التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ شرائط الصحّة والوجوب ـ القسم الأوّل)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(22 ـ 1 ـ 2026م)
الفصل الرابع
شرائط صحّة الصوم
وهي أمور: الإيمان([1])،
والعقل([2])، والخلوّ من الحيض والنفاس([3])، فلا يصحّ من غير المؤمن، ولا من المجنون، ولا من الحائض والنفساء، فإذا أسلم أو عقل أثناء النهار لم يجب عليه الإمساك بقيّة النهار، وكذا إذا طهرت الحائض والنفساء، نعم إذا استبصر المخالف أثناء النهار ـ ولو بعد الزوال ـ أتمّ صومه وأجزأه، وإذا حدث الكفر أو الخلاف([4]) أو الجنون أو الحيض أو النفاس ـ قبل الغروب ـ بطل الصوم.
ومنها: عدم الإصباح جنباً، أو على حدث الحيض أو النفاس، كما تقدّم([5]).
ومنها: أن لا يكون مسافراً سفراً يوجب قصر الصلاة، مع العلم بالحكم في الصوم الواجب([6])، إلا في ثلاثة مواضع:
(أحدها): الثلاثة أيّاماً، وهي التي بعض العشرة التي تكون بدل هدي التمتّع لمن عجز عنه.
(ثانيها): صوم الثمانية عشر يوماً، التي هي بدل البدنة كفارة لمن أفاض من عرفات قبل الغروب([7]).
(ثالثها): الصوم المنذور إيقاعه في السفر أو الأعمّ منه ومن الحضر([8]).
مسألة 1026: الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر، إلا ثلاثة أيام للحاجة في المدينة، والأحوط أن يكون ذلك في الأربعاء والخميس والجمعة([9]).
مسألة 1027: يصحّ الصوم من المسافر الجاهل بالحكم، وإن علم في الأثناء بطل، ولا يصحّ من الناسي([10]).
مسألة 1028: يصحّ الصوم من المسافر الذي حكمه التمام، كناوي الإقامة والمسافر سفر معصية ونحوهما([11]).
عدم اشتراط الإسلام ولا الانتماء المذهبي الخاص في صحّة الصوم مع تحقّق قصد القربة
([1]) قد قلنا غير مرّة ـ في هذه التعليقة وغيرها ـ أنّ عبادات غير الشيعي صحيحة، وأنّ الروايات الواردة ناظرة ـ لو قلنا بإطلاقها ـ لنفي القبول، دون نفي الإجزاء وسقوط التكليف، وتفصيله في محلّه، فلا نعيد، فدعوى أنّ الإيمان بالمعنى الخاصّ شرطٌ في الصحّة ضعيفة، وربما من هنا حذف السيد محمد حسين فضل الله شرط الإيمان واستبدله بشرط الإسلام هنا، كما ذهب السيد السيستاني والشيخ المنتظري إلى عدم اعتبار شرط الإيمان في الصحّة وسقوط التكليف، لكنّه معتبر عندهما في استحقاق الثواب. وهو ما قد يفهم أيضاً من تعليقة الشيخ ناصر مكارم الشيرازي على العروة.
قد تقول: إنّ الظاهر من رواياتِ الباب التاسع والعشرين من أبواب مقدّمات العبادات من الوسائل، أنّ العبادةَ لا فائدةَ فيها أصلاً، فهي كالعدم، فالتفكيك بين الثواب والصحّة أو بين القبول والصحّة تفكيكٌ عارضيٌّ وتحليليٌّ لا بدّ من استناده إلى دليلٍ يقتضي حملَ ظهورِ الدليلِ عليه، وإلا فالأدلّةُ نفسها، بل حتى الأدلّة التي ورد فيها تعبيرُ الثواب والقبول، لا يظهر منها في النظر العرفيّ مثلُ هذا التفكيك، فإنّ العرف لا يفهم من نفي الثواب والقبول هذا الفصل، بل يفهم كونَ العبادةِ بلا فائدةٍ على الإطلاق.
