hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم الرابع)

تاريخ الاعداد: 3/19/2026 تاريخ النشر: 3/19/2026
80
التحميل

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(12 ـ 3 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

يثبت الهلال بالعلم([1]) الحاصل من الرؤية أو التواتر أو غيرهما، وبالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين. وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع. ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجّمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدلّ على أنّه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوّق الهلال، فيدلّ على أنّه لليلة السابقة([2]).


([1]) ...

([2]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الموضوعات التي ينبغي التعرّض لها ضمن نقاط عدّة:

 

1 ـ ثبوت الهلال بالعلم والاطمئنان

...

2 ـ مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق

...

3 ـ نقصان شهر رمضان وعدمه، أو الجدال بين مسألة الرؤية ومسألة العدد

...

4 ـ شهادة العدلين

...

5 ـ عدم ثبوت الهلال بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين

..

6 ـ عدم ثبوت الهلال بحكم الحاكم

...

7 ـ شهادة النساء في الهلال

...

8 ـ مديات ثبوت الهلال بقول المنجّمين (الموقف من قول الفلكي أو إثبات الشهور بالحساب والتقدير)

نفى السيد الماتن ككثيرٍ من الفقهاء غيره من جمهور علماء السنّة والشيعة، ثبوت الهلال عبر قول المنجّمين، وظاهر عبارته عدم الفرق بين إفادة قولهم للعلم أو عدمه، ويظهر من آخرين التصريح بأنّ نفي حجيّة قول المنجّم إنّما جاءت لكون قوله لا يفيد العلم، وبهذا لا يعلم النقطة المركزيّة لجميع العلماء في نفي حجيّة قول المنجّم هنا: هل هي ظنيّته التي لا دليل على اعتبارها بخصوصها أو وجود دليل خاصّ يُسقط قوله عن الحجيّة حتى لو أفاد العلم بوجود الهلال في السماء، انطلاقاً من أنّ معلوم هذا العلم ليس هو موضوع الحكم الشرعيّ؟

وليس المراد بالمنجّمين هنا من يُتعارف اليوم بين الناس تسميتهم بهذا الاسم، وهم الذين يتنبّؤون بالمستقبليّات أو يتكلّمون عن الأبراج الفلكيّة ونحو ذلك، كما ليس المراد تلك العقائد المرتبطة بالنجوم والتي فيها شبهة الشرك أو نحو ذلك، ولا الإخبار بالمستقبل اعتماداً على النجوم وحركاتها، مما سيأتي الحديث عنه عند التعليق على (المسألة رقم: 25) من الجزء الثاني من المنهاج. وإنّما المراد ـ حسب الظاهر ـ هم الفلكيّون وعلماء الهيئة الذين يعتمدون الحساب في إثبات بدايات الشهور ونهاياتها.

والتحقيق هنا أنّ الفلكي إذا أخبر فما هو مضمون إخباره؟ إذ الموقف من قول الفلكي هنا تابع للموقف من مضمون خبره؛ انطلاقاً من مدى مطابقة مضمون خبره للمعيار الذي وضعته الشريعة لبدايات الشهور، فما هو المعيار؟ هل خروج القمر من المحاق مطلقاً (ولادة القمر)، أو خروجه بحيث صار هلالاً مشرقاً على الأرض مطلقاً أو خروجه مع إشراقه على الأرض بحيث يكون قابلاً للرؤية (ظهور الهلال) ـ بصرف النظر عن القابلية بالعين المجرّدة أو المسلّحة ـ أو غير ذلك؟ وعلى هذا الأساس نقول:

1 ـ إذا أخبر الفلكيّ بأنّ القمر خرج من المحاق، أو ما يسمّيه بعضهم بالولادة الفلكيّة، وقلنا بأنّ الولادة الفلكية هي معيار بداية الشهر شرعاً، فهنا إن أفاد قول الفلكيّ اليقينَ والاطمئنان كفى، وإلا فلا، أمّا لو قلنا بأنّ بداية الشهر شرعاً ليست هي الولادة الفلكيّة للهلال، بل ظهور واقع الهلال للأرض وإشراقه عليها، فهنا لا ينفع قول الفلكي بثبوت الولادة حتى لو أفاد اليقين؛ لأنّ متيقَّنه ليس هو موضوع الحكم الشرعي من الأوّل.

