التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم السابع)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(2 ـ 4 ـ 2026م)
الفصل السادس
ثبوت الهلال
يثبت الهلال بالعلم([1]) الحاصل من الرؤية أو التواتر أو غيرهما، وبالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين. وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع. ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجّمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدلّ على أنّه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوّق الهلال، فيدلّ على أنّه لليلة السابقة([2]).
([1]) ...
([2]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الموضوعات التي ينبغي التعرّض لها ـ ولغيرها ـ ضمن نقاط عدّة:
1 ـ ثبوت الهلال بالعلم والاطمئنان
...
2 ـ مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق
...
3 ـ نقصان شهر رمضان وعدمه، أو الجدال بين مسألة الرؤية ومسألة العدد
...
4 ـ شهادة العدلين
...
5 ـ عدم ثبوت الهلال بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين
..
6 ـ عدم ثبوت الهلال بحكم الحاكم
...
7 ـ شهادة النساء في الهلال
...
8 ـ مديات ثبوت الهلال بقول المنجّمين (الموقف من قول الفلكي أو إثبات الشهور بالحساب والتقدير)
..
9 ـ غيبوبة الهلال بعد الشفق
...
10 ـ رؤية الهلال قبل الزوال
...
11 ـ عدم ثبوت الهلال بالتطوّق
..
12 ـ ثبوت الهلال بالعدّ
..
13 ـ في هويّة الشهر المأخوذ موضوعاً لترتيب الأحكام(الولادة الفلكيّة ـ الظهور والإشراق ـ قابليّة الرؤية..)
...
14 ـ هل شهر رمضان شهرٌ شمسيٌّ أو قمريّ؟
...
15 ـ الرؤية بين العين المجرّدة والعين المسلّحة (الرؤية الآليّة ـ الرؤية الأداتيّة)
اتفق العلماء المسلمون بمذاهبهم على أنّ رؤية الهلال بالعين المجرّدة كافية، لكنّهم اختلفوا في رؤيته بالوسائل الحديثة أو بالعين المسلّحة بشكل عام، فالمعروف هو عدم كفاية رؤيته بالعين المسلّحة في إثبات بداية الشهر، لكن ذهب جمعٌ منهم في العصر الحديث إلى الأخذ بالعين المسلّحة، ومن أبرزهم: السيد محمّد حسين فضل الله، والشيخ فاضل اللنكراني، والسيد علي الخامنئي، والشيخ محمد الصادقي الطهراني، والسيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، والشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني، والسيد كاظم الحائري في تعليقته على الفتاوى الواضحة، والسيد كمال الحيدري، والسيد موسى الزنجاني في رأيه السابق دون اللاحق، كما تبنّاه العديد من فقهاء أهل السنّة في العصر الحديث، ومنهم بعض علماء السلفيّة، وصدرت فتاوى متعدّدة في هذا الصدد من الشيخ ابن باز وابن عثيمين وهيئة كبار العلماء في المملكة العربيّة السعودية، وكذلك مجمع الفقه الإسلامي. نعم استشكل السيد علي الخامنئي في الثبوت برؤية الهلال عبر انعكاس صورته على شاشة الحاسوب (الكمبيوتر)، لعدم إحراز عنوان الرؤية في هذه الحال، كما وافق الشيخ بيات الزنجاني على كفاية ثبوت الهلال للرائي إذا رآه بالعين المسلّحة، وميّز السيد محمود الهاشمي بين المنظار فيمكن اعتماده، والتلسكوب فلا.
وكان للسيد علي الخامنئي في بعض كلماته العامّة المنسوبة إليه تفصيلٌ هنا واستدلال ـ ولا أدري إذا تبنّاه فقهيّاً تماماً أو لا؛ إذ ليس ظاهراً من كتبه الفقهيّة والاستفتائيّة بوضوح ـ وحاصله أنّ النصوص قالت بأنّه لو رآه شخصٌ رآه ألف شخص، فلا بد أن تكون الرؤية متاحة للجميع، وهنا شكّك الخامنئي في اعتبار مثل التلسكوب الدقيق؛ لأنّه غير متاح للجميع، ولعلّ هذا هو مستند تمييز السيد محمود الهاشمي بين المنظار المقرّب والتلسكوب، والله العالم.
وقد أثار الموضوع بعض النقاش خلال العقود الأخيرة، وكتب بعض الفقهاء رسائل أو بحوثاً مستقلّة في الردّ على فكرة كفاية العين المسلّحة، مثل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي وغيره.
أدلّة القول بكفاية العين المسلّحة ومناقشاتها، تحليلٌ وتأمّل
يمكن ملاحظة أدلّة القول بكفاية العين المسلّحة على الشكل الآتي:
الدليل الأوّل: صدق الرؤية على الرؤية بالعين المسلّحة، عرض وتقويم
الدليل الأوّل هنا هو صدق الرؤية على الرؤية بالعين المسلّحة، فتشملها النصوص، فإنّنا لو رأينا شخصاً عبر منظار أو تلسكوب، فإنّه يصدق أنّنا رأيناه وتثبت النتائج المترتبة على الرؤية، فلا فرق بين العين المجرّدة والعين المسلّحة، فالنظر إلى الأجنبيّة بالعين المسلّحة حرام بنفس دليل حرمة النظر؛ وما ذلك إلا لصدق عنوان الرؤية هنا كصدقه هناك، وهذا كافٍ في إمكانيّة الأخذ بالرؤية عبر العين المسلّحة.
مناقشات حول دليل صدق عنوان الرؤية والردود عليها
هذا الاستدلال نوقش بعدّة مناقشات:
أ ـ ظواهر النصوص وقصر الرؤية بالعين المجردة، نقد مناقشة السيد الخوئي
المناقشة الأولى: ما يظهر بشكلٍ مختصر من السيد الخوئي، دون إشارة لهذا الاستدلال بعينه، حيث قال: «العبرة ـ حسب النصوص المتقدّمة ـ بالرؤية وشهادة الشاهدين بها شهادةً حسّيّةً عن باصرة عادية، لا عن صناعة علميّة أو كشفه عن علوّه وارتفاعه في الليلة الآتية. ومنه تعرف أنّه لا عبرة بالرؤية بالعين المسلَّحة المستندة إلى المكبّرات المستحدثة والنظَّارات القويّة كالتّلسكوب ونحوه، من غير أن يكون قابلًا للرؤية بالعين المجرّدة والنظر العادي. نعم، لا بأس بتعيين المحلّ بها ثمّ النظر بالعين المجرّدة، فإذا كان قابلاً للرؤية ولو بالاستعانة من تلك الآلات في تحقيق المقدّمات، كفى وثبت به الهلال» (الموسوعة (المستند) 22: 123).
