من التجربة إلى الوعي / كيف نرتقي بخطابنا الديني في عالمٍ متغيّر؟
حيدر حبّ الله([1])
مقدّمة
ما أهدف إليه هنا هو محاولة أوّليّة متواضعة لرصد الحركة الديّنيّة والخطاب الديني في مجتمعاتنا خلال القرن الأخير، وغرضي من وراء ذلك إثبات الفرضيّة الآتية: إنّ الخطاب الديني لا يمكن البقاء فيه على صيغة واحدة في عالمٍ متغيّر، بل لا بدّ من إعادة ترتيب الأولويّات والمراجعة الدائمة له ولهويّة تديّننا أيضاً بهدف الارتقاء بهما، وتأكيد القدرة على المواكبة والصمود.
سوف أقسّم حديثي إلى ثلاث مراحل:
1 ـ نهضة التديّن في القرن العشرين، نبذة عن بعض قيمها ومفاهيمها وتصوّراتها وظروفها وخطابها الديني.
2 ـ ما الذي تغيّر في عالم اليوم؟
3 ـ كيف يمكن وعي التجربة والواقع المتغيّر معاً لتقديم أنموذج آخر للخطاب الديني في العصر الحديث؟
أوّلاً: نهضة التديّن في القرن العشرين، نبذة عن قيمها ومفاهيمها وتصوّراتها وظروفها وخطابها الديني
عندما نرجع ثلاثة أرباع القرن إلى الوراء نكتشف أنّه كان لدينا فهم خاص للدين والتديّن، وكان خطابنا الديني يركّز على عناصر هذا الفهم الخاصّ، وفي ضوء ذلك كنّا نسير في حركتنا باتجاه تحقيق هذا التديّن المنشود، ومن أبرز معالم التدين وعناصر خطابه في تلك الفترة كان عبارة عن:
1 ـ الالتزام الانضباطي: والذي كنّا نعبّر عنه بالالتزام الديني، فالمتديّن جوهر تديّنه هو أنّه منضبط للتعاليم، لا يحيد عنها، بل هو يسأل عن أدقّ التفاصيل في حياته كي يقوم بجعل حياته محاكيةً تماماً للحياة الدينيّة المنشودة. والخطاب الديني كان يركّز على هذا العنصر بوصفه معلماً من معالم التديّن الحقيقي.
وطبيعة مفهوم الانضباط هنا يغلب عليه الجانب المادي، بمعنى أنّ أفعال الفرد وتروكه ـ وكلّ صغيرة وكبيرة ـ تكون متطابقةً مع الدين، الأمر الذي يحقّق له تديّناً منشوداً.
2 ـ الجانب الرمزي المادي للتديّن: وأعني به أنّ تديّننا وخطابنا الديني كان يقوم على مركزيّة مجموعة من الأمور المادية التي تمثل جغرافيا أو علامات ملموسة للتديّن، مثل المساجد والحسينيّات والمآتم، فقد كان للمسجد الدور الأكبر في صهر المتديّن ضمن تكوين اجتماعي يضبط إيقاع تديّنه، ومن خلال المسجد كان يرسم المتديّن وعيه الديني من جهة وشبكة علاقاته الاجتماعيّة التي تؤمّن له حماية هذا الوعي الديني والقدرة على تطبيقه من جهة ثانية، وبهذا كانت المساجد والحسينيات مراكز إشعاع ونقاط انطلاق ومعالم هويّة وعناصر فاعلة في الخطاب الديني.
إلى جانب ذلك، كانت اللحية والحجاب مظاهر شعائريّة خارجية فرديّة تمثل جانباً رمزياً للتديّن، يركّز عليها الخطاب الديني دوماً، فكان الالتحاق بالحركة الدينيّة يستدعي تمثل هذه المظاهر بشكل تلقائي، إلى غيرها من الرموز كالسبحة وطريقة اللباس الخاص للرجال والنساء، وغير ذلك.
3 ـ الخطاب الديني الإحيائي: كان الخطاب الديني العام في تلك المرحلة يتسم بالوضوح وفي الوقت عينه ـ نسبيّاً ـ بالبساطة، كانت الأفكار الأساسيّة للإسلام يتمّ العمل على إحيائها، فكان الخطاب الديني يقوم بإخراج المفاهيم الإسلاميّة من بطون الكتب والتراث، ليعيد صياغتها بطريقة مرنة وحيّة وواضحة للعموم، وكان أحد أهمّ الأغراض هو إحياء مفاهيم دينية كانت غائبة عن المجتمع لفترة طويلة، بحيث صار المتديّن يعي ضرورة تنزيلها على الحياة بعد غياب طويل، مثل مفاهيم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعلّم الأحكام الشرعيّة وغير ذلك.
يقوم الإحياء على فرضيّة أنّ الحلّ ينبني على وجوده المسبق، فالحلّ موجود، غاية ما في الأمر أنّه مغيَّب، وأنّ المطلوب من الحركة الدينيّة هو رفع حجاب التغييب عن هذا الحلّ، وهذا هو الإحياء.