2 ـ إذا أخبر الفلكي بأنّ القمر خرج من المحاق وأنّه أشرق على الأرض، أي بعث بضوئه إليها، لكن مستوى الإضاءة لا يسمح برؤيته لأهل الأرض، فهنا إن قلنا بكفاية الولادة الفلكيّة أو قلنا بكفاية مطلق الإشراق على الأرض وكان قول الفلكي مفيداً لليقين بذلك، كفى وثبت الهلال، وإلا فلا.

وعلى هذا المعيار تكون سائر الصور بما لا حاجة للإطالة به، فمحور الحديث يجب أن يكون دائراً مدار أنّ الشريعة هل سلبت الحجيّة عن قول المنجّم أو الفلكي مطلقاً أو لا؟ لكن سيأتي موضوعٌ له أهميّة قصوى هنا، ويترك تأثيره على حركة الاعتماد على قول الفلكي ودائرتها، وهو: ما هو موضوع الحكم هنا أساساً؟ بمعنى ما هو الشهر الذي بنت عليه الشريعة؟ هل مطلق ما يسمّيه بعضٌ بالولادة الفلكيّة للقمر أو مع تبلور الهلال مع مطلق الإشراق، أو مع الإشراق بحيث يُرى الهلال ولو بالعين المسلّحة، أو مع الإشراق بحيث يرى حصراً وفعلاً بالعين المجرّدة (مسلك الموضوعيّة التامّة للرؤية) أو غير ذلك؟ وسيأتي إن شاء الله.

 

أدلّة عدم الاحتجاج بقول الفلكيّين، عرضٌ وتحليل ومناقشة

ذهب العديد من الفقهاء إلى عدم الاعتداد بقول الفلكيّين، واستدلّوا لذلك بعدّة أدلّة، أهمّها:

 

أ ـ دعوى حصريّة الطرق في النصوص، ردّ ومناقشة وإثبات طريقيّة الرؤية

الدليل الأوّل: ما ذكره غير واحدٍ ـ كالسيد الخوئي ـ من أنّ النصوص متطابقة على حصر طريق ثبوت الهلال بأحد أمرين: الرؤية، الأعمّ من رؤية الشخص بنفسه أو بغيره، أو عدّ ثلاثين يوماً، فالثبوت بغيرهما يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، وبهذا لا يثبت دليل على حجية قول المنجّم (انظر: الموسوعة (المستند) 22: 91).

ويمكن الجواب عنه بأنّ الرؤية وعدّ ثلاثين يوماً ليست إلا طرقاً لإثبات شيء وراءها، فالرؤية من العناوين الطريقيّة للمرئيّ، وقد استخدمت في الكتاب والسنّة عشرات المرات بهذا المعنى، وإلا فذات الرؤية في عينها ليست موضوعاً لإثبات شيء هنا، بحسب مناسبات الحكم والموضوع العرفيّة؛ لأنّ الرؤية تؤخذ لإثبات ظهور القمر في السماء، وهذا هو المفهوم منها عرفاً وعقلائيّاً، بدليل أنّ الشريعة جعلت الثلاثين يوماً ـ بل وأمور أخرى وقع نقاش في معياريّتها ووافق الماتن على بعضها، وستأتي ـ وسيلة كذلك في إثبات الشهور، مما يعني أنّ نصوص الجمل الشرطيّة التي قالت: إذا رأيت الهلال فصم، أو صم للرؤية وأفطر للرؤية وما شابه ذلك، يُراد منها الرؤية بوصفها طريقاً قطعيّاً للثبوت، لا أنّ لها خصوصيّة موضوعيّة.