ولكنّ هذه المناقشة بهذا المقدار ليست سوى ادّعاء، فإنّه كيف عرفنا أنّ النصوص ظاهرة في الباصرة الحسيّة، دون مطلق الرؤية الشامل لمصداقٍ جديد تحقّق اليوم ولم يكن متحقّقاً لهم قبل ذلك؟! وما الفرق بين هذا المورد وسائر الموارد التي ذكرنا بعضها في الدليل؟! هذا ما لم يشرحه لنا الخوئي، ويحتاج لمزيد تعميق وتوضيح.
ب ـ عدم انعقاد الإطلاق لاستحالة التقييد و..، تعليق ونقد
المناقشة الثانية: إنّ هنا فرضين: أحدهما أن يكون المعيار هو الرؤية بالعين المجرّدة، والثاني هو الرؤية بالأعمّ منها ومن المسلّحة، فلو أراد الإمام العين المجرّدة خاصّة، لكان يلزمه التقييد، لكنّ التقييد هنا غير ممكن؛ إذ إنّهم لم يكونوا ليتصوّروا الرؤية بغير العين المجرّدة، فمن عدم إمكان التقييد لا نستطيع الجزم بوجود إطلاق في هذه الحال، إذ لعلّه يريد التقييد لكنّه غير قادر على بيانه.
والجواب: إنّ دعوى عدم القدرة على البيان غير وجيهة هنا؛ إذ بإمكانه ـ ولو في بعض الروايات ـ أن يبيّن أنّ الرؤية تكون ضمن حالاتها الطبيعيّة، فلو كان هناك شخصٌ خارقُ البصر فلا تأخذوا برؤيته لوحده، ولكان الإمام سأل عن حالة بعض الشهود المنفردين فيما إذا كان بصرهم من النوع غير المتعارف، والخلاصة: إنّ إمكانيّة التقييد قائمة، لا من باب بيان الأجهزة الحديثة لهم، بل من باب بيان الحالات النادرة في قوّة البصر والإبصار.
وقد تسأل: هل كونها حالات نادرة له علاقة بالحكم؟ ألا يكفي كونهما عدلين؟ لأنّه وفق ذلك تكون الحسابات الفلكيّة نادرة والتلسكوب العلمي نادر وهكذا.
والجواب: ما نقصده هو أنّ الإمام ولو لم يكن هناك تلسكوب في ذلك الزمان، لكنّه لو كان المعيار هو العين المجرّدة المتعارفة، لكان بإمكانه أن يبيّن ويقيّد بذلك، في مقابل حدّة الإبصار جداً، ولو بنحو الفرضيّة، فلا يكون هناك امتناع تقييد حتى يكون ذلك سبباً في منعنا عن التمسّك بإطلاق الرؤية للشمول للرؤية الحادّة البصريّة أو عبر الآلات.
وقد تقول: إنّه إذا لم يلتزم أحد بعلم الأئمّة بالغيب بالنسبة إلى الأزمنة اللاحقة، وكان يرى كلّ إمامٍ إماماً لزمانه ومتصدّياً لبيان الأحكام وفق مقتضيات عصره، ولم يعتبرهم ـ على ما هو المرتكز في أذهان كثير من الفقهاء والمتشرّعة ـ مشرّعين لحكمٍ أبدي بنحو القانون الدائم، فإن قبول هذه المناقشة يواجه إشكالاً؛ وذلك لاحتمال أنّ وجود أفراد يتمتّعون بقوّة بصرٍ خارقة لم يكن أمراً مبتلىً به ومتعارفاً في تلك الأزمنة، بل كان نادراً، ومن ثمّ لا يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات الشمول؛ إذ إنّ عدم التقييد قد لا يكون ناشئاً عن عدم وجود القيد، بل عن ندرة المقيَّد وعدم كونه مورداً للابتلاء.
ويجاب: بأنّ كلامنا هنا ليس في مقام الحديث عن إمكان أن يُطلق، ولكنّه لا يريد الإطلاق؛ لعدم كونه مبتلى به، بل في مقام القول باستحالة التقييد تمهيداً لاستحالة الإطلاق، على قاعدة أنّ التقابل بينهما هو من نوع التقابل بين العدم والملكة.
وأمّا ما قيل من عدم دلالة عدم القيد على إرادة الإطلاق؛ لندرة الرؤية بغير العين المجرّدة، فهذا لو تمّ، يلزم منه جريانه في عشرات الموارد، فمثلاً الإمام أطلق كلمة «السفر» المنصرف إلى السفر عبر الجمال، وهذا لا يعلم فيه الإطلاق للسفر بغيرها؛ لاحتمال أنّه لم يقيّد؛ لعدم كونهم مبتلين بالسفر بغيرها، وكذلك أطلق تحريم ما سوى الأنعام من الحيوانات، لكنّه لا يريد الإطلاق الشامل لكلّ الحيوانات؛ وسبب عدم تقييده أنّهم في ذلك المجتمع لم يكونوا مبتلين إلا بعشرة أنواع من الحيوانات، فكانت هذه هي المنظورة، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق، وهكذا في سائر المطلقات، فمثل هذا المبنى لو أخذنا به يلزم منه سقوط الإطلاقات في أغلب الموارد اليوم.
لهذا نحن نقول: إنّ الله يعلم الغيب ويعلم بواقع تشريعاته، فيلزمه البيان ولو عبر النبي وأهل بيته، فإمّا أن نقول بأنّه لم يبيّن شيئاً في موردٍ، فلا يكون له حكم فيه، وفقاً لعدم شمول الشريعة، لكن لو بيّن شيئاً ـ وهو هنا معيارية الرؤية ـ وهو يعلم أنّ تشريعاته مستمرّة في امتداد الزمان، فإنّ عدم تقييده عبر القرآن أو السنّة، يكون معناه الإطلاق، ففي الحقيقة نحن هنا لا نعتمد على ظرف الإمام التاريخي ومحدوديّة معلوماته بالمستقبل، بل نعتمد على الإرادة الإلهيّة التي يلزمها تبيين الحكم عبر القرآن أو النبيّ أو الإمام بطريقة تشمل الامتدادات الزمكانيّة.
