hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم الأوّل)

تاريخ الاعداد: 2/26/2026 تاريخ النشر: 2/26/2026
40
التحميل

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(19 ـ 2 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

يثبت الهلال بالعلم([1]) الحاصل من الرؤية أو التواتر أو غيرهما، وبالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين، وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع، ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدل على أنه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوّق الهلال، فيدلّ على أنه لليلة السابقة([2]).


([1]) لم يشر السيد الماتن هنا إلى معلوم هذا العلم، فما هو معلومه؟ هل هو وجود الهلال في الأفق ولو لم يمكن رؤيته أو وجوده مع إمكان الرؤية أو وجوده مع فعليّة الرؤية أو غير ذلك؟

الظاهر من بحوثه الاستدلاليّة أنّ الشهر الجديد عنده هو أمر واقعي أفادت الروايات أنّه عبارة عن خروج الهلال عن تحت شعاع الشمس بمثابةٍ يكون قابلاً للرؤية (الموسوعة (المستند) 22: 60 ـ 61)، ومعنى ذلك أنّ معلو م العلم هنا هو عبارة عن وجود الهلال في الأفق بحيث يكون قابلاً للرؤية بصرف النظر عن تعريف الرؤية وأنّها تشمل العين المسلّحة أو لا، مما سيأتي الحديث عنه.

هذا، ومباحث ثبوت الهلال وإن تركّزت في الفقه الإسلامي على هلال رمضان وشوال وذي الحجّة، لكنّ هذه الأحكام كلّها تجري على مقتضى القاعدة في مختلف الشهور، إلا ما خرج بدليل، كمسألة "الرؤية والعدد"، وسيأتي.

([2]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الموضوعات التي ينبغي التعرّض لها ضمن نقاط عدّة:

 

1 ـ ثبوت الهلال بالعلم والاطمئنان

وذلك بأنّ يراه الشخص بعينيه مباشرةً بما يحصّل عنده اليقين، وقد أفادت رواية عليّ بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره، أله أن يصوم؟ قال: «إذا لم يشكّ فيه فليصم وحده (وإلا فليصم) مع الناس إذا صاموا» (مسائل علي بن جعفر: 149 ـ 150)، فإنّ الإمام هنا أكّد على بقاء يقينه الآتي من الرؤية وأنّ عدم إبصار أحد له، لم يخرجه من مرحلة اليقين لمرحلة الشكّ والتردّد.

والمستند في ذلك حجيّة القطع الآتي من أيّ سبب معقول، كالرؤية أو حصول التواتر بأنّه قد تمّت رؤيته أو غير ذلك من الطرق التي تلتقي عند تحصيل العلم الذي هو حجّة، معزّزاً ذلك بالرواية المشار إليها.

وهكذا الحال لو لم يحصل العلم، بل حصل الاطمئنان المتاخم له، فإنّه يكون حجةً أيضاً ولو من باب الحجيّة الشرعية الإمضائيّة. ومنه يعلم أنّ الشياع لا موضوعيّة له، بل هو مجرّد طريق لتحصيل الاطمئنان لا غير.

 

2 ـ مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق

ذهب السيد الماتن ـ كجمهور علماء الإسلام ـ إلى أنّ الأشهر الهلاليّة لا تزيد عن ثلاثين يوماً، وعلى هذه القاعدة فإذا ثبت هلال شهرٍ فإنّ مرور ثلاثين يوماً من حيث ثبوت الهلال، سيكون معناه أنّنا دخلنا في الشهر الثاني، بلا فرقٍ بين الشهور. وهذا واضح وتسعفه النصوص والأدلّة العلميّة القاطعة.

 

3 ـ نقصان شهر رمضان وعدمه، أو الجدال بين الرؤية والعدد

لم يتعرّض الماتن ـ ككثيرين غيره ـ لهذه المسألة هنا في رسالته العمليّة، لكن لا بأس بالتعرّض المختصر لها، فالمعروف بين فقهاء الإسلام أنّ الشهر الهلالي لا يقلّ عن تسعة وعشرين يوماً ولا يزيد عن ثلاثين، وهذا ما تثبته الدراسات الفلكية، لكنّ الشيخ الصدوق ذهب هنا إلى رأي مخالف، حيث ميّز بين شهر رمضان وغيره، فقال بأنّ رمضان لا ينقص أبداً عن ثلاثين يوماً، بينما غيره يعترضه النقصان أو يتمّ على الثلاثين، وأنّ شعبان لا يزيد عن تسعة وعشرين يوماً.

