال في أيّ بلدٍ من البلاد الإسلاميّة التي يصدق عليها أنّها بلدان أهل الصلاة؛ لثبوته في البلدان المشتركة معه بهذا العنوان، وإن لم يكن الهلال قابلاً للرؤية فيها، وبغض النظر عن اشتراكهما أو اختلافهما في الأفق، وكون أحدهما شرق الآخر أو غربه». هذا، واكتفى السيد محسن الحكيم بالقول بأنّه مع عدم الاشتراك في الأفق ففيه إشكال.

وحيث توجد هنا أكثر من رؤية تبنّاها الفقهاء، لهذا يلزمنا المرور على أبرزها، ونشرع برؤية السيد الماتن.

([3]) نقل من رسالة «المسائل المنتخبة» للإمام الخوئي، وهي مطبوعة في آخرها تحت عنوان: «تفاصيل ثبوت الهلال».

 

الرأي الأوّل: كفاية الرؤية في أيّ بلد مع الاشتراك في الليل (مذهب السيد الخوئي..)، عرض الأدلّة والمناقشات والتقويمات

([4]) سوف أقسّم البحث في موضوع وحدة الأفق وتعدّدها إلى قسمين، ففي القسم الأوّل نستعرض مقاربات السيد الخوئي التي ذكرها هنا وما جاء في تقريرات بحوثه، والمناقشات والردود والتقويمات المرتبطة بها، وفي القسم الثاني نستعرض سائر النظريّات. ثمّ بعد ذلك كلّه نخلص إلى استنتاجنا وفهمنا للموضوع.

وقد استدلّ الماتن هنا بعدّة أدلّة، نسير معها بالتتابع إن شاء الله.

([5]) ما أشار له الماتن من أنّ حصول الاقتران المركزي واحد، يحتاج توضيحاً، وذلك أنّ حساب لحظة الاقتران المركزي له اتجاهان:

الاتجاه الأوّل: الحساب الجيومركزي (Geocentric)حيث نحسب الاقتران وكأنّنا واقفون في مركز الأرض وقلبها، أي في نقطة افتراضيّة في عمق الكرة الأرضيّة تمثل المركز لها. وفي هذه الحال فإنّ لحظة الاقتران تكون ثابتة وواحدة، ولا تختلف باختلاف البلدان، وعلى هذا يقوم الحساب النظري الفلكي.

الاتجاه الثاني: الحساب الطوبومركزي (Topocentric)حيث نحسب الاقتران من نقاط مختلفة على سطح الأرض، وهنا تختلف زاوية الرؤية بسبب انحناء الأرض، مما يؤدّي إلى اختلاف لحظة الاقتران بين بلدٍ وآخر، لكن بفاصل زمني بسيط جداً لا يعدو بضع دقائق.

والسبب في ذلك أنّ القمر قريب نسبيّاً من الأرض، فموقع الراصد على سطح الأرض في النقطة (أ) ليس مطابقاً لموقعه في مركزها ولا لموقعه في النقطة (ب).

 

1 ـ اختلاف الشمس والقمر في ارتباطهما بالأرض، وخطأ الفقهاء في فهم الظاهرتين

([6]) هذا هو الدليل الأوّل للسيد الخوئي هنا، وحاصله اختلاف قضيّة الشمس عن قضيّة القمر، فالشمس لها مطالع متعدّدة تبعاً لاختلاف البقاع، بينما القمر ظاهرة واحدة فإذا خرج من المحاق وظهر لأهل الأرض فهو أمر وحداني لا يتعدّد بتعدّد البقاع، وخطأ الفقهاء كان في قياسهم هذا على هذا.

هذا النوع من المقاربات (التكوينيّة ـ الشرعيّة) كان موجوداً من قبل في موضوع الهلال، فعلى سبيل المثال ذهب المحدّث البحراني إلى القول بوحدة الآفاق، لكن اعتماداً على أنّ الأرض ليست كرويّة، فقد كان يعتقد بأنّ الأرض مسطّحة وأنّ النهار إذا طلع فهو يطلع على الأرض كلّها، وبهذا لا معنى لتعدّد الآفاق أساساً. لكنّ هذه المقاربة بطل بناؤها العلمي بإثبات كرويّة الأرض.

وأيضاً على سبيل المثال لعلّه يظهر من بعض كلمات العلامة الحلّي القول بوحدة الآفاق، لكن انطلاقاً من أنّ الجزء المأهول بالسكّان من الأرض هو جزءٌ صغير، ومن ثم فرؤية الهلال في جزء تلازم عادةً رؤيته في جزء آخر مسكون، وإن لم تلازم رؤيته في كلّ أجزاء الأرض. ومن الواضح أيضاً أنّ هذا البناء والتحليل أصبح اليوم جليّ البطلان.

وأشكل عليه:

أوّلاً: بما ذكره السيد السيستاني بأنّ هذا الأمر وإن كان صحيحاً، لكنّ ذلك لا يعني كون الشهر يبدأ للجميع في تلك اللحظة، إلا إذا قلنا بأنّ هذا الأمر هو عرفٌ ممضى من قبل الشارع، والحال أنّه يلزم منه أنّ يبدأ الشهر في بعض البلدان في وسط النهار، مع أنّ النصوص والعرف دلّا على أنّ بداية الشهر من الليل لا من وسط النهار. وقد تنبّه السيد الخوئي لهذه المشكلة، ولهذا دفعه ذلك للقول بفكرة الاشتراك في الليل، حتى لا يبدأ الشهر في بعض المناطق في النهار، وهو خلاف العرف والنصوص، وهذا منه إقرار بنسبيّة القمر على خلاف القاعدة التي اتخذها (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 7 ـ 9؛ ولعلّه يقرب من هذه الكلمات ما أفاده الشيخ المنتظري، فانظر: الأفق أو الآفاق: 36 ـ 37).

وأجاب الشيخ محمّد الجواهري عن هذا الإشكال «بالنقض، فإنه بناءً على أنّ لكلّ بقعة أفقها الخاصّ بها يأتي ذلك أيضاً، كما إذا رؤي الهلال قبل غروب الشمس ولو بعشر دقائق، فإنه يكون بداية الشهر الجديد أثناء النهار، فهل يساعد عليه العرف؟! وثانياً: بالحلّ، فإنّ العرف الشرعي قائم على أنّه برؤية الهلال تكون الليلة الآتية فيما إذا رؤي قبل الغروب ـ أو تكون نفس الليلة التي رؤي فيها الهلال لو رؤي بعد الغروب قبل أو بعد زوال الحمرة المشرقية ـ هي الليلة الأولى للشهر الجديد، ولا فرق في هذه الليلة الآتية التي هي ليلة أوّل الشهر بين أن يكون الفاصل بين رؤية الهلال ودخولها خمس دقائق أو عشراً أو أكثر أو أقل لا لحظة الرؤية.. من هنا يتضح أن ما ذكره السيد الأستاذ «السيد الخوئي» لاحقاً ليس هو تنبيهاً كان غافلاً عنه، بل توضيح لهذا المعنى.. إنّ الليلة التي تعقب رؤية الهلال هي الليلة الأولى للشهر، وهي بداية للشهر القمري الجديد لجميع العالم، غاية الأمر الليلة التي هي أوّل الشهر في بلد الرؤية قد تكون بدايتها حين الرؤية ـ أي عند الغروب ـ أو قبلها بخمس أو عشر دقائق أو بعدها كذلك، وفي القسم الآخر من الأرض بعد خمس أو عشر ساعات مثلاً، كما أنّ الليلة التي هي ليلة أوّل الشهر قد تكون في بلد ليله بالنسبة إلى بلد الرؤية هو آخر الليل، وليل بلد الرؤية أول الليل، وأوّل ليل البلد الثالث هو آخر ليل بلد الرؤية، وهذا هو معنى قول السيد الأستاذ السيد الخوئي.. أنّه بداية لشهر قمري جديد لأهل الأرض جميعاً، فالليلة المذكورة هي ليلة أول الشهر عندهم، غاية الأمر بالنسبة إلى أهل نصف الكرة الأرضية الآخر تكون أوّل ليلة عندهم من الشهر الجديد هي الليلة التي تعقب رؤية الهلال.. هذا هو عرف المتشرعة الممضى من قبل الشارع المقدس، وليس عرف المتشرعة قائماً على أن لحظة الرؤية هي يوم أوّل الشهر.. وعليه فتبين أن بداية الشهر لنصف الكرة الأرضية الآخر ليس هو أثناء النهار حتّى يكون على خلاف المرتكزات العرفيّة..» (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 28 ـ 29). وقريب مما أفاده ذكره أيضاً الشيخ محسن الأراكي في تعليقه على كلام السيستاني (ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة: 88 ـ 91).