ج ـ نقد الرؤية بالعين المسلّحة على قاعدة ميقاتيّة الأهلة لعموم الناس، ردّ وتفنيد
المناقشة الثالثة: ما ذكره غير واحدٍ ـ منهم السيد موسى الزنجاني (كتاب الصوم 4: 212)، والسيد علي السيستاني (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 40) ـ من أنّ ظاهر جعل الأهلّة مواقيت للناس والحجّ هو الربط بين الأهلّة وعموم الناس، مما يتطلّب أن تكون معرفتها وتشخيصها ممكنَين لعامّة الناس، لا أن تكون محصورة بفئة خاصّة. ولا يمكن قياس المورد هنا على مثل النظر إلى الأجنبيّة، فإنّ الأحكام من هذه الجهة تنقسم إلى قسمين: أحكامٌ يكون الحكم فيها متعلّقاً بنفس حقيقة الموضوع، كالنظر إلى الأجنبيّة أو التصرّف في مال الغير من دون إذنه، حيث لا فرق بين الأسباب المتعارفة وغير المتعارفة، فالمهم هو تحقّق الموضوع نفسه؛ وأحكام يكون فيها التشخيص المتعارف داخلاً في موضوع الحكم، وهي الأحكام المجعولة لعامّة الناس، كحدّ الترخص؛ فخفاء جدران المدينة ليس أمراً نسبيّاً يختلف باختلاف قوّة البصر، بحيث يكون حدّ الترخص أبعد لمن كان بصره أقوى، بل الميزان هو القدرة المتعارفة العامّة على الرؤية، وبناء على ذلك، تكون رؤية الهلال من هذا القبيل، فالطريق المتعارف مأخوذٌ في الموضوع، فلا تكون الرؤية بالعين المسلّحة حجّة.
ويمكن الجواب:
أوّلاً: إنّ الفرق بين الحالة الأولى والثانية، ليس فيما ذكر من أخذ الرؤية المتعارفة جزءاً من الموضوع، بل الرؤية ليست جزءاً، إنّما أخذت الرؤية طريقاً لتحديد أمرٍ واقعي يقع هو الموضوع الحقيقي، وقد جرى تقديره بالرؤية المتعارفة، بمعنى أنّ حدّ الترخّص، لا علاقة له بالرؤية أساساً، لكن لكي يبيّن الإمام هذا الحدّ وأنّه الابتعاد عن سور المدينة بمسافة كيلومتر واحد تقريباً، اتخذ الرؤية سبيلاً؛ كونها تطابق الحدّ الواقعي الذي هو العنوان المأخوذ موضوعاً في الحكم، ولهذا اتخذ أيضاً طريقاً آخر لإثبات الموضوع نفسه، وهو سماع الأذان، ففي مثل هذه الموارد يفهم العرف أنّ الرؤية والسماع ليسا موضوعين داخلين في حدّ الترخّص، بل حدّ الترخّص هو أمرٌ آخر ثالث وقعت الرؤية والسماع طريقاً لتشخيصه، وحيث إنّنا نعلم أنّ حدّ الترخص هو الانفصال عن البلد بمسافة يصدق عليه أنّه ابتعد عنها، لهذا قدّرنا الرؤية هنا بالرؤية المتعارفة، وقدّرنا السماع بالسماع المتعارف؛ لأنّنا افترضنا في وعينا العرفي أنّه يريد بيان الابتعاد البسيط عن سور المدينة، وهذا ما قلناه أيضاً في بحث صلاة المسافر، فراجع. ومن قرائن ذلك ومنبّهاته أنّه لو لم نأخذ الرؤية والسماع المتعارفين في حدّ الترخّص، للزم عدم الابتعاد عن حدّ الترخّص بالرؤية بالمكبّرات حتى لو تحقّق قطع المسافة الشرعيّة نفسها! وهذا غريب جداً عن المرتكزات العرفية والمتشرعيّة، فمن مثل هذه المنبّهات العرفية نفهم فكرة حدّ الترخّص، ومنها نفهم أنّ الرؤية يقصد بها المتعارفة.
هذا كلّه يعني أنّنا لو أردنا تطبيق هذا الكلام في موضع بحثنا هنا، لزم القول بأنّ رؤية الهلال أخذت طريقاً لإثبات كون الهلال في السماء ظاهراً بحيث بلغت قوّته النوريّة حدّاً بات يُرى بالعين المجرّدة، فيكون هذا هو الموضوع الحقيقي، لا أنّ الرؤية داخلة في الموضوع، بل كاشفة عن نسبة الضوء والإشراق والظهور في القمر المطلوب تحقّقها لدخول الشهر الشرعي.
وهنا يأتي السؤال: كيف نعرف أنّ أحاديث الصوم للرؤية والإفطار للرؤية وقعت طريقاً لإثبات درجة خاصّة من ظهور الهلال، بحيث لا نجد تحقّق هذه الدرجة في الرؤية بالعين المسلّحة؟! ولماذا لا يكون المراد إثبات أصل ظهور الهلال على الأرض، الأمر الذي لم يكن متاحاً لهم إلا بالرؤية بالعين المجرّدة؟ هذا ما كان يلزم على المناقشين هنا بيانُه ولم يفعلوا ذلك، وإلا فالأصل في الفهم العرفي لرؤية الهلال هو صدق عنوان الرؤية المفروض تحقّقه في الرؤية بالعين المسلّحة.
من هنا نعلم خطأ الفكرة التي تقول بأنّ الأخذ بالعين المسلّحة خطأ؛ لأنّ الموضوع ليس جُرم القمر، بل الموضوع هو درجة من نور القمر المنعكس، فإنّ هذا الكلام صحيح في نفسه، لكن ما دامت النصوص ذكرت الرؤية، وهي تشمل العين المسلّحة، فإنّ النصوص بنفسها سوف تكون قد شرحت ـ التزاماً ـ الدرجة المطلوبة من نور القمر، وأنّها التي يمكن من خلالها تحقّق الرؤية مطلقاً، ولو بالأجهزة، فما المانع من ذلك؟!
ثانياً: إنّ مجيء كلمة الناس في آية الأهلّة لا يفيد ذلك، فإنّ المقصود بها إمكان استخدام الناس لهذه الأهلّة لمعرفة المواقيت، وهذا حاصل بالفعل، فكما أنّ أيّ شخص إذا أراد رؤية الهلال يمكنه الخروج إلى مكان مرتفع والاستهلال ورؤية الهلال، كذلك اليوم يمكن لأيّ شخص أن يذهب ويستخدم الأدوات الحديثة، فيكون الرؤية من قبل ألف شخص في العالم بمثابة وسيلة للناس، فاليوم قد توجد مواقع الكترونيّة تعطي بثاً حياً ومباشراً لحالات القمر عبر أجهزة الرصد الحديثة ويمكن لأيّ شخص الدخول ورؤية الهلال وسائر أطوار القمر لحظةً بلحظة أو من خلال تسجيل قبل دقائق (نعم بعضها يعتمد كاميرا CCD)، وهذا يعني أنّ رؤية الهلال بالعين المسلّحة متاح أيضاً ـ ولو في الجملة ـ لكلّ الناس اليوم، فلا يمكن الاستدلال بالآية على شيء هنا، نعم في ذلك الزمان لم يكن هذا الأمر متاحاً لهم، لعدم وجود تطوّر في مجال المناظير والتلسكوبات والبث المباشر وغيرها، أمّا اليوم فهو متاح.
ومن هنا نعلم بأنّ التمييز الذي ذكره السيد محمود الهاشمي والسيد علي الخامنئي ـ فيما نُسب له ـ بين المنظار والتلسكوب غير واضح؛ إذا كان قائماً على فكرة كونه متاحاً للناس وعدم كونه كذلك.