وبناءً عليه، فإذا أثبت الفلكيُّ أنّ الهلال في السماء، بحيث لو تمّ الاستهلال لرؤي، فيكون قوله إمّا مفيداً للعلم بذلك أو للظنّ أو للاحتمال، فإن أفاد العلم كفى وثبتت له الحجيّة في إثباته ما جُعلت الرؤيةُ طريقاً لإثباته، وهو وجود الهلال في السماء وإشراقه، بحيث يُرى لأهل الأرض، وإن أفاد الظنّ فعلى مباني بعضهم يمكن الأخذ بقوله في ذلك من باب حجيّة قول أهل الخبرة، وهم يلتزمون بحجيّة قول أهل الخبرة حتى لو أفاد الظنّ، وإن كنّا لا نرى ذلك، وعليه فدعوى أنّ المنجّم أو الفلكي لا حجيّة لقوله مطلقاً؛ لانحصار الطريق بهذا أو ذاك غير صحيحة، نعم لو لم يُفد قوله إلا الاحتمال أو الشكّ فلا يكفي؛ لعدم الدليل على حجيّة قوله في هذه الحال.

ولعلّ ما يفسّر أكثر التركيز على الرؤية، وبخاصّة في القرن الأوّل الهجري، هو ما يدلّنا عليه مثل خبر ابن عمر، عن النبيّ‘، أنّه قال: «إنّا أمّةٌ أمِّيَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا يعني مرّة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين» (صحيح البخاري 2: 230؛ وانظر: صحيح مسلم 3: 124)، فهذه الأمّة أميّة لا تعتمد الحساب، لهذا كانت الرؤية بالنسبة لها هي المعيار الأكثر شيوعاً، بل والأقرب للتيسير، حيث من النادر وجود علماء متخصّصين في الفلكيّات يمكن الوثوق بهم، ويتوفّرون في مختلف المناطق والبلدان، على خلاف الحال اليوم. واعتماد العرب على القمر لا على السنة الشمسيّة ربما يكون لهذا السبب أيضاً، ولأنّ القمر في شبه الجزيرة العربيّة في تلك العصور كان غالباً واضحاً يظهر للعيان في السماء، فكان أسهل وأقرب تناولاً من غيره.

وربما لهذا ورد التعبير في رواية الفضل بن عثمان، قال: قال أبو عبد الله×: «ليس على أهل القبلة إلا الرؤية، ليس على المسلمين إلا الرؤية» (الكافي 4: 77؛ وانظر: تهذيب الأحكام 4: 158)، وكأنّه لا يريد منهم أن يبحثوا ويتجشّموا عناء إثبات الشهر، بل الطريقة الأسهل للإنسان العادي هي الاستهلال.

كما يؤيّد أنّ النظر للرؤية نظرٌ طريقي في مقابل التخمينات، خبرُ محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر×، قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظنّي..» (الكافي 4: 77)، وأوضح منه خبر رفاعة، عن أبي عبد الله×، قال: «صيام شهر رمضان بالرؤية، وليس بالظنّ. وقد يكون شهر رمضان تسعة وعشرين ويكون ثلاثين يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان» (الاستبصار 2: 63)، وكذا خبر إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله×، أنّه قال: «في كتاب عليّ×: صم لرؤيته وأفطر لرؤيته، وإيّاك والشكّ والظنّ، فإن خفي عليكم فأتمّوا الشهر الأوّل ثلاثين» (تهذيب الأحكام 4: 158)، ويؤيّده خبر علي بن محمد القاساني، قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشكّ فيه من شهر رمضان، هل يُصام أم لا؟ فكتب×: «اليقين لا يدخل فيه الشكّ، صم للرؤية وأفطر للرؤية» (تهذيب الأحكام 4: 159)، فإنّ قرينة المقابلة في هذه النصوص واضحة في أنّ الأمر لا يقوم على مجرّد التخمينات والاجتهادات الشخصيّة، بل على اليقين والقطع والسبل المؤكّدة، ومن خلال سائر الروايات نفهم أنّ المراد بكلمة «الرأي» في خبر محمّد بن مسلم ما هو من هذا القبيل لا ما يشمل العلم، خلافاً لما فهمه السيد محمد حسين الحسيني الطهراني في حواريّته مع السيد الخوئي. بل إنّ ما قلناه سابقاً في موضوع الرؤية، من أن لا يكون هناك معارضة حكميّة للبيّنة، قد يعزّز أنّ المسألة ليست مسألة الرؤية في نفسها، بقدر ما هي مسألة أن تثبت الرؤيةُ وجود القمر في السماء مشرقاً على الأرض.