والجواب: كون العبادة لا فائدة منها، أي لا ترجع عليه بالنفع، غير أنّه ما زال مطالباً بها، فلو صلّى أو لم يصلّ، لا فرق عند الله، لكن دليل وجوب الصلاة لا يخاطبه بعد صلاته. وعموم الروايات يشهد بأنّه لو أتى اللهَ بهذه الأعمال ما نفعه ذلك شيئاً، وهذا غير أنّه سوف يعاقب على ترك الصلاة المفروض أنّه أتى بها، نعم بعض الروايات القليلة يفهم منها نفي الصحّة. فالمقصود هو أنّه لا ينتفع بها بحيث يكون النظر لشأن أخروي مرتبط بالثواب عليها، فالمراد من أنّ الله لا يقبل منه هو أنّه أخرويّاً يعامله كذلك، لا أنّه يراد النظر إلى الجانب الفقهي الدنيوي في هذه الروايات، والتفصيل في محلّه.
بل يمكننا القول بأنّه حتى الإسلام ليس شرطاً في الصحّة بعنوانه على تقدير تأتّي قصد القربة منه؛ وذلك أنّه من الممكن قيام بعض غير المسلمين بالصيام الإسلامي، لا من باب الاعتقاد بنبوّة النبيّ، بل من باب الاعتقاد بأنّ هذا الفعل يقرّب إلى الله، وربما اعتقدوا بأنّ الأنبياء شخصيات ملهَمة قد يشعّ عليها النور الإلهي فيُلهمها ببعض الحقّ الذي يُريده الله منّا، بعيداً عن فكرة النبوّة، بما لها من مفهوم في الأديان الإبراهيميّة، كما نرى شبيه ذلك في بعض ديانات الشرق الآسيوي. وبهذا يصحّ الصوم من بعض المسلمين المتردّدين ـ نتيجة بعض الإشكاليّات المعاصرة مثلاً ـ في نبوّة النبيّ محمّد وهكذا، لكنّهم يقدمون على الصوم من باب القربة إلى الله ـ ولو احتياطاً ـ بناءً على التشكيك في صدق عنوان الإسلام عليهم.
قد تسأل: هل هذا يعني أنّكم تلتزمون بتكليف الكفّار بالفروع؟
والجواب: إنّ مسألة تكليف الكفّار بالفروع أمرٌ آخر، فحتى لو قلنا بعدم تكليفهم يمكنهم أن يأتوا بالعبادات، تماماً مثل الصغير غير المكلّف وتصحّ منه العبادة، ومقصود الفقهاء من شرط الإسلام أنّه حتى لو أتى بالصوم بكلّ تفاصيله لكنّه لم يكن مؤمناً بالإسلام بطل صومه.
وقد تسأل مرّةً أخرى: إذا کان الكافر غیر مکلّفٍ بالعبادة، أي لم یتوجّه الأمر إلیه، فما معنی صحّة العبادة منه؟! هل من باب الإتیان بمطلق المقرِّب دون خصوص عنوان العبادة؟ هذا مبنيٌّ علی القول بمطلوبیّة صدور العبادة من کلّ أحد، ومتوقّف علی إحرازه؛ لأنّ المتیقّن أنّ صدور العبادة مطلوب من الذي توجّه الأمر إلیه وتحصل العبادیّة بتحقق قصد هذا الأمر المتوجّه إلى المکلّف، أمّا مطلوبیّته من غیره ـ الذي یتوقّف علیها إمکان القربة بالعبادة ـ فتحتاج إلی دلیل، هذا مضافاً إلى أنّ الصحّة وصفٌ منتزع من مطابقة المأتي به للأمر، بضمیمة قصد الأمر.
