hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم الثالث)

تاريخ الاعداد: 3/12/2026 تاريخ النشر: 3/12/2026
210
التحميل

 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(5 ـ 3 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

يثبت الهلال بالعلم([1]) الحاصل من الرؤية أو التواتر أو غيرهما، وبالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين. وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع. ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجّمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدلّ على أنّه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوّق الهلال، فيدلّ على أنّه لليلة السابقة([2]).


([1]) ...

([2]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الموضوعات التي ينبغي التعرّض لها ضمن نقاط عدّة:

 

1 ـ ثبوت الهلال بالعلم والاطمئنان

...

2 ـ مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق

...

3 ـ نقصان شهر رمضان وعدمه، أو الجدال بين مسألة الرؤية ومسألة العدد

...

4 ـ شهادة العدلين

...

5 ـ عدم ثبوت الهلال بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين

..

6 ـ عدم ثبوت الهلال بحكم الحاكم

...

7 ـ شهادة النساء في الهلال

المعروف المشهور بين فقهاء الإماميّة عدم قبول شهادة النساء في الهلال مطلقاً، سواء انفردن أو انضممن إلى شهادة رجل، وسواء كان عددهنّ اثنين أو أكثر، ما لم يحصل من ذلك العلم أو الاطمئنان، فيكون حجّةً لحجيّة العلم والاطمئنان لا غير، بلا فرق بين جميع الحالات من وجود علّةٍ في السماء أو عدم وجودها، وبين هلال شهر رمضان وهلال غيره من الشهور. ونادراً ما نجد مخالفاً مثل الشيخ يوسف الصانعي الذي ذهب إلى كفاية شهادة العادلتين في الهلال، على ما جاء أيضاً في (تعليقته على تحرير الوسيلة 1: 361 ـ 362).

والروايات هنا على مجموعات:

المجموعة الأولى: ما دلّ على كفاية الشاهدين المرضيّين أو العدلين، بلا تبيين كونهما من الرجال أو النساء، ومقتضى إطلاق هذه المجموعة هو الشمول للرجل والمرأة، ومن هذه الروايات:

1 ـ خبر منصور بن حازم، عن الإمام الصادق× أنّه قال: «صم لرؤية الهلال وافطر لرؤيته؛ فإن شهد عندك شاهدان مرضيان بأنّهما رأياه فاقضه».

2 ـ خبر عبد الله بن سنان، عن الصادق×: «لا تصم إلا للرؤية أو يشهد شاهدا عدل».

3 ـ خبر زيد الشحّام، عن الإمام الصادق×، سئل عن الأهلّة، فقال: «هي أهلّة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر»، قلت: أرأيت إن كان الشهر تسعةً وعشرين يوماً أقضي ذلك اليوم؟ فقال: «لا، إلا أن يشهد لك بيّنة عدول، فإن شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك، فاقض ذلك اليوم».

4 ـ خبر محمّد بن قيس، عن الإمام الباقر×، قال: «إذا شهد عند الإمام شاهدان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً، أمر الإمام بالإفطار».

إلى غيرها من الروايات التي لا يوجد فيها تعبير الرجل، أمّا صيغة المذكّر فهذا أمر متداول في جميع النصوص القرآنية والحديثيّة تقريباً، بما يفيد الشمول للطرفين، إلا ما خرج بدليل، كما تقرّر في محلّه، كما أنّ الأصل في الخطابات هو الاشتراك.

قد تقول: إنّه وإن كان استعمال صيغة المذكّر في الأعمّ من المذكّر والمؤنّث شائعاً ومتداولاً، إلا أنّ ذلك لا يقتضي القول بأنّ الأصل هو الشمول، وأنّ عدم الشمول خلاف الأصل؛ إذ إنّ استعمالها في خصوص المذكّر أيضاً غير نادر، وعليه فلا يمكن ادّعاء الإطلاق والشمول بهذه الصيغة، بل إنّ تعيين هذه الجهة بحاجة إلى قرائن أخرى، من جملتها الارتكازات المرتبطة بشهادة النساء، وبناءً على ذلك تكون صيغة المثنّى هنا مجملة، ولا يُعلم منها الشمول.

