التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ الكفارة ـ القسم الثالث)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(15 ـ 1 ـ 2026م)
الفصل الثالث
كفارة الصوم
...
مسألة 1023: يجب القضاء دون الكفّارة في موارد:
(الأوّل): نوم الجنب حتى يصبح على تفصيل قد مرّ([1]).
(الثاني): إذا أبطل صومه بالإخلال بالنيّة من دون استعمال المفطر([2]).
(الثالث): إذا نسي غسل الجنابة يوماً أو أكثر([3]).
(الرابع): من استعمل المفطر بعد طلوع الفجر بدون مراعاة ولا حجّة على طلوعه، أمّا إذا قامت حجّة على طلوعه وجب القضاء والكفارة، وإذا كان مع المراعاة واعتقاد بقاء الليل فلا قضاء، هذا إذا كان صوم رمضان، وأمّا غيره من الواجب ـ المعيّن أو غير المعيّن ـ أو المندوب، فالأقوى فيه البطلان مطلقاً([4]).
(الخامس): الإفطار قبل دخول الليل، لظلمةٍ ظنّ منها دخولَه ولم يكن في السماء غيم، بل الأحوط إن لم يكن أقوى وجوب الكفارة، نعم إذا كان غيمٌ فلا قضاء ولا كفّارة، وأمّا العلّة التي تكون في السماء غير الغيم ففي إلحاقها بالغيم في ذلك إشكال، والأحوط وجوباً عدمه([5]).
مسألة 1024: إذا شكّ في دخول الليل لم يجز له الإفطار، وإذا أفطر أثم وكان عليه القضاء والكفارة، إلا أن يتبيّن أنّه كان بعد دخول الليل، وكذا الحكم إذا قامت حجّة على عدم دخوله فأفطر، فتبيّن دخوله، أمّا إذا قامت حجّة على دخوله أو قطع بدخوله فأفطر فلا إثم ولا كفّارة، نعم يجب عليه القضاء إذا تبيّن عدم دخوله([6])، وإذا شكّ في طلوع الفجر جاز له استعمال المفطر ظاهراً، وإذا تبيّن الخطأ بعد استعمال المفطر فقد تقدّم حكمه([7]).
(السادس): إدخال الماء إلى الفم بمضمضة وغيرها، فيسبق ويدخل الجوف، فإنّه يوجب القضاء دون الكفارة، وإن نسي فابتلعه فلا قضاء، وكذا إذا كان في مضمضة وضوء الفريضة. والتعدّي إلى النافلة مشكل([8]).
مسألة 1025: الظاهر عموم الحكم المذكور لرمضان وغيره.
(السابع): سبق المني بالملاعبة ونحوها، إذا لم يكن قاصداً، ولا من عادته، فإنّه يجب فيه القضاء دون الكفّارة، هذا إذا كان يحتمل ذلك احتمالاً معتدّاً به([9])، وأمّا إذا كان واثقاً من نفسه بعدم الخروج، فسبقه المنيّ اتفاقاً، فالظاهر عدم وجوب القضاء أيضاً.
موارد وجوب القضاء دون الكفارة، عرض وتقويم
ذكر السيد الماتن هنا سبعة موارد تجب فيها القضاء دون الكفارة ولا بدّ من التوقّف عندها، وهي:
1 ـ نوم الجنب حتى يُصبح
([1]) وقد مرّ منّا التعليق هناك، وبخاصّة (المسألة رقم: 993)، فراجع، حتى لا نعيد.
2 ـ الإخلال بالنيّة دون ارتكاب المفطر
([2]) لما تقدّم في مباحث النيّة وغيرها، من أنّ الكفارة مترتّبة على ارتكاب أحد المفطرات، وليس منها الإخلال بالنية كما هو واضح من ألسنة النصوص. إلا إذا قيل بأنّ ذكر النصوص ارتكاب المفطر إنّما هو لبيان ما يبطل الصوم، لا لخصوص الأكل أو الشرب أو الجماع، فتجب عليه الكفارة؛ لأنّه أفسد صومه، والمفروض أنّ المخلّ بالنيّة قد أفسد صومه أيضاً، ومع ذلك فالوثوق بثبوت الكفّارة هنا غير حاصل، والاحتياط وجيه.