4 ـ أنواع ومعدّلات الصراع الفكري: فعندما نتحدّث عن التديّن في تلك الفترة، فنحن لا نجد ـ نسبياً ـ حجماً هائلاً ولا توحّشاً مرتفعاً من الصراعات الفكريّة، داخل الفضاء الديني، فقد كانت الصراعات تتركّز حول الإسلامي والعلماني، والإسلامي والاشتراكي، والإسلامي والشيوعي، والإسلامي والقومي، أمّا الانقسامات الفكرية داخل الخطّ الإسلامي، فكانت عمدتها قيام الحركة الدينيّة الجديدة بنقد الصمت الذي اتبعته المؤسّسة الدينيّة خلال قرون، وقليلاً ما وجدنا انقسامات حادّة وصاخبة داخل الحالة الدينيّة. بعبارة أخرى: لو أردنا مقارنة نوع وحجم وصخب الصراعات داخل الحالة الدينيّة، فإنّه يمكننا توصيف المشهد وكأنّ العالم كان هادئاً مقارنةً بعالم اليوم.
5 ـ التديّن الشعوري النابض: فبالرغم من الجانب الفكري الكبير للحركة الدينيّة، منذ الخمسينيات وحتى أواخر الألفيّة الثانية، عبر شخصيات من أمثال الطباطبائي والصدر والمطهّري وغيرهم، لكن عموم الحركة الدينيّة النهضويّة كانت تميل للتديّن الشعوري العقلاني أكثر من التدين التحليلي النقدي، وأحياناً كانت الشعارات تأكل قدرة العقل الفردي على التأمّل والمراجعة والنقد، كما كانت الرموز الكاريزميّة (الخميني ـ الصدر مثالاً) تجبر أيّ نقص يمكن أن يقع، كما كانت فكرة الهويّة سابقة على فكرة البحث والتحليل.
على هذا الأساس، يتلاقى التديّن الشعوري الفاعل مع العقل الثوري الصاخب، وتلتحم الرؤية الدينية بالرؤية الثوريّة في كلّ مفاصل الحياة، ولهذا وجدنا أنّ غالبية العقل الديني في تلك الفترة كانت تميل للمنطق الثوري في معالجة الأمور.
6 ـ البعد السياسي والاجتماعي في الدين: كان التركيز على هذا البعد هو الأساس في خلق الحركة الدينيّة الجديدة، وهي النقطة التي تقف تماماً على النقيض من الحديث عن فرديّة التديّن وعلمانية الدولة، وكذلك عن منطق العزلة وممارسة التقية وعصر الهدنة، كان الجميع متفقاً تقريباً على أنّ استعادة الأمّة لمكانتها بعد سقوط الدولة العثمانية رهينٌ بعودتها للوعي السياسي والاجتماعي، ومن ثم فكلّ تديّن صوفي منعزل، أو تديّن تاريخي انطوائي، أو تدين فقهي فردي مطلبي، هو تديّنٌ مرفوض، ويمثل تراجعاً عن القيم الإسلاميّة الكبرى، بل قد يبلغ الحال بتوصيفه بأنّه تديّن أمريكي أو بريطاني. وقد أفرزت الهويّة السياسية الاجتماعيّة للحركة الدينيّة، خطوطاً سياسيّة شاخصة من نوع خط ولاية الفقيه العامّة وغيره من الخطوط.
7 ـ مرجعيّة الشريعة: ونتيجة عدد من العناصر التي تقدّمت، كانت الشريعة هي البوصلة التي يتحرّك المتديّن على أساسها، ويركّز عليها الخطاب الديني، فالتديّن يُعرف بمدى الأخذ بالشريعة، وبهذا استعاد الفقه الإسلامي مكانةً مرموقة في الوعي الديني للشباب، وتحوّلت دراسة الرسائل العمليّة والفتاوى إلى أبجديات التفكير الديني لحظة دخول الشخص في رحاب التديّن، وبات الفقه رقماً صعباً في المعادلة، فهو القادر على البتّ في كلّ شيء تقريباً، الأمر الذي زاد من حضور الفقهاء في الساحة، وتعاظمت مرجعيّتهم الفكرية والعمليّة بأكثر مما كانت عليه من قبل، وصاروا يعيشون في يوميات الفرد المتديّن.
ولو أجرينا مقارنةً بسيطة بين حجم الاستفتاءات التي وجّهت للمراجع خلال هذه الفترة، وحجمها خلال ألف عام مضى، فبالتأكيد سوف نجد أضعافاً مضاعفة في هذه الفترة بالخصوص، الأمر الذي يؤكّد أنّ التفكير الفقهي والتديّن الفقهي صار رقماً صعباً في المعادلة وحياة الناس.
8 ـ البعد التضحوي: فقد كانت قيمة التديّن في نكران الذات والتضحية بالمال والولد والنفس والمكانة الاجتماعيّة، وكان المتديّنون يُعرفون بمدى تضحيتهم وتقديمهم الغالي والنفيس في سبيل القضيّة الدينية التي تحوّلت إلى كلّ شيء في حياتهم، وكان الخطاب الديني ـ من خلال إحيائه وإعادة قراءته لحركة الإمام الحسين ـ يركّز على هذا الجانب بقوّة. وما قصص الآلاف من المؤمنين في تلك المرحلة إلا غيض من فيضِ ما قدّموه في سبيل الإيمان وخطّ الله، فأن تضحّي يعني أنّك متديّن سليم، وأن تبحث عن الفرار من التضحية فهذا يعني أنّ عندك مشكلة أخلاقيّة إيمانيّة عميقة. ولهذا تحوّل المضحّون إلى أيقونات كبيرة. وقد ساهم في هذا الأمر النزعة الأخلاقيّة والعرفانية التي انتشرت بشكلٍ كبير، بفعل انتماء رموز كبيرة في الخطّ الإسلامي لهذا النمط من التفكير.