وربما يتأيّد ما نقول أيضاً بأنّ العديد من الفقهاء عبّر بأنّ الله جعل علامات دخول الشهر رؤية الهلال، فرؤية الهلال علامة دخول الشهر، مما يكشف عن كونها طريقاً (لاحظ: رسائل الشريف المرتضى 3: 54؛ والطوسي، النهاية: 151؛ وغيرهما).

يقول السيد محمد محمد صادق الصدر: «المهم في نظر الإمام× هو عدم الاعتماد على الشكّ، فما دام الشكّ متحقّقاً في حسابات الفلكيّين لم يكن للناس اتباعهم بطبيعة الحال، وإنّما يجب الاعتماد على الرؤية، فإذا فهمنا من الرؤية ـ بعد التجريد عن الخصوصيّة ـ العلم بوجود الهلال بالحجم المرئيّ، كان هذا العلم حجّة مهما كان مصدره، ولا معنى للنهي عن العلم كما ثبت في علم الأصول» (ما وراء الفقه 2: 163).

واللافت أنّ السيد الخوئي نفسه في مراسلاته مع العلامة الطهراني حول مسألة الرؤية يقرّ بأنّها ليست مأخوذة على نحو الموضوعيّة، فيقول: «إنّ عنوان الشّهر الذي أنيط به الحكم بوجوب الصّوم، أمر عرفيّ، وليس من مستحدثات الشّارع، ومن الواضح أنّ الشهر عند العرف أمر واقعي، وليس للرّؤية دخل فيه إلَّا بنحو الطَّريقيّة المحضة. فلو أريد الدّوران مدار الرؤية، كان لا بدّ من الالتزام بأنّ الحكم الشّرعيّ بوجوب الصّوم قد أخذ في موضوعه ثبوت الشّهر والعلم به عن طريق الرّؤية مثلاً. وهذا بنفسه بعيد عن مساق أدلَّة الصّوم الظَّاهرة في ترتيب الصّوم على نفس الشّهر على حدّ سائر الأحكام الشّرعيّة المترتّبة على الأهلَّة والشّهور.. حمل الرّؤية على الطَّريقيّة المحضة، لا يعني أن يكون الميزان واقع خروج الهلال عن تحت الشّعاع أو المحاق كما أفيد، بل هناك مطلب ثالث عرفيّ ومطابق أيضاً مع ما هو المستفاد من أدلَّة الباب، وهو أن يكون الشّهر عبارة عن بلوغ الهلال في الأفق مرتبة يمكن للعين المجرّدة رؤيته، وهذا غير أخذ الرّؤية أو العلم موضوعاً، بل الرّؤية ليست إلَّا طريقاً إلى إحراز هذه المرتبة في تكوّن الهلال وظهوره في الأفق..» (رسالة في ثبوت الهلال: 119: 120).