والجواب: إنّه لا فرق بين التثنية والإفراد في الموضوع هنا؛ لأنّ المسألة مسألةُ كلمة «رجل»، لا تثنية الرجل ولا جمعه، كما أنّ الموضوع ليس دلالات الكلمة في اللغة فقط، بل بناء النصوص الدينيّة على ذلك، وعليه فلا فرق بين رجلين عدلين ورجل عادل، أمّا الارتكازات وسائر النصوص، فهذا ما سيأتي بحثه في باب الشهادات إن شاء الله، وأنّه لا يوجد أصل كلّي في باب شهادة المرأة، خلافاً لما ذكره بعضٌ، بل العديد من موارد عدم قبول شهادة المرأة سوف يأتي النقاش فيها أيضاً. والأهمّ من ذلك أنّ غالبيّة باب التقييد في قبول شهادة المرأة مرتبط بباب القضاء والحقوق وما يحتمل فيه المنازعات والمخاصمات، لا في مثل المورد الذي نحن فيه.

المجموعة الثانية: ما دلّ على عدم كفاية إلا الرجلين، دون إشارةٍ منطوقيّة للنساء، لا سلباً ولا إيجاباً، ومن روايات هذه المجموعة:

1 ـ خبر الحلبي، عن الإمام الصادق، أنّ عليّاً كان يقول: «لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».

2 ـ خبر شعيب بن يعقوب، عن جعفر، عن أبيه، عن علي×: «لا أجيز في الطلاق ولا في الهلال إلا رجلين».

3 ـ خبر حبيب الخزاعي، عن الصادق×، قال: «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، وإنّما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر، وكان بالمصر علّة فأخبرا أنّهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية وأفطروا للرؤية».

إلى غيرها من النصوص والروايات.

هذه المجموعة يبدو أنّهم فهموا منها أنّها لا تجيز شهادة النساء؛ لأنّها دالّة بالحصر على عدم القبول إلا بشهادة رجلين عدلين، لكنّ هذه الروايات غير واضحة في أنّ نظرها إلى الرجلين في مقابل المرأتين أو النساء، إذ يحتمل بشكل أكبر أن يكون نظرها للعدد لا للجنس، ومعنى ذلك أنّه لا يُقبل بغير اثنين ولا يقبل بأقلّ منهما، وإنّما ذكر الرجلان للغلبة، كما هو المتعارف في ذكر كلمة "الرجل" في ألسنة النصوص بما يفيد مطلق الإنسان، وقد أقرّ بذلك السيد الماتن في بعض بحوثه في التقليد وغيره، وحيث إنّنا لا نفهم حيثيّة نظر هذه الروايات، فلا يمكننا الاستناد هنا بعد كثرة استخدام كلمة الرجل وإرادة مطلق الإنسان في مختلف أبواب الفقه والحديث، فلا يحرز أنّها في مقام البيان من حيث الجنس حتى يؤخذ بإطلاقها.

نعم، يمكن القبول بدلالة هذه الروايات على موضوعنا هنا لو جرى تأخير ذكر الرجلين عن الشاهدين أو العادلين، فقال: لا يجيز إلا شهادة شاهدين عادلين رجلين، فهنا تصبح الخصوصيّة الجنسيّة معقولة ومحتملة جداً، تماماً كما جاء في القرآن الكريم: ﴿..وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ..﴾ (البقرة: 282)، فأخّر الرجال عن الشهيدين، ففُهم منه خصوصيّة الجنس؛ ولهذا تحدّث بعدها عن حالة فقدان الرجلين، فتأمّل جيّداً.

المجموعة الثالثة: ما ورد فيه التصريح بعدم القبول بشهادة النساء في الهلال، وهذه الروايات هي:

1 ـ خبر عبيد الله الحلبي، عن الصادق× عن أمير المؤمنين×: «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، إلا شهادة رجلين عدلين».

2 ـ خبر حماد بن عثمان، عن الصادق×، عن أمير المؤمنين×: «لا تجوز شهادة النساء في الهلال، ولا يجوز إلا شهادة رجلين عدلين».

3 ـ مضمرة محمّد بن مسلم، قال: «لا تجوز شهادة النساء في الهلال، ولا في الطلاق».

4 ـ خبر عبد الله بن سنان، عن الإمام الصادق×، قال: «لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال..».