يُضاف إلى ذلك كلّه أنّ تعبير «مواقيت للناس» لا يتضمّن في نفسه أنّ جميع الناس يلزمهم رؤية الهلال، حتى يكون الهلال ميقاتاً لهم، بل يكفي أن يكون بإمكان عشرة في المائة من الناس أن يروه كلّ شهر، والباقي يأخذون برؤية هؤلاء، فتكون الأهلّة عرفاً مواقيت للناس، ولو بهذه الطريقة، فتأمّل جيداً.
وقد تقول: إنّ المراد من كون الرؤية متاحة للناس هو كونها بنحوٍ يكون متاحاً لعامّة الناس في جميع الأزمنة، لا بطريقٍ لم يكن ميسوراً لهم سابقاً، ثم صار في الأزمنة المتأخرة ـ مع تطوّر الوسائل وانتشار التقنيات ـ في متناول الجميع أو أكثرهم؛ إذ نعلم أنّ ملاك أوّل الشهر وآخره أمرٌ واحد لا يختلف باختلاف الأعصار. وبعبارة أخرى: لعلّ مراد المستدلّين هو استدلالٌ مركّب من مقدّمتين: الأولى: إنّ الموضوع هو رؤية تكون ميسورة لعامّة الناس. والثانية: إنّ موضوع إثبات أوّل الشهر وآخره موضوع واحد ثابت؛ فينتج أنّ الطريق المعتبر هو ما كان ميسوراً للناس في جميع الأزمنة، وليس ذلك إلا الرؤية بالعين المجرّدة.
ويجاب: إنّ هذه دعوى لا تستشفّ من كلماتهم، فالعبرة في الآية بكون الرؤية ميسورة، وما دام يصدق عنوان الرؤية على المناظير، فالرؤية اليوم ميسورة، نعم سابقاً لم يكن هذا المصداق من الرؤية ميسوراً، وهذا تماماً مثل أيّ إطلاق ظهر له مصداقٌ جديد، وإلا يلزم تجميد جميع الإطلاقات من هذه الناحية، فالعبرة بأنّ المصداق الجديد ميسور أو لا، كما كان المصداق القديم ميسوراً، أمّا شرط الميسوريّة في تمام الأزمنة والأمكنة فهو خلاف ظاهر الدليل؛ لأنّ النكتة التي أبرزوها هي نكتة المواقيت للناس، وهي متحقّقة في هذا الفرض، فالميقاتيّة متحقّقة في جميع الأزمنة غايته تختلف مصاديقها، وهذا أمرٌ طبيعي.
وقد يتعزّز ـ من باب الجدل ـ ما قلناه هنا بمجمله بأنّ العلماء الذين يتمسّكون بلفظ «للناس» في هذه الآية؛ لإثبات لزوم كون الانتفاع متاحاً لجميع الناس، مع أنّه لا يحرز كون القيد في مقام البيان والاحتراز من هذه الجهة، كيف التزموا بعقيدة الإمام الغائب، مع كونه حجّة الله على الناس، والحال أنّ عامّة الناس لا يتمكّنون من الارتباط به، ولا من الانتفاع المباشر منه؟ ومع ذلك قبلوا في هذا المورد تشبيه الانتفاع به بالانتفاع بالشمس إذا غيّبها السحاب، فجوّزوا تحقّق الحجيّة مع عدم إمكان الوصول المباشر للجمیع، وكذلك في شأن القرآن الكريم، مع أنّهم ملتزمون بكونه «بياناً للناس» كما وصف نفسه، فإنّ الانتفاع به من قبل عامّة الناس الذين ليسوا متخصّصين يتحقّق عن طريق الواسطة، أي بالرجوع إلى أهل الاختصاص من المفسّرين والفقهاء وغيرهم.
د ـ مرجعيّة الانصراف في تكريس حصرية الرؤية بالعين المجردة، مناقشة وتحليل
المناقشة الرابعة: إنّ الظاهر من الروايات ـ بحسب فهمهم آنذاك ـ هو النظر العرفي، فهذا هو المنسبق والمنصرف إليه بمناسبات الحكم والموضوع، ولهذا لو رآه شخصٌ بصره حادّ للغاية، فإنّه لا يكفي في الثبوت، لا لغيره، بل ولا لنفسه؛ لأنّ العبرة بالنظر العرفي، وإلا لو كان مطلق النظر كافياً لجاز لنا القول بكفاية رؤية القمر ولو من خارج الأرض؛ لصدق عنوان الرؤية في هذه الحال، فلو تطوّرت الوسائل بحيث صار بالإمكان تقنيّاً الصعود إلى القمر خلال ساعات قليلة جداً ـ بل هو اليوم ممكن ـ فإنّه يمكن لبعض الأشخاص الصعود ليلة العيد ورؤية الهلال عن قُرب هناك، والنزول عليه، ثمّ العودة وإخبارنا بأنّهم رأوا الهلال! فهل هذا يكفي؟!
والانصراف للمتعارف ليس خاصاً بهذا المورد هنا، بل له تطبيقات كثيرة في النصوص، وقد استعرض بعضها الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ثم ختم مناقشته هذه بالقول: «مضافاً إلى هذه «الموارد الثمانية» فهناك موارد أخرى في جميع أبواب الفقه نرى فيها أنّ كلام الشارع أو لسان الآية أو الرواية مطلق، وقد ذهب الفقهاء إلى انصرافه إلى «الفرد المتعارف»، ومن المعلوم فيما نحن فيه أنّ المعيار في رؤية الهلال الواردة في الروايات المتواترة هي الرؤية المتعارفة، أي بالعين المجرّدة، وأمّا العين المسلّحة فخارجة عن المتعارف وغير مقبولة. ونحن لا يمكننا أن نتوجّه في جميع أبواب الفقه بالنسبة إلى مطلقات الأدلّة إلى الفرد المتعارف، ولكن بالنسبة إلى رؤية الهلال نجعل المعيار والملاك هو الفرد غير المتعارف» (ناصر مكارم الشيرازي، مسائل مهمة حول رؤية الهلال 1: 10 ـ 13).
وقفة مع حالات فهم الانصراف من الدليل وحالات عدم فهمه منه
والجواب: إنّ هذا الموضوع يعتبر ـ بحقّ ـ من المنزلقات المحتملة أثناء البحث الفقهي، ولا يقتصر على هذا المورد الذي نحن فيه، ويجب التأمّل فيه بدقّة عالية وبصورة منهجيّة كلية بعيداً عن المثال هنا، والسؤال: لماذا يفهم الفقهاء في موردٍ الإطلاق للمتعارف وغيره، وفي موردٍ آخر يفهمون الانصراف للمتعارف؟ وما هي العوامل المؤثرة في تنوّع الفهوم هنا؟
هنا حالات، نذكر بعضها:
الحالة الأولى: أن يكون في الكلام قرينة توجب صرف العنوان إلى المتعارف أو توسعة العنوان لغير المتعارف أيضاً، فيكون المرجع في التوسعة والتضييق هو القرينة، وهذا كثيرٌ في الموارد المختلفة.