قد تقول: إنّ هذا الوجه يقتضي التوقّف والاحتياط الوجوبي؛ إذ يبدو عرفاً أنّ التعبير «من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً فعليه كذا وكذا» يستلزم إلغاء الخصوصية عن خصوص عنوان الإفطار، وقريبٌ جداً أن يقال بأنّ العرف يفهم منه ترك صوم شهر رمضان عمداً، فكيف لم يؤدّ هذا القرب العرفي إلى التوقّف على الأقلّ؟! أمّا فيما يتعلّق بعدم وجوب الکفّارة بالإخلال بالنية، فإنّ له تالياً فاسداً آخر، وهو أنّه إذا لم نقل بشمول الکفارة للإخلال بالنية، فإنّه يقع نوع تهافت، وقد ذهب المشهور إلى أنّ نية الصوم وقصده يبطلان بمجرّد الشك أو التردّد في إتمام الصوم، وهنا يمكن الإشكال بأنّ کلّ من أفطر فهو قبل أن يفطر، إما أنّه قد ترك قصد الصوم، أو على الأقلّ تردّد في قصد إتمامه، وفي جميع موارد الإتيان بالمفطر عمداً يقع ذلك؛ إذ يسبق الإتيان بالمفطر مرتبة يحصل فيها الإخلال بالنيّة؛ فإذا كان الإخلال بالنيّة مبطلاً، وكان في الوقت نفسه غير مستلزم للكفارة، لزم أن يكون الصوم قد بطل في جميع الموارد بأمرٍ لا يوجب الكفارة؛ لأنّ الإخلال بالنية قد وقع في مرتبةٍ سابقة على الإفطار.
والجواب: إنّ التالي الفاسد المشار إليه قد ذكره بعض الفقهاء، لكن في نهاية المطاف يصدق عليه أنّه أفطر في شهر رمضان حتى لو سبق إفطاره اختلال النية، فيترتّب الحكم عليه؛ لصدق العنوان، أمّا لماذا لم نحتط وجوباً فللتردّد القويّ في صدق عنوان أنّه أفطر، وهو العنوان المأخوذ في النصوص.
3 ـ نسيان غسل الجنابة لأيّام
([3]) قد تقدّم التعليق على ذلك في (المسألة رقم: 988)، وأنّ مستنده آحادي، وأنّ الأقرب عدم بطلان صومه، فلا يجب القضاء ولا الكفارة.
4 ـ استعمال المفطر بعد طلوع الفجر، صوره وحالاته
([4]) المستند الأصلي لجميع موارد البطلان هنا هو أنّه لم يأت بالمأمور به، فلا موجب للإجزاء؛ طبقاً للقاعدة، وأمّا موارد عدم وجوب القضاء، فلرواية خاصّة مثل خبر الحلبي.
والصحيح أن يقال: إنّه وفقاً لما تقدّم منّا في "تتميم" بحث المفطرات، فإنّه ينبغي التفصيل هنا بين الجاهل القاصر والمقصّر في جميع أنواع الصوم، فإن كان قاصراً ولا تقصير صدر منه ـ ولو كان ذلك لغفلةٍ، أو لجهل مركّب لقيام علم أو علمي على بقاء الليل ـ فلا قضاء، فضلاً عن الكفارة؛ لأنّنا قلنا بأنّ الجاهل القاصر حكمه حكم الناسي في عدم بطلان صومه، أمّا إذا كان مقصّراً، كما لو احتمل جداً أنّ الفجر قد طلع ومع ذلك لم يراعِ، وأهمل، فأكل، فتبيّن طلوع الفجر، ففي مثل هذه الحال يحكم ببطلان صومه وعليه القضاء، على القاعدة والدليل معاً، نعم مع قيام الحجّة على طلوع الفجر، ثم أكل متعمّداً يثبت في حقّه القضاء والكفارة معاً، كما صار واضحاً؛ لتحقّق العمدية. وأمّا التفاصيل الأخرى التي ذكروها، فمستندها آحاديّ.
ومن المناسب هنا التنبيه إلى أنّ ما قلناه شاملٌ لجميع أنواع الصوم، ولا يختصّ بصوم شهر رمضان، إلا في الموضع الذي يرد فيه بحث الكفارة، مضافاً إلی أنّنا قلنا سابقاً في مقدّمة بحث الکفارة بأنّ مقتضى الاحتیاط اللازم وجوب الکفارة علی الجاهل المتردّد الذی أقدم علی ارتکاب المفطر مع تردّده، فيلزم أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار هنا أيضاً.
