hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم الثاني)

تاريخ الاعداد: 3/5/2026 تاريخ النشر: 3/5/2026
50
التحميل


 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(26 ـ 2 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

يثبت الهلال بالعلم([1]) الحاصل من الرؤية أو التواتر أو غيرهما، وبالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين، وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع، ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجّمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدل على أنه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوق الهلال، فيدل على أنه لليلة السابقة([2]).


([1]) ...

([2]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الموضوعات التي ينبغي التعرّض لها ضمن نقاط عدّة:

 

1 ـ ثبوت الهلال بالعلم والاطمئنان

...

2 ـ مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق

...

3 ـ نقصان شهر رمضان وعدمه، أو الجدال بين مسألة الرؤية ومسألة العدد

...

4 ـ شهادة العدلين، صورها وأحكامها والموقف منها

البحث في شهادة العدلين له صور ثلاث:

الصورة الأولى: أن يشهد العدلان برؤية الهلال ويحصل من شهادتهما اليقين والعلم الوجداني، ففي هذه الحال لا شكّ في حجيّة قولهما من باب إفادة العلم، غاية الأمر أنّ السؤال هو متى يحصل من شهادتهما في الهلال العلم؟ فهل يمكن موضوعياً حصول العلم من شهادتهما إذا استهلّ ألف ولم يره إلا إثنان أو لا؟ وهذا بحث مصداقي تطبيقي خارجي، وعلى أيّة حال، فمع حصول العلم وتحقّق شروطه ومقوّماته، فلا شكّ في حجيّته.

الصورة الثانية: أن يشهد العدلان برؤية الهلال، ويحصل لنا علم ببطلان شهادتهما وعدم مطابقتها للواقع، كما لو شهدا برؤيته وأثبت العلم إثباتاً قطعيّاً استحالةَ الرؤية؛ إمّا لعدم خروجه من المحاق بعدُ أو لقلّة ارتفاعه جداً بحيث لا يمكن رؤيته أو لغير ذلك، أو شهدا برؤيته وكان المستهلّون يزيدون عن العشرة آلاف شخص في ظروف عادية ومتساوية ولم يره أحد غير اثنين مثلاً، رغم أنّ بين المستهلّين من هو خبير وعالم وصاحب تجربة في الاستهلال، ففي مثل هذه الحال يحصل لنا علمٌ وقطع ببطلان شهادة العدلين، وكذا لو شهدا بالرؤية مع أنّ العديد من المراصد الفلكيّة التي حاولت رؤيته بالعين المسلّحة لم تتمكّن من رؤيته بهذه الوسائل الحديثة، وغير ذلك من الأمثلة.

ويلحق بهذه الصورة ما لو كانت المعطيات المضادّة غير موجبة للقطع ببطلان الشهادة، بل لنزول مستوى احتمال صدقيّتها إلى ما دون الظنّ، بحيث أصبح احتمال إصابة الشاهدين للواقع هو العشرة في المائة مثلاً أو العشرين فقط، وهنا لا يؤخذ بشهادتهما؛ لأنّ حجية البيّنة مأخوذة على نحو الطريقيّة، فمع زوال هذه الطريقيّة بحيث صارت المعطيات العكسيّة أقرب لليقين منها، لم يعد يشملها دليل الحجيّة.

الصورة الثالثة: أن يشهد العدلان برؤية الهلال ولا يحصل لنا قطعٌ ويقين بصحّة أو بطلان شهادتهما أو بضعف قوّتها الاحتمالية إلى حال زوال الظنّ والطريقية الغالبة بها، فهنا وقع كلام بين الفقهاء، فذهب المشهور إلى حجيّة البينة في باب الهلال، فيما قال آخرون ـ وفق ما نسبه لهم المحقّق الحلّي ـ بعدم الحجية ما لم تفد البيّنةُ اليقينَ، فيما رأى فريق ثالث التفصيل بين حالة وجود علّة في السماء كالغيم وعدمه، ففي الحالة الأولى يؤخذ بالبيّنة فيما تترك في الحالة الثانية.