ومن موارد هذه الحالة ما قلناه آنفاً في مسألة حدّ الترخّص، فإنّ هذه القرائن المحيطة هي التي دفعت لفهم الرؤية المتعارفة في حدّ الترخص، لا أنّ الرؤية هنا انصرفت للمتعارف في نفسها.
ومن الواضح أنّ مورد بحثنا هنا لا يندرج ضمن هذه الحالة؛ إذ لا توجد لدينا قرائن توسعة أو تضييق حسب الفرض.
الحالة الثانية: أن يكون استعمال الناس للمفردة في الفرد المتعارف موجباً لعدم خطور الفرد غير المتعارف في ذهنهم، رغم أنّه موجود ويطلقون عليه بالفعل العنوانَ نفسه، وهذا مثل قولنا: اشترِ لي البيض من الدكّان، فإنّ كلمة البيض تنصرف إلى بيض الدجاج، لا من باب كثرة مصاديق بيض الدجاج قياساً ببيوض سائر الحيوانات، بل من باب كثرة استعمال كلمة البيض في حياتهم وقصدهم منها خصوص بيض الدجاج، فينصرف الذهن لبيض الدجاج في الوقت الذي توجد فيه بيوض أخرى، ويطلقون عليها أيضاً عنوان البيض.
ومن الواضح هنا أن قاعدة الانصراف لكثرة الاستعمال صحيحة، سواء قلنا بأنّ هذا الانصراف أنتج لاحقاً تحوّلاً في المعنى الموضوع له اللفظ أم لا.
ولو قارنّا ما نحن فيه بهذه الحالة لا نجدها تنطبق عليه؛ لأنّ العرف لو قيل له: إذا رأيت الهلال فصم، أو إذا رأيت النجم الفلاني فاذكر الله، فإنّه إذا لم يقم بذكر الله عند رؤية النجم عبر المكبّر والمنظار فإنّهم يؤاخذونه، لأنّهم يرون صدق العنوان هنا، وليس المورد مشابهاً لمورد بيض الدجاج، ولو جاء وقال لهم: إنّني وفيت بنذري أن أذكر الله إذا رأيتُ النجم الفلاني، وقد ذهبت إلى المرصد الفلكي ورأيت النجم بالمكبّر وذكرت الله، فهم لا يستغربون منه، لا لغةً ولا عرفاً.
الحالة الثالثة: وهي عين الحالة الثانية، مع فارق أنّ العرف لا يُطلق العنوان على الفرد النادر، وهنا ينحصر المعنى بالفرد المتعارف أو الفرد العرفي، وهذا له أمثلة كثيرة أيضاً، فمثلاً كلمة «الدمّ» تطلق ويراد منها هذا السائل المعروف، لكن لو غسلنا موضع الدم ثم أجرينا فحوصات مخبرية دقيقة على الموضع، واكتشفنا وجود جزيئات بسيطة دمّيّة لا تُرى بالعين المجرّدة، ففي هذه الحال لو سألنا العرف فإنّه سوف يقول بأنّ هذه الجزيئات ليست دماً في اللغة، ونحن لا نسمّيها دماً، بل قد نسمّيها آثار الدم أو شيئاً منه لا عينه، فهذا الانصراف للدم المتعارف جاء مضارعاً لسلب عنوان الدم عرفاً عما ثبت مخبريّاً أنّه دم، ولهذا لو قلنا للعرف بأنّه يوجد هنا دمٌ لنفى، رغم إعلامه بأنّ الفحص المخبري يُثبت وجود جزيئات من الدم لا ترى بالعين المجرّدة.
ومن الجليّ أنّ مورد بحثنا هنا لا تنطبق عليه هذه الحالة؛ إذ العرف بعد تعرّفه على المكبّرات والأجهزة، لا ينفي صدق عنوان الرؤية، بل يرى انطباقها سلساً ولا يحتاج لأيّ قرينة، ولا يجرؤ على نفي هذا الصدق.
وقد ذكر الشیخ محمد تقي شهیدي ـ على ما نقل لنا عن تقريرات درسه ـ بأنّ ضوء القمر إذا لم يكن يرى بالعين العادية، بل بخصوص الآلات المقرّبة فإنّ العرف لا يطلق على ما يراه اسم الهلال، ولا أقلّ من الشكّ، وهكذا في خسوف القمر وكسوف الشمس؛ إذا قد لا يرى بالعين المجرّدة بل بالتلسكوب، ومع ذلك لا يعبّرون عنه بالخسوف أو الكسوف، وهكذا الزلزلة عندما تشعر بها الأجهزة الدقيقة دون عموم الناس، فلا يسمى زلزالاً، وكذا السمك الذي له فلس، لا يصدق عنوانه إذا كان الفلس يرى بالمايكروسكوب، وهكذا.
ويجاب عنه بأنّ العرف هنا يقول بأنّه رأى الهلال، ويسمّيه هلالاً، ولا يقول إلا أنّني لم أتمكّن من رؤية ما هو هلال إلا عبر المكبّر، تماماً مثل أن يقول بأنّني سمعت صوت فلان في البثّ المباشر على التلفاز، ولم يمكنني سماع صوته إلا عبر التلفاز؛ لأنّه بعيد عنّي، فهناك فرق بين هذه الأمثلة وما نحن فيه يرى العرف صدق الاسم على المرئي، والعرف ببابنا.
الحالة الرابعة: أن يُطلق العرف العنوان ولا يخطر في باله أيّ تحوّل مفهومي للكلمة، غاية الأمر أنّه لم يتخيّل وجود مصداق آخر لهذا العنوان، فعندما يظهر مصداق جديد، ويسأل العرف عنه فهو يقول: إنّه مصداق لهذا العنوان بالفعل، وإنّما لم ينصرف ذهني له، لا لكون اللفظ انصرف للمعنى المتعارف أو للفرد والمصداق الخاصّ، بل لأنّ المعنى هو نفسه ولا يتوفّر لي مصداق آخر حتى أثبت اللفظ له أو أنفيَه عنه.