إلى غيرها من العلامات والعناصر التي يطول الكلام بالحديث عنها، ولكنني سأكتفي بهذا القدر.
ثانياً: ما الذي تغيّر في عالم اليوم؟
من الواضح أنّ تلك المرحلة حملت معها الكثير من الإيجابيات وعناصر القوّة، وقدّمت خدمات كبيرة للدعوة والعمل الديني، لكن ما حصل بعد ذلك أحدث تغييراً عميقاً، على قاعدة: الزمن تغيّر، والعالم تغيّر، والمعرفة تغيّرت، واحتياجات الفرد تغيّرت، فما الذي حدث؟ وهل حقاً لم يعد التديّن القديم كافياً ولا جذاباً؟ وهل بالفعل لم يعد الخطاب الديني المنتمي إلى القرن العشرين كافياً؟ ولماذا؟
الفكرة تقول بأنّ عالم اليوم في الألفيّة الثالثة، لم يكن موجوداً في فترة الخمسينيّات، وصولاً إلى التسعينيات، ومبرّر ذلك هو الآتي:
1 ـ انفجار المعرفة والمعلومات، تكنولوجيا المعلومات: الحديث عن هذا الموضوع طويل جداً، لكن ما يهمّني هو مجرّد الإشارة إلى أنّ تكنولوجيا المعلومات غيّرت قواعد المعرفة والتعلّم في العالم، وبظهور الأجهزة الذكيّة تراجعت المطالعة المعمّقة، كان لذلك إيجابيّات وسلبيّات، من نوع تسطيح المعرفة، ووهم المعرفة الذي بات يعيشه الكثير من الشباب بمجرّد اطّلاعه على خلاصة فكرةٍ كان الجيل السابق يقرأ كتاباً كاملاً ليفهمها. منحت تكنولوجيا الوصول للمعلومة ثقةً ـ زائفة أو غير زائفة ـ للفرد العادي، ومن ثم غيّرت من موقعه في قواعد اللعبة، فلم يعد يتلقّى من رموز وكاريزمات أفكاراً جاهزة، بل صار ينظر لنفسه على أنّ لديه خلفيّة معرفيّة أيضاً، وصارت النقاشات الهائلة حول الدين في مختلف التفاصيل تظهر أمامه، بعد أن كانت مقتصرة على بطون الكتب، مما أفقده الثقة ـ محقاً أو غير محقّ ـ تدريجيّاً بالصورة النمطيّة التي كان يثق بها الجيل السابق، من خلال ما تعلّمه في المسجد. ما حصل هو انتقال ـ ولو وهميّ ـ من مرحلة السؤال والتلقّي، إلى مرحلة البحث والنقاش. هذا كلّه فضلاً عن انخفاضٍ هائل في معدّلات الأميّة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي.
لقد كان التعليم الديني هو مصدر المعرفة الأوحد لعامّة الناس، أمّا اليوم فالتعليم الجامعي شائع، والمعرفة العلميّة أصبحت معياراً للتفكير، والعقل النقدي بات جزءاً من العمليّة التعليميّة، والاختلاط الأكاديمي وسّع أفق القيم، كما أذكى التعليم سؤال: "لماذا؟"
وهذا ما يفسّر تغيّر سلطة الخطيب، ورفض الشباب الخطاب التلقيني، وصيرورة الحجج العقليّة مطلوبة، وربما يقال: إنّ التديّن القديم كان متلائماً مع "مجتمع منخفض التعليم أو متوسّطه"؛ فيما التديّن الجديد يجب أن يكون متلائماً مع "مجتمع معرفي نقدي".
بهذا لم يعد المرجع هو الشيخ أو الخطيب فقط، بل هناك الإنترنت، والإعلام، والقنوات الدينيّة المتنوّعة، والمؤثّرون على وسائل التواصل الاجتماعي، والكتابات النقديّة، وتجارب الحياة المفتوحة، وعلماء النفس والمعالجون النفسيون، ومدرّبو التنمية الذاتية والإدارة القياديّة، وغير ذلك، مصادر للمعرفة لا يستهان بها، ومرجعيّات جديدة في الحياة خفّضت من مرجعية عالم الدين وحلّت محلّه في مكانٍ ما.