 

3 ـ 1 ـ الانقسام التاريخي الفقهي بين الرؤية والعدد

وقد انتقد العلماء ما ذهب إليه الصدوق، فصنّف المفيد رسالة عرفت بالرسالة العدديّة، ونسب العلامة الحلّي هذا القول لقومٍ من الحشويّة (تذكرة الفقهاء 6: 138)، واعتبر بعض العلماء أنّ الصدوق بالغ في التعبّد المحض بحرفيّات النصوص، فقال السيد محمد علي الأبطحي (1423هـ): «ربما غلبت التعبديّة المحضة على بعض آراء الشيخ الصدوق عليه الرحمة، ولو كانت لرواية واحدة مخالفة للوجدان، كما في دعوى أنّ شهر رمضان تامّ أبداً، أو لا توافق البرهان، كدعواه في سهو النبيّ‘» (رسالة في ثبوت الهلال: 56).

لكنّ النزاع تاريخياً لم يكن بين الصدوق وغيره، بل هو انقسام حقيقي عرفته الإماميّة في القرن الرابع الهجري كما يظهر من شواهد متعدّدة، منها ما قاله ابن طاووس حول الموضوع، حيث ظهر خلاف في أنّ شهر رمضان هل هو مثل سائر الشهور الهلاليّة أو يتميّز عن غيره؟ وسبب هذا الخلاف مجموعة من الروايات الواردة عند السنّة والشيعة، وبهذا ظهر فريقان بين الإماميّة: فريق عرف بأصحاب الرؤية، وفريق آخر عرف بأصحاب العدد، وكتبت مصنّفات ورسائل بين الفريقين في الردّ على بعضهما بعضاً.

والمتداول نسبته لأصحاب العدد شخصيّات مثل: الحسن بن حمزة العلوي الطبري (358هـ)، وجعفر بن محمد بن قولويه القمي (368هـ)، ومحمد بن علي بن الحسين الصدوق (381هـ)، وهارون بن موسى الشيباني التلعكبري (385هـ)، والشيخ المفيد (413هـ) الذي كان يقول بالعدد، مصنّفاً في ذلك كتاب "لمح البرهان في عدم نقصان شهر رمضان، أو لمح البرهان في كمال شهر رمضان"، وكان صنّفه في شبابه، متأثراً بشيوخه الذين تقدّمت أسماء بعضهم آنفاً، لكنّه عدل عن رأيه لاحقاً، وقال بالرؤية، وإن شكّك السيد الخوئي في صحّة هذه النسبة إلى المفيد (الموسوعة (المستند) 22: 106).

وقد تميّز الشيخ الصدوق بالإكثار من التأليف في العدد، فألّف: رسالة في شهر رمضان، وجواب رسالة وردت في شهر رمضان، ورسالة إلى أبي محمّد الفارسي في شهر رمضان، والرسالة الثانية لأهل بغداد في معنى شهر رمضان، كما ألّف ابن قولويه كتاب العدد في شهر رمضان، وكتاب الردّ على ابن داود في شهر رمضان.

في المقابل اشتهر عدد من العلماء بالرؤية وإنكار العدد، وأبرزهم محمّد بن أحمد بن داود القمي (368هـ)، الذي كتب رسالة في الردّ على ابن قولويه، والشيخ المفيد الذي رفض الأخبار العدديّة، وصنّف عدّة كتب ورسائل في ذلك، منها: مصابيح النور في علامات أوائل الشهور، وجواب أهل الرقة في الأهلّة والعدد، وجوابات أهل الموصل في العدد والرؤية، والمعروفة بالرسالة العدديّة. وكان أبو الفتح الكراجكي من أصحاب العدد، ثم عدل عن ذلك، كما صنّف المرتضى الردّ على أصحاب العدد.

ويمكن القول بأنّ مدرسة بغداد قضت على فكرة العدد تماماً، ولهذا تراجع تبنّيها بقوّة منذ القرن الخامس الهجري، حتى أنّ الكثير من الفقهاء بعد ذلك هجروها، ولم تعد تُبحث إلا عرضاً وباختصار أو في ثنايا كتب الحديث أو في الدراسات التاريخيّة.