وكلامه دقيق، بل في هذا الكتاب ذكر شواهد لصالح الطريقيّة، ويلزم عليه إمكان الأخذ بأيّ وسيلة يمكنها إثبات إشراق الهلال على الأرض بشكل يكون قابلاً للرؤية، فمن الغريب ما ورد في استفتاءاته حيث قال عندما سئل عن حسابات الفلكيّين لو أورثت الاطمئنان: «لا أثر للاطمئنان بتولّده، بل ولا للاطمئنان بقابليّته للرؤية، بل لا بدّ من الرؤية خارجاً وثبوتها للمكلّف» (صراط النجاة 1: 132)، رغم أنّ هذا الاستفتاء لا يبدو متوافقاً مع استفتاءٍ آخر له جاء فيه: «س: يشترط في ثبوت الشهر رؤية الهلال بالعين، فلو كان هناك مانع يمنع من رؤيته بالعين، ولا يمنع من رؤيته بالمجهر، كالدخان أو الغيم، أو الغبار، أو موانع أخرى، فهل تثبت رؤيته بالمجهر في هذا الحال؟ الخوئي: إذا كان بحيث لولا المانع يُرى عادياً، فيكفي، وإذا كان لا يرى عادياً إلا بالمجهر فلا يكفي، والله العالم» (صراط النجاة 3: 106)، فإنّ هذا معناه أنّ الرؤية فعلياً ليست مطلوبة، بل إمكانها لولا المانع، فلو علمنا من قول الفلكي إمكان الرؤية كفى، إلا إذا خصّص الخوئي المسألة بصورة وجود المانع؛ لفهمٍ خاصّ منه للنصوص.

ومثل الخوئي السيدُ السيستاني، حيث قال: «لا أثر للاطمئنان بتولّد الهلال، ولا أثر كذلك للاطمئنان بكون الهلال قابلاً للرؤية، بل لا بدّ من ثبوت الرؤية الفعليّة منك أو من غيرك عندك..» (الفتاوى الميسّرة: 403)، وإن ناقض جوابُ السيستاني هنا جواباً آخر له قال فيه: «إذا حصل العلم أو الاطمئنان بكون الهلال موجوداً على الأفق بنحوٍ يمكن رؤيته بالعين المجرّدة من إخبار الفلكي بذلك أو من غيره من الأمارات الموجبة لذلك عمل بالعلم والاطمئنان، أمّا الظن فلا عبرة به..» (رؤيت هلال 2: 1086).

 

ب ـ دعوى عدم إفادة قول الفلكي للعلم، ردّ ومناقشة

الدليل الثاني: ما ذكره غير واحدٍ من الفقهاء ـ ومنهم السيد الماتن في بحوثه ـ من أنّ قول المنجّم لا يفيد إلا الظنّ، والظنّ ليس بحجّة إلا ما خرج بالدليل ـ كما في باب إثبات القبلة ـ وليس هذا منه.

قال المحقق الحلي: «ولا اعتبار بالجدول؛ لأنّ أصل ذلك مأخوذ من الحساب النجومي في ضبط مسير القمر، واجتماعه بالشمس، ولا يجوز التعويل على قول المنجّم؛ لأنّه مبنيٌّ على قواعد ظنيّة، مستفادة من الحدس الذي يخطئ أكثر مما يصيب» (المعتبر 2: 688). وقد صنّف بعض المعاصرين ـ وهو الشيخ محمّد سند ـ كتاباً صغيراً تجشّم فيه عناء إثبات أخطاء الفلكيّين وبعض الأمور التي توجب الشكّ في قولهم.