على الخطّ الآخر، مصدر المعلومات الديني ـ وهو الحوزات والمؤسّسة الدينية ـ لم يتمكّن من مواكبة هذا المتغيّر، فظلّ يفكّر بعقليّة الأجيال السابقة؛ لأنّ نظامه التعليمي يرجع للعصر العباسي، فنحن أمام مخرجات نظامَين تعليميّين متباينين تماماً، بصرف النظر عما هو الصحيح أو الخطأ منهما، فماذا نتوقّع أن يحصل؟
إنّ المؤسسة الدينية تعتبر أنّ ما يقوم به الفرد العادي من أبناء هذا الجيل هو خطيئة غير مغتفرة، لهذا ظلّت تناضل وتعيد فكرة أنّ اللازم هو الرجوع لأهل العلم وتثبّط الأفراد العاديين عن اتخاذ قرارات أو تكوين رؤى قبل الرجوع إلى المؤسّسة الدينيّة، مما أدّى بها أن تعاني من صراع مع جيل اليوم الذي يبحث عن الاستقلال ورؤية الذات ويريد التحرّر من النظام التعليمي التلقيني؛ لأنّ نظامه التعليمي الذي تربّى عليه خرج من مرحلة التقلينيّة المباشرة.
2 ـ التحوّلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية: التطوّر الذي حصل خلال العقود الثلاثة الأخيرة تمثل في:
أ ـ التحوّلات الثقافية العالمية، فالعولمة أدّت لمجموعة أمور خطيرة على النظام الديني القديم، وذلك عبر تفكيك المركزيّات القديمة، حيث كسرت احتكار المرجعيّة، فلم يعد الدين الإسلامي هو العالَم الوحيد، بل أصبح الشباب يرون البوذيّة والروحانيات الغربيّة والشرقيّة والنماذج الأخلاقيّة غير الإسلاميّة بل غير الدينية (الأخلاق العلمانية)، مما فتح أعينهم على المقارنة، كما كسرت العلومُ مركزيّة الجماعة؛ إذ غدت الهويّات اليوم عالميّةً، عابرة للدين واللغة والقوميّة، وكسرت كذلك حدود السلطة الدينيّة؛ لأنّ الشباب لا يتلقّى من علماء الدين فقط، بل من عشرات المصادر، وهذا كلّه جعل "الخطاب الثابت" يبدو قديماً وغير قابل لإقناع جيل مُعولَم.
ب ـ سقوط السرديات الكبرى (نهاية عصر اليقين)، فقد عجّ القرن العشرين بسرديات ضخمة، مثل الشيوعيّة، والقوميّة، والثورة، والتحرير، والخلافة، ودولة العدل، ومعركة الهويّة، وقضايا الأصالة والخصوصيّة.. لقد عاش الآباء هذا كلّه، لكنّ الأبناء عاشوا سقوط هذه السرديّات وانهيارها عبر سقوط الاتحاد السوفياتي، وتعثّر الإسلام السياسي، وفشل القوميّة، وانهيار التيارات العروبيّة، وتراجع قوّة الأحزاب الأيديولوجيّة، فكانت النتيجة موت الإثارة الخطابيّة، وضعف منطق "نحن على حقّ والآخرون أعداؤنا"، وغدا الشباب يفقد الثقة بالوعود ويبحث عن وقائع، كما لم تعد فكرة "المعركة" هي محور التديّن، وغدا الدين مسؤولاً: ما الذي تقدّمه لي؟ وليس: ما الذي أقدّمه أنا لك؟
ج ـ التغيّرات الأسريّة والتعليميّة، حيث انفجرت الفرديّة داخل البيت، فقبل ثلاثة أرباع القرن كانت الأسرة سلطويّة ذكوريّة يغلب عليها الطابع الجمعي، وقراراتها مركزيّة، وكبير العائلة هو المرجع لها، وهذا بطبعه يشكل بيّئة حاضنة للتديّن الانضباطي؛ لأنّ بناء الأسرة كان على إنفاذ أوامر الأب أو الجدّ دون نقاش، أمّا اليوم فسلطة الأب في تراجع، والمرأة دخلت سوق العمل والتعليم، وكلّ واحد من الأبناء لديه حياته الخاصّة، وبخاصّة حياته الرقميّة التي تجعله يشعر بالاستقلال منذ الصغر، لهذا ارتفع منسوب القرارات الفرديّة، وهو ما صعّب تنزيل القيم الدينية القديمة، فالجيل الجديد الذي تربّى على الاستقلال العاطفي والتحقّق الذاتي لن يقبل ديناً يأمره قبل أن يشرح له لماذا؟
د ـ التحوّلات الاقتصادية، فأجيال الخمسينيات وما بعدها، كانت أقرب لعيش الفقر والحرمان، وكانت مستعدّةً للتضحية، كما كانت الأولوية للجماعة على الذات، وكانت القضايا الكبرى (تحرير فلسطين، الثورة، الوحدة) أقوى من الهموم الشخصيّة، مما جعل التديّن الثوري/التضحوي جذّاباً كما قلنا. أمّا الأجيال اللاحقة فقد ولدت بعد العولمة في عالمٍ رأسمالي، يقيس القيمة بـ"الجودة" و"النتائج" و"المنفعة"، وصار استعداده للتضحية أقلّ، باحثاً عن الاستقرار والأمان النفسي، ما جعله ينظر للدين بوصفه "مصدر معنى وعلاج" وليس "مشروع معركة وصراع".. إنّ هذا التحوّل الاقتصادي أسهم أيضاً في تغيير نوع التديّن المنشود.