والجواب: الصحّة في غير مورد الأمر قد تأتي من دليلٍ خاصّ، كما في روايات صلاة وصيام الصبيّ، وقد تأتي من أنّ ذات الفعل يمكن تصوّره من غير المكلّف به فيقع منه صحيحاً بوصف الصحّة حكماً وضعياً، أي مطابقاً في صورته وتمام حيثيّاته للصلاة الصحيحة من المسلم، لكنّ وقوعه صحيحاً لا يكون بمعنى وقوعه مجزياً إلا بالملازمة، بأن يُقال: إنّ العرف يرى أنّه لا فرق بين عبادة الكافر القربيّة الخضوعيّة التذلليّة وعبادة المسلم الامتثاليّة، فالمطلوب خارجاً قد تحقّق، فيسقط عنه، علماً أنّ قاعدة الجبّ تكفي في الإسقاط بعد إسلامه، وقد يبنى في تصحيح العبادة على كفاية تحقّق الملاك، فنحن نعرف أنّ الملاك والمصلحة متحقّقة في صلاة غير المسلم مع تحقّق قصد القربة منه؛ إذ لا فرق بينها وبين صلاة المسلم، وعليه نقول بتحقّق الملاك ولو مع عدم وجود الأمر الموجّه إليه وهكذا، وقد يُبنى على تحقّق الملاك والرغبة الإلهيّة ولو لم يكن هناك اعتبار تشريعي تكليفيّ، وهكذا على اختلاف مبانيهم في مثل المورد.
وسوف يأتي إن شاء الله البحث في مسألة تكليف الكفار بالفروع، في كتاب الحجّ.
مديات تأثير عروض الجنون على صحّة الصوم
([2]) على قاعدة عدم تحقّق قصد القربة من دونه، أمّا لو تحقّق، كما في المجنون الإدواري حال إفاقته تمام النهار فيصحّ، كما هو واضح.
إنّما الكلام لو حصل الجنون الأدواري أثناء النهار لفترة ثم ارتفع، فهل يحكم ببطلان الصوم؟
ذهب السيد محمد حسين فضل الله إلى القول بأنّه: «إذا حدث الكفر أو الحيض أو النفاس أو الجنون المطبق أثناء النهار بطل به الصوم، نعم في الجنون الأدواري إذا طلع عليه الفجر عاقلاً فنوى الصوم ثُمَّ جاءته النوبة أثناء النهار، ثُمَّ أفاق، فالظاهر عدم بطلان صومه، سواء أكانت فترة الجنون قليلة أم مستغرقة للنهار. أمّا إذا أصبح الإنسان غير صائم لكونه على حالة من تلك الحالات فزالت أثناء النهار، كأن أفاق المجنون، أو طهرت الحائض، لـم يجب الإمساك إلى الغروب».
لكنّ الأقرب عدم الفرق بين الحالتين مع بقاء وقت النيّة، نعم مع انتهاء وقتها فكلامه صحيح، فلو جنّ في الليل ثم أفاق بعد الفجر، أمكنه نيّة القضاء وصومه، بناء على أنّ وقت نية القضاء يمتدّ للزوال، لكنّه لا يقدر على ذلك في شهر رمضان، لانتهاء وقت النيّة بالفجر، وهكذا. ويتضح الأمر أكثر على تقدير سبق النية لعروض الجنون كما في حال تبييت النيّة.
ولعلّه لما قلناه، احتاط السيد محمد سعيد الحكيم في ارتفاع الجنون وتجديد النية قبل الزوال ولو في غير شهر رمضان. كما أنّ السيد محمّد باقر الصدر بنى إطلاقَ شرط العقل هنا على الاحتياط، وذلك في تعليقته على المنهاج.
مناقشة في عدم صحّة صوم النفساء
([3]) أمّا الحيض فواضح، وأمّا النفاس فعمدته الإجماع القائم بين المسلمين جميعاً، وإلا فالأخبار فيه آحاديّة وفق تتبّعنا، والإجماع محتمل المدركيّة على قاعدة إلحاقهم النفساء بالحائض، والتي ناقشناها في بحث الدماء الثلاثة، وأنّه لا دليل عليها، فراجع، لهذا فالقول ببطلان صوم النفساء مشكلٌ جداً، نعم إذا عُدّ نفاسها حالةً مرضيّة، أي في قوّة المرض من حيث خوف الضرر على النفس أو الصحّة البدنيّة، ألحقت بالمريض، من حيث عنوان المرض، لا من حيث عنوان النفاس، فانتبه.
([4]) قلنا آنفاً بأنّ حدوث الكفر أو الخلاف أثناء النهار لا يضرّ بصحّة الصوم، مع تأتّي قصد القربة.
([5]) وقد تحدّثنا عن ذلك، عند التعليق على المفطر السابع، وما تلاه من (المسائل رقم: 985 ـ 998)، فراجع.