5 ـ الإفطار قبل دخول الليل، صوره وحالاته
([5]) فصّل السيد الماتن هنا ـ بحسب ظاهر عبارته ـ في حال الإفطار قبل دخول الليل بين حالتين:
الحالة الأولى: وجود العلّة الموجبة لتصوّر دخول الليل فأفطر، وهنا قسّمها إلى قسمين:
1 ـ الغيم، وهنا أفتى بعدم وجوب القضاء ولا الكفارة، بلا تفصيلٍ ـ في ظاهر كلامه ـ بين كون الظنّ الآتي من الغيم معتبراً أو غير معتبر.
ب ـ أيّ علّةٍ أخرى غير الغيم، مثل الرياح المحمّلة بالرمال الكثيرة الحاجبة أو مثل الإضاءة الكهربائيّة القويّة في المدن والموهمة بدخول الليل، ، وهنا احتاط وجوباً بعدم ترتيب آثار علّة الغيم، ونتيجة هذا الاحتياط هو لزوم القضاء على الأقلّ.
الحالة الثانية: عدم وجود علّة موجبة من غيمٍ وغيره، لكن مع ذلك ظنّ المكلّف أنّ الليل قد دخل لرؤيته ظلمةً في السماء، وهنا حكم بوجوب القضاء، ثم ألحق به الكفارة.
والروايات هنا متعارضة، ففيما يفيد خبر سماعة وأبي بصير لزوم القضاء، تُفيد نصوصٌ أخرى كخبر الكناني والشحّام وغيرهما نفي القضاء، وقد فُهمت حالة نفي القضاء في خصوص الغيم؛ لتصريح روايتَي: الشحّام والكناني بذلك في مفروض المسألة فيهما، ومن هنا نشأت مختلف هذه التفريعات.
والصحيح ـ وفقاً لما تقدّم منّا ـ هو أنّ هنا حالتين:
1 ـ أن يثبت للمكلّف بدليلٍ من علمٍ أو حجّةٍ ظنية معتبرة أنّ الليل قد دخل، فيفطر، ثم يتبيّن له أنّ الليل لم يدخل، فهنا يكون جاهلاً قاصراً، فيترتّب عليه حكمه الذي أسلفناه، وهو أنّه يصحّ صومه ويكون حكمه كالناسي، فلا يبطل صومه مطلقاً مهما كان حال السماء والعلّة التي فيها. وهذا على مقتضى القاعدة فيما قلناه في بحث الجاهل القاصر، فلا قضاء ولا كفارة.
2 ـ أن لا يثبت للمكلّف بدليل علمٍ أو حجّةٍ معتبرة أنّ الليل قد دخل، وإنّما يكون له ظنّ لم تثبت حجيّته واعتباره شرعاً، وهنا إذا لم يكن لديه جهلٌ بالحكم يعذره، بأن كان جاهلاً جهلاً معذوراً فيه بأنّه لا يجوز له الإفطار، فإنّ الثابت في حقّه هو القضاء والكفارة. بلا فرق في منشأ الظنّ بين كونه غيماً أو غيره.
أمّا الروايات فهي متعارضة، فإمّا يحمل الظنّ في المصحّحة على العلم العادي أو الظنّ المعتبر، وعلى غيره في غيرها، أو يقال بتوقّف العمل بها وسقوط الوثوق بالصدور بعد تعارضها. وأمّا التفصيل بين الغيم وغيره، فمنفيٌّ بعدم الخصوصيّة عرفاً بمناسبات الحكم والموضوع؛ إذ العبرة بالتباس الأمر على المكلّف، وبخاصّة أنّ الحديث عن السحاب جاء في سؤال السائل، علماً أنّ خبر سماعة وأبي بصير تضمّن أيضاً الحديث عن السحاب الأسود، ومع ذلك حكم بالقضاء وأنّه أفطر متعمّداً.
([6]) قلنا آنفاً بأنّه مع قيام الحجّة أو العلم، فإنّه يكون جاهلاً قاصراً، وأنّه لا يثبت وجوب القضاء ولا الكفّارة عليه.