وهذا الجواب صحيح في روحه؛ فإنّ المقصود من بداية الشهر هو أنّ الهلال إذا رؤي في بلد، فإنّ كلّ البلدان المشتركة معه في الليل يثبت فيها الشهر، وينتج عن ذلك أنّ هذا الليل نفسه الذي يسير باتجاه الغرب يكون هو أوّل ليلة الشهر القمري الجديد، فكلّ بلدٍ دخله هذا الليل معناه أنّه دخلتهم الليلة الأولى من الشهر، إلى أن يتمّ هذا الليل دورته على الكرة الأرضيّة كلّها، فلا يلزم من ثبوت الهلال في الليل أن يكون قد ثبت لتلك البلدان التي لديها نهار في نفس لحظة الثبوت، بل المراد أنّ هذا الليل الذي سيدور على الكرة الأرضيّة كاملة هو الليلة الأولى للشهر، وإنّما ذكر الخوئي قيد الاشتراك في الليل لكي يفرّ من التباس أنّ تلك البلدان التي لديها نهار لحظة الرؤية يكون نهارها هذا المتزامن مع لحظة الرؤية جزءاً من الشهر الجديد؛ لأنّ المفروض أنّه لم يأتِ عليهم الليل الأوّل من ليالي الشهر الجديد، وسيأتي مزيد تعميق لقضيّة شرط الليل إن شاء الله.

ثانياً: ما ذكره السيد تقي القمي، من أنّ ظاهر روايات الصوم والفطر للرؤية هو رؤية بلد الرائي، والعرف لا يفهم من «صم للرؤية» الرؤية في مطلق أنحاء الأرض، فهذا الذي ذكره السيد الخوئي وإن كان صحيحاً في نفسه، لكنّ ظهورات الأدلّة لا تُسعفه شرعيّاً (مباني منهاج الصالحين 6: 226 ـ 227).

ويمكن التعليق عليه بأنّنا حتى لو لم نقبل بكون روايات الرؤية ظاهرةً في الأعمّ من الرؤية في بلد المكلّف وغيره، لكن دعوى ظهورها في خصوص بلد المكلّف بحيث تشكّل عائقاً أمام أي دليلٍ آخر غير واضح؛ فلو أريد مناقشة الخوئي فلا تتمّ مناقشته بظهور روايات الرؤية، بل بإبطال أصل دليله هنا.

ثالثاً: ما ذكره السيد الأستاذ الهاشمي، متابعاً فيه فيما يظهر أستاذه الصدر في الفتاوى الواضحة، حيث قال: «إنّ هذا التفكيك بين طلوع الأهلّة وطلوع الشمس وغروبها وإن كان صحيحاً من الناحية العلميّة، إلّا أنّه لا يكفي لجعل عنوان الشهر، وواقعه أمراً دفعياً بالنسبة إلى الكرة الأرضيّة بتمامها وأن لا يتعقّل له أفراد متعدّدة؛ وذلك لأنّ عنوان الشهر القمري قد لا يكون اسماً لهذه الحادثة الكونية الدفعيّة، بل يمكن أن يكون اسماً لأمر واقعي آخر أيضاً، وهو نسبي وله أفراد متعدّدة باختلاف بقاع الأرض، وهو إمكان رؤية الهلال في نفسه في بلد الرؤية بمعنى بلوغه مرتبة من النضج والتكوّن نتيجة سيره بحيث يكون قابلاً للرؤية في غروب ذلك البلد. وهذا أمر واقعي الرؤية طريق إليه ولكنّه في نفس الوقت نسبي، أي يختلف من بقعة إلى أخرى على الكرة الأرضيّة. والحاصل: أنّ مجرّد وجود حادث واقعي دفعي ـ وهو خروج القمر من تحت شعاع الشمس ـ لا يكفي لحسم المسألة بعد أن كان عنوان الشهر القمري قابلاً للوضع لغة أو عرفاً أو عند الشارع ـ على الأقلّ ـ بإزاء الأمر الآخر الواقعي، فيكون دخول الشهر وصدقه حينئذ مختلفاً باختلاف البقاع والآفاق، رغم عدم قياس ذلك على طلوع الشمس وغروبها» (ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 39)، ولعلّه يقرب من هذه الكلمات ما أفاده الشيخ المنتظري (انظر له: الأفق أو الآفاق: 36 ـ 37).

وهذا الكلام صحيح؛ إذ هناك فرق بين الظاهرة الكونيّة الواحدة والحدّ الشرعي الاعتباري، وقدرة الشارع على جعل الحكم تبعًا لأيٍّ منهما؛ ولهذا يحتاج الخوئي هنا لإضافة فكرة أخرى وهي أنّ هذا هو الفهم العرفي للشهر، والذي بطبعه يتوافق مع الفهم العلمي التكويني، ولكنّه لم يفعل ذلك، وإنّما فعله السيد الهاشمي، كما سوف نرى في الأدلّة القادمة.

 

2 ـ مرجعية النصوص الحديثية في إثبات مذهب الخوئي، المناقشات والمراجعات

([7]) هذا هو الدليل الثاني للسيد الخوئي، وهو عبارة عن النصوص الروائيّة، التي سوف نسير معه في عرضها وتحليلها.

 

2 ـ 1 ـ صحيحتا هشام وأبي بصير، الدلالة والفهم والتفسير

([8]) هذه هي الرواية الأولى والثانية التي استدلّ بهما السيد الخوئي، لكنّ استدلاله قد تعرّض لإشكالات، وهي:

الإشكال الأوّل: ما ذكره السيد السيستاني، من أنّ صحيحة هشام ـ ومثلها معتبرة أخرى لسماعة ـ «لا إطلاق لها لمحلّ البحث؛ لأنّها في صدد بيان أمر آخر، وهو لزوم عدم وجود معارض حكمي على رؤية الهلال في البلد الآخر، وذلك بأن تكون الرؤية قد ثبتت فيها بالشياع القطعي أو البينة غير المعارضة ببيّنة النفي، وهذا ظاهر في صحيحة هشام حيث اعتبر فيها قيام البينة على صوم أهل مصر، فالتعبير ب‍ «أهل مصر» إنّما هو بعناية اعتبار اجتماعهم على ثبوت الرؤية الذي لا يكون عادة إلا عن شياع قطعي أو بيّنة غير معارَضة بغيرها، وهو الذي أشير إليه في بعض الروايات الآخرى بأنّ الرؤية هي أن يقول القائل: رأيت فيقول القوم: صدقت، أو إذا رآه واحد رآه عشرة وإذا رآه عشرة رآه ألف. وبالجملة: المقصود هو التركيز على قيام الحجّة والتأكّد من ثبوتها عند أهل ذلك المصر، فلا يكفي وجود شاهدين منهم على الرؤية مطلقاً كما لو انفردا بأداء الرؤية مع كثرة المستهلّين.. وإذا كان الإمام× بصدد بيان ما ذكر فلا ينعقد لكلامه إطلاق ليشمل المصر الذي لا يحرز كونه متفق الأفق مع بلد المكلّف..» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 23 ـ 25).