([6]) إذ سيأتي منه بيان الحكم مع الجهل في (المسألة رقم: 1027)، وسنعلّق هناك.
في مستثنيات الصوم الواجب في السفر
([7]) العمدة هنا رواية آحادية منفردة، وهي معتبرة ضريس الكناسي، عن أبي جعفر×، قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس ، قال: «عليه بدنة ينحرها يوم النحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكّة أو في الطريق أو في أهله» (الكافي 4: 468)، فإنّ حديثها عن الصيام في الطريق شاهد المدّعى، إذ لا يكون هناك إقامة عشرة أيّام في الطريق.
ونظراً لتفرّد هذا الخبر من بين أخبار كفّارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب، والتي لم تشر إلى هذا الأمر بل أشارت للبدنة فقط، فإنّنا لا نعمل به، ونرجع لمقتضى القاعدة. بل لو تنزّلنا فإنّ ما يثبت من استثناء بدل البدنة لمن قدّم الإفاضة من عرفات هو صيام الثمانية عشر يوماً في خصوص طريق العودة احتياطاً، لا في مطلق السفر، كما تفيده عبارات فتاوى الفقهاء.
([8]) ودليله مضمرة عليّ بن مهزيار، قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب وقرأته: «لا تتركه إلا من علّة، وليس عليك صومه في سفر، ولا مرض إلا أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت منه من غير علّة فتصدق بعدد كلّ يوم لسبعة مساكين، نسأل الله التوفيق لما يحبّ ويرضى» (الكافي 7: 456).
وهي ـ مضافاً لتفرّدها وآحاديّتها ـ تشير للصوم حال المرض لو كان قد نوى ذلك، وهو غريب، كما تشير لكفّارة حنث النذر بشيءٍ مخالف للنصوص، ومع ذلك وافقوا عليها، وأخذوا بالمقدار الذي لا يخالف النصّ أو الدليل فيها، والحال أنّ هذا كلّه من موجبات وهن هذه الرواية التي لا يُعلم أصلاً أنّها مرويّة عن الإمام. ودعوى كون ابن مهزيار جليلاً فتصحّ مضمراته، قابلة للنقاش في إطلاقها، وقد سبق أن ناقشنا في حجيّة المضمرات ومقتضى القاعدة فيها، وقلنا بأنّ الجلالة لوحدها لا تكفي، حيث طرحنا معياراً آخر في حجيّة المضمرات (انظر: الحديث الشريف، حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج 1: 339 ـ 350)، فراجع.
وقد أجاد الشيخ المنتظري عندما علّق على هذا الحكم فقال: «استدلّوا لذلك بصحيحة ابن مهزيار، ودلالتها غير واضحة، وفي المتن اضطراب» (التعليقة على العروة الوثقى 2: 826).
وعليه، فلم يثبت استثناءٌ في الصوم الواجب في السفر إلا الأوّل أعلاه.
نقد استثناءات الصوم المندوب في السفر
([9]) ذكر العديد من الفقهاء أنّه لا يصحّ الصوم المندوب من المسافر، لكنّهم استثنوا من يرغب في صيام ثلاثة أيّام في المدينة المنوّرة لقضاء الحاجة، واحتاط بعضهم بكون هذه الأيّام الثلاثة هي خصوص يوم الأربعاء والخميس والجمعة.
لكنّ الأقرب عدم ثبوت هذا الاستثناء؛ لأنّ مستنده خبر آحادي منفرد، وهو خبر معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×، قال: «إن كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام، صمت أوّل يوم الأربعاء، وتصلّي ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة، وهي أسطوانة التوبة التي كان ربط إليها نفسه حتى نزل عذره من السماء، وتقعد عندها يوم الأربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلي مقام النبيّ‘ ليلتك ويومك وتصوم يوم الخميس، ثم تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبيّ‘ ومصلاه ليلة الجمعة، فتصلّي عندها ليلتك ويومك وتصوم يوم الجمعة، وإن استطعت أن لا تتكلّم بشيء في هذه الأيام إلا ما لا بدّ لك منه، ولا تخرج من المسجد إلا لحاجة، ولا تنام في ليل ولا نهار فافعل..» (تهذيب الأحكام 4: 232).