 

3 ـ 2 ـ المجموعات الحديثيّة المتضاربة في قضيّة العدد

وعلى أيّة حال، فالرويات في العدد متعارضة، فبعضها يفيد أنّ شهر رمضان كغيره من الشهور، وبعضها يستثنيه، فهنا مجموعتان:

المجموعة الأولى: ما يفيد كونه كغيره من الشهور، ومنها:

1 ـ خبر محمّد بن مسلم، عن أحدهما، قال: «شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان، فإذا صمت تسعة وعشرين يوماً، ثم تغيّمت السماء، فأتمّ العدّة ثلاثين».

2 ـ خبر إسحاق بن جرير، عن أبي عبد الله×، قال: «إنّ رسول الله‘، قال: إنّ الشهر هكذا وهكذا وهكذا، يلصق كفّيه ويبسطهما، ثم قال: وهكذا وهكذا وهكذا، ثم يقبض أصبعاً واحدة في آخر بسطه بيديه، وهي الإبهام»، فقلت: شهر رمضان تامّ أبداً، أم شهر من الشهور؟ فقال: «هو شهرٌ من الشهور»، ثم قال: «إنّ عليّاً صام عندكم تسعة وعشرين يوماً، فأتوه فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد رأينا الهلال، فقال: أفطروا».

إلى غيرها من الروايات الكثيرة التي نقل قسماً كبيراً منها الحرّ العاملي في البابين: الخامس والسادس، من أبواب أحكام شهر رمضان (تفصيل وسائل الشيعة 10: 261 ـ 276).

المجموعة الثانية: ما دلّ على أنّ شهر رمضان لا ينقص، وأنّه ثلاثين يوماً دائماً، ومنها:

1 ـ خبر معاذ بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله×: إنّ الناس يقولون: إنّ رسول الله‘ صام تسعة وعشرين أكثر مما صام ثلاثين، فقال: «كذبوا، ما صام رسول الله‘ منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه أقلّ من ثلاثين يوماً، ولا نقص شهر رمضان منذ خلق الله تعالى السماوات والأرض من ثلاثين يوماً وليلة».

2 ـ خبر حذيفة بن منصور، عن أبي عبد الله×، قال: «شهر رمضان ثلاثون يوماً لا ينقص أبداً»، وفي السند محمّد بن سنان، لكنّ اللافت أنّ الرواية الأولى يرويها عن معاذ بن كثير حذيفة بن منصور أيضاً.

3 ـ خبر حذيفة بن منصور، قال: قال أبو عبد الله×: «لا والله، لا والله، ما نقص شهر رمضان ولا ينقص أبداً من ثلاثين يوماً وثلاثين ليلة»، فقلت لحذيفة: لعلّه قال لك: ثلاثين ليلة وثلاثين يوماً كما يقول الناس: الليل قبل النهار؟ فقال لي حذيفة: «هكذا سمعت».

4 ـ خبر حذيفة بن منصور، قال: أتيت معاذ بن كثير في شهر رمضان، وكان معي إسحاق بن مخول، فقال معاذ: لا والله ما نقص شهر رمضان قطّ.

5 ـ خبر الحسن بن حذيفة (وهو ابن حذيفة بن منصور)، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×، في قوله تعالى: ﴿ولتكملوا

العدة﴾، قال: «صوم ثلاثين يوماً».

اللافت هنا أنّ هذه الأحاديث وردت متكرّرةً في كتب عدّة وبطرق متعدّدة في بعض الطبقات، بحيث نلاحظ أنّ اسم حذيفة بن منصور أو ابنه متكرّر بشكل لافت في الروايات العدديّة!

6 ـ خبر محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد الله×: إنّ الناس يقولون: إنّ رسول الله‘ صام تسعة وعشرين يوماً أكثر مما صام ثلاثين يوماً، فقال: «كذبوا، ما صام رسول الله‘ إلا تامّاً، وذلك قول الله تعالى: ﴿ولتكملوا العدّة﴾، فشهر رمضان ثلاثون يوماً، وشوال تسعة وعشرون يوماً، وذو القعدة ثلاثون يوماً لا ينقص أبداً؛ لأنّ الله تعالى يقول: «وواعدنا موسى ثلاثين ليلة»، وذو الحجة تسعة وعشرون يوماً، ثم الشهور على مثل ذلك، شهر تام وشهر ناقص، وشعبان لا يتمّ أبداً».