ومستند القول بحجية البيّنة هنا تارة عموم قاعدة حجيّة البينة، وأخرى الدليل الخاص القائم على حجيّتها في باب الأهلّة، فالكلام في مقامين:

المقام الأوّل: دعوى ثبوت قاعدة حجيّة البينة إلا ما خرج بالدليل، والمفروض عدم وجود دليل مانع هنا، فنلتزم بجريان هذه القاعدة في الباب. وقد اعتمد الماتن هنا على الخبر النبويّ الذي يقرّر أنّه يقضي بين الناس بالأيمان والبيّنات، ليجعله منقّحاً لصغرى موثقة مسعدة بن صدقة المعروفة، كما اعتمدوا على الروايات الكثيرة المتفرّقة في الأبواب المختلفة، والتي تثبت البيّنة أساساً معتبراً، كالنكاح والطلاق والأوقاف والحدود وغيرها.

لكنّ الصحيح أنّ غاية ما يفيده الخبر النبوي الذي اعتمد عليه الماتن هنا هو حجيّة البينة في باب القضاء، لا في مطلق الأبواب، كما أنّنا لو تتبّعنا الآيات القرآنيّة والروايات الكثيرة التي ورد فيها الحديث عن العدلين وحجيّة قولهما والاعتماد عليهما، لوجدنا أنّ أغلبيّتها الساحقة تلتقي في موضوع الحقوق والحيلولة دون وقوع المنازعات الحقوقيّة والقضائيّة بين الناس، ونادراً ما نجد شيئاً خارج هذا الإطار، لهذا نرى صحّة القول بعموم حجيّة البيّنة وإلغاء الخصوصيات عرفاً، لكن في القضايا التي تتصل بالحقوق والمنازعات، لا مطلقاً، إلا ما خرج بالدليل الخاصّ، كما في مثل باب الهلال هنا، ولهذا لم نقبل سابقاً عند التعليق على (المسألة رقم: 416)، من بحث النجاسات، كفاية البينة في ثبوت النجاسة إذا لم تفد العلم أو الاطمئنان، وهكذا.

وقد تعرّضنا لبعض ما ينفع هنا في مباحث حجية خبر الثقة في الموضوعات، فراجع (الحديث الشريف، حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج 2: 139 ـ 186)، فليس بيدنا دليلٌ عام موثوق بصدوره يثبت قاعدة حجيّة البينة الشرعيّة الظنيّة في غير باب الحقوق وكذا القضاء، إلا ما ورد بدليل خاصّ، فيجب أن نبحث هنا عن وجود هذا الدليل الخاصّ في هذا الباب.

المقام الثاني: دعوى وجود دليل خاصّ هنا على حجيّة البينة، والروايات كثيرة في العمل بشهادة العدلين في باب الهلال، لكنّ المشكلة التي واجهت هذه الروايات تكمن في بعض النصوص المعارضة، وعمدتُها:

 

المعارضة الحُكميّة وتأثيراتها على حجيّة البينة في الهلال، محاولات للتوفيق بين النصوص

الرواية الأولى: خبر حبيب الخزاعي، قال: قال أبو عبد الله×: «لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، وإنّما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر، وكان بالمصر علّة، فأخبرا أنّهما رأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية» (تهذيب الأحكام 4: 159).

فهذه الرواية نسبتها إلى روايات حجيّة البينة في باب الهلال هي نسبة الأخص والأعم، وتكشف أنّ حجيّة البينة خاصّة بحال ما إذا كان هناك مبرّر معقول لعدم قدرة البقية على رؤية الهلال، كما لو كانت علة في المصر وجاء الشاهدان من خارج المصر وشهدا، أمّا غير ذلك فلا يؤخذ بخبر العدلين. وإنّما ذكرت الرواية عدد الخمسين للمبالغة بهدف بيان أنّ ثبوت الهلال لا يكون بالظنون، بل باليقين.

وبهذا يظهر التأمّل فيما أفاده الماتن في بحوثه من أنّ التعارض بين هذه الروايات وروايات حجيّة البينة في الهلال يوجب تساقطهما، فيُرجع إلى قاعدة حجيّة البينة العامّة؛ إذ النسبة هي الأخص والأعمّ سواء مع روايات البينة في باب الهلال أم روايات البيّنة بالمطلق، فيلزم التفصيل.