3 ـ تحوّل الحالة الدينيّة من ناقد إلى موضوع للنقد الاجتماعي: في الماضي، كان المتديّن محطّ احترام تلقائي، وبخاصّة أهل العلم من المتديّنين، وكانت الصور المثاليّة التي يتحدّث عنها رموز الحركة الدينيّة بمثابة أحلام يتطلّع إليها الشباب المسلم، لكن بعد التجربة العمليّة في إدارة السلطة في أكثر من بلد وموقع إسلامي وعربي، تمّ ـ بالنسبة لكثيرين ـ اكتشاف أنّ الكثير من هذه الأفكار والوعود والكلمات تلاشت في زحمة التحدّيات، وأنّ الحركة الدينيّة نفسها خضعت لإكراهات الواقع، ووعت أنّ القضية أكبر بكثير من تلك الكلمات البسيطة التي كانت تقولها. بل لمّا رأت الأجيال الجديدة طريقة اختلاف رجال الدين والمتديّنين فيما بينهم وحجم العنف الذي صاحب هذا الاختلاف، اكتشفوا أنّ هذه الجماعات لا يمكن الاطمئنان إليها؛ لأنّها قد تتحوّل في لحظة واحدة لجماعات عنفيّة والدليل: انظروا ماذا فعل بعضهم ببعض وهم جماعة واحدة؟!
حوّل ذلك الحركة الدينيّة والفكر الديني الجديد من ناقدٍ إلى منتقَد، وصار اليوم هو المسؤول بعد أن كان يُسائل الجميع، ويقدّم وعوده، مما ترك تأثيراً على ثقة الأجيال الجديدة بكلمات المنتسبين للدّين وتقويمهم للأشياء وفهمهم لها، أصبح الشباب يسأل دوماً عندما تقول لهم شيئاً: لماذا تقول ذلك؟ ما الدليل؟ لماذا لا تتغيّرون؟ لماذا لم تتحقّق الوعود؟ لماذا ما يزال الغرب متقدّماً رغم الإمكانات البشريّة والماديّة الهائلة التي امتلكتموها بما يقارب أو يزيد عن النصف قرن؟ ولماذا ولماذا ولماذا؟ هذا كلّه يفسّر لنا لماذا بدأت موجة النقد العامّة ضدّ المؤسسة الدينية أيضاً حتى لو لم تكن تعمل في السياسة وبين المدن والقرى.
نتيجة هذه العناصر (انفجار تكنولوجيا المعلومات، التحوّلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، تحوّل الحركة الدينيّة من ناقد إلى موضوع للنقد الاجتماعي)، تراجع تقديس الأشخاص وأصبح يتمّ النظر إليهم ـ ولو كانوا علماء دين ـ على أنّهم يملكون اجتهادات بشريّة يمكن أن تكون خاطئة، وبخاصّة في ظلّ اطّلاع الناس على النقاشات السائدة بين علماء الدين أنفسهم، ولم يعد هناك شيء اسمه الحقائق النهائيّة في كلّ صغيرة وكبيرة، يقرّرها لنا شخصٌ ما. هذا التراجع في الثقة بالرموز لا يعني رفضهم، بل يعني أنّه لم يعد يملأ روح وقلب الأجيال الجديدة مجرّد موقف أو رؤية من هذه الشخصيّة أو تلك، إلا إذا جاء ذلك في سياق صراعٍ ما، يفرض اصطفافاً سياسياً أو طائفيّاً أو هويّاتياً.
ومن تأثيرات ذلك، ظهور استعداد مضاعف لدى الأجيال الصاعدة للقبول بالتعدّدية ضمن نطاقٍ ما، والاشمئزاز من الأحاديّة النافية لغيرها والطاردة لما سواها، سواء في السياسة أم الدين، وما يتبع ذلك من النفور من ثنائية "نحن" و "هم"، فالأجيال الجديدة باتت أقرب لفكرة التعايش السلمي والاستقرار الأمني والاجتماعي والوطني.
هذا الانتقال من الناقد إلى المنتقَد جعل الخطاب الديني ينتقل من مرحلة الهجوم على الشيوعية والرأسمالية وغيرهما وكشف عيوبها، إلى مرحلة الدفاع وتقديم التبريرات التي قد تكون واقعية أحياناً ولاهوتية أيديولوجيّة أحياناً أخرى. إنّ انتقال الخطاب من الهجوم إلى الدفاع ليس مجرّد تغيير مكاني بسيط، بل هو تغيير جوهري في بُنية الخطاب وله تداعيات كبيرة عليه.. إنّه قرار كبير من مدرّب الفريق لتحويل الفريق كلّه إلى دفاع أكثر من صيرورته مهاجماً.
4 ـ تبدّل التطلّعات وتغيّر الحاجات النفسيّة والعاطفيّة: كانت الأجيال السابقة في الحركة الدينيّة تملك قدرة تحمّل الضغط، وفي الوقت نفسه قابليّة الإنصات للأوامر؛ لأنّ ثقافتها الدينيّة والتربويّة والاجتماعيّة بُنيت على الواجب، والمتديّن هو المسؤول عن الواجبات الملقاة على عاتقه، أمّا الجيل الجديد فغدت مفاهيم الأمان النفسي، والحصول على معنى للحياة، والحصول على الاحترام، والمطالبة بالحقوق، هي الآمال والغايات التي يصبو إليها، ففي عالم بات مليئاً بالفردانيّة والوحشة، وفي ظلّ إمكانات الرفاهيّة المتزايدة تكنولوجياً، غدت مناعة الإنسان أضعف، وقدراته على التحمّل أقلّ، فانتشر الاكتئاب والضياع، وفي ظلّ ظروف نفسية قاهرة من هذا النوع غدا الشباب يبحث عما يمنحه السلام الداخليّ والطمأنينة، ويشعره بذاته وقيمته في الوجود، بدل سحق شخصيّته وسط عالمٍ مستبدّ وآلة تكنولوجيّة قاهرة..