5 ـ خبر محمّد بن سنان، عن الرضا×، في علّة ترك شهادة النساء في الطلاق والهلال: «لضعفهنّ عن الرؤية، ومحاباتهنّ النساء في الطلاق، فلذلك لا يجوز شهادتهنّ إلا في موضع ضرورة مثل شهادة القابلة، وما لا يجوز للرجال أن ينظروا إليه..».

ويمكن التعليق على هذه المجموعة:

أوّلاً: إنّ الخبر الأوّل والثاني واضح للغاية أنّهما خبر واحد؛ فإنّ النظر في سنديهما، وفي نقل الصادق عن علي، وفي عبارتيهما، يؤكّد أنّهما خبر واحد نقل بصياغتين لا أكثر ولا أقلّ، وأنّه مرّة نقله حماد عن الحلبي، وأخرى سقط اسم الحلبي من السند، والأهمّ من ذلك أنّ هذا الخبر نجده منقولاً بإسنادٍ مشابه عن حمّاد بن عثمان، عن الحلبي، عن الصادق، عن عليّ أنّه قال: «لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين»، وهو ما نقلناه في المجموعة الثانية المتقدّمة، دون إشارة في هذا النقل للنساء، مما يفتح الاحتمال على إمكانيّة أنّ الراوي سمع من الإمام الجملتين، وهما نفي شهادة النساء وإثبات الحصر بشهادة الرجلين العدلين، أو سمع من الإمام جملة واحدة هي التي تكرّرت في كلّ هذه الروايات ـ وتمثل قدراً متيقّناً ـ وهي أنّه لا يجيز إلا شهادة الرجلين العدلين، ففهم الراوي منها أنّ كلمة «الرجلين» ناظرة لما قابل المرأة، فأضاف ـ من باب نقل المعنى والتوضيح ـ أنّ الإمام قال بأنّه لا يجيز شهادة النساء. ولا ترجيح هنا لأصالة عدم الزيادة أو عدم النقيصة، والاحتمالات مفتوحة، وفهم الراوي عندما يختلف مع فهمنا ليس بحجّةٍ علينا.

هذا كلّه، عدا عن الإضمار في خبر محمّد بن مسلم، الذي لا نستبعد أن يكون ذلك فتواه، والموقف من المضمرات يُحال لموضعه.

ثانياً: إنّ التعليل الوارد في خبر محمّد بن سنان يمكن ـ بصرف النظر عن المناقشة في صحّة سند الرواية، وفي مدى التأكّد من كونها رواية بالمعنى الحرفي للكلمة ـ محاكمته؛ فهل النساء أضعف في الرؤية من الرجال؟ هذا أمرٌ قابل للمحاكمة والاختبار على نطاق واسع، فإذا ثبت هذا الأمر، أمكنه في حدّ نفسه أن يكون موجباً لتضعيف الوثوق برؤية النساء للهلال بصرف النظر عن هذه الرواية، أمّا لو قلنا بعكس ذلك، فهذا موجب لتضعيف الرواية وعدم إمكان الاعتماد عليها، إذ ربما اعتمدت على معطيات علوم عصرهم فانكشف خطؤها.

وعلميّاً اليوم، يبدو أنّ المقارنة بين قوّة الإبصار عند الرجل والمرأة تعتمد على عناصر، مثل: حدّة الإبصار (وضوح الرؤية)، وتمييز الألوان، والرؤية المحيطية، وإدراك الحركة، والرؤية الليليّة، ففي حدّة الإبصار الطبيعيّة لا فرق جوهرياً بين الرجال والنساء، بل هذا أمر يتبع عناصر الوراثة والعمر والأمراض ونمط الحياة، وليس الجنس. أمّا تمييز الألوان فالثابت علمياً أنّ النساء يتفوّقن على الرجال في تمييز الألوان ودرجاتها، وهنّ أقلّ عرضة لعمى الألوان، ولذلك أسباب كروموزوميّة، كما أنّ النساء يمتلكن رؤية محيطيّة أفضل من الرجال وقدرة على ملاحظة ما يجري من حولهنّ دون تحريك رؤوسهنّ، ولا يوجد أيّ فرق بين الرجل والمرأة في الرؤية الليليّة، نعم الثابت علمياً أنّ الرجال أفضل من النساء في تتبّع الأجسام المتحرّكة بسرعة، لهذا هم يجيدون الصيد والقيادة السريعة للمركبات، بينما رؤية الهلال لا تحتاج لشيء من ذلك؛ نظراً لثباته في الأفق.