غير أنّ التأمّل والتفكيك في هذه الرواية يرشدنا لاحتمال قويّ للغاية أشار لطرفٍ منه الماتن، ويجعلنا نتخطّى فكرة التخصيص، وهو أنّ التمييز بين حالة البينة وحالة سائر الناس بالظروف يعني أنّ البينة سوف تسقط قوّتها الظنية فيعلم ببطلانها لو كانت الظروف متساوية، أمّا لو لم تكن متساوية فتبقى البيّنة على حجيّتها، فمثلاً لو لم يستهلّ إلا ثلاثة أشخاص في المدينة كلّها وشهد اثنان بالرؤية، ففي مثل هذه الحال يؤخذ بالبيّنة بلا وجود مشكلة؛ لأنّه لا موجب للتشكيك، بخلاف ما لو استهلّ خمسون، ولم يشهد إلا ثلاثة، وهذا معناه أنّ هذه الروايات تريد بيان حالة طروّ المانع عن قبول البيّنة (المعارضة الحكميّة)، لا أنّها تفيد تفصيلاً في ذات حجية البيّنة في نفسها، حتى نذهب إلى التخصيص.

الرواية الثانية: خبر أبي العباس الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد الله×، قال: «الصوم للرؤية، والفطر للرؤية، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 123).

فهذه الرواية تشرح مفهوم الرؤية الذي هو المعيار في ثبوت الهلال، وأنّ المراد منه رؤية خلق كثير للهلال، لا مجرّد بضعة أشخاص، وفيها نحو معارضة مع الرواية السابقة في رقم الخمسين.

وعلّق الخوئي على هذه الرواية بالقول: «إنّها في مقام بيان أنّ دعوى الرؤية بمجرّدها لا أثر لها وإن كان المدّعي خمسين رجلاً؛ لجواز تواطئهم على الكذب، فإنّ غاية ذلك الظنّ وهو لا يغني من الحقّ، فلا يسوغ التعويل عليه، بل لا بدّ من الاعتماد على العلم أو ما هو بمنزلته، فلا تنافي بينها وبين ما دلّ على حجّيّة البيّنة وأنّها بمثابة العلم تعبّداً. وعلى الجملة فالرواية ناظرة إلى عدم كفاية الظنّ، وكأنّها على ما أشار إليه في الجواهر في ذيل رواية أُخرى تعريضٌ على العامّة، حيث استقرّ بناؤهم قديماً وحديثاً على الاستناد على مجرّد دعوى الرؤية ممّن يصلَّي ويصوم، ومعلومٌ أنّ هذا بمجرّده غير كافٍ في الشهادة. فهذه الرواية أجنبيّة عن فرض قيام البيّنة، ولذا لم يفرض فيها أنّ الخمسين كان فيهم العدول» (الموسوعة (المستند) 22: 67).

ويمكن مناقشته بأنّ الرواية ليست في مقام البيان من حيث عدالة الشهود وعدمه، بل هي في مقام البيان من حيث مفهوم الرؤية المأخوذ معياراً؛ فالرؤية المأخوذة معياراً سنخ رؤية عامّة لا رؤية محدودة، وهي رؤية علميّة لا رؤية ظنية، فتكون صريحة في نقد حجية الظنّ في باب الرؤية، ومعارِضة لما دلّ على كفاية الظنّ في الرؤية، فدعواه أنّ الرواية تفيد سقوط العلم والظنّ، لكنّ روايات البينة تفيد صيرورة الظنّ علماً، غير واضحة، فأيّ نظر للرواية يعطي وضوحاً في أنّها لا تريد القبول بفكرة الرؤية المحدودة، وتصرّ على فكرة الرؤية المتداولة العامّة التي يمكن أن يصل إليها الكثيرون. نعم هذه الرواية ضعيفة السند بعدم ثبوت وثاقة القاسم بن عروة.

الرواية الثالثة: معتبرة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر×، قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظنّي، ولكن بالرؤية. والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا هو، وينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة وألف، وإذا كانت علّة فأتمّ شعبان ثلاثين، وزاد حماد فيه: وليس أن يقول رجل هو ذا هو، لا أعلم إلا قال: ولا خمسون» (تهذيب الأحكام 4: 156).

وقد علّق الماتن على هذه الرواية بما علّق به على التي سبقتها، والجواب هو الجواب، بل هذه الرواية أكثر وضوحاً في ضرورة كون الرؤية عامّة، فالشهر يثبت برؤية الهلال بشكل يكون واضحاً للناس، لا أن يراه زيد وعمرو وبكر فقط مع إمكان أن يراه الآخرون ولم يره أحد منهم، رغم استهلالهم.

الرواية الرابعة: معتبرة إبراهيم بن عثمان الخزاز، عن أبي عبد الله×، قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله، فلا تؤدّوا بالتظنّي، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدّة فيقول واحد قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة وإذا رآه مائة رآه ألف، ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقلّ من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علّة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر» (تهذيب الأحكام 4: 160).