وهذا مثل موضوع بحثنا هنا وكثير من موارد مستحدثات المسائل، فإنّ الرؤية لا شكّ في صدقها على الرؤية بالواسطة، وهذا يعرفه أيّ شخص عرفي، غاية الأمر أنّهم كانوا يتخيّلون عند حواراتهم صورة الرؤية المتعارفة بالعين المجرّدة؛ لعدم وجود مصداق آخر للرؤية لديهم، لكنّ المفهوم هو عينه لم يتضيّق، ولهذا لو سألتهم حتى في ذلك الزمان وقلت لهم بأنّ الله قوّى بصر نبيٍّ من الأنبياء فجعله يرى ـ وهو في مكّة ـ ما يحدث في الشام، فإنّهم لا يرون مجازيّةً أو غرابة في تعبير الرؤية هنا، وبهذا نوافق ما ذكره الشيخ محمد جواد فاضل اللنكراني من أنّ هناك فرقاً بين المعنى النادر وبين المصداق النادر، فالمعنى من شؤون علاقة اللفظ بالمفهوم، أمّا المصداق فهو من شؤون تنزيل المعنى والمفهوم على الخارج، ولهذا لا يجد أهل اللغة أيَّ إضافة في معنى الرؤية عندما تظهر في حياتهم الرؤية بالمناظير والتلسكوبات.
وغالب الظنّ أنّ الفقهاء الذين ادّعو الانصراف هنا نشأ تصوّرهم هذا من أنّ التوسع في آليات الرؤية يوجب تغيّر فهمنا لواقع بداية الشهر خارجاً؛ فإنّ الرؤية البصرية لو كانت طريقاً لكانت بداية الشهر شيئاً آخر غير تلك البداية المحتملة لو كانت الرؤية بالمنظار هي المعيار، فتأثير كلمة الرؤية توسعةً وضيقاً على نفس بداية الشهر هو الذي دفعهم لادّعاء الانصراف، وإلا فليس هناك انصراف البتّة.
وقد قسّم بعض الفقهاء الانصرافَ إلى انصرافٍ ظهوري وانصرافٍ خطوري، واعتبروا أنّ الانصراف الخطوري لا يكون حجّةً؛ لأنّ سببه يُعدّ أنساً ذهنياً مع مثال معيّن، لا انصرافاً لمعنى خاص، تماماً كما لو أنّ شخصاً يعيش في بلاد النخيل، فإذا سمع لفظ «شجرة» خطرت له صورة نخلة، وشخص آخر يعيش في بلاد التفاح، فإذا سمع نفس اللفظ تخيّل شجرة تفاح، مع أنّ هذا لا يمنع عن صدق اللفظ على جميع الأشجار.
أمّا فكرة الصعود في الأقمار الصناعية ورؤية الهلال من هناك وكذا الصعود للقمر نفسه ورؤيته هناك وما شابه ذلك، مما أفتى بعدم كفايته بعض العلماء، بمن فيهم بعض القائلين بكفاية الرؤية بالعين المسلّحة، مثل الشيخ ابن عثيمين، فهذا راجع لكون المنظور من الرؤية هو الطريقيّة لإثبات شروق وظهور القمر على الأرض لا واقع القمر في السماء، ولهذا كان المعيار هو الهلال، وهو ظهور القمر لأهل الأرض، لا مطلق ظهور القمر ولو لأهل كوكبٍ آخر، فمناسبات الحكم والموضوع هنا واضحة، فلا يصحّ اعتماد موضع خارج الكرة الأرضيّة لإثبات ظهور القمر لأهل الأرض.
هذا، وقد يقال ـ كما ذكره بعضٌ بالفعل ـ: إنّه لو كان الشارع يعتبر الرؤية بخصوص العين المجرّدة شرطاً في ثبوت الهلال، لأكّد ذلك ببيانٍ أوضح وأجلى ممّا هو عليه. وبعبارة أخرى: إنّه لا يمكن الالتزام بأنّ الشارع قد اكتفى بالانصراف في مثل هذا الأمر المهم الذي هو مورد ابتلاء المسلمين في كلّ سنة، بل وفي كلّ شهرٍ من الشهور القمريّة.
ويرد عليه أنّ الانصراف لو تمّ كفى في تحقيق المطلوب؛ لأنّه بنفسه دلالة عرفيّة متكرّرة في مختلف نصوص الرؤية، وكم من مورد لم يبيّنه الشارع يشبه هذا المورد اتكالاً على الانصرافات والقرائن العرفيّة التي هي دوالّ بيانيّة كافية؟!
كما أنّ الإيراد على الانصراف بما ذكره بعضٌ من أنّنا لو قلنا به، لوجب الالتزام بأنّ الرؤية المعتبرة هي خصوص ما كان على سطح الأرض المستوي دون ما كان منه على رأس جبل أو بناية شاهقة، مع أنّه ممّا لا يمكن الالتزام به. نعم، قد ورد النهي في بعض الروايات عن الصعود على الجبل لرؤية غروب الشمس، إلاّ أنّه خارج عمّا نحن فيه؛ لاختلاف الموضوع بين المقامين.
إيرادٌ ضعيفٌ؛ فإنّ بلاد المسلمين ـ بما فيها الجزيرة العربيّة التي تشتمل على جبال يرتفع بعضها أكثر من ثلاثة آلاف متر عن سطح البحر ـ تشتمل على جبال وهضاب ومرتفعات أيضاً، فطيلة زمن النبي وأصحابه وأهل بيته، كان الاستهلال من مستويات أرضيّة مختلفة جداً أمراً شائعاً للغاية، فلا معنى لهذه الدعوى هنا.
هـ ـ دلالة رواية معمّر بن خلاد على حصريّة الرؤية بالعين المجرّدة (نقد كلام السيد الزنجاني)
المناقشة الخامسة: ما ذكره السيد الزنجاني، من الاستناد لرواية معمّر بن خلاد، عن أبي الحسن×، قال: كنت جالساً عنده آخر يوم من شعبان، فلم أره صائماً، فأتوه بمائدة، فقال: «أدنُ» وكان ذلك بعد العصر، قلت له: جُعلت فداك، صمت اليوم، فقال لي: «ولم؟»، قلت: جاء عن أبي عبد الله× في اليوم الذي يشكّ فيه أنّه قال: «يومٌ وفّق الله له»، قال: «أليس تدرون إنّما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان، فصامه الرجل وكان من شهر رمضان كان يوماً وفّق الله له؟ فأمّا وليس علّة ولا شبهة فلا»، فقلت: أفطر الآن؟ فقال: «لا»، قلت: وكذلك في النوافل ليس لي أن أفطر بعد الظهر؟ قال: «نعم» (تهذيب الأحكام 4: 166).
فهذه الرواية تفيد أنّه إذا كان الجوّ صافياً، ولا غيوم، ولا غبار، ولا ظلام يحجب رؤية الهلال، ففي هذه الحال لا توجد أيّ شبهة، فلا يصحّ تطبيق مفهوم يوم الشكّ؛ لأنّ يوم الشكّ مرتبط بظروف خاصة وهي التي يوجد فيها مانع عن رؤية الهلال، وهذا يعني أنّ الإمام يرفض التعامل مع هذا اليوم بوصفه يوم شكّ، مع أنّه إذا كان النظر بالعين المكبّرة أو التلسكوب كافياً لإثبات بداية رمضان، لكان يجب تطبيق مسألة يوم الشكّ؛ لأنّ المراصد القديمة لم تكن متوفّرة، ولم يكن هناك وسائل دقيقة للتأكّد، ومع ذلك قال الإمام بأنّه لا ينبغي تطبيق حكم يوم الشك إلا في الظروف التي تمنع الرؤية بالعين المجرّدة، فلو كانت الرؤية ممكنة بالعين المجرّدة فلا يتم الاحتكام ليوم الشكّ، فيتضح بذلك أنّ معيار رؤية الهلال لتحديد أوّل الشهر هو رؤية الهلال بالعين العادية، ولا يُعتد بغيرها.