وبناءً عليه، فهذه الرواية مشكوكة جداً في إمكانيّة الاعتماد عليها والأخذ بتعليلها، لكنّها يمكن أن تساعدنا في فهم سبب حظر شهادة النساء في الذهن العام؛ من حيث إنّه من المحتمل أنّ النساء لم يكنّ يتصدّين لمثل هذه الأمور، ولا خبرة لهنّ بمثل هذه الأشياء، وأنّهم كانوا يتصوّرون عدم دقتهنّ في ذلك، فلهذا جاءت مثل هذه الفكرة، من حيث ضعف مستوى الوثوق بشهادتهنّ، وهذا ما يقوّي وضع نصوص التحفّظ هنا في سياق الثقافة العامّة الحاكمة في ذلك العصر، وحال النساء في ذلك.

وإذا سألتَ: هل هذه الدراسات التجريبيّة التي استندتم إليها في بيان الفروق بين النساء والرجال، تورث الاطمئنان أو تمثّل نوعاً من الإجماع العلمي النسبيّ؟ إذ الكثير من هذه الدراسات لا يتجاوز مرتبة الظنّ والاحتمال، كما طُرحت احتمالات أخرى في تفسير منشأ الاختلاف في المهارات.

فالجواب: إنّه إذا كان طرح هذه الاحتمالات يراد به إثبات المساواة، فمن الطبيعي أن يكون ذلك مستنداً إلى دراسات اطمئنانيّة وذات وثوق عالٍ، لكن مقصودنا هنا هو أخذ التعليل الوارد في الرواية بعين الاعتبار، ثم التشكيك به، ثم بناء النتيجة على هذا التشكيك، والدراسات اليوم ـ ولو كانت ظنيّةً ـ لكنّها توجب التشكيك جداً في صدقيّة هذا التعليل، وهذا كافٍ.

ثالثاً: أورد الشيخ يوسف الصانعي هنا فقال بأنّه: «يحتمل أن الرواة الذين أرادوا نقل جملة «ولا أجيز» عن عليّ، قاموا بنقلها بالمعنى، ليعبّروا عنها بجملة: «لا تجوز»؛ ذلك أنّ الإمام الصادق عندما ينقل عن عليّ، فالظاهر منه أنّه ينقل ما ذكره عليّ، وهو «لا أجيز»، لا «لا تجوز»، وبناءً عليه فهناك احتمال في أن يكون قد حدث تسامح من طرف الرواة الناقلين، فنقلوا الجملة بالمعنى، فصارت «لا أجيز»، «لا تجوز»، وهذا الاحتمال يرفع الاختلاف بين الروايات ويجمع بينها، وخلاصة الكلام أنّه مع هذا الاحتمال تدلّ الروايات كافة على عدم إجازة أمير المؤمنين: «لا أجيز»، لشهادة النساء في رؤية الهلال في زمانه، لا أنها تريد بيان حكم إلهي كلّي في تمام الأزمنة. إذن، مع احتمال أنّ الصادر شيء واحد ليس إلا، وقد صدر إما بلفظ «لا أجيز» أو بلفظ «لا تجوز»، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المتيقّن، وهو مفاد جملة «لا أجيز»، وفي هذه الحال لا يمكن أن نستنتج من هذه الجملة حكماً كلياً إلهياً ودائماً، وهذا ما جاء نظيره في روايات باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما روي عن زرارة أنّه سأل الإمام عن التقية في مسح الخفين، فأجابه: «ثلاثة لا أتقي فيهنّ أحداً: شرب المسكر، مسح الخفين ومتعة الحج»، فإنّ تعبير الإمام: «لا أتقي» دون «الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهنّ أحداً» يُعلم منه أنّ الحكم مختصّ بالإمام، وعليه فمن الممكن أن تكون هناك خصوصيات في شهادة المرأة في عصر الإمام عليّ هي التي دفعته إلى عدم الإجازة، وهو ما يؤدّي في النتيجة إلى عدم إمكان اعتبار الحكم بعدم حجيّة شهادة المرأة العادلة دائميّاً، بل هذا محلّ نظر وتأمل، مضافاً إلى أنّه لا مبرر للقول بتعبدية حكم الشهادة في باب رؤية الهلال لمن دقّق النظر في الروايات، ذلك أنّ شهادة العدلين نفسها لم تقبل أيضاً في بعض الحالات، هذا أوّلاً، كما أن العرف والعقلاء ـ ثانياً ـ لا يرون أيّ اختلاف بين شهادة الرجل والمرأة إذا كانت عن حسّ وعلم بالمشهود به مع الأخذ بعين الاعتبار الغرض من الشهادة وهو إثبات دعوى أو الإخبار، وهذا البناء العقلائي وإلغاء الخصوصيّة عن الشاهدين الذكرين العدلين مؤيّد من جانب القرآن الكريم؛ ذلك أن القرآن عندما أراد تبيين حكم الشهادة في الدَّين قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (البقرة: 282)، فلو أنّ بناء العقلاء قائم على عدم الأخذ بشهادة النساء لم تكن هناك حاجة لتعبير «رجالكم» إلا أنّ الله تعالى لما كان عالماً بعدم تفريق العقلاء بين شهادة المرأة والرجل، أحضر في الجملة كلمة «رِجَالِكُمْ»، وكذلك الحال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (البقرة: 282)، فإنّه لما كان مع خلاف مبنى العقلاء ذكر بعد ذلك دليله، فعلّله بعلّة خارجية عارضة، وبعبارة أكثر وضوحاً وأبعد من مجرّد التأييد لا بدّ من القول: إنّ الآية الشريفة لا تؤيّد بناء العقلاء فقط، وإنّما تدلّ على ثبوت هذا البناء وإمضائه» (مقاربات في التجديد الفقهي: 340 ـ 342).