ويناقَش بأنّ قول الفلكي أوّل الكلام أنّه لا يفيد إلا الظنّ، ففي بعض الموارد وإن أفاد الظنّ لكن في موارد كثيرة جداً يفيد اليقين، كما في معرفة أوقات الصلاة، وغير ذلك الكثير، فلو حصل للفلكيّ يقينٌ، وحصل من قوله يقين، فلماذا لا يمكن البناء على قوله؟ والعلوم الفلكيّة تطوّرت اليوم تطوّراً مذهلاً بحيث وإن كانت هنا مساحة اختلاف بين مبانيهم الفلكيّة، لكن ثمة قدر مشترك يتفق عليه الجميع يوجد يقينٌ به، فليكن هذا القدر المشترك مما يثبت حجيّة قول الفلكي فيه، وبعبارة أخرى: دعواهم أنّ قول الفلكي لا يفيد إلا الظنّ تشخيص موضوع، بل يوكل أمرها للمكلّف، بل قلنا بأنّه لا يبعد صدق عنوان أهل الخبرة عليه بحيث يكفي فيه الظنّ ولو في بعض الموارد وفقاً لمباني بعضهم.

وغالب الظنّ أنّ الفقهاء عبر التاريخ كانوا يتعاملون مع قول الفلكيّين من موقع الظنون في تحديد بدايات الشهور، وهذا ربما يكون نتيجة قناعاتهم في تلك الأزمنة، وإن خطّأ الشيخُ البهائي بعضَ الفقهاء في موقفهم السلبيّ من نتائج قول أهل الهيئة (انظر له: الحبل المتين في إحكام أحكام الدين 2: 242 ـ 244، وإن كان سياق كلامه في مجال معرفة القبلة)، أمّا اليوم فالأمور مختلفة تماماً، ولا ندّعي أنّ كل ما يقوله الفلكيّون قطعيٌّ يقيني، فهذا ما لا يدّعونه هم أنفسهم، بل بينهم مساحات غير قليلة من الاختلاف والمباني والأصول (لاحظ ـ على سبيل المثال ـ اختلاف معيار يالوب عن معيار عودة)، لكن لو أخذنا بمعاييرنا الشرعيّة وعرضناها عليهم، يمكن الأخذ بشيءٍ يمثل قدراً متيقّناً بأنّ الهلال موجودٌ في الأفق قابلٌ للرؤية في هذا الوقت أو ذاك ما داموا ثقاتاً ولم تتعارض أقوالهم فيما بينهم.

كما أنّ مجرّد وقوع الفلكيّين في بعض الأخطاء وبخاصّة تلك الناتجة عن أمور حدسيّة، لا يعني عدم حصول الوثوق من قولهم، فإنّ البيّنات العادلة واجتهادات الفقهاء أيضاً كلّها يمكن أن يقع فيها أخطاء هنا وهناك ـ كالخدع البصريّة والتلوّث الغباري والدخاني والأقمار الصناعيّة والأضواء وغيرها عناصر تضليل للرؤية اليوم، وقد كتبت حول ذلك دراسات ميدانيّة ـ ولا يوجب ذلك سلب الحجيّة عنها أو الوثوق، بل في المقابل هناك الآلاف من التنبؤات التي قالها الفلكيّون وحدثت بالفعل، فكيف يمكننا تقويم المشهد بطريقة مجتزأة؟!

 

ج ـ الروايات الخاصّة النافية لحجيّة قول الفلكي، عرضٌ وتحليل ونقد

الدليل الثالث: النصوص الخاصّة، وهي:

الرواية الأولى: خبر محمّد بن عيسى، قال: كتب إليه أبو عمرو (عمر): أخبرني يا مولاي، إنّه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان، فلا نراه، ونرى السماء ليست فيها علّة، فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قومٌ من الحُسّاب قِبَلَنا: إنّه يُرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس، فهل يجوز ـ يا مولاي ـ ما قال الحسّاب في هذا الباب، حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع×: «لا تصومنّ الشكّ، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته» (تهذيب الأحكام 4: 159).

وقد تمّ تصحيح الحديث ولو على قاعدة أنّ محمّد بن عيسى يشهد برؤيته للتوقيع ولو لم نعلم من هو أبو عمرو أو أبو عمر، لكن عندي توقّف في طريق الطوسي إلى الصفار.