7 ـ خبر محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله×، قال: «إنّ الله تبارك وتعالى خلق الدنيا في ستة أيام، ثمّ اختزلها عن أيام السنة، والسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً، شعبان لا يتمّ أبداً، ورمضان لا ينقص والله أبداً، ولا تكون فريضة ناقصة، إنّ الله عزّ وجل يقول: ﴿ولتكملوا العدّة﴾، وشوال تسعة وعشرون يوماً، وذو القعدة ثلاثون يوماً، يقول الله عزّ وجل: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتمّ ميقات ربه أربعين ليلة﴾، وذو الحجة تسعة وعشرون يوماً، والمحرّم ثلاثون يوماً، ثمّ الشهور بعد ذلك شهر تام وشهر ناقص».

8ـ خبر ياسر الخادم، قال: قلت للرضا×: هل يكون شهر رمضان تسعة وعشرين يوماً؟ فقال: «إنّ شهر رمضان لا ينقض (ينقص) من ثلاثين يوماً أبداً».

وقد تأوّل الحرّ العاملي ـ كالشيخ الطوسي ـ هذه الأحاديث بتأويلات بعضها غريب، وستأتي، فراجع (الوسائل 10: 271، 274 ـ 275).

9 ـ خبر عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبيّ‘، قال: «شهران لا ينقصان، شهرا عيد رمضان وذو الحجّة» (صحيح البخاري 2: 230)، وجاء عنه أيضاً قال: قال رسول الله‘: «كلّ شهر حرام لا ينقص ثلاثين يوماً وثلاثين ليلة» (مجمع الزوائد 3: 147).

إلى غيرها من الروايات المتعدّدة.

 

3 ـ 3 ـ محاولات الجمع والتوفيق بين النصوص المتضاربة، عرض ومناقشة

وقد قدّمت تبريرات ومحاولات في الجمع بين النصوص والتوفيق، ومن أهمّها:

المحاولة الأولى: ما ذكره بعض علماء أهل السنّة في محاولة تأويل الحديث الأخير الذي نقلناه، من أنّ المراد أنّ كلا الشهرين معاً لا ينقصان سويّةً في عام واحد، بمعنى أنّه لا يمكن أن يأتي شهر رمضان ناقصاً وفي الوقت نفسه من السنة عينها يأتي ذي الحجّة ناقصاً كذلك، وليس مراد الحديث نفي نقصان كلّ واحد من الشهرين على حدة.

ويمكن الجواب بأنّ هذا ـ لو تمّ واقعاً وخارجاً، مع أنّه قابل للنقاش أيضاً ـ فهو خلاف الظاهر من الرواية بصيغتيها، فإنّ المفهوم منها عندما نقول بأنّ هذين الشهرين من السنة لا ينقصان، هو أنّهما يتميّزان عن سائر الشهور بهذه الصفة، وإلا فهذه الفكرة تجري في حقّ أيّ شهرين تقريباً نأخذهما من السنة لو ثبتت في هذين الشهرين.

ومن هذا القبيل المحاولة التي قالت بأنّ المقصود أنّهما لا ينقصان في ذلك العام الذي قال فيه النبيّ هذه الجملة، وليست الرواية حاكية عن قانون في كلّ السنوات.

المحاولة الثانية: ما ذكره غير واحدٍ من علماء الشيعة والسنّة، من أنّ المراد من عدم نقصان شهر رمضان هو عدم نقصان ثوابه، فلو جاء تسعة وعشرين فإنّ ثواب الصائم سيكون ثلاثين يوماً. ومن هذا القبيل قول من تأوّل هذه الأحاديث بأنّه لا ينقص في الفضيلة، ففضيلة رمضان هي هي، سواء جاء تسعة وعشرين أم ثلاثين أو أنّ وصف رمضان بالناقص هو وصف ذمّ، فلا يليق القول بأنّه ناقص.