وكلامه في الجملة مفيدٌ هنا، وإن كانت لنا بعض المداخلات عليه، مما سيأتي التعرّض له في كتاب الشهادات إن شاء الله.

رابعاً: إنّ هذه الروايات تؤيّدها وتعارضها معتبرة داود بن الحصين، عن أبي عبد الله×، قال: «لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين، ولا بأس في الصوم بشهادة النساء ولو امرأة واحدة».

وقد علّق عليها الشيخ الطوسي بالقول: «الوجه في هذا الخبر أن يصوم الإنسان بشهادة النساء استظهاراً واحتياطاً دون أن يكون ذلك واجباً» (تهذيب الأحكام 6: 270). مع أنّ الرواية ظاهرة في الجواز بمعنى النفوذ والحجيّة، لكن لعلّ ما دفع الطوسي لهذا التفسير هو أنّه من غير المعقول التمييز بين رؤية هلال رمضان ورؤية هلال شوال، فهل يختلف أمر الرؤية وإثبات الواقع الخارجي بين شهر وآخر؟! لهذا افترض أنّ الأمر احتياطيٌّ، لا أكثر ولا أقلّ، مع أنّ التمييز بين شهر رمضان وغيره موجود في الفقه السنّي بقوّة في قضايا ثبوت الأهلّة، فراجع.

خامساً: إنّه وفقاً لمجموع ما تقدّم، يظهر أنّ عدد الروايات النافية ـ الثابتة الدلالة ـ لحجيّة شهادة النساء آحاديّة قليلة جداً، وواحدة منها مضمرة، وثمّة شبه تعارض فيما بينها، والإجماع واضح المدركيّة، فالأصل هو عدم الفرق بين شهادة الرجال والنساء في الهلال، إلا إذا ثبت في باب الشهادات كبرى كليّة عامّة تقول بأنّ الأصل عدم ثبوت شهادة النساء في شيء إلا ما خرج بالدليل، وسيأتي تحقيقه في باب الشهادات وأنّه لم يثبت.