وهذه الرواية أوضح من الروايات السابقة؛ لأنّها صريحة في سلب حجيّة الظنّ في باب الهلال، فتعارض ما يدلّ على حجيّة الظنّ فيه ومنه روايات البينة، وتشرح في ذيلها أنّ بحث حجية الظنّ فيه مقتصر على خصوص حالة خارج المصر وداخله مما شرحته سابقاً رواية الخزاعي المتقدّمة، فيعلم بذلك أنّ العبرة في باب ثبوت الهلال وضوح الرؤية بشكلٍ عام لجمهور الناس، أمّا في حال تعذّر ذلك، فإنّ البيّنة تكون حجّة.

وتتأيّد هذه الروايات الأربع بمعتبرة عبد الله بن بكير بن أعين، عن أبي عبد الله×، قال: «صم للرؤية وأفطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان فيقولان: رأينا، إنّما الرؤية أن يقول القائل: رأيت، فيقول القوم: صدقت» (تهذيب الأحكام 4: 164). كما وبهذا يفهم خبرُ عليّ بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ قال: «إذا لم يشكّ فيه فليصم وحده (وإلا فليصم) مع الناس إذا صاموا» (مسائل علي بن جعفر: 149 ـ 150)، فإنّ الإمام هنا أكّد على بقاء يقينه الآتي من الرؤية وأنّ عدم إبصار أحد له، لم يخرجه من مرحلة اليقين لمرحلة الشكّ والتردّد، مما يشهد على أنّه لو كان عدم إبصار الآخرين يطرح شكّاً موضوعيّاً في دقّة ما رآه، لزمه عدم العمل برؤيته للهلال.

وبهذا يتمّ الجمع بين هذه الروايات وسائر روايات باب حجية البيّنة في الهلال؛ فإنّ تلك الروايات تريد تقرير المبدأ، والذي هو أنّ البيّنة حجّة، وبخاصّة تعبير بعضها بعدم قبول أقلّ من بيّنة العدلين، بينما هذه الروايات تريد تقرير حالات سقوط البيّنة عن الطريقيّة والكاشفيّة، فتظلّ تلك الروايات المطلقة على إطلاقها، غاية الأمر أنّ أصل دليل حجيّة البينة مبنيٌّ على عنصر الطريقيّة والكاشفيّة، فإذا فقد فلا موضوع لها، كما في موارد تأزّم الهلال. وهذا هو المدلول الموثوق بصدوره من مجموع نصوص الباب، على قاعدتنا في فهم المجموعات الحديثيّة، والمسماة بالوثوق الانضمامي.

في الفقه السنّي، يرى العديد من فقهاء الحنابلة والشافعيّة أنّه يكفي في ثبوت هلال شهر رمضان رؤية عدل واحد، بينما ذهب مالك إلى لزوم العدلين، لكن عندما نلاحظ الفقه الحنفي نجد فكرة التمييز بين وجود علّة في السماء كالغيم، فإنّ شهادة العدلين تكون مقبولة، وحالة عدم وجود علّة في السماء، فإنّ شهادتهما لا تكون مقبولة، بل لا بدّ من الاستفاضة. وهذا يعني أنّ النتيجة التي توصّلنا إليها ـ من خلال دراسة نصوص أهل البيت ـ قريبة جداً، وربما مطابقة لما ذهب إليه الفقه الحنفي في هلال شهر رمضان.

وهذه النتيجة التي توصّلنا إليها، لعلّه فهمها السيد السيستاني تحت عنوان المعارضة الحكميّة أو الشهادة المعارِضة حكماً، فاعتبر أنّه عندما يستهلّ ألف شخص ولا يراه إلا خمسة مثلاً، فإنّ شهادة الخمسة بثبوت الهلال تعارضها شهادة أكثر من تسعمائة شخص بعدم ثبوته، الأمر الذي يسقط حجيّة البيّنة بالمعارَضة. وهو ما سمّاه أيضاً السيد محمود الهاشمي بشرط عدم قيام «قرينة نوعية على خطأ البيّنة»، أو ما عبّر عنه السيد محمّد حسين فضل الله بقوله: «أن لا تتجمّع قرائن قويّة تدلّ على كذب البيّنة أو وقوعها في خطأ»، وربما هذا ما عبّر عنه السيد محمد سعيد الحكيم بما يوجب الريب في صدق البيّنة ويكون أمارة عرفاً على خطئها، أو ما عبّر عنه السيد الخامنئي بقوّة الظنّ بالخطأ.