والصحيح أنّ السائل هنا لما سمع بما قاله الحُسّاب، نتج عنده أنّ الهلال عندنا لم نتحقّق من رؤيته بل هو قد أشكل علينا، بينما يرى الهلال في الأندلس وأفريقية، فالمفروض أنّهم يصومون، وهذا يعني اختلاف يوم صومنا عن يوم صومهم ويوم فطرنا عن يوم فطرهم، فهل هذا معقول؟ ومن ثمّ فهل يصحّ ما قاله الحسّاب من أنّه يرى في مكان ولا يرى في مكان آخر؟ فسؤال السائل عن تشخيص الحساب للموضوع ومدى كونه ذا قيمة هنا، والظاهر أنّ جواب الإمام يريد صرفه إلى النتيجة مباشرةً، فحيث إنّه أشكل عليه اليوم كما جاء في مطلع الرواية، والحال أنّه لا علّة في السماء، ومع ذلك لم يرَه أحد، فإنّ الإمام قال له إنّه حيث لم يُرَ الهلال عندكم، فهذا يعني أنّ هذا اليوم هو يوم شكّ بالنسبة إليكم، فيحتمل أنّه من رمضان ويحتمل أنّه من شعبان، فلا تصومَنّ يوم الشكّ، والمراد لا تصمه على أنّه من رمضان، وإنّما يحقّ لك صومه كذلك عندما يحصل لديك رؤية، لا عندما يخبرك الحسّاب بأنّه يُرى في مكانٍ آخر.

هذا يعني أنّ الرواية منفتحة على احتمالين: احتمال أنّها تريد سلب الحجيّة عن تقديرات الحسّاب، واحتمال أنّها تريد أن تقول بأنّ تقديراتهم متعلّقة بأفقٍ آخر غير أفقك، فلا عبرة بها من هذه الناحية، لا في ذاتها، ومن ثم فلا يكون في الرواية دلالة واضحة على أحد الاحتمالين بعَينه. هذا كلّه إذا لم نشكّك في أنّ المراد من الحساب هم الفلكيّون، وإنّما المقصود المنجّمون بالمعنى الثاني. وسيأتي ما يرتبط بهذه الرواية في بحث وحدة الأفق وتعدّده.

الرواية الثانية: مرسل المحقّق الحلّي، عن النبيّ‘، قال: «من صدّق كاهناً أو منجّماً فهو كافرٌ بما أنزل على محمّد‘» (المعتبر 2: 688).

ولكنّ هذه الرواية مضافاً لتأخّر ظهورها زمنياً، وإرسالها الشديد؛ يترجّح ـ بقرينة الحديث عن الكاهن ـ أن يكون المراد منها التنجيم الذي هو الإخبار بالمغيّبات والمستقبليّات، وبخاصّة على نحو الاعتقاد بتأثير النجوم والأفلاك في حياة الإنسان، اعتقاداً قد يؤثر على التوحيد، كما سوف يأتي بحثه في محلّه، فليس في الرواية إطلاق يشمل مثل هذا الموضوع، وما يؤكّد ذلك أنّ تعبير الكفر بما أنزل على محمّد، أي ربط الأخذ من المنجّم أو الكاهن بالكفر بالرسالة، يشير جداً إلى وجود خصوصيّة في الموضوع ذات صلة بالشأن العقدي، لا مجرّد المعلومات عن حركة الكواكب والنجوم، وما شابه ذلك.

ولعلّه يقترب هذا الحديث من رواية زيد بن خالد، قال: خرجنا مع رسول الله‘ عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلّى لنا رسول الله‘ الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: «أتدرون ماذا قال ربّكم؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: «قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأمّا من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي» (صحيح البخاري 5: 62)، فإنّ هذه المقارنة تعطي قرباً من الجانب العقدي هنا.

وعليه، فالأروايات الخاصّة هنا إمّا لا دلالة فيها أو ضعيفة السند أو آحاديّة.