وأجاب على إشكال السيستاني بعضُ المعاصرين معتبراً أنّه تمحّل وتحميل (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 36 ـ 37)، أمّا الشيخ محسن الأراكي، فناقشه بالقول: «الرواية هنا تتضمّن قرينة واضحة تكشف عن شمول كلمة «أَهْلِ مِصْرٍ» للبلد البعيد أيضاً، والقرينة هي أنّ ظاهر الرّواية ورودها في مورد قيام البينة على ثبوت الهلال في البلد البعيد، وذلك لأنّ قوله: «إِنْ كَانَتْ لهُ بَيِّنَةٌ عَادِلةٌ عَلى أَهْلِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ صَامُوا ثَلاثِينَ عَلى رُؤْيَةٍ قَضَى يَوْماً» يعني أنّ البينة العادلة إنّما تشهد على الرؤية ـ أي رؤية هلال شهر رمضان ـ بعد مضيّ ثلاثين يوماً على رؤية هلال شهر رمضان، وهذا يعني أن البيّنة قد صامت شهر رمضان كلّه، ثم سافرت إلى البلد الذي شهدت فيه على الرؤية، فلا بدّ لهذه البيّنة أن تكون قد قطعت المسافة بين البلد الذي رؤي فيه الهلال، والبلد الآخر الذي شهدت فيه بالرؤية بعد انقضاء شهر رمضان، وهذا يعني مسافة زمنيّة قد تقرب من الشهر أيضاً، فلا بدّ أن تكون المسافة بين البلد مسافة بعيدة غير قريبة؛ لأنّ المسافة بين البلدين لو كانت مسافة قريبة لما طال وصول خبر رؤية هلال رمضان مدّة تزيد على ثلاثين يوماً على أقلّ التقادير، فإنّ خبر رؤية هلال رمضان وكذا شوال لأهميتهما واهتمام المتشرّعة بهما بوجه خاص ينتقل ويشيع بين المناطق القريبة بشكل سريع، فلا يعقل أن يكون الهلال قد رؤي في مكان قريب من البلد الذي قدمت إليه البيّنة ثم لم يصل الخبر إلى هذا البلد إلا بعد أكثر من ثلاثين يوماً.. لا قرينة مطلقاً في صحيحة هشام على كونها بصدد بيان لزوم عدم وجود معارض حكمي للشّهادة على رؤية الهلال في بلد آخر، بل الظاهر من الرواية ـ باعتبار ورودها جواباً عن سؤال السائل ـ أنّها بصدد بيان كفاية ثبوت الهلال في بلد آخر في وجوب قضاء اليوم الذي لم يصمه السائل، فإنّ سؤال السائل ليس عن ثبوت الهلال في البلد الآخر وحكمه وأنّه متى يثبت الهلال منه بالشهادة ليرد ما ذكره الإمام السيستاني، بل الظاهر ظهوراً بيّناً ـ خاصّةً بالنظر إلى سؤال السائل ـ أنّه بصدد الجواب عن سؤال السائل الذي سأل عن تكليفه بعد صوم تسعة وعشرين يوماً مع أنّ أهل البلد الآخر صاموا ثلاثين يوماً، فجاء الجواب عن سؤال السائل بأنّ صوم أهل البلد الآخر ثلاثين يوماً إن كان مستنداً إلى ثبوته عندهم بالشياع كفى ذلك في وجوب قضاء السائل صوم يوم الثلاثين، وأمّا افتراض ثبوت الشياع، فلأنّ المفروض أنّ الطريق إلى ثبوت الهلال في ذلك البلد للسائل يكاد ينحصر بالشياع عند أهل ذلك البلد لعدم تمكّنه عادةً عن الفحص عن البيّنة بعد مضيّ مدّة معتدّ بها من زمن ثبوت الهلال ورؤيته» (ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة: 131 ـ 134).

والإنصاف أنّ إشكال السيستاني مليء بالتكلّف، فليست الرواية ناظرة للمعارضة الحكميّة، بل لا إشارة فيها لذلك، وهي صريحة بعد مرور ثلاثين يوماً في إمكانية أن يكون أهل هذا المصر بعيدين مختلفين في الأفق عن بلد السائل، فعدم الاستفصال وعدم التقييد شاهدان واضحان على صحّة استنتاج الخوئي، ومناقشة المناقشين للسيستاني هنا.

الإشكال الثاني: ما ذكره السيستاني أيضاً، من «أنّ الموضوع في روايتي أبي بصير.. هو اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، ويعلم من هذا التعبير أنّ بعض الناس كانوا لا يصومون يوم الشك أداءً ثم يقضونه بعد انتهاء شهر رمضان، والإمام× منع من القضاء إلاّ أن يثبت سبق رؤية الهلال. وحيث إنّه لم يتأكّد أنّ المراد باليوم الذي يقضى من شهر رمضان مطلق يوم الشك منه ـ بل يجوز أن يكون المراد خصوص اليوم الذي كان الشكّ فيه لوجود علّة في السماء يحتمل كونه حاجباً عن رؤية الهلال ـ لم ينعقد لجواب الإمام× إطلاق يقتضي وجوب القضاء، وإن ثبتت رؤية الهلال في بلد بعيد لا ملازمة بين رؤية الهلال فيه ورؤيته في بلد المكلّف. هذا مضافاً إلى عدم تمامية الاستدلال بأيّ من الروايتين «الجملتين».. أمّا الأولى فلأن ظاهرها ـ كما أفاده المحدّث الكاشاني قدّس سرّه ـ هو الاكتفاء في الشاهد على رؤية الهلال بكونه مسلماً وعدم اعتبار الإيمان فيه، ولا دلالة فيها على كفاية انبعاث الشهادة من أيّ من بلاد المسلمين إلاّ بضرب من التأويل، بأن يكون المراد بأهل الصلاة بلاد أهل الصلاة على سبيل حذف المضاف، ويكون المراد بلفظ الجميع الظاهر في الاستغراق معنى «أي» أي البدليّة، ولا وجه لتأويل الرواية ثم الاستدلال بها. وأمّا الثانية فلأنّ ظاهرها وجوب صيام ذلك اليوم بقضاء أهل جميع الأمصار المغيمة من بلاد المسلمين، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، ولذلك حمل (قدّس سرّه) الألف واللام في كلمة «الأمصار» الظاهرة في العموم الاستغراقي على العموم البدلي؛ ليصير المعنى لا تصم ذلك اليوم إلاّ أن يقضي أهل أيّ من الأمصار، ولكن هذا لا معيّن له، بل يدور الأمر بينه وبين أن يراد ب‍ «الأمصار» خصوص الأمصار القريبة من بلد المكلّف التي يتيسّر له الاطّلاع على عمل أهلها، بل هذا أقرب إلى ظاهر الرواية مما أفاده» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 25 ـ 26؛ وقريب من بعضه كلامُ السيد تقي القمي في مباني منهاج الصالحين 6: 229).