والجواب:
أوّلاً: ما ذكره بعضٌ من أنّ من الجائز أنّ الإمام إنّما نفى عنه يوم الشكّ تخفيفاً على المكلّفين وتسهيلاً عليهم ونحو ذلك من المقاصد الشرعية المأخوذة في الكثير من الأحكام الظاهريّة (انظر: محمّد رضا إلهي، بحث فقهي حول رؤية الهلال بالأجهزة الحديثة، ضمن كتاب: جدليّة العلاقة بين الفلك والفقه: 394، وقد نقل هذه المناقشةَ عن الشيخ محمد تقي شهيدي).
ويرد على هذا الجواب ما سيأتي في الإيراد على الجواب الأوّل من أجوبة المناقشة السادسة، فانتظر.
ثانياً: إنّ أصل منهجيّة هذا الإشكال وبناءاته التحتيّة قابلة للنقاش، وهو ما سنوضحه في جوابنا على المناقشة السادسة، فانتظر. هذا فضلاً عن كونها خبراً آحاديّاً منفرداً.
وقد يقال: إذا صحّ الاستدلال بهذه الرواية، وقلنا بأنّها تدلّ على أنّه إذا لم تكن هناك علّة في السماء، فإنّ عدم الرؤية بالعين المجرّدة، ینتفي قطعاً معه احتمال دخول شهر، فلماذا لم يُجز له الإمام الإفطار مع أنّ المفروض أنّ الصوم مستحبّ؟ وبخاصّة أنّ الإمام لم يسأل معمّراً عن كون صومه قضاء أو غيره، من هنا قد يقال بأنّ مراد الإمام أنّ تلك الاحتياطات التي ورد التشجيع عليها في الروايات الأخرى، وأطلق عليها «يوم وفّق له» تتعلّق بالحالات التي تكون فيها علّة في السماء، وأمّا في حالة صفاء الجوّ فلا يسري حكم استحباب الاحتياط، ومع ذلك لم يردّ الاحتياط كليّاً، ولذلك لم يُجز الإفطار.
لكنّهم قد يجيبون بأنّ نهي الامام له عن الإفطار كان لحرمة الإفطار بعد الظهر في الصوم المستحبّ والذي توحيه الرواية نفسها، غايته لها معارض.
و ـ استلزام الرؤية بالعين المسلّحة لبطلان صيام النبي وأهل بيته وفطرهم وحجّهم و..! تعليق ونقد
المناقشة السادسة: ما ذكره غير واحدٍ، مثل السيد السيستاني والشيخ مكارم الشيرازي والسيد موسى الزنجاني وغيرهم، من أنّه إذ صحّ هذا الكلام وأنّه يكفي في الرؤية العين المسلّحة، للزم أنّ جمهور المسلمين منذ عصر النبيّ ـ بمن فيهم النبيّ وأهل البيت أنفسهم ـ كانوا يخطؤون في يوم فطرهم وصيامهم؛ لأنّ الرؤية بالعين المسلّحة تكون متاحةً قبل الرؤية بالعين المجرّدة، وكثيراً ما تكون بيومٍ، ففي الواقع كان عيدهم هو يوم صومهم وهكذا، والأمارة أو الطريق الشرعي، لا يقع فيه الخطأ كثيراً (انظر ـ على سبيل المثال ـ: مكارم الشيرازي، مسائل مهمّة حول رؤية الهلال 1: 14 ـ 16؛ والسيستاني، أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 42).
والجواب:
أوّلاً: ما ذكره بعضٌ من أنّ من الجائز أنّ النبيّ والأئمّة كانوا يلاحظون مصلحة التخفيف على المكلّفين والتسهيل عليهم ونحو ذلك من المقاصد الشرعية المأخوذة في الكثير من الأحكام الظاهريّة، لهذا تركوا إدخالهم في هذا كلّه، وفضّلوا لهم أن يبنوا على المتوفّر في زمانهم (انظر: محمّد رضا إلهي، بحث فقهي حول رؤية الهلال بالأجهزة الحديثة، ضمن كتاب: جدليّة العلاقة بين الفلك والفقه: 394).
وهذا الجواب ينفع في تسهيل النبي وأهل البيت شؤون الناس، حتى لا يوقعوهم في حرج، فلا يطلبوا منهم البناء على العلم الإجمالي التراكمي الذي يظهر لهم عبر السنين في أنّ جملة من أيّام صومهم قد أفطروها، فيجب عليهم القضاء، لكنّ السؤال أنّ هذه المناقشة تستوعب سيرة النبيّ وأهل البيت أنفسهم، ومن غير المعقول أن يكونوا متخفّين لحوالي قرنين ونصف فلا يظهر صومهم ولا فطرهم ولا عيدهم الواقعي على تقدير أنّهم كانوا يبنون على طريقة أخرى، فكيف رتّبوا هم البناء على هذه الطريقة رغم علمهم بأنّها غير مطابقة للواقع؟!
ثانياً: إنّ البناء التحتيَّ لهذه المناقشة هو بناء كلامي لاهوتي، فهو افترض أنّ النبي وأهل بيته يعلمون بالحكم الواقعي المبنيّ على الرؤية الأعمّ من المجرّدة والمسلّحة، ومع ذلك تعاملوا مع العين المجرّدة في زمانهم، مع أنّها لا تطابق العين المسلّحة تماماً، وهنا قالوا بأنّه يلزم أنّ أهل البيت فقدوا ليلة قدرهم وعيدهم ويوم صومهم وفطرهم ويوم حجّهم وعمرتهم وغير ذلك، وهذا غير معقول! وهذا الاستدلال بعينه تكرّر في أكثر من موضعٍ في فقه الهلال، ومنها ما سيأتي في مسألة وحدة المطالع واختلافها.
غير أنّ الصحيح أنّ الأخذ بالعين المسلّحة لا يوجب العلم بعدم التطابق بينها وبين العين المجرّدة، ففي بعض الأحيان يثبت الهلال بالعين المسلّحة ولا يثبت بالمجرّدة، وفي بعض الأحيان يثبت بهما معاً، وفي بعض ثالث لا يثبت بهما معاً، وهذا معناه أنّه لا يُحرز أنّ العمل على العين المجرّدة يوجب فقدان العيد وغيره، بل يفتح على احتمالات، وعليه فلعلّه لا يجب أخذ مثل هذه الاحتمالات، ولو التي تراكمت فكوّنت علماً إجماليّاً لاحقاً بعدم التطابق في بعض السنين الماضية، ومعه فأيّ مشكلة في أن تكون وظيفة النبي وأهل بيته هو العمل بما هو من علوم عصرهم وإمكاناته، وعدم مراعاة الاحتمالات الأخرى تسهيلاً على أنفسهم وعلى غيرهم، وعملاً بقاعدة مفترضة وهي أنّنا مسؤولون عن إمكاناتنا لا عن الواقع.