ومن الواضح أنّ هذه المحاولة لا تملك قرينة على إثبات مضمونها، بل شواهد الروايات على العكس تماماً، فلاحظ الرواية الأولى وغيرها. واللافت أنّه لا توجد في أيّ من هذه الروايات، ولو بنحو الإشارة، أيّ رواية تتكلّم عن فكرة الثواب أو الفضيلة، بحيث تكون قرينةً على غيرها.

المحاولة الثالثة: ما ذكره بعض من أنّ المراد من روايات العدد هو نفي كون رمضان ناقصاً دائماً، فكأنّ هذه الروايات جاءت لنفي النقصان، فأثبتت الكمال، لا لإثبات الكمال دوماً.

وهذه من أغرب المحاولات التوفيقيّة، فالروايات صريحة في إثبات التمام دائماً ونفي النقصان مطلقاً، وأيّ بيان عربي مبين هذا الذي يبيّن نفي النقصان لإثبات التنوع كسائر الشهور، بمثل هذه البيانات؟! مع أنّ بعض الروايات صريحٌ في التمييز بين رمضان وغيره، فإذا كان ينقص ويكمل كغيره فما معنى التمييز؟!

المحاولة الرابعة: حمل نفي النقص في هذه الروايات على نفي أغلبيّته على التمام، ردّاً على أهل السنّة فيما رووه من ذلك.

وهذه المحاولة تشبه سابقتها فلا نعيد، بل لو أردنا إخضاع هذه المجموعات من الروايات لقواعد التقية أو الموافقة والمخالفة مع فقه الجمهور، لزم طرح روايات نفي العدد؛ لأنّها هي الموافقة معهم فقهاً وحديثاً؛ إذ إجماعهم على أنّ رمضان ينقص ويكمل، فلزم طرح روايات النقص والكمال والأخذ بمسلك الشيخ الصدوق هنا، لا اعتبار هذه الروايات ـ بطريقة تأويليّة ـ قد جاءت بهدف الردّ على أهل السنّة. ولهذا قال الصدوق بعد نقله بعض أخبار العدد: «من خالف هذه الأخبار وذهب إلى الأخبار الموافقة للعامّة في ضدّها، اتقي كما يتقى العامة ولا يكلّم إلا بالتقية كائناً من كان، إلا أن يكون مسترشداً فيرشد، ويبيّن له، فإنّ البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها ولا قوّة إلا بالله» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 171).

المحاولة الخامسة: ما ذكره بعضٌ، من الأخذ بهذه الروايات لإثبات أنّ واقع رمضان هو ثلاثون يوماً، لكن يجب العمل بالظاهر، والصوم للرؤية والفطر للرؤية؛ إذ لم يرد الأمر بقضاء يوم حينئذٍ. وهذه المحاولة تريد أن تميّز بين المجموعة العدديّة القاضية بنفي النقصان فإنّها تريد إثبات الواقع، ومجموعة معياريّة الرؤية، عبر القول بأنّ رمضان ثلاثون يوماً، لكن ما نحن مكلّفون به هو العمل بالظاهر الذي تقتضيه الرؤية.

وهذه المحاولة فيها غرابة؛ فإنّه إذا كان شهر رمضان ثلاثين يوماً فلماذا لزم العمل بالظاهر بعد انكشاف الواقع؟! بل وما قيمة إخبارنا بأنّه في الواقع ثلاثون؟! كما أنّ كون الرواية مخبرة عن الواقع مناقضٌ للحقائق العلميّة على هذا الصعيد، فتكون هذه الروايات منافية تماماً للواقع المقطوع به، فتسقط، بل إنّ هذه المحاولة توفّق بين روايات العدد وروايات الرؤية، لكنّها لا توفّق بين روايات الكمال وعدم النقصان من جهة وروايات أنّ رمضان كامل وناقص كغيره من الشهور من جهة ثانية، فإنّهما يحملان اللسان نفسه وطريقة البيان نفسها، فما هو الموجب لحمل الثاني على الواقع، والأوّل على الظاهر هنا؟!

المحاولة السادسة: ما ذكره بعضٌ أيضاً، من احتمال الحمل على الحثّ على صوم يوم الثلاثين من شعبان احتياطاً، ليكون صوم المكلّف ثلاثين يوماً في مجموعه.