وأورد عليه من غير جهة:

أوّلاً: ما ذكره الشيخ الجواهري بأنّ «يوم الشك في سؤال أبي بصير لم يقيّد بنوع خاص من الشكّ، ومعنى ذلك مطلق يوم الشكّ سواء أكان الشك فيه من علّة أو من غيرها.. هذا إذا لم نقل إن المراد منه بقرينة الجواب هو خصوص ما لو كان الشكّ فيه ناشئاً من غير العلّة، بل كان من جهة الشبهة في رؤيته في بلاد أخرى ولو كانت بعيدة لقول حسّاب أو غيرهم.. وأمّا دعوى عدم تمامية الاستدلال بالجملتين في أنفسهما، أما الأولى.. إن كان صدر الرواية ليس هو السؤال عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان، بل كان صدرها هو هكذا «سئل عن الشاهد الذي يشهد على أنه متى كان رأس الشهر والذي تقبل شهادته في قضاء يوم الشك هل يعتبر فيه الإيمان بالمعنى الخاصّ، أو يكفي فيه أنّه من أهل الصلاة وإن لم يكن بالإيمان بالمعنى الخاصّ» لكان لدعوى هذا الظهور وجه، فكيف يكون ظاهرها مع كون السؤال عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان ـ لا عن الشاهد ـ هو كون الشاهد مسلماً أو مؤمناً؟! فهذه الدعوى خلاف الظاهر جزماً.. وأما الجملة الثانية فادّعى القائل أن ظاهرها وجوب صيام ذلك اليوم بقضاء أهل جميع الأمصار المغيمة من بلاد المسلمين، وهو لا يمكن الالتزام به، ولذا التجأ السيد الخوئي.. تقدم المراد من الألف واللام في قوله×: «الشهادة من جميع أهل الصلاة» ـ وهي نفسها «أهل الأمصار» الذي قال القائل إنّ في إرادة المصر منه «والبلد» نحواً من التأويل، وقد عرفت ما فيه، فلا شك في كون الألف واللام فيه ظاهرة في البدل لا الاستغراق فيما إذا كان منشأ القضاء هو شهادة العدلين. ثم من أين جاءت كلمة «المغيمة» من بلاد المسلمين، وهل هي موجودة في الرواية؟!..» (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 38 ـ 40؛ وانظر: الأراكي، ثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة: 135 ـ 136).

وهذا الردّ على إشكال السيستاني فيه مواضع صحيحة ومواضع قابلة للتأمّل، كما وفي كلام السيستاني مواضع أخر؛ وذلك:

أ ـ إنّ ما قاله من أنّ الرواية لا تقييد فيها بكون المشكلة ناتجة عن علّةٍ، صحيحٌ، فافتراض السيستاني وجود علّة تقييد تبرّعي لا عين له ولا أثر في الرواية.

ب ـ إنّ قوله بأنّ الرواية لو كانت ناظرة لمذهب الشاهد لكان يفترض أن يكون السؤال عن نوعيّة الشهود لا عن القضاء، غير صحيح؛ لأنّ الإمام أجاب بعدم القضاء، إلا أن يثبت لديك الشهر، ثم بيّن أنّ ثبوته يكون بشهادة عادلين من عدول المسلمين، فليس في الرواية نظرٌ للبلدان والجغرافيا، بل نظرها لما يُثبت بداية شهر رمضان حتى يلزم المكلف القضاء، وأنّ هذا الإثبات عبارة عن شاهدين عدلين مسلمين، فكيف نفهم من الرواية ـ بجملتها الأولى ـ ما يريده الخوئي؟! فالصحيح أنّ إشكال السيستاني هنا في محلّه بملاحظة رواية أبي بصير.

ج ـ إنّ إشكاله بإضافة وصف «المغيّمة» في محلّه؛ إذ لا عين ولا أثر له في الرواية.

د ـ إنّ حمل السيستاني جمع «الأمصار» على العموم الاستغراقي غريب؛ فكيف يتسنّى لمسلمٍ أن يحصل له علم في ذلك الزمان بأنّ جميع أمصار المسلمين في شرق الأرض وغربها قد صاموا حتى يحال على قاعدة من هذا النوع يبني عليها في قضائه؟! إنّ هذه الكلمة تطلق ويراد منها أبرز بلدان المسلمين، فتكون ناظرةً لما هو أعمّ من البلدان القريبة والبعيدة، فليس الموضوع موضوع العموم البدلي، بل موضوع عدم معقوليّة العموم الاستغراقي، فضلاً عن كون ذلك مقيّداً بالبلدان القريبة، فما أفاده الخوئي هنا صحيح بهذا التقريب، وما ذكره السيستاني في غير محلّه.

ثانياً: ما ذكره السيد الهاشمي، حيث فقال: «أمّا إرادة جميع الملل والفرق من الجملة الأولى وهي قوله×: «من جميع أهل الصلاة» فبعيد جدّاً؛ إذ لازمه أن يكون أهل الفرق والمذاهب الأخرى عدولاً، فيكون الحديث دالّا على حجّيّة شهادة الشهود من الفرق الأخرى، بل ظاهره عندئذ لزوم البيّنة وقيام شاهدين من كلّ فرقة وملّة من المسلمين لكي يثبت دخول الشهر، ولا يكفي قيامها من الفرقة الحقّة فقط. وهو كما ترى. بخلاف ما إذا أريد به جميع أهل الصلاة من حيث بلادهم وأمصارهم ـ كما فهمه الأستاذ ـ ويؤيّده ما ورد في الجملة الثانية: «إلّا أن يقضي أهل الأمصار»؛ حيث لم يقل أهل الصلاة، فالنظر في الجملة الأولى أيضاً إلى جميع المسلمين من حيث تواجدهم في الأمصار، لا من حيث مللهم ومذاهبهم».

ويمكن أن يجاب بأنّ عدالة أهل الفرق الأخرى ممكنة، على ما حقّقناه في محلّه، كما أنّ حمل كلمة «جميع» على الجميعيّة الحقيقيّة بحيث يلزم أن يكون الشهود من كلّ أهل الفرق الإسلاميّة في غاية البعد، فليس المراد بشاهدين عدلين من جميع أهل الصلاة هو ثبوت عشرات البيّنات العادلة، كلّ بينة من أبناء مذهب بعينه، فلو فسّرنا هذه الجملة بهذه الطريقة لزم ـ على تقدير ثبوت تفسير الخوئي ـ أن يثبت الهلال في كلّ بقاع المسلمين معاً، وهو أيضاً غير معقول، فيكون المعنى الأقرب هو أنّ عليك أن تقضي عندما تأتيك بيّنة مسلمة مهما كان انتماؤها. فكأنّ الأستاذ الهاشمي تورّط في نفس المشكلة التي تورّط فيها السيستاني في فهم العموم الاستغراقي من تعبيري: «جميع» و «الأمصار».

الإشكال الثالث: ما نقله السيد الهاشمي عن الشيخ الأنصاري، وأجاب عنه: «قد يناقش تارة: بأنّ الرواية ليس فيها عموم وأنّها نكرة في سياق الإثبات، وحينئذ تنصرف ـ بحكم الغلبة ـ إلى البلاد المتقاربة لا البلاد المتباعدة المختلفة في الأفق والتي كان يندر الاطّلاع على حالها بسرعة في تلك الأزمنة. وأخرى: بأنّ الظاهر أنّ الإطلاق في بيان حكم انكشاف كون يوم الشكّ من رمضان، لا في بيان الكاشف وأنّه يحصل بمجرّد رؤيته في بلد من البلاد ولو كان في غاية البعد، فكما لا دلالة في هذا الإطلاق على الشروط المعتبرة في البيّنة، فكذا لا دلالة على الشروط المعتبرة في البلدين من القرب والبعد، بل المراد بيان حكم الانكشاف بعد فرض ثبوت الكاشف. والإنصاف أنّ مثل هذه التشكيكات غير مانعة عن الإطلاق في الحديث؛ لوضوح أنّ الحكم لو كان مقيّداً ثبوتاً وواقعاً بما إذا كان الهلال مرئيّاً أو قابلاً للرؤية في البلد لا البلاد الأخرى المختلفة في الأفق كان ينبغي تقييده بذلك؛ لأنّه قيد في الحكم أو في موضوعه، فكيف لا يذكره المولى وهو في مقام بيان الحكم بتمام موضوعه؟ والغلبة الخارجية في عدم الاطّلاع على حال أهل مصر آخر مختلف في الأفق لا يقدح في إطلاق ما جعله المولى موضوعاً للحكم وهو كفاية رؤية أهل مصر آخر، على أنّ هذه الغلبة غير تامّة؛ لأنّ الرواية ناظرة إلى حكم القضاء الحاصل من قيام البيّنة على رؤية أهل مصر آخر بعد مضيّ شهر رمضان، وهذا يحصل كثيراً؛ لحصول التنقّل والسفر من تلك البلاد إلى هذا البلد غالباً، فيطّلع المكلّف على ذلك ولو بعد شهر أو شهرين، فيجب عليه القضاء.. كما أنّ المناقشة الثانية غير واردة؛ لأنّ الرواية لم يفرض فيها وجود غيم أو مانع عن رؤية الهلال في داخل البلد؛ ليتوهّم اختصاص النظر فيها إلى حكم الانكشاف وعدمه لهذا المكلّف أو لأهل ذلك البلد، وإنّما حكم بذلك لكلّ من صام تسعة وعشرين يوماً ولو من جهة عدم إمكان رؤية الهلال في مكان الاستهلال ثمّ قامت بيّنة على صيام أهل مصر آخر ثلاثين يوماً، وهذا لا إشكال في دلالته على كون المعيار ثبوت رؤية الهلال في بلدٍ ما بنحو صرف الوجود وعدم اشتراط إمكان الرؤية في كلّ بلدٍ بلد» (ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 44 ـ 45).