قد تقول: إنّ المجموعة الثالثة من الروايات، على الرغم من الإشكالات التي ذكرتموها، إذا انضمّت إلى المجموعة الثانية التي يوجد فيها أيضاً إبهام في معنى «الرجل»، ومع ملاحظة التفاوت الملاحظ في الأبواب الأخرى بين شهادة الرجال وشهادة النساء.. تجعل الاطمئنان باعتبار شهادة النساء أمراً صعباً، إلا أن يُقال: إنّه في باب الشهادة على الهلال قد أُحرِز لدينا أنّ الملاك هو الطريقيّة المحضة، وبما أنّ مجموع الأدلّة لا يثبت العدول عن هذا الأصل، فالأصل هو حجّية شهادة النساء، غير أنّ إثبات الطريقيّة المحضة نفسها أمرٌ عسير؛ لأنّه لو كانت شهادة العدلين خارج المِصر طريقاً محضاً، فهل يمكن لأحد أن يرفض قبول شهادة العدلين ويمتنع عن الصوم لمجرّد أنّ العلم أو الاطمئنان لم يحصل له منها؟! وعليه، فإذا لم تثبت الطريقيّة المحضة للبيّنة، وكان في الحكم شائبةٌ من التعبّدية، فليس الأصل هو اعتبار شهادة النساء، بل حيث إنّ الاعتبار أو عدمه لم يثبت بدليل، فالأصل هو عدم الحجّية والاعتبار.

والجواب: إنّ عمدة هذا الكلام هو فضاء باب الشهادات والارتكازات، وقد قلنا بأنّ هذا الفضاء مشكوكٌ فيه في مواضع متعدّدة وكثيرة، كما سيأتي بحثه في موضعه.

سادساً: إنّه إذا قلنا بأنّ ما يقوله الرجلان من أنّهما رأيا الهلال هو إخبار وليس شهادة، فيمكن الأخذ بحجيّة خبر الثقة الظنّي بناءً على حجيّة خبر الثقة في الموضوعات، غايته نلتزم بأنّ الشريعة هنا ألزمت بثقتين عادلين، فيكون المورد من موارد الإخبار، فكما تخبر المرأة أنّها سمعت الإمام الصادق يقول كذا وكذا، أو سمعت رسول الله يقول كذا وكذا، ويؤخذ بإخبارها، كان الأمر هنا كذلك، وربّما من هذا الباب أخذ جملةٌ من فقهاء أهل السنّة بخبر النساء في ثبوت الهلال وبخبر العدل الواحد، حيث لم تكن آراؤهم متّفقة على عدم قبول شهادة النساء في باب الهلال. واكتفى بعض فقهاء الشيعة ـ مثل السيد محمد صادق الروحاني ـ بخبر الثقة ولو غير العادل هنا، ومقتضى القاعدة أن يكتفي بخبر المرأة الثقة، وربما لم يأخذ بذلك لوجود النصوص الخاصّة هنا.

غير أنّ الروايات الواردة في مصادر المسلمين ـ وهي بالعشرات ـ تستخدم في باب الهلال تعابير: الشهادة، والبيّنة، والرجلين العدلين، المفهوم منها جميعاً المصطلح الخاص للبيّنة، مما يبعد فرضيّة حجيّة مطلق الإخبار هنا، ما لم نقل بأنّ رواج هذا التعبير في هذا الباب جاء من أنّ الإخبار بثبوت الهلال كان يكون في العادة عند الحاكم أو قاضي الولاية أو الأمير ونحو ذلك، فأطلق عليه عبارة الشهادة، والله العالم.

والنتيجة: إنّ الأقرب هو الأخذ بشهادة النساء في إثبات بدايات الشهور، وفاقاً ـ في هلال شهر رمضان المبارك ـ للحنابلة، وكذلك الأحناف (في حال عدم الصحو)، وهو أحد الوجهين عند الشافعيّة. وحيث لا إشارة لفكرة أنّ الرجل يساوي امرأتين، فالأصل هو التساوي في العدد هنا، فيجري على بيّنة النساء العادلات ما جرى على بيّنة الرجال العدول مما أسلفنا ذكره، فراجع، وإن كان الاحتياط حسناً في شهادة أربع نساء، والعلم عند الله. وهذا كلّه إذا لم يكن في الشاهدات وشهاداتهنّ أيّ عنصر يوجب الريب فيما شهدن، بحيث يجعل من الشهادة ذات كاشفيّة ضعيفة، وهذا واضح.