إنّ الحديث عن أخلاق الطاعة والالتزام والانضباط والتضحية وسط هذا الجوّ يصبح صعباً جداً، وكأنّك تغرّد خارج السرب، ويصبح الفقهُ مادّةً للإحساس بالتكبيل والتنميط والشكلانيّة، ويصبح الفقهاء ـ عندهم ـ شخصيّات تعبّر عن القسوة بدل الرحمة، وعن التكليف بدل منح الحقوق، وعن ثقافة بطركية أبويّة، بدل ثقافة أموميّة عاطفيّة تحتويهم وتتفهّم المآسي العميقة التي يعيشونها.
إنّ الصراعات السياسيّة، والانهيارات الاقتصاديّة، والاستبداد الديني والسياسي، والضغوط النفسية، والتحدّيات الاجتماعيّة، وغير ذلك، وضعت التديّن والخطاب الديني ـ من وجهة نظر هذا الجيل ـ أمام مفترق طرق: إمّا أن يكون ملاذاً ناضجاً أميناً، يمنح السكينة، أو يصبح عبئاً ضاغطاً مساهماً في رفع مستوى التوتّرات الاجتماعيّة والسياسيّة والطائفيّة.
هذا كلّه يفسّر السبب في ترحيب الأجيال الصاعدة بالبعد الإنساني في الدين، ومعاناتهم من صراعٍ نفسيّ عجيب عندما يعرفون أنّ في الدين مفاهيم أو مواقف تبدو متناقضة مع قيم الإنسانيّة المعاصرة، مثل الرقيّة وقضايا المرأة وغير ذلك.
5 ـ التديّن الشكلي المادّي ومأزق البحث عن المعنى والذات: في الوقت الذي كانت فيه الرمزيات المادية للتديّن بمثابة مؤشر طيّب يتسارع الناس إليه، غدا اليوم أمراً عكسياً، إذ يتم انتقاد اختزال التديّن في المظاهر، مثل شكل اللحيّة، وعدد الزيارات إلى الأماكن المقدّسة، وحضور المجالس الدينيّة في المناسبات، وترديد الشعارات، وارتداء الحجاب، بل والعباءة، واعتبارها معايير تديّنية عليا، بينما يأتي القلب والأخلاق المعنويّة والمادية، وحُسن العشرة مع الناس في بعض الأحيان في رتبة تالية. صارت رؤية الشباب لمعايير التدين غير مادية ولا ظاهرة، بل قلبية ومعنويّة.
ثالثاً: كيف نعي التجربة ونفهم المتغيّرات لننتقل لتقديم خطاب ديني جديد في العصر الحديث؟
وفقاً لهذه العناصر التي أشرت إليها، فإنّ قدرتنا على التكيف والمواكبة بهدف تقديم نسخة قادرة على الفعل والتأثير للتديّن والخطاب الديني في عالم اليوم، تتطلّب أموراً، ومن أهمّها:
1 ـ مبدأ الفهم أوّلاً: هذا المبدأ يلزم أخذه في السياسات الاستراتيجية للحالة الدينيّة اليوم، بمعنى أنّ المتلقّي يحتاج أن يفهم قبل أن تتمّ مطالبته بالتنفيذ والتطبيق. سواء أعجبتنا هذه الفكرة أم لم تعجبنا، فإنّ علينا أن نسير على هذا الخطّ، وهذا ما يتطلّب مهارات تدريبيّة قادرة على تقديم المفاهيم الدينية بطريقة يمكن فهمها للإنسان الجديد اليوم. ومن أصعب تحدّيات هذه المرحلة هو الجواب عن سؤال: لماذا؟ إذ يتطلّب ذلك بذل جهود مضاعفة للتأمّل والتفكير؛ لتقديم أجوبة غير جدلية ولا تبريريّة، ومن دون ذلك من الصعب تحقيق الالتزام الديني للفرد في عالم اليوم. وهذا كلّه يستدعي مراجعة موقفنا من العقل الفردي ومدى احترامنا لتساؤلاته، حتى لو كان مخطئاً، وتحديد دوره في حياة التديّن المعاصرة.
بناءً عليه، فإنّ الخطاب الديني البسيط والواضح المبنيّ على مجرّد الإحياء لم يعد يمكن تبنّيه اليوم؛ لأنّ مرحلة الإحياء نسختها مرحلة جديدة، وهي مرحلة النقد، ومن ثم فالمطلوب ليس تفهيم الدين عبر إخراج ما في كتب التراث بلغةٍ عصريّة جديدة فحسب، بل ممارسة فعل النقد ونقد النقد، بغية تقديم رؤية قابلة للفهم اليوم. وبهذا فإنّ التديّن الشعوري العاطفي الذي كان يساهم مساهمة فاعلة في الماضي لم يعد كافياً اليوم؛ إذ بات متهماً بأنّه أفيون وتضليل وديماغوجية في حدّ نفسه، فالمطلوب تديّن يجمع بين الوعي والعاطفة حتى يمكن أن يسمعه جيل اليوم.