وما أفاده السيد الهاشمي متينٌ لا نعقّب عليه.

 

2 ـ 2 ـ صحيحتا إسحاق بن عمار وعبد الرحمن بن أبي عبد الله، الدلالة والمفاد

([9]) هذه هي الرواية الثالثة والرابعة من الروايات التي استدلّ بها الخوئي.

لكن أشكل عليه السيستاني أيضاً، فقال: «يلاحظ على هاتين المعتبرتين أنّ موردهما هو صورة الشكّ في دخول شهر رمضان من جهة الشكّ في وجود الهلال في سماء البلد مستوراً بالسحاب وعدمه، فلا إطلاق لها لصورة الشكّ فيه مع إحراز عدم وجود الهلال في سماء البلد من جهة الشكّ في وجوده في بلد آخر يشترك مع البلد في جزء من الليل. وتوضيح ذلك: أنّ مورد السؤال في كلتا الروايتين هو ما إذا غمّ هلال رمضان، و «غمّ» لغة بمعنى ستر، ولكن من الواضح أنه ليس المقصود هنا هو ستر الغمام للهلال، إذ لو أحرز ذلك لكفى في ثبوت الشهر؛ فإنّه لا يعتبر فيه الرؤية الفعلية كما هو ظاهر، فلا بدّ إذن أن يكون إسناد الستر إلى الهلال إسناداً مجازياً يراد به الإسناد إلى محلّه، أي ستر الغمام لمطلع الهلال، فمرجعه إلى الشك في وجود الهلال في مطلعه في أفق البلد، وحاصل السؤال هو أنّه إذا ستر الغمام ـ وهو السحاب الأبيض أو الرقيق ـ مطلع الهلال وشكّ في وجوده تحته فما هي وظيفة المكلّف عندئذ؟ وأجاب الإمام× بأنّه لا يجب عليه صيام ذلك اليوم مع عدم رؤية الهلال، ولكن إذا شهد أهل بلد آخر على رؤيته في تلك الليلة فلا بدّ من القضاء، ومرجع هذا بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع هو أنه إذا زال الشك في وجود الهلال في أفق البلد في تلك الليلة بملاحظة رؤية أهل بلد آخر قريب من البلد الأوّل، بأن استكشف منها وجوده في أفق البلد وكونه مستوراً بسبب الغمام عن أعين الناظرين يلزم القضاء، وعلى هذا فلا إطلاق للفظ البلد في الروايتين للبلد البعيد الذي لا تكون رؤية الهلال فيه شاهداً على وجوده في بلد المكلّف، كما لو أحرز عدم ظهور الهلال فيه أو ظلّ الأمر مشكوكاً فيه بالرغم من إحراز رؤيته في بلد آخر» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 10 ـ 13).

وأورد عليه السيدُ الهاشمي: «إنّ فرض وجود الغيم وارد في سؤال السائل لا جواب الإمام×، بل تأكيد الإمام× في الجواب على عدم الصوم إلّا أن تراه، أو يشهد أهل بلد آخر، فتقضيه، دليلٌ على بيان الكبرى الكليّة وأنّ رؤية أهل بلد آخر تكفي في فرض عدم رؤيتك، سواء كان لوجود مانع عن الاستهلال أو عدم وجوده، وتحقّق الاستهلال وعدم الرؤية ولو من جهة عدم إمكان الرؤية في تلك النقطة، فالإطلاق في مثل هذا اللسان تامّ أيضاً» (ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 46؛ وانظر أيضاً: الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 41 ـ 42؛ وقريب من بعضه كلامُ السيد تقي القمي في مباني منهاج الصالحين 6: 228).

وما أفاده الهاشمي صحيح؛ بل من الغريب أنّ السيد السيستاني فهم من وجود بيّنة من بلدٍ آخر أنّ الهلال كان موجوداً في أفق بلد السائل، فأين هذا في الرواية؟! يبدو لي أنّ السيستاني يريد هنا فقط تبرير الرواية على مسلكه، فكأنّ مسلكه صحيح ويريد تفسير الرواية بشكل ينطبق مع مسلكه، مع أنّ ظاهر الرواية ـ قبل البتّ بأيّ رأي فقهي هنا ـ هو أنّ الإمام يعطي معياراً واضحاً، وهو ثبوت الهلال في بلدٍ آخر دون أن يميّز له اتحاد الآفاق واختلافها، وهو أمر كان معقولاً لديهم آنذاك، وبخاصّة بعد مرور شهرٍ على الواقعة.

 

2 ـ 3 ـ رواية دعاء صلاة العيد ومديات دلالتها على مذهب الخوئي

([10]) هذه هي الرواية الخامسة التي يستند إليها السيد الخوئي، وهنا قد يُشكل بإشكالين:

الإشكال الأوّل: ما ذكره السيد السيستاني، حيث قال: «ويلاحظ على ما أفاده (قدّس سرّه) أنّ الوحدة الشخصيّة ليوم العيد ولليلة القدر لا تتحقّق حتّى على مسلكه (قدّس سرّه)؛ لما مرّ من أنّه اختار لاحقاً أنّ خصوص البلاد التي تشترك مع بلد الرؤية في جزء من الليل تشترك معه في أوّل الشهر، وأمّا البلاد الأخرى فيكون أوّل الشهر فيها في اليوم التالي، فكيف يقول (قدّس سرّه) بأن يوم العيد يوم معيّن خاصّ لجميع المسلمين، وكذلك ليلة القدر واحدة شخصيّة لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في الآفاق؟! وبالجملة: لا محيص من الالتزام بأنّ وحدة يوم العيد وليلة القدر إنّما هي وحدة نوعيّة، وليست شخصيّة» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 33؛ وقريب من بعضه كلامُ السيد تقي القمي في مباني منهاج الصالحين 6: 231).