([7]) وتقدّم التعليق عليه آنفاً، حيث بيّنّا هناك الحكمَ الوضعيَّ، وقلنا بأنّه إذا لم يكن للمرءِ حُجّةٌ، ولم يكن جاهلاً قاصراً، فإذا أفطر، وجب عليه القضاء وكان صومه باطلاً، وإن كان له حجّةٌ عند الطلوع، وجبَ عليه القضاءُ والكفّارة، ومن الواضح أنّه يستفاد من ذلك أنّ الحكمَ التكليفيَّ، یکون هو الحرمة.
قد يقال: لو قلنا بأنّ الظن غير كافٍ هنا، فكيف يكون كافياً في المسألة السابقة حين يظنّ المكلّف طلوع الفجر، فإنّه كما جرى الاستصحاب هنا فليجرِ في المسألة السابقة من عدم حجيّة الظن، وهو ما ينسجم مع روايات الباب على كلّ حال. يضاف إلى ذلك أنّ موضوع دخول الليل هل هو متقوّم بسقوط القرص؟
والجواب: أمّا بالنسبة إلى النقطة الأولى، فالبحث في المسألة السابقة لم يكن في ظنّ المكلّف بطلوع الفجر، بل إنّ حكم عدم بطلان الصوم يرتبط بالجاهل القاصر، كفرض الغفلة والجهل المركب. وأمّا مسألة دخول الليل فهي متقوّمة بسقوط القرص.
6 ـ سبق الماء إلى جوف الصائم بسبب المضمضة وأمثالها
([8]) السائد بين العديد من الفقهاء أنّ الصائم إذا أدخل الماء إلى حلقه بمضمضةٍ أو غيرها، وصادف من غير قصدٍ منه أن دخل الماء إلى جوفه، فإن لم يكن ذلك لأجل مضمضة الوضوء لصلاة فريضةٍ، كما لو تمضمض للتبريد أو عبثاً أو لتنظيف فمه أو غير ذلك، لزمه قضاء هذا اليوم لكن لا تجب عليه الكفارة، وأمّا إذا كانت المضمضة لوضوء صلاة الفريضة، فإنّه يصحّ صومه ولا يجب عليه القضاء ولا الكفارة مطلقاً. بل كثير منهم عمّم الحكم لمضمضة وضوء الفريضة والنافلة.
وثمّة تفاصيل دخلوا فيها هنا من نوع أنّه هل يلحق الاستنشاق بالمضمضة أو بتعبير آخر: هل يلحق إدخال الماء في الأنف بإدخاله في الفم أو لا؟ كما بحثوا في أنّه هل يشمل الحكم غير الماء كما لو تمضمض بعصيرٍ مثلاً أو أدخل في فمه طعاماً مثلاً للتذوّق أو غير ذلك؟ كما وقع تفصيل بينهم في أنّ الحكم هل يختص بصلاة الفريضة أو يشمل النافلة؟ فذهب بعضٌ إلى التعميم للفريضة والنافلة، فيما خصّصه آخرون بالفريضة، بل بعضهم عمّمه لمطلق الطهارة ولو لغير الصلاة دون تفريق أيضاً بين الوضوء والغسل، وهكذا.
والظاهر من السيّد محمد حسين فضل الله أنّ وجوب القضاء هنا هو من باب الاحتياط الاستحبابي، فيما يظهر من السيد محمد محمد صادق الصدر وجوب القضاء في جميع هذه الصور دون تمييز عنده ـ حسب الظاهر ـ بين المضمضة وغيرها، وبين وضوء الفريضة وغيرها.
والظاهر أنّه في جميع هذه الحالات لو سبقه الماء، وكان لا يتوقّع أن ينزل إلى جوفه، صحّ صومه، ولا يجب عليه القضاء ولا الكفارة مطلقاً، وإن كان مقتضى الاحتياط الاستحبابي هو القضاء في غير مضمضة وضوء الفريضة.
ومقتضى القاعدة التي ذكرناها في باب الصوم هو صحّة الصوم مطلقاً في جميع هذه الحالات، لكنّ الفقهاء إنّما دخلوا في هذه التفاصيل اعتماداً على ثلاث روايات عمدة هنا، بعضها صحيح السند، وهي: خبر سماعة وخبر يونس وخبر الحلبي، مع وجود رواية لعمّار تحتمل إطلاقاً يصحّح كلّ هذه الصور تقريباً إن لم نقل تحقيقاً، ويقف لصالح مقتضى القاعدة، غير أنّ الفقهاء قيّدوا رواية عمار ـ بناء على إطلاقها ـ برواية سماعة، ثم قيّدوا رواية سماعة برواية الحلبي، فنتجت عندهم تفصيلات.