وأمّا صيغة التهويل في هذا الدليل بأنّ النبيّ وأهل بيته فقدوا صومهم وعيدهم وغير ذلك، فهو غير دقيق بنحو مطلق. ولم يثبت لدينا أنّ النبي وأهل بيته يعلمون الغيب بنحو مطلق، بل حتى لو كانوا يعلمونه، فلم يثبت أنّ بناء حياتهم كانت على علومهم الغيبيّة والمتعالية عن أدوات زمانهم في معرفة الواقع، بل وجدناهم ـ وهذه هي سنتهم وسيرتهم ـ يعملون على الظاهر، كأيّ إنسانٍ آخر في يوميّاتهم وحياتهم، ولا يلزم أن ينالوا الواقع في كلّ سلوكٍ يفعلونه، وإلا لم يعقل أن يقضي النبيُّ بين الناس بالأيمان والبيّنات.
وبهذا يظهر حتى الآن أنّ الدليلَ الأوّل الذي استند إليه القائلون بكفاية العين المسلّحة، وهو صدق العنوان الوارد في النصوص، راجحٌ ويبدو تامّاً.
الدليل الثاني: خبر عليّ بن جعفر في اعتبار البصر الحادّ في إثبات الهلال، شرح وتعليق
ثاني الأدلّة هنا هو خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر×، قال: سألته عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحدَه لا يبصر (يبصره) غيره، له أن يصوم؟ قال: «إذا لم يشكّ فيه فليصم، وإلا فليصم مع الناس (إذا صاموا)» (مسائل علي بن جعفر: 149 ـ 150؛ وتهذيب الأحكام 4: 317). فإنّها إن لم تكن ناظرة لخصوص صاحب البصر الحادّ، بقرينة «لا يبصره غيره» وليس «لم يبصره غيره»، فعلى الأقلّ تكون شاملة له (انظر ـ على سبيل المثال ـ: محمود الهاشمي، ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 64 ـ 65).
لكن يمكن أن يناقَش بأنّ الحديث لا يُفهم منه أنّ هذا الشخص له نظرٌ حادّ يفوق الحالة الطبيعيّة بمراتب، بل الظاهر أنّه اتفق أن رآه هو ولم يره غيره، وربما يكون نظره أقوى من نظر غيره بمستوى متعارف من الأقوائيّة، كما هو السائد في مستويات نظر الناس، فلا وضوح ولا حيثيّة إطلاق في هذه الرواية تشمل مورداً قريباً لما نحن فيه، فضلاً عن أن يكون مطابقاً له؛ إذ لا توجد عين بشريّة قوّتها قوّة الأجهزة الحديثة. نعم لا مانع من نوع تأييدٍ في هذه الرواية، وبخاصة أنّه خبر آحادي منفرد.
بل ربما يقال: إلى أيّ مدى يمكن الاعتماد في التحليل والتفصيل على مثل هذه الدقائق اللفظيّة، كالتفريق بين «لم يُبصر» و«لا يُبصر» في الروايات التي وصلت إلينا، وبخاصة على قاعدة النقل بالمعنى؟!
نتيجة البحث في كفاية العين المسلّحة
بعد صحّة الدليل الأوّل العمدة هنا لصالح القول بالعين المسلّحة، مع تأييده بالدليل الثاني، ينتج عن ذلك ـ من خلال ضمّ هذه النتيجة إلى ما توصّلنا إليه في معيار بداية الشهر نفسه في لوح الواقع الشرعي ـ أنّ بداية الشهر هي ظهور الهلال بعد خروج القمر من الاقتران (المحاق)، بحيث يُشرق الهلال على الأرض، فيكون قابلاً للرؤية منها، رؤيةً أعمّ من المجرّدة والمسلّحة.
ولا فرق في كفاية العين المسلّحة بين كفايتها للرائي نفسه، وكفايتها له ولغيره، فلو شهد الشهود بالرؤية بالعين المسلّحة أو قامت الشهادة العلميّة القطعيّة بإمكان الرؤية بهذا المعنى، ثبتت بداية الشهر للجميع.
ضرورة التمييز بين نوعين من الأجهزة الحديثة في الرؤية
ولا بدّ من التمييز هنا في العين المسلّحة بين:
أ ـ الأجهزة البصريّة المباشرة (المنظار الثنائي ـ المكبّر ـ التلسكوب أو المقرّب البصريّ وغير ذلك) مما ينعكس أو ينكسر فيه الضوء المنعكس من سطح القمر في العدسة الشيئيّة أو المرايا أو غيرها، فيتركّز على عين الناظر نفسه في العدسة التي يطلّ من خلالها، فهذا يجزئ.
ب ـ أجهزة أو أنظمة الالتقاط الرقمي (CMOS – CCD)، وهي التلسكوبات المتطوّرة للغاية ونظام كاميرا أو حسّاس أو مجسّ CCD التي تأخذ الضوء الآتي من الهلال، لكنّها تقوم بمعالجته الكترونياً، عبر إشارات كهربائيّة، ثم صناعة صورة رقميّة له على شاشة الحاسوب، فهذا لا يصدق عليه عرفاً عنوان رؤية الهلال، فلا يكفي.
من هنا، فالمسألة ليست في التمييز بين التلسكوب بعنوانه والناظور كذلك، فالناظور أيضاً ذو عدستین تعطيان مساحة أکثر بما يسمّى بمجال البصر (field of view)، بل يفترض أن تكون مسألة آلية عمل الجهاز الذي يعطيني الصورة التي أراها، فإذا كانت آليّته إيصاليّة طريقيّة ولو بالمساعدة، مثل الناظور العادي البسيط أو النظّارات التي يضعها ضعيف البصر، فهذا يصدق عليه الرؤية، وأمّا إذا كانت الآليّة إيجاديّة، بمعنى إيجاد صورة، ثمّ أنا أرى الصورة التي تمّ إيجادها وخلقها، مثل كاميرات (CCD)، فهنا يشكل صدق عنوان الرؤية، فالتفصيل في الحقيقة في نوعيّة الجهاز وطريقة عمله، وهنا نطبّق هذه القاعدة على التلسكوب والمناظير وغيرها، فمثلا بعض الأجهزة تقوم بأخذ عشرات الصور، ثمّ تدمجها وتكثّفها معاً، فتظهر صورة جليّة للهلال لنا، وهذا ليس رؤية الهلال.