صحّة صوم المسافر الجاهل والناسي معاً
([10]) قد يقال بأنّه لا يبعد إلحاق الناسي هنا بالجاهل؛ فإنّ مطالعة النصوص في الباب كلّه تشرف بالإنسان على القناعة بأنّ إبطال صومه كان لمكان العصيان ونفي البِرّية عن هذا الصوم، والروايات التي صحّحت الصوم في حال الجهل أفادت بأنّه إذا لم يبلغه حكم رسول الله‘ فإنّه يصح صومه ولا قضاء عليه، فكأنّ الموضوع هو موضوع النهي النبويّ، وأنّ هذا الصائم في السفر يخالف هذا النهي النبوي، والمفروض أنّ الناسي حاله حال الجاهل في أنّه لا يصدق عليه مخالفة النهي النبويّ، فالمسألة ليست مربوطة بذات الصوم في السفر، بل بقيام المكلّف بمخالفة التوجيه الشرعي الموجّه إليه، والذي تشدّدت فيه الشريعة حتى وصف الرسولُ‘ الصائمين في السفر بالعصاة كما جاء في الحديث.
من هنا نستقرب جداً ـ بمقاربة النصوص لبعضها وإلغاء الخصوصيّات ـ أن يكون الناسي هنا حكمه حكم الجاهل. وبعبارة أخرى: من صام في السفر عالماً متذكّراً عامداً فقد خالف أمر رسول الله وعصى؛ لأنّ الإفطار عزيمة كالقصر الصلاتي، أمّا من فعله في غير هذه الصورة، كالناسي والجاهل، فهو خارجٌ عن لسان النصوص بعد ضمّها إلى بعضها، والله العالم.
وربما لما قلناه بنى السيد السيستاني المسألةَ هنا في الناسي على الاحتياط اللزومي، وبناها أيضاً السيد محمد سعيد الحكيم على الاحتياط الوجوبي، واستشكل الشيخ مكارم الشيرازي في عدم إلحاق الناسي بالجاهل، وذلك في تعليقته على العروة.
هذا، ولا فرق في الجهل بين أن يكون في أصل حرمة الصوم في السفر أو في الخصوصيات والتفاصيل الأحكاميّة أو في الموضوع الخارجي، كأن لا يعرف أنّ الصوم في السفر في موردٍ معين منهيٌّ عنه أيضاً، فصام، فهنا أيضاً يصحّ صومه، خلافاً للسيد علي الخامنئي الذي قال ببطلان الصوم في موردَي الجهل بالخصوصيات والموضوع.
وقد يُترقّى هنا فيقال بأنّ الناسي في الحقيقة داخلٌ في عنوان الجاهل، غايته أنّه كان يعلم سابقاً ثم لا يعلم الآن، فحتّى ما أفاده السيد الخوئي من اختصاص الحكم بالبطلان بغير العالم يشمل الناسي أيضاً؛ لأنّ الناسي غيرُ عالمٍ فعلاً، فالسؤال الجذريّ هو: هل التفكيكُ بين الجاهل والناسي بوصفهما موضوعين مستقلّين للأحكام ناشئٌ من التدقيقات الفقهيّة، أو أنّ لسان النصوص يشتمل على مثل هذا التفريق؟ فإن لم يكن هناك تفكيكٌ في لسان النصوص، كان إلغاء الخصوصيّة أسهلَ، ولو لم يكن الناسي مشمولًا باللفظ على نحو مباشر.
لكن يجاب بأنّ صدق عنوان الجاهل على الناسي صعبٌ عرفاً، أمّا تعامل العرف مع الناسي كتعامله مع الجاهل فهو أقرب. ودعوى أنّ الناسي جاهلٌ في لحظة نسيانه غير عرفيّة، والله العالم.
([11]) لأنّ المنظور هو المسافر الذي يقصر في الصلاة، دون مطلق المسافر. وهذا يظهر التصريح به من بعض الروايات، ومن دلالة روايات أخر على موارد ثبوت التمام في السفر مع ثبوت الصيام.