وقد يطرح هنا تصوّران محتملان:

التصوّر الأوّل: ما يُفهم من عبارة الأحناف وبعض فقهاء الإمامية الذين أشرنا لأسمائهم آنفاً، وهو حجيّة البيّنة العادلة في ثبوت الهلال، غاية الأمر أن لا يكون في مقابلها ما يوجب تضعيفها، ولو بنحو المعارضة الحكميّة.

التصوّر الثاني: ما يُثار احتمالاً، وهو أنّ الهلال لا بدّ أن يكون في الأفق بدرجةٍ لو لم تكن هناك علّة للزم ظهوره لعموم الناس، فالموضوع ليس موضوعاً ايبستمولوجيّاً في درجة الوثوق بالبيّنة وقوّتها الاحتماليّة، بل موضوع واقعي في درجة ظهور الهلال لأهل الأرض. وهذه المسألة لها تأثير على موضوع كفاية الرؤية بالعين المسلّحة أو ضرورة أن تكون بالعين المجرّدة، وسوف يأتي في ذلك إن شاء الله قريباً.

والذي نرجّحه ـ بمناسبات الحكم والموضوع فيما يخصّ طبيعة التعامل مع البيّنات ـ هو أنّ هذه الروايات ناظرة ـ كما هي الحال في تبريرات الفقه الحنفي لهذه المسألة ـ لدرجة الوثوق بالبيّنة، فالتصوّر الأوّل أقرب لطبيعة الموقف المرتبط بحجيّة البيّنات وقوّة الاحتمالات فيها، فما ذهب إليه فقهاء الأحناف وبعض متأخّري الإماميّة، هو الصحيح، لكن ليس فقط في هلال شهر رمضان، كما قد يُفهم من الأحناف، بل في مطلق الشهور.

من هنا، ففي زماننا هذا حيث وسائل التواصل باتت سهلة، فإنّ استهلال جماعات كثيرة في بلدان متعدّدة ـ بصرف النظر عن موضوع وحدة الأفق وتعدّده ـ يفرض في العادة أن تكون نسبة الشهود عالية، ومعه فلا يمكن إثبات الهلال بالرؤية الشهوديّة في جماعات كثيرة وبلدان متعدّدة عبر مجرّد بضعة أشخاص، إلا في حال وجود مانع عام عن رؤية عموم الناس، وهذا المانع مرفوعٌ في حقّ الشهود الذين شهدوا بالرؤية كما في مثال خارج المصر وداخله، أو قلّة استهلال الناس وندرة ممارستهم ذلك، وهكذا.

 

ضرورة كون الشهادة بالرؤية حسيّة غير حدسيّة

بقي أمرٌ أشار إليه الماتن في المسألة أعلاه، وهو أنّ شهادة العدلين تحتاج أن تكون حسيّةً، بأن يشهدا بالرؤية، فلا تكفي أن تكون حدسيّة، وهذا صحيح؛ إذ باب الشهادة هو باب الإخبارات الحسيّة، دون الحدسيّة، وبعض النصوص يفيد ذلك في ظاهره هنا، فلا نطيل.

 

عناصر مؤثرة وأمثلة تطبيقيّة في الأخذ بشهادة مدّعي الرؤية

ذكر السيد محمد حسين فضل الله في (فقه الشريعة) سلسلة من العناصر والأمثلة، ذات الصلة بحال تعدد مدّعي الرؤية، لا بأس بنقلها هنا، بصرف النظر عن بعض التفاصيل فيها، وهي تقوم على أنّ الكثرة العددية عامل مساعد على حصول اليقين ولكنَّها ليست كلّ شيء في الحساب، بل ينبغي للفَطن أن يدخل في الحساب كلّ ما يلقي ضوءاً على مدى صدق الشهود أو كذبهم أو خطئهم، وهذه بعض الأمثلة:

1 ـ إذا أحصي أربعون شاهداً بالهلال من بلدةٍ واحدة، فقد يكون تواجدهم جميعاً في بلدة واحدة يعزّز شهادتهم، بينما إذا أحصيَ أربعون شاهداً من أربعين بلدة استهلّ أبناؤها، فشهد واحدٌ من كلّ بلدةٍ، لم يكن لهم نفس تلك الدرجة من الإثبات؛ والسبب في ذلك أنَّ تواجد أربعين شخصاً على خطأ في مجموعة المستهلّين من بلدة واحدة أمرٌ بعيد نسبياً، بينما تواجد شخص واحد على خطأ في مجموعة المستهلّين من كلّ بلد أقرب احتمالاً.