2 ـ نقد الذات والتجربة: لا يمكن التطوّر بدون مراجعة، ولا يعقل أن تظلّ الحركة الدينيّة لعقود من الزمن دون إعلان نقدٍ لذاتها يكون صريحاً وواضحاً وعميقاً، يكشف نقاط ضعفها وفشلها، ويلتمس نقاط قوّتها بهدف التقدّم بها نحو الأمام.
إنّ ذلك ليس نقداً للدين، بل نقدٌ لأنفسنا وللتجربة، وما دامت المؤسّسة الدينية والرموز الفاعلة في الحياة الاجتماعيّة غير مستعدّين لممارسة نقد واضح وشفاف، وخائفين من تهشّم صورتهم أمام الجمهور، أو قلقين من استغلال العدوّ ذلك، فإنّه من الصعب التقدّم، بل يجب التأكيد على أنّ نقد الذات أصبح في ثقافة اليوم عنصر مصداقيّة وقوّة، ولم يعد عنصر ضعف، خلافاً لثقافتنا القديمة.
هذا كلّه يعزّز قيمة التواضع، بأن نعترف ـ حيث يتطلّب الأمر ـ بأنّنا قد نخطأ في فهم الدين وفي تطبيقه، وأنّ جزءاً من تديّننا هو انعكاس لتربيتنا وبيئتنا، وليس مجرّد تجلٍّ مباشر للكتاب والسنّة، وبهذه الطريقة فإنّ الأجيال الجديدة سوف تتفهّم وجود قراءات متعدّدة للدين داخل الفضاء الفكري الديني، ولن تعتبر ذلك بمثابة دليل على فشل الدين، انطلاقاً من أنّنا أوهمناها مسبقاً أنّ القضايا الدينية واضحة وقطعيّة ونهائيّة ومثالية مطلقاً.
3 ـ العبور من الشكل إلى الجوهر أو العبور من الجوهر إلى الشكل: هذا المبدأ ضروري جداً، وهو يقوم إمّا على العبور من الشكلانية التدينيّة والرمزيّات المادية نحو الجوهر الذي هو العلاقة الروحيّة مع الله والعلاقة الأخلاقيّة مع الناس، أو إعادة تشكيل خطابنا الديني لا لكي يبدأ التديّن بتدريس الرسالة العمليّة، وإنّما بتدريس القيم الروحيّة والأخلاقيّة من الكتاب والسنّة، ليعبر ذلك نحو التديّن المادي الشكلي الذي لا يُنكر أهميتَه أحدٌ. وبهذا يتمّ الربط بين العبادة والأخلاق، وتتمّ إعادة تدريب المجتمع على التفكير بذهنيّة معياريّة الروح والقيم الأخلاقية، بدل معياريّة الشكل والأداء البدني الخارجي، مع تقدير الأمرين معاً.
وهذا ما تشير إليه النصوص الدينية في حديثها عن دور العبادة في النهي عن الفحشاء والمنكر وفي تزكية الروح، ودور صلاة الليل في الانتهاء عن السرقة في النهار، وصيرورة العبادة طاقةً منعكسة في تصرّفات الإنسان، وليس العكس. بهذه الطريقة يستجيب الدين اليوم لتطلّعات السكينة والحصول على المعنى في حياة الإنسان المعاصر، فالصلاة ليست تلك الموجودة في «منهاج الصالحين» أوّلاً وبالذات، بل هي المتجلّية في قول الرسول: «أرحنا يا بلال»، فهي تلك الفترة الزمنية التي تمنح السكينة والروح والاطمئنان، وتحلّ بدلاً عن الرياضات الروحيّة العلمانيّة المعاصرة التي نجحت في الفترة الأخيرة في غزو العالم. إنّ هذا العبور تعبير آخر عن حاجتنا للانتقال من الفقه السائد إلى فقه أكثر مقاصديّة، يلامس جوهر الأهداف.
في تقديري، إنّ اختزال روح الدين بالسلطة السياسيّة أضرّ هو الآخر أيضاً، فرغم أنّه حقّق إنجازات كبيرة في القرن العشرين، لكنّه صار عبئاً في القرن الواحد والعشرين، بسبب جملة العناصر التي أشرنا إليها، لهذا فروح الدين في الخطاب الديني اليوم يلزم ـ لكي يصل لأسماع الأجيال الجديدة ـ أن تكون كامنةً في المعنى والسكينة، لا في الصراع والسياسة، رغم أنّنا لا ننكر علاقة الدين بالسياسة.