وأنت ترى أنّها روايات آحاديّة، بل وفقاً لما توصّلتُ إليه في بعض البحوث المرتبطة بمعالجات الجمع العرفي بين النصوص، يبدو لي أنّ بعض هذه الروايات سوف يعاني من سوء بيان على تقدير قبوله التخصيص بالمخصّص المنفصل، فالإمام في خبر سماعة يوجب القضاء على العبث بالماء، لكنه يستثني حالة الوضوء، دون أن يشرح أيَّ نوعٍ من الوضوء، وفي المقابل نجد في خبر عمار ـ لو سلّمنا أنّه يتحدّث عن خصوص مضمضة الوضوء ـ أنّ الإمام لا يميّز، رغم تكرار السائل السؤال عن المضمضة الثانية والثالثة، بما يبدو أنّه في مقام معرفة تفصيليّة للحكم، لا يميّز له بين الفريضة والنافلة، في حين خبر الحلبي واضح في التمييز بينهما، ووفقاً لمسالك الفقهاء في معالجة هذا اللون من النصوص فهم لا يشعرون بحرج فيها، لكنّني أعتبر ـ كما بحثناه مفصّلاً في محلّه ـ أنّ قواعد الجمع العرفي لا بدّ لها أن تستبطن تبريراً معقولاً لعدم صدور القيود ـ غير نادرة التحقّق ـ من النبيّ أو الإمام في بعضها دون بعض، خاصّة وأنّ السائلين هنا هم من كبار فقهاء أصحاب الأئمّة كالحلبي وعمار وسماعة ويونس، هذا ورواية يونس تتحدّث عن المضمضة في وقت فريضة لا لصلاة الفريضة، ولعلّ المراد شيءٌ واحد. والمجال يسع لمزيد تفصيل نتركه هنا.
قد تقول: انطلاقاً مما أشرتم إليه في موضوع نكتة الحرمة التحفّظية، أنّه إذا ألغينا خصوصيةَ الأحكام التحفّظية، كما يفعل العرفُ غالباً، وجبَ في هذه الحالات الحكمُ ببطلان الصوم؛ لأنّ الشارعَ قد أبدی اهتمامه بأن لا يضع الإنسانُ نفسه في معرض بطلان الصوم، ومن هذا الاهتمام يمكن استنتاج أنّ الشخص قد أوقع نفسه في بطلان الصوم، فصومه باطلٌ، ولا أقلّ من التفصیل بین الذي یعلم أنّه بارتکاب هذا الفعل یوقع نفسه في معرض بطلان الصوم وهو معلوم لنوع الناس وبین الذي لایعلم أو حصل له القطع بأنّه لاینزل شيء من الماء إلی جوفه فاتفق نزوله، كما أنّكم لم تشيروا إلى أنّ وجهَ استثناء المضمضة في الوضوء ما هو؟
والجواب: إنّ الحرمة النفسيّة تحفظيّة، بمعنى يحرم عليك نفسيّاً فعل ذلك، وغرضنا عدم وقوعك في المفطر الواقعي، أمّا هنا فليس هناك حرمة تحفظيّة في المورد، والتصحيح على القاعدة؛ لعدم وجود تعمّد الإفطار، بل هو سبق الماء للجوف لا شرب الماء، فهو كالموجَر في حلقه. نعم، قد يقال: إنّ وجودَ احتمالٍ معتدّ به عند المکلف یکفي لصدقِ أنّه خالفَ التحفّظَ عن صدور المفطر، لكنّنا نريد هنا الإشارةَ إلى ما لهُ موضوعيةٌ ومحورية حقيقية في المسألة، وبيان النكتة التي يدور الحكم مدارها.
7 ـ سبق المنيّ بالملاعبة
([9]) لا يكفي الاحتمال المعتدّ به بعنوانه، ما لم يصدق عرفاً أنّه مفرّط في التحفّظ على فعل المفطر، فيصدق عليه صدور المفطر منه عرفاً وإيقاع نفسه فيه.
هذا، وقد قلنا في بحث مفطريّة نزول المني أنّ المفطر ليس مطلق نزول المنيّ أو إنزاله، بل خصوص الإنزال الآتي من العلاقة الجنسيّة ولو لم يكن فيها دخول، فراجع.