2 ـ وفي نفس الحالة السابقة قد يصبح الأمر على العكس، وذلك فيما إذا كانت تلك البلدة التي شهد من أهاليها أربعون شخصاً واقعة تحت تأثير ظروف عاطفيّة غير موجودة في المدن الأخرى.

3 ـ وكما ينبغي أن يُلحظ الشهود في جانب الإثبات، فإنّه ينبغي أن يُلحظ نوع وعدد المستهلّين الذين استهلّوا وعجزوا عن رؤية الهلال كنقطة في جانب عدم الإثبات، فكلّما كان عدد هؤلاء الذين عجزوا عن الرؤية كبيراً جداً ومتواجداً في آفاق نقيّة صالحة للرؤية وقريبة من مواضع شهادات الشهود شكّل ذلك عاملاً سلبياً يُدخَل في الحساب.

4 ـ ونوعية الشهود لها أثر كبير إيجاباً وسلباً على تقرير النتيجة، ففرق بين أربعين شاهداً يُعرف مسبقاً أنهم لا يتورّعون عن الكذب أو مجهولو الحال، وبين أربعين شاهداً يُعلم بوثاقتهم.

5 ـ قد تتحد مجموعة من الشهادات في المكان، بأن يقف عدد من المستهلّين في مكان مشرف على الأفق، فيرى أحدهم الهلال ثُمَّ يهدي الآخر إلى موضعه فيراه ثُمَّ يهتدي الثالث إليه وهكذا، وفي مثل ذلك تتعزّز هذه الشهادات؛ لأنَّ وقوعها كلّها فريسة خطأ واحد في نقطة معينة من الأفق بعيدٌ جداً، إذ إنَّ قدرة المشاهد الأوّل على إراءة ما رآه تعزّز الثقة بشهادته.

6 ـ التطابق العفوي في النقاط التفصيليّة بين الشهود، بأن يشهد عدد من الأشخاص المتفرّقين من بلدة واحدة، ويعطي كلّ واحد منهم نقاطاً تطابق النقاط التي يعطيها الآخر، من قبيل أن يتفقوا على زمان رؤية الهلال وزمان غروبه عن أعينهم، فإنَّ ذلك عامل مساعد على حصول اليقين.

7 ـ ويدخل في الحساب أيضاً التنبّؤ العلمي المسبق بوقت خروج القمر من المحاق، فإنه إذا حدّد وقتاً وادّعى الشهود الرؤية قبل ذلك الوقت، كان التحديد العلمي المسبق عاملاً سلبياً يُضعف من تلك الشهادات، فإنَّ احتمال الخطأ في حسابات النبوءة العلميّة، وإن كان موجوداً، ولكنَّه بعيد جداً في مقابل احتمال الخطأ في مجموع تلك الشهادات، أو على الأقلّ لا يسمح بسرعة حصول اليقين بصواب الشهود في شهادتهم.

 

5 ـ مديات ثبوت الهلال بشهادة العدل الواحد مطلقاً أو مع اليمين (نقد رأي بعض فقهاء الحنابلة والشافعيّة)

دلّت مختلف النصوص هنا على شهادة العدلين، إمّا مطلقاً أو في خصوص حالة تعذّر الرؤية العامّة للهلال، وفق ما بيّناه آنفاً، ولا يوجد في النصوص ما يفيد كفاية العدل الواحد سواء مع اليمين أم من دونه، ما لم يحصل اليقين والقطع بثبوت الهلال من قول العدل الواحد أو الثقة الواحد، وهذا أمرٌ آخر، ومنه يعلم أنّ عدم كفاية العدل الواحد ناتجها عدم كفاية مطلق الثقة الواحد أيضاً.

إلا أنّه توجد في المقام عدّة روايات قد يُفهم منها كفاية العدل الواحد، وربما مطلق المسلم الواحد، وعلى بعضها بنى أيضاً العديدُ من فقهاء الحنابلة والشافعيّة، وهي:

الرواية الأولى: خبر ابن عباس، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ‘، فقال: إنّي رأيت الهلال، قال الحسن في حديثه: يعنى رمضان، فقال: «أتشهد أن لا إلا الله؟»، قال: نعم، قال: «أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟»، قال: نعم، قال: «يا بلال، أذّن في الناس، فليصوموا غداً» (سنن أبي داود 1: 525).