4 ـ بين لَعن الواقع والتعامل معه: هذه نقطة مهمّة للغاية، إنّ الخطاب الديني خطاب ينبع من حالة إيمانيّة ومثالية عالية، لهذا قد يعجز أحياناً عن التكيّف مع الخطأ والانحراف، لهذا يفكّر دائماً في التغيير الجذري، وهذا ليس أمراً سلبيّاً بل هو نقطة قوّة، لكن في بعض الأحيان عندما لا تقدر على تغيير الانحراف في المجتمع لقوّته وعمق نفوذه، فإنّ عليك تغيير الهدف من تغيير المجتمع إلى الاشتغال معه، على مبدأ أنّ السياسة هي فنّ الممكن، وإلا فسوف تصبح أسير أهدافك غير الممكنة، وسيبقى الفكر الديني أسير رفضه لدنيا اليوم كلّها، مما يجعله يبدي عجزاً في التعامل معها، فحتى لو كان نظام العالم اليوم كلّه هو نظام التفاهة، كما يتحدّث كتّاب وباحثون غربيّون وشرقيّون، لكن ما دمنا غير قادرين على تغيير نظام التفاهة هذا، فإنّ علينا أنّ نعمل داخله على قاعدة "الممكن"، بدل أن استنزف كل جهودي في العمل على إلغائه وجودياً، الأمر الذي يضيّع طاقاتي كلّها في مواجهة أمر لا يمكن تغييره في المنظور القريب، ونتيجة الحرب معه ستكون فاشلة.
هذا هو الفرق بين التفكير الثوري لأجيال القرن العشرين، وحاجة الخطاب الديني اليوم لتفكير أكثر واقعيّة في ظلّ العجز عن مواصلة التفكير الثوري نتيجة محدوديّة الإمكانات. ولعلّ شكلاً من هذا الأمر يظهر في النزاع بين الإمامين الباقر والصادق مع التيار الزيدي في القرن الثاني الهجري، على خلفيّة إسقاط السلطة الأموية والعباسية أو العمل في ظلّها ضمن دائرة الممكن دون اتّباعها والسير وراءها.
5 ـ التعدّدية أساساً للخروج من مأزق الصراع الداخلي: كلّنا يعرف أنّ صراعاتنا الداخليّة في الخطّ الديني ارتفعت بشكل مطّرد وعالي الوتيرة خلال العقود الأربعة الأخيرة، وشهدنا سلسلة من أسوأ الانقسامات الدينيّة في العصر الراهن، وصاحبها الكثير من العنف الديني بأشكال مختلفة، وانعكس ذلك على صورة الخطّ الديني عموماً، وهذا يعني أنّ الخطاب الديني عليه اليوم أن يشتغل على حلّ هذه المعضلة التي تذوّق مرارتها، كي يتمكّن من إخراج نفسه ـ ولو جزئياً ـ من دائرة النقد، وكما قلت: ليس الحلّ في قمع التيارات الجديدة داخل الخطّ الديني، لأنّ هذا الحلّ مثالي؛ إذ كلّ من يقرأ الواقع يعرف أنّ هذا لن يتحقّق في ظلّ عالم مفتوح اليوم، حتى لو كنت ترى أنّ الصواب في تحقّقه، لهذا يجب الدخول في مرحلة التعدّدية والخروج من مرحلة التكفير والتضليل والتفسيق، وفي الوقت نفسه الخروج من مرحلة السخريّة والتعريض في نقد الأفكار الدينيّة تحت شعار التجديد، وتوظيف عواطف الناس لهذا الطرف أو ذاك في محاولات شعبويّة لتحريض العامّة على النخبة، سواء من هنا أم هناك.
كلمة أخيرة
نحن اليوم لسنا في صراع مع الماضي، بل في حوارٍ معه. إنّ التديّن الذي ربّانا في الثمانينيات كان خطوة أولى، لكنّه لم يعد يكفي لوحده، بل أصبحت بعضُ معالمه مصدر قلقٍ وإرباك، إنّنا اليوم بحاجة إلى خطاب ديني أكثر تفهّماً للأجيال الجديدة بدل خطاب يحاول أن يلعب عليها أو أن يضلّلها، وأكثر رحمة، وأكثر وعياً بعالم اليوم، وأكثر إنسانيةً. إنّ التجربة مهمّة، لكن الوعي المتشكّل بعد التجربة هو الذي يُنضجها ويعيد صياغتها من جديد.
إذا لم نقم بخطوات جادّة، فإنّنا مقبلون على ما يمكن تسميته بالقطيعة بين الأجيال، وليس مجرّد الاختلاف والتمايز بينها مما هو أمر طبيعي، وهذا ما قد يهدّد وضع الدين في المرحلة المقبلة تهديداً حقيقيّاً في منطقتنا العربية والإسلاميّة، بل يمكنه أن يهدّد الاستقرار الاجتماعي أيضاً.
إذا لم نقم بالاعتراف بأنّ الأجيال الجديدة هي جيلٌ آخر مختلف عمّا سبقه من أجيال، وأصرّينا على محاولة استنساخ أجيالنا السابقة في هذا الجيل الجديد، فأخشى أن يأتي اليوم الذي نصطدم فيه بصخرة الواقع، مكتشفين أنّنا أساساً لم نكن نعرف من هم أولئك الذين كنّا نتكلّم معهم لعقود!
([1]) هذا تقرير لمحاضرة ألقاها الشيخ حيدر حب الله يوم السبت، بتاريخ 13 ـ 12 ـ 2025م، عبر تطبيق Zoom، بدعوة من القسم الثقافي في جمعيّة التعاون الخيريّة، في بغداد.