وهذه المحاولة كسابقاتها تنسى أنّ المتكلم لغويّ فصيح يجيد البيان والتبيين، فإذا كان هذا مقصوده من كلّ هذه الروايات، فهل هذا بيانٌ جليّ ومبين؟! ولماذا لم يصدر منه ما يوضح ذلك في واحدة من هذه الروايات العديدة؟! وأيّ بيان لحسن الاحتياط بصوم آخر شعبان عبر القول بأنّ رمضان لا ينقص أبداً الظاهر في بيان أمرٍ واقعيّ خارجي؟!

 

3 ـ 4 ـ نقد روايات العدد

نكتفي بهذا القدر من محاولات التوفيق والتأويل، لنتخذ موقفاً من هذه الروايات، وهنا يمكن أن يقال بأنّه لا يمكننا الأخذ بمجموعة العدد وأنّ رمضان لا ينقص أبداً؛ وذلك:

أوّلاً: لما ذكره الشيخ الطوسي في تعليقه على رواية حذيفة، حيث قال: «وهذا الخبر لا يصحّ العمل به من وجوه، أحدها: أنّ متن هذا الحديث لا يوجد في شيء من الأصول المصنّفة، وإنّما هو موجود في الشواذّ من الأخبار، ومنها: أنّ كتاب حذيفة بن منصور رحمه الله عريٌّ منه، والكتاب معروف مشهور، ولو كان هذا الحديث صحيحاً عنه لضمّنه كتابه، ومنها: أنّ هذا الخبر مختلف الألفاظ مضطرب المعاني، ألا ترى أنّ حذيفة تارةً يرويه عن معاذ بن كثير عن أبي عبد الله×، وتارة يرويه عن أبي عبد الله× بلا واسطة، وتارة يفتي به من قبل نفسه، فلا يسنده إلى أحد، وهذا الضرب من الاختلاف مما يضعف الاعتراض به والتعلّق بمثله، ومنها: أنّه لو سلم من جميع ما ذكرناه، لكان خبر واحدٍ لا يوجب علماً ولا عملاً، وأخبار الآحاد لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر القرآن والأخبار المتواترة، ولو كان هذا الخبر مما يوجب العلم لم يكن في مضمونه ما يوجب العمل على العدد دون الأهلة» (تهذيب الأحكام 4: 169).

ويمكن التعليق على بعض المواضع من كلام الطوسي:

أ ـ إنّه حاول اختصار روايات العدد بالآحاد مع أنّها ـ بصرف النظر عن المعارضة ـ كثيرة ومتعدّدة عن حذيفة وغيره، وقد كان عمل هو نفسه بهذا العدد من الأخبار في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه، فلماذا أصبح هذا الخبر آحادياً هنا لا يؤخذ به في علمٍ ولا عمل؟ هذا ما لم يوضحه لنا الطوسي.

ب ـ إنّ مجرد نقل حذيفة له تارة ًبواسطة وأخرى بغير واسطة وثالثة ينقل عنه هو، لا يفيد سقوط الرواية عن الاعتبار فإنّ مثل هذا في الحديث موجود، فإنّه لا يهمّنا ما نقل عنه دون أن ينقله هو عن الإمام، إذ لعلّه من باب بيان رأيه الذي اعتمد فيه على ما رواه بواسطة أو بغير واسطة عن الإمام، وأمّا أن يروي الراوي حديثاً عن الإمام بلا واسطة ويرويه عنه مع واسطة فهذا أيضاً معقولٌ وموجود، فقد ينقل عن الإمام شخص شيئاً فيلتقي الراوي بعدها بالإمام، فينقل عنه مباشرةً؛ لأنّه استفسره في ذلك، وأيّ ضيرٍ في هذا؟!

ثانياً: إنّ أسناد هذه الروايات فيها مشكلة، فلا تسلم، كما أفاده السيد الماتن في بحوثه الاستدلالية (الموسوعة (المستند) 22: 106)، وإن كان يحتمل منه أنّه نظر إلى إشكال الطوسي المتقدّم أكثر من تحقيق إسناد كلّ حديث على حدة، وقد قلنا بأنّ الروايات كثيرة ومتعاضدة.

ثالثاً: إنّ مفاد هذه الروايات مخالفٌ للحقائق العلميّة، كما أشار لذلك غيرُ واحدٍ، منهم الماتن في بحوثه، فإنّ حركة الشمس والقمر واحدة في كلّ فصول السنة وأشهُرِها، فلا معنى للقول بأنّ شعبان لا يتمّ أبداً ورمضان لا ينقص أبداً.