وقد ردّ إشكالَ السيستاني الشيخُ الجواهري وغيره بالقول: «إنّ الهلال إذا رؤي في بلد، فالليلة التي تعقب رؤية الهلال هي ليلة أوّل الشهر، وينطبق على البلد الذي كان عنده نهاراً لحظة رؤية الهلال أنّ الليلة الآتية هي ليلة أوّل الشهر، ففي الكلّ الليلة الأولى التي تعقب رؤية الهلال هي ليلة أوّل الشهر، وهي ليلة واحدة لجميع أهل الأرض شخصيّة، لا نوعيّة.. فليلة السبت مثلاً هي ليلة القدر لكلّ العالم ولجميع الدول الإسلاميّة، وهي الليلة التي يكون زمانها 24 ساعة نصفها تقريباً ليلة قدرنا ونصفها ليلة قدر النصف الآخر من الكرة الأرضيّة.. وإنّما لا تكون ليلة القدر أو يوم العيد واحداً ويكون متعدداً أو واحداً بالوحدة النوعيّة الذي هو تعدّد في الواقع إنّما هو متحقّق على مسلك الآخرين، فليلة السبت ليلة القدر عند دولة من الدول الإسلاميّة، وليلة الأحد ليلة القدر عند دولة أخرى من البلاد الإسلاميّة.. وهكذا يوم العيد.. وهذا هو الذي لم يرد في الروايات، بينما على مسلك السيد الخوئي (رضوان الله عليه) فليلة السبت هي ليلة القدر في جميع العالم ولجميع الدول الإسلاميّة، وهو الوارد في الروايات المشار إليها، ويوم السبت هو يوم العيد لجميع العالم ولجميع الدول الإسلاميّة، وهو الوارد في الروايات المشار إليها» (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 43؛ وثبوت الهلال في الأماكن المتباعدة: 146).

وما أفاده الجواهري يحتاج لتفكيك دقيق؛ وذلك أنّه غير صحيح من جهة، وصحيح من جهة ثانية:

أ ـ أمّا أنّه غير صحيح، فعندما نأخذ الليل والنار بالمعنى المحلّي، دون الكوني، فستعني رؤية الهلال في السنغال ليلة السبت، أنّ يوم السبت في السنغال سوف يكون هو يوم العيد، بينما سيكون يوم الأحد في اليابان بعد ذلك هو العيد، فإذا نظرنا إلى أسماء الأيّام، فليس هناك يوم واحد هو العيد، بل في الحقيقة سوف يشتركون في نصف الأربع وعشرين ساعة؛ لأنّ يوم السبت في السنغال والقارة الأمريكيّة سيكون يوم عيد، وفي هذا اليوم يكون ليل الأحد قد حلّ في المحيط الهادي واليابان مثلاً، فيوم السبت سيكون عيداً بمعنى نهار العيد (نهار السبت) في مكان، وليل العيد (ليل الأحد) في مكان آخر، فلا تصدق الوحدة الشخصيّة بهذا اللحاظ، فلا يصحّ إشكال الجواهري على السيستاني.

ب ـ وأمّا أنّه صحيح؛ فعندما نأخذ الليل والنهار بالمعنى الكوني الفلكي، وهو الفترة التي تكون فيها الأرض (بحكم دورانها) تمرّ بمنطقة الظلّ بحيث يتحقّق الليل على أجزاء مختلفة منها تباعاً، وهنا لو أخذنا الكرة الأرضيّة كلّها ـ بعيداً عن أسماء الأيّام ـ فسوف نلاحظ أنّ الليل سوف يدور على الكرة الأرضيّة، فيكون هذا ليل العيد، والنهار سيدور عليها، فيكون نهار العيد، فبملاحظة الكرة الأرضية كلّها، سيكون عندنا ليل عيد واحد ونهار عيد واحد.

لكن حيث قلنا بأنّ جزءاً من يوم العيد لن تشترك فيه بقاع الأرض، فلا معنى للحديث عن الوحدة الشخصيّة مقارنةً بجميع المسلمين؛ لأنّ بعض المسلمين سيكون يوم العيد قد انتهى عندهم دون بعض، ويكون قد بدأ عند بعض دون بعض، فليس هناك قطعة زمنية واحدة كلّها عيد من أوّلها لآخرها لجميع المسلمين معاً، فإشكال السيستاني في محلّه.

الإشكال الثاني: ما يمكننا إضافته، وهو أنّ الظاهر من الدعاء هو الوحدة النوعيّة، بصرف النظر عن إشكال الوحدة الشخصيّة، فعندما يقال بأنّ الله جعل ليلة القدر للمسلمين وقتاً للدعاء، أو جعل يوم السبت لهم وقتاً للسفر أو رغّبهم في صلاة العيد يوم العيد، فهذا لا يدلّ على أنّ ذلك هو واحد شخصي لجميع الناس في لحظة واحدة، بل يكون ناظراً لهذا العنوان الذي قد يختلف فيه الناس تبعاً لمواقعهم الجغرافيّة، فإشكالنا هو أنّ الوحدة الشخصيّة غير منظورة في هذا الدعاء، ولا أقلّ من عدم ظهور الرواية في ذلك.

 

2 ـ 4 ـ إطلاقات نصوص البيّنة في باب الهلال

ذكر السيد الخوئي هذا الدليل في أبحاثه ولم يذكره هنا مع ذكره هناك سائر ما ذكره هنا، فقال: «إطلاقات نصوص البيّنة الواردة في رؤية الهلال ليوم الشكّ في رمضان أو شوّال، وأنّه في الأوّل يقضي يوماً لو أفطر، فإنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ما إذا كانت الرؤية في بلد الصائم أو غيره المتّحد معه في الأُفق أو المختلف. ودعوى الانصراف إلى أهل البلد كما ترى، سيّما مع التصريح في بعضها بأنّ الشاهدين يدخلان المصر ويخرجان كما تقدّم، فهي طبعاً تشمل الشهادة الحاصلة من غير البلد على إطلاقها» (الموسوعة (المستند) 22: 119 ـ 120).

وعلّق عليه السيد الأستاذ الهاشمي بالقول: «يلاحظ على هذا الاستدلال أنّ روايات حجّيّة الشهادة ناظرة إلى طرق الإثبات وأنّ البيّنة حجّة، وليس فيها نظر إلى جهة الثبوت، وأنّ ما يتحقّق به الشهر واقعاً هل يكفي فيه طلوع الهلال في بلد آخر أم لا، ليتمسّك بإطلاقه. نعم، لو كانت الروايات ناظرة إلى ثبوت الهلال أو قيام بيّنة في بلد آخر أمكن التمسّك بإطلاقها من تلك الجهة وإثبات الكفاية، ولكنّها ليست كذلك، فليس الإشكال دعوى الانصراف إلى بيّنة أهل البلد، وإنّما الإشكال هو عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، فلا يتمّ الإطلاق فيها»

لكن الهاشمي أجاب: «إنّ لسان هذه الروايات يختلف عمّا دلّ على قبول أصل الشهادة والبيّنة في الهلال، من قبيل ما ورد أنّه: «لا أجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين»؛ لأنّها ناظرة إلى حكم قضاء يوم آخر لمن صام تسعة وعشرين يوماً ولو من جهة أنّه لم ير الناس الهلال في أوّل الشهر مع الصحو وعدم علّة في السماء، بل قد تبرّع الإمام× في بعضها ابتداء لبيان حكم القضاء وقد جعل وجوب القضاء يوماً آخر في هذه الروايات متفرّعاً على قيام بيّنة عدول يشهدون بأنّهم قد رأوا الهلال قبل ذلك. ومن الواضح أنّ هذا مطلق يشمل ما إذا كانت البيّنة تشهد بذلك في مصرٍ آخر، وما في ذيل معتبرة أبي أيّوب تصريح بهذا الإطلاق. فلو كان وجوب القضاء مقيّداً برؤية الهلال في نفس البلد كان لا بدّ من تقييد شهادة البيّنة بأن تكون من نفس البلد وفي أفقه لا أفق آخر، وإلّا كان إغراء بالجهل، فالإطلاق في لسان هذه الروايات واضح لا ينبغي إنكاره، بل لولا الإطلاق اللفظي لكان يتمّ فيها الإطلاق أيضاً بملاك ترك الاستفصال ووقوع المكلّف في خلاف الواقع» (ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 41).