ويمكن أن تناقش هذه الرواية بأنّ ابن عباس إنّما رأى ما جرى بين النبيّ وذلك الأعرابي، ولعلّ النبيّ كان قد جاءه شاهدٌ من قبل، لم يكن ابن عباس حاضراً عند مجيئه، ولا إشارة في الرواية لعلم ابن عباس بعدم وجود أيّ شاهدٍ آخر، والأعرابيّ يتوقّع أنّه جاء من خارج المصر، فيمكن أن تكفي شهادته مع شهادة العدل الآخر.

الرواية الثانية: خبر ابن عمر، قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرتُ رسولَ الله‘ أنّي رأيته، فصام، وأمر الناس بالصيام» (سنن الدارمي 2: 4).

والأمر فيها شبيهٌ بما قلناه في الرواية السابقة، بحيث يمكن ـ وفقاً لذلك ـ الجمع والتوفيق بين النصوص.

الرواية الثالثة: خبر محمّد بن قيس، عن أبي جعفر الباقر، قال: قال أمير المؤمنين×: «إذا رأيتم الهلال فأفطروا، أو شهد عليه عدلٌ من المسلمين..» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 123؛ وتهذيب الأحكام 4: 158).

وأجيب باختلاف النسخ، ففي بعضها «بيّنة عدل»، وفي بعضها «عدول»، هذا فضلاً عن أنّ الكلمة تُطلق على الواحد والكثير، فتقيَّد بسائر النصوص هنا. وما يهوّن الخطب أنّ الرواية آحادية منفردة، فلا نعمل بها، على وفق القاعدة.

والمسألة ـ كما سوف نشير في بحث شهادة النساء في الهلال ـ هي في اختلاف فقهاء أهل السنّة بين من قال بأنّ نقل الرؤية في باب الهلال هل هو إخبار أو شهادة؟ فإذا كان إخباراً كفى فيه خبر الثقة الواحد ولو لم يكن عدلاً، بناءً على حجيّة خبر الثقة في الموضوعات، وإذا كان شهادةً لزمته أحكام الشهادة الخاصّة، وسيأتي ما ينفع قريباً إن شاء الله.

 

6 ـ عدم ثبوت الهلال بحكم الحاكم

قيل بأنّ المشهور بين الفقهاء هو القول بثبوت الهلال (تحديد بدايات الشهور) بحكم الحاكم. وأنّ هذا الرأي يمكن أن يكون مفتاحاً لحلّ مشاكل العيد والحجّ وبدايات الشهور ونهاياتها بين المسلمين أو أبناء المذهب الواحد.

والمراد به أنّ الحاكم الشرعي لو أصدر قراراً بالعيد أو ببدء شهر رمضان المبارك مثلاً، كان قراره ملزماً لجميع الناس بما في ذلك الذين لا يقلّدونه، فحكمه مثبِتٌ مستقلٌّ للهلال إلى جانب سائر وسائل إثبات الهلال شرعاً. هذا من حيث المبدأ وقد ذكروا لذلك تفاصيل وشروطاً من نوع أن لا يعلم المكلّف بأنّ الحاكم قد أخطأ في حكمه أو وقع ضحيّة مستند خاطئ، أو التمييز بين كون مستنده هو رؤيته بنفسه أو قيام مثل البيّنة عنده، ونحو ذلك، على تفصيلاتٍ بينهم.

وقد اختار هذا القول بين المتأخّرين جماعة كثيرة أيضاً، منهم: السيد كاظم اليزدي، والسيد أبو الحسن الإصفهاني، والسيد روح الله الخميني، والسيد محمّد رضا الگلپايگاني، والسيد محسن الحكيم، والسيد محمود الهاشمي، والسيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد حسين فضل الله، والشيخ محمّد علي الأراكي، والسيد محمد تقي المدرسي، والسيد كاظم الحائري، والسيد محمّد صادق الروحاني، والشيخ محمّد أمين زين الدين، والشيخ محمّد تقي بهجت، والشيخ فاضل اللنكراني، والشيخ إبراهيم الجناتي، والسيد صادق الشيرازي، والسيد علي الخامنئي، والشيخ محمد إسحاق الفياض، والشيخ محمّد اليعقوبي، والشيخ لطف الله الصافي، وغيرهم.