وهذا الكلام صحيح، لكن على مبانيهم لماذا لا يكون مفاد هذه النصوص شأناً تعبّدياً كما وافقوا على وجود حيض شرعي وحيض واقعي، ونفاس شرعي ونفاس واقعي، وغير ذلك من المواضع المتعدّدة التي ميّزوا فيها بين الواقع والاعتبار؟! فليكن هذا منها، وهو أنّ هذه النصوص لها حكومة على مختلف الأدلّة، فهي توسّع رمضان تعبّداً واعتباراً، لتجعله دوماً ثلاثين يوماً، وتضيّق شعبان تعبّداً واعتباراً لتجعله دوماً تسعة وعشرين يوماً، فكان ينبغي أخذ هذه الفرضيّة بعين الاعتبار، رغم أننا لا نوافق عليها؛ لمخالفتها لظاهر الروايات المفيد لكونها في مقام بيان الواقع، لا في مقام بيان أمرٍ تعبّدي اعتباري، فعلى مسالكنا في فهم مثل هذه النصوص يكون هذا الإشكال في محلّه، أمّا على مسالكهم فيحتاج لضمّ سائر الإشكالات إليه لرفع احتماليّة التعبديّة.

رابعاً: ما أفاده السيد الماتن في بحوثه، حيث قال: «أضف إلى ذلك ما في هذه الروايات من التعليلات الواهية البيّن فسادها والمنزّه ساحة الإمام× المقدّسة عن التفوّه بها، كالتعليل الوارد في رواية ابن شعيب المتقدّمة لتماميّة شهر ذي القعدة، بقوله سبحانه: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾، إذ ليت شعري أفهل يلزم من تماميّة الشهر الذي كان فيه ميقات موسى× التماميّة في جميع السنين ومدى الدهور؟!» (الموسوعة (المستند) 22: 107).

وهذا الكلام يجري في بعض الروايات لا في جميعها كما هو واضح، مضافاً إلى أنّنا نوافق الماتن على هذه المداخلة النقديّة لكننا نرى أنّه لا يلتزم ـ هو وكثير غيره ـ بمثلها في العديد من المواضع، حيث يقبلون بمثل هذا من باب التأويل وبطون القرآن وغير ذلك من التعليلات التي أكثروا من الاعتماد عليها، فكيف ساغ استخدام مثل هذا النقض هنا دون غيرها من المواضع؟! والتفصيل في محلّه.

والتحقيق: إنّ هذه الروايات يعاني كثير منها ـ على الأقلّ ـ من ضعف في الإسناد، وتكرّر بعض الرواة فيها بشكل لافت للنظر، ومخالفتها لمجموعة أخرى كثيرة من النصوص الدالّة على العكس تماماً، ومخالفتها كذلك لمجموعة كبيرة أخرى تجعل الرؤية معياراً، بل تخالفُ من وجهٍ روايات يوم الشكّ، كما أنّها مخالفة للحقيقة العلميّة الفلكيّة والرياضيّة المؤكّدة منذ ما قبل الميلاد وإلى اليوم، الأمر الذي يفقدنا الوثوق بها تماماً، مع ضمّ التأييد بالشهرة العظيمة بين فقهاء الإسلام بمختلف مذاهبهم. وعليه فما ذهب إليه المشهور ـ خلافاً لمثل الصدوق ـ هو الصحيح.

 

3 ـ 5 ـ احتمالات في منشأ أو مبرّر ظهور أو اختلاق روايات العدد

لكنّ السؤال هنا: إنّ هذه الحسابات مخالفة لليقين الفلكي والرياضي منذ العصور اليونانيّة القديمة، ولم يتناقش علماء الفلك إطلاقاً في فكرة من هذا القبيل، فمن أين جاءت هذه الروايات؟ ولماذا؟ ولمصلحة من تمّ اختلاقها لو فرضنا أنّها غير ثابتة حقاً؟

يمكننا هنا طرح فرضيات تاريخيّة اجتماعية، قد يصعب الحصول على شاهد لها، لكنّها تحاول ـ كلّ واحدة على حدة أو بضمّ بعضٍ إلى بعض ـ أن تفسّر سبب ظهور روايات العدد:

الفرضية الأولى: ربما يكون تعظيم شهر رمضان دفع ببعضٍ لتمييزه عن غيره من الشهور، بإعطائه ميزة قدسيّة خاصّة في لوح التكوين، تماماً كما هي ميزة ليلة القدر، فظهرت روايات العدد، بهدف تعظيم الشهر ومنحه سمة ميتافيزيقيّة منعكسة في الكون.