وما أفاده السيد الهاشمي يرجع إلى تقييد دليل السيد الخوئي، بخصوص تلك الروايات التي كان الإمام فيها في مقام بيان أمرٍ يتوقّع فيه كون البيّنة من بلدٍ آخر، ويغدو الأمر فيه محتملاً، فهو في الحقيقة نقدٌ لدليل السيد الخوئي في الجملة، واعتمادٌ على سياقات حافّة بدليل البيّنة، لا على مجرّد الإطلاق الأوّلي في دليل البيّنة، وهذا هو الصحيح.

 

2 ـ 5 ـ خبر علي بن أبي حمزة ودلالاته

ورد بالسند إلى علي بن أبي حمزة الثمالي (البطائني)، قال: كنت عند أبي عبد الله×، فقال له أبو بصير: جعلت فداك، الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: «في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين» قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال: «ما أيسر ليلتين فيما تطلب»، قلت: فربما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى، فقال: «ما أيسر أربع ليالٍ تطلبها فيها» قلت: جعلت فداك ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني، فقال: «إنّ ذلك ليقال»، قلت: جعلت فداك، إنّ سليمان بن خالد روى في تسع عشرة يكتب وفد الحاج، فقال لي: «يا أبا محمّد، وفد الحاج يكتب في ليلة القدر والمنايا والبلايا والأرزاق وما يكون إلى مثلها في قابل فاطلبها في..» (الكافي 4: 156 ـ 157).

استند لهذه الرواية السيد الهاشمي، فقال: «دلالتها على المدّعى واضحة، فإنّه إذا كان الميزان في دخول الشهر برؤية الهلال في البلد وأنّ لكلّ بلد شهره وليلة قدره فلماذا يكلّف بطلبها ضمن أربع ليال، أي طلب ليلة إحدى وعشرين ضمن ليلتين، وليلة ثلاث وعشرين ضمن ليلتين بمجرّد خبر يجيء من أرض أخرى؟ فالرواية واضحة الدلالة على أنّ ليلة القدر واحدة للبلدين والأرضين، وليست لكلّ منهما ليلة قدر غير أخرى. ومن هنا قال×: «ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها». وإطلاقه يشمل البلاد البعيدة غير المتّحدة مع بلد المكلّف في الأفق» (ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 54).

لكنّ السيستاني فهم الرواية بطريقة أخرى، حيث اعتبر أنّ ابن أبي حمزة أراد أن يحصل على تعيين ليلة القدر من الإمام، فذكر فرضيّةً لحالة تردّد أمر الهلال في بلده هو بين حالتين، ولم يكن يقصد أنّ هذا يحصل أيّاً كان المكان الذي تُدّعى فيه الرؤية من خارج البلد، وهكذا لم يكن يقصد الإمام أنّ دعوى الرؤية من خارج البلد توجب التردّد، بل كان يأخذ الفرضيّة في نفسها، وهي حصول تردّدٍ ما في ثبوت الهلال، وبعبارة أخرى: إنّ الرواية بصدد بيان الاحتياط في ليلة القدر عند التردّد، وليست في مقام بيان وقوع التردّد عند رؤية الهلال في بلدٍ آخر، هذا مضافاً لضعف سند الرواية بالبطائني، وما جاء في بعض النسخ من الثمالي غير صحيح (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 30 ـ 31).

ويمكن التعليق على كلام السيستاني بأنّه وإن كان سند الرواية كما قال غيرَ ثابتٍ؛ لكنّ تفسيره للحديث غير مقنع؛ فإنّه إذا لم يكن لرؤية الهلال من أرضٍ أخرى ـ الظاهر في كونها بعيدة عن أرضهم ـ أيّ أثر؛ فلماذا لم يوضح له الإمام ذلك؟ بل كيف كان سؤال البطائني معقولاً إذا كان مركوزاً في ذهنه أنّ الأرض الأخرى لا تصلح أساساً لتكون فرضيّةً للتردّد؟ فصحيحٌ أنّ السائل والإمام يهتمّان بأصل فرضية التردّد للحديث من خلال ذلك عن ليلة القدر؛ لكنّ فرض التردّد من خلال مثالٍ طبيعته تحتوي بعداً جغرافياً، هو في نفسه كاشف عن أنّ هذه الفرضيّة تسمح بالتردّد، وبهذا لا نميل لفهم فكرة البلد البعيد من خلال الإطلاق، بل نرى ظهورها في البلد البعيد أقرب؛ فهو لم يقل بأنّه أتانا خبرٌ من بلد آخر، بل قال بأنّه أتانا خبرٌ من أرضٍ أخرى، وهذا أقرب للإشارة للبُعد، بمراجعة استخدامات العرب في تلك الفترة لكلمة أرض فنقول: جاءنا فلان من أرض الحبشة أو جاء فلان من أرض الروم، وهكذا، ولا يقولون عادةً لمن هو في الكوفة: جاءنا فلان من أرض البصرة.

 

3 ـ وحدة ليلة القدر، وتوظيف ذلك في إثبات الخوئي لرأيه

([11]) هذا هو الدليل الثالث من أدّلة السيد الخوئي هنا، وهو الوحدة الشخصيّة لليلة القدر. ويجري فيه عين ما تقدّم في موضوع يوم العيد فلا نكرّر.

 

4 ـ سكوت النصوص عن شرط اتحاد الأفق، يمثابة شاهد لتعزيز مذهب الخوئي

([12]) هذا هو الدليل الرابع الذي سلكه الخوئي، وتبعه عليه غير واحدٍ مثل الشيخ محمد إسحاق الفياض (منهاج الصالحين 1: 424). قال السيد عبد الأعلى السبزواري: «ليس في الأخبار التي عندنا اسمٌ من اتفاق الأفق في البلاد واختلافه، فتكفي رؤية الهلال في بعض البلاد للبعض الآخر في الأوّل دون الأخير، ولم نظفر على هذا التعبير أو ما يقاربه في الأخبار بشيء. نعم ، ذكر فيها الغيم والعلّة في السماء ولو كان للتقارب دخل في الحكم أو الموضوع لأشير إليه في خبرٍ من الأخبار. وليس اعتبار التقارب معقد إجماع معتبر أصلاً» (مهذب الأحكام 10: 273).

وقد بيّنه السيد الهاشمي بطريقة أفضل، فقال: «إنّه ممّا يؤيّد هذا الإطلاق في مجموع هذه الروايات عدم ورود الإشارة في شيء من الروايات إلى أنّ الميزان ببلد الرؤية إمكانها، مع أنّه لو كان حكم الصوم يختلف من بلد إلى آخر وأنّه يلزم طلوع الهلال وإمكان رؤيته في البلد لكان يشار إليه مع شدّة الحاجة إليه ولو في حديثٍ واحد، كما ورد ذلك في مواقيت الصلاة وطلوع الشمس وغروبها، مع أنّ ذلك أمر واضح عرفاً لا يشكّ فيه عادة؛ فإنّه مع ذلك ورد في ذيل روايات مواقيت الصلاة: «إنّما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس أن يبحثوا»، بينما لم يرد مثل ذلك في روايات الصوم، وإنّما ورد عكسه من الأمر بالقضاء إذا ثبت بعد ذلك رؤيته في مصرٍ آخر، فلو كان شرطاً فكيف يسكت عنه في جميع ما وصلنا من الروايات؟!»

وقد أشكل عليه السيستاني فقال: «إنّ سكوت الروايات عن اعتبار اتحاد الأفق في رؤية الهلال إن تمّ ـ ومرّ أنّه غير تامّ ـ فهو إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على تمامية القول الآخر، وهو أنّ العبرة في دخول الشهر في كلّ مكان برؤية الهلال في ذلك المكان، فإنّه الذي لا يحتاج إلى البيان حيث يجري الناس عليه وفق ارتكازهم، وأمّا القول الآخر بكون العبرة برؤية الهلال في مكان ما على الكرة الأرضيّة يشارك بلد المكلّف في جزء من الليل، فهو الذي يحتاج إلى البيان» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 33)، واكتفى السيد تقي القمي بأنّه لا ملزم في ذلك، بل نتبع الموضوع في كلّ حكم (مباني منهاج الصالحين 6: 232).