 

النتيجة في قول الفلكيّ، إثبات الحجيّة

إنّ قول الفلكي حجّة إذا أفاد اليقين أو الاطمئنان بموضوع الحكم الشرعي هنا، فلو قلنا بأنّ الموضوع الشهر الذي يبدأ من التولّد الفلكي للقمر محضاً، وأثبت ذلك لنا علماء الفلك بالدقّة، أمكن ترتيب الأثر وهكذا، وأمّا الرؤية فهي مجرّد طريق من طرق تحصيل اليقين بدخول الشهر.

 

9 ـ غيبوبة الهلال بعد الشفق، نقد وتعليق

يُقصد بهذه الوسيلة لإثبات بداية الشهر أن يغيب الهلال بعد زوال الشفق، ليثبت أنّه لليلتين، فتكون الليلة التي غاب فيها الهلال بعد الشفق هي الليلة الثانية، فاليوم الذي سبقها يكون اليوم الأوّل من الشهر، أمّا لو غاب قبل ذهاب الشفق، فيكون لليلةٍ واحدة، ويكون يوم الغد هو أوّل الشهر.

هذه الوسيلة تارةً نعتبرها وسيلةً علميّة لإثبات أنّ القمر في الليلة السابقة كان موجوداً في الأفق حتماً بشكلٍ كان قابلاً للرؤية، وأخرى ننظر إليها بوصفها معياراً تعبديّاً شرعيّاً:

1 ـ أمّا المعيار العلمي، فيُرجع فيه لأهل الاختصاص، لكن لعلّه يمكن القول بأنّ هذه الآلية لا تصلح معياراً ولا قاعدةً علمية ثابتة؛ وذلك أنّ زمن غروب الهلال بالنسبة لغروب الشمس يعتمد على عوامل من نوع عمر الهلال (منذ لحظة الاقتران)، وزاوية الاستطالة بين الشمس والقمر، وميل مدار القمر، وموقع الراصد على الأرض (خطّ العرض)، وبسبب ذلك يمكن لهلالٍ عمره أقلّ من 24 ساعة أن يغيب بعد الشفق، والعكس صحيح، فلا توجد علاقة حتميّة بين غروب الهلال بعد الشفق وكونه لليلتين. والظاهر أنّ هذه وسيلة ظنيّة ربما كانوا يعتمدونها سابقاً، اعتماداً على غلبة المشاهدات في جغرافيّات معيّنة، ولهذا يذكرها بعض علماء الفلك بوصفها مثالاً على الطرق التي كانت شائعة قديماً، والتي ثبت عدم صحّتها.

2 ـ وأمّا المعيار الشرعي، فالمستند هنا خبر آحادي، وهو خبر الصلت الخزاز، عن أبي عبد الله×، قال: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلته، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين»، ومثله خبر إسماعيل بن الحرّ (الحسن)، عن الصادق× (الكافي 4: 77، 78).

ويناقش بضعف سند الخبرين بجهالة راوييهما، ولهذا لم يعمل بهما الماتن هنا، فضلاً عن دعوى معارضتهما لغيرهما. وورد خبرٌ مشابهٌ ـ رواه ابن عمر عن رسول الله‘ ـ في بعض المصادر السنيّة، وهو ضعيف جداً، حتى أدرجوه في عداد الموضوعات التي لا أصل لها (انظر: ابن حبّان، المجروحين 1: 254 ـ 255؛ والفتني، تذكرة الموضوعات: 221).

فالصحيح: إنّ هذه الأمارة ليست معياراً لإثبات بداية الشهور.

وهناك علامات أخرى يعتمدها عامّة الناس أحياناً، ليس لها اعتبار في نفسها، لا واقعاً ولا شرعاً، مثل سماكة الجزء المنير من الهلال وسعته، أو طول مدّة بقائه في الأفق، ونحو ذلك.