الفرضية الثانية: إنّه من المحتمل أن تكون هناك نصوص حقيقيّة نشأت لبيان عظمة هذا الشهر، وأنّه مهما كان سيكون بمثابة شهر كامل عند الله في الفضيلة والأجر والثواب، لكن الرواة عبر الأجيال حرّفوا هذه النصوص وأنتجوها بطريقة مختلفة تماماً.

الفرضية الثالثة: أن يكون أصل هذه الروايات هو بيان أنّ النبيّ لم يصم رمضان إلا ثلاثين يوماً، بحيث اتفق ذلك في حياته، فظنّ الرواة مفهوماً أوسع من مفاد الروايات، أو تعمّدوا تحريفه، فانتجوا الروايات بطريقة خاطئة لاحقاً.

الفرضية الرابعة: ربما يكون اختراع هذه الروايات بهدف الردّ على اتجاهات علميّة فلكية عقلانية في ذلك الوقت قصدت التقليل من قيمة شهر رمضان وأنّه كغيره من الشهور، ولا خصوصيّة له، فأريد منحه خصوصيّات إضافيّة خارقة غير معتادة، فاختُلقت هذه الروايات.

الفرضيّة الخامسة: ربما يكون ما حصل ناتجاً عن ميل نصّي حديثي لبعض الجماعات المتهمة بالحشويّة، والتي تريد تكريس مرجعيّة نصّ الحديث مطلقاً، فتظهر هذه النصوص بمثابة اختبار لميول الأشخاص وأنّهم يميلون لعقلانيّة العلم أو لمرجعية النصّ، وهذا نجده يحصل حتى في عصرنا الحاضر على بعض المستويات.

الفرضية السادسة: إنّ هذه الروايات جاءت لضبط رمضان وفضّ الاشتباك في بدايته ونهايته، مما نراه حتى اليوم في حياة المسلمين، فاختلقت هذه النصوص لتحديد أنّ شعبان تسعة وشعرين يوماً، ورمضان ثلاثين، وهذا يحدّ بشكل كبير من الانقسامات في الأمّة، وعلى الأقل ينفع السلطات الرسميّة لضبط أمورها.

الفرضية السابعة: أن تكون هذه الروايات نشأت في فضاء محدود صادف أن رأى أنّ رمضان يكون ثلاثين يوماً لسنوات عديدة، فأنتج استقراءً ناقصاً فتصوّر ذلك، وأنّه لخصوصيّةٍ لرمضان فاخترع هذه الروايات.

الفرضية الثامنة: أن يكون واضع هذه الروايات ـ والتي أغلبها إمامي ـ هدف تقديم تمايز هويّاتي فئوي للشيعة عن جمهور المسلمين باختراع هذه الروايات كي يعزّز التمايزات القائمة، أو ربما كان من أولئك الوضّاعين الذين دسّوا مرويّات لتضليل المسلمين في صومهم وفطرهم، كما ورد عن عبد الكريم بن أبي العوجاء أنّه قال قبل إعدامه: «أما والله، لئن قتلتموني، لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال، وأحلّ فيها الحرام، والله لقد فطرتكم في يوم صومكم، وصوّمتكم في يوم فطركم» (تاريخ الطبري 8: 48).

هذا، وهناك بحوث متعلّقة بالعدد مرتبطة بعدّ أيّام بعد رمضان العام الماضي بهدف التكميل، وسيأتي الحديث عنها لاحقاً إن شاء الله. كما أنّ هذا الأنموذج الذي نحن بصدده يعطينا فكرة عن مدى إمكانيّة اختلاق أحاديث بكثرة في موضوع معين، وظهورها في الكتب الحديثية ذات الدرجة الأولى، مما ينبّه الباحث في علم الحديث إلى ضرورة عدم الاستعجال بدعوى تحصيل الوثوق بالأحاديث، بما فيها المعتبرة سنداً.

 

4 ـ شهادة عدلين

...