وقد أجاب عنه بعض المعاصرين بوجود الروايات الدالّة (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 44).

والإنصاف أنّ هذا الدليل من الأدلّة الموجبة للوثوق في المقام، ويمكن تقريبه وتقويته بأنّ هذه المسألة مطروحة في فقه المذاهب منذ القرن الثاني الهجري، ومال كثير من فقهاء أهل السنّة لهذا القول، كما أنّ فرض نفي احتمال اعتماد أحد على شهادة من منطقة أخرى يوحي وكأنّ شرط البلد ووحدة الأفق بديهيٌّ جليّ لا يتطرّق إليه الشكّ، مع أنّنا رأينا في الروايات عكس ذلك، فلو كان الاتحاد في الأفق شرطاً، مع احتمال اعتماد الناس على شهادة مصرٍ آخر، وذهاب الكثير من فقهاء أهل السنّة لذلك، ولو في عصور لاحقة،فإنّ هذا كلّه يؤكّد أنّ فكرةً من هذا القبيل كان يلزم توضيحها جداً في نصوص النبيّ وأهل بيته، حتى لا يقع الناس في التباس متوقّع جداً، فكيف لم نجد شيئاً؟! وأمّا دعوى وجود بعض الروايات، فسوف نراها لاحقاً، ونتوقّف عندها لدى البحث في تحليل ونقد الآراء الأخرى، وبخاصّة رأي السيد السيستاني.

 

5 ـ إطلاقات الصوم والفطر للرؤية

ذكر هذا الاستدلال السيد محمود الهاشمي، وحاصله التمسّك بإطلاق روايات الصوم أو الإفطار للرؤية لما إذا كانت الرؤية في بلد آخر مختلف في الأفق. وهذا الإطلاق يمكن تقريبه بنحوين: 1 ـ إطلاقها لما إذا رأى المكلّف الهلال في مكان ثمّ سافر إلى بلد آخر يختلف معه في الأفق لم ير فيه الهلال رغم استهلال الناس وكون السماء مصحية، فإنّه لا إشكال في أنّ مقتضى هذا الإطلاق وجوب الصوم عليه ذلك اليوم ـ ولو قضاء إذا وصله بعد الزوال ـ حتّى إذا كان بحيث لا يمكن أن يرى فيه الهلال وأنّه لا بدّ من اعتبار ذلك اليوم من رمضان، مع أنّه لو كان الميزان في تحقّق الشهر بالبلد الذي هو فيه فذلك النهار ليس من رمضان بالنسبة إليه لكي يجب عليه صومه، والبلد الذي كان قد رأى الهلال فيه لم يكن موجوداً فيه في نهاره ليصبح وجوب صومه عليه فعليّاً، فهذا الإطلاق ينفي تعدّد الشهر بتعدّد البلاد في حقّ هذا المكلّف، فيتعيّن لا محالة كفاية الرؤية لبلد لسائر البلدان أيضاً؛ لعدم احتمال الفرق بين مكلّف ومكلّف في الحكم الواقعي في البلد الواحد. 2 ـ التمسّك بإطلاق الرؤية للأعمّ من رؤية المكلّف نفسه أو رؤية الآخرين.. وقد يناقش في كلا هذين التقديرين.. أنّ روايات الصوم للرؤية مسوقة لبيان الوظيفة الظاهرية عند الشكّ، وليست بصدد بيان ما يتحقّق به الشهر واقعاً، من حيث كفاية رؤيته في بلد آخر وعدمها، فلا إطلاق فيها من الناحيتين. ويمكن الجواب: بأنّ الحكم الظاهري والوظيفة العملية إنّما يستفاد من مفهوم تعليق الصوم على الرؤية لا منطوقه؛ فإنّه لبيان الحكم الواقعي بتحقّق الشهر برؤية الهلال أو القطع بطلوعه بنحو بحيث يمكن أن يرى، فيمكن أن يكون فيه إطلاق لرؤيته في البلد المختلف معه في الأفق، ويكون هذا إطلاقاً في الحكم الواقعي، لا جمعاً بين الحكم الظاهري والواقعي» (ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 42 ـ 44).

ويمكن أن يناقش:

أوّلاً: إنّ الفرض الأوّل الذي ذكره ـ رحمه الله ـ لا يصلح شاهداً في المقام؛ فلعلّ هناك خصوصيّة لمثل هذه الحالات، وهذا يقع في غير موضع، مثل من صلّى الفجر في برج خليفة في دبي، ثم نزل بسرعة إلى الأرض، قبل أن يخرج الفجر هناك، فيجب عليه الصلاة مرّةً أخرى، مع أنّ الصلوات المفروضة في اليوم والليلة هي خمس فقط، ولهذا نقول بأنّ مثل هذه الموارد القليلة التحقّق، يمكن أن يكون لها حكمٌ خاصّ، فلا نستكشف منها وحدة الحكم بين هذا المكلّف النادر وغيره، وخصوصاً في ذلك الزمان.

ثانياً: إنّه لا يظهر وجود إطلاق في نصوص الرؤية؛ لأنّها ليست في مقام البيان من تمام الجهات، بل هي في مقام البيان من حيث إثبات أصل الرؤية معياراً، في مقابل الحسّاب والمنجّمين والتظنّي وغير ذلك، فلا يحرز انعقاد إطلاق فيها، إلا إذا كانت هناك خصوصيّة مورديّة تستدعي ذلك.

 

6 ـ مرجعيّة العرف في التحديد

ذكر هذا الدليل السيد محمود الهاشمي، فقال: «لو فرض عدم وجود تلك المجموعة من الروايات وفرض عدم الإطلاق في روايات البيّنة أو الرؤية للرؤية في بلد آخر، مع ذلك قلنا: إنّ مقتضى القاعدة هو الرجوع إلى العرف في تشخيص ما هو الشهر القمري وكيفيّة تحقّقه.. ولا شكّ عندنا في أنّ الميزان لتحقّق الشهر القمري عند العرف إنّما هو تحقّق الدورة الجديدة لحركة القمر وسيره حول الأرض، والذي يكون بخروجه من المحاق وظهوره بحيث يكون قابلاً للرؤية على شكل هلال، فإنّه بداية دورته الجديدة ومبدأ احتساب الشهر القمري الجديد عرفاً..» (ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 60 ـ 61).

وما أبعد بين ما أفاده الهاشمي وقرّره السيستاني، فالسيستاني في مقاربته التاريخيّة المتقدّمة يرى أنّ العرف والعادة جارية على أخذ الهلال في البلد نفسه، لا على التوسّع في البلدان، وأنّ هذه كانت عادة العرب قبل الإسلام، وبعكسه تماماً الهاشمي.

من هنا يشكل عليهما بأنّ إثبات عرف بعينه في هذه المسألة يبدو لي صعباً، لا من طرف السيستاني ولا من طرف الهاشمي، والعلم عند الله، وسيأتي ما له صلة.

كانت هذه هي أبرز أدلّة مذهب الخوئي التي طرحها هو أو زادها غيره، بل ستأتي بعض الأدلّة الأخرى في سياق أدلّة الفريق الآخر، فإنّ بعض أدلّتهم فُهمت على أنّها أدلّة لمذهب الخوئي، وليس لخصومه كما أرادوا، فانتظر. وتوجد أدلّة أخرى ذكرت هنا وهناك، لا حاجة للإطالة بها؛ لوضوح ضعفها من غير جهة.

يبقى في نظريّة الخوئي وأمثاله فكرة الاشتراك في الليل، وسوف نتكلّم عنها عند الحديث عن الرأي القائل بكفاية الرؤية في أيّ بلد، بلا حاجة للاشتراك في الليل أصلاً، إن شاء الله.