لكنّ بعض الفقهاء خالف في ذلك، ومنهم: المحدّث يوسف البحراني، والشيخ أحمد النراقي، والسيد أبو القاسم الخوئي، والسيد محمّد الروحاني، والسيد تقي القمي، والشيخ يوسف الصانعي، والسيد محمد محمد صادق الصدر، والسيد علي السيستاني، والسيد موسى الشبيري الزنجاني، وغيرهم.

 

ضرورة التمييز بين القرار التنظيمي للحاكم ومسألة ثبوت الهلال

والأقرب عدم ثبوت الهلال أو بدايات الشهور ونهاياتها بحكم الحاكم. نعم هنا أمران:

أ ـ إذا لزم من حكمه ـ بل حتى من إخباره ـ تحصيل حال الوثوق بثبوت الهلال أمكن الاعتماد عليه، لا لكونه حكمَ الحاكم، بل للوثوق الحاصل للمكلّف، نتيجة حكم الحاكم، بثبوت الهلال أو قيام البيّنة المعتبرة.

ب ـ لو كان حكم الحاكم منصبّاً على وجوب الإفطار أو الصيام أو الحجّ ومتصلاً ـ لسببٍ ظرفيّ ـ بالشأن العام، وكانت حكومة هذا الحاكم شاملة للشأن العام، أمكن القول بوجوب الالتزام بما قال، لكنّ ذلك عملاً، دون أن يعني ذلك ثبوت الهلال شرعاً بتمام تأثيراته، فلو أوجب الحاكمُ الصيامَ وكان ذلك شأناً عامّاً من شؤون الحياة العامّة، وجب الصوم، لا أنّ بداية شهر رمضان هو هذا اليوم حتى يجب الخمس لو كان رأس السنة بالنسبة لهذا المكلّف هي بداية شهر رمضان مثلاً، وهكذا.

وبهذا نفرّق بين كون حكم الحاكم طريقاً لثبوت الهلال مطلقاً، وهو ما ننفيه، إذ حكم الحاكم هنا لا يعدّ عقلاً ولا عرفاً ولا شرعاً من طرق إثبات الأمور الواقعيّة، ما دام لا يوجد تنازعٌ قضائي كما هو المعتاد، وبين كون حكمه بثبوت الهلال تعبيراً عن حكمه بإلزام المسلمين بالصعود لعرفات في اليوم المحدّد تنظيماً للشأن العام أو توحيداً للعيد، ففي الحالة الثانية يكون الحكم إلزاميّاً شرط كون الحاكم بثبوت الهلال ممن له الولاية المجتمعيّة ولو لم يكن فقيهاً (بناء على ثبوت الولاية التي من هذا النوع لغير الفقهاء)، لا مطلق الفقيه أو القاضي ولو لم يملك ولايةً مجتمعيّة فعليّة.

والمراد من الولاية المجتمعيّة ليس بالضرورة الدولة الدينيّة، بل السلطة التنظيمية الاجتماعيّة على تقدير ثبوتها له بالدليل الشرعي، ولو لم تكن مطلقة، فلو قلنا بأنّ المرجع الديني الأعلى له ـ بالدليل الشرعي ـ سلطة تنظيميّة لتنظيم أمور أبناء مذهبه في القضايا الدينية العامّة، والتي منها العيد مثلاً نتيجة ضرورة حكمه بذلك رفعاً للهرج والمرج أو لوقوع بعض التنازعات بين الناس في ذلك، ففي مثل هذه الحال تكون له ولاية إعلان العيد في حدود الإلزام بالإفطار، وليس مجرّد الإخبار عن ثبوت العيد عنده وبين يديه، فانتبه ولاحظ.

وينتج عن ذلك، أنّ من له الولاية المجتمعيّة العامّة (مثل الدولة) أو شبه العامّة (مثل المرجع الديني الأعلى)، يمكنه فرض تنظيم زمني لبدايات الشهور ونهاياتها، إذا وجد أنّ عدم هذا التنظيم لعموم الناس موجب لوقوع المنازعات في التجارات والالتزامات القانونيّة نتيجة اضطراب التوقيت، وهكذا، ويكون هذا الأمر ظرفيّاً وبالمعنى الذي قلناه، حتى لا يكون باباً لنوع من النسيء الحادث المرفوضة روحه في الشرع.

وتفصيل البحث في الأدلّة والشواهد خارج عن حيّز هذا المختصر، وما قدّمه القائلون بثبوت الهلال بحكم الحاكم قابلٌ للمناقشة، والعلم عند الله.