hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ الكفارة ـ القسم الثاني)

تاريخ الاعداد: 1/15/2026 تاريخ النشر: 1/15/2026
130
التحميل

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(8 ـ 1 ـ 2026م)

 


 

الفصل الثالث

كفارة الصوم‌

...

مسألة 1009: يجب في الإفطار على الحرام كفارة الجمع بين الخصال الثلاث المتقدّمة على الأحوط([1]).

مسألة 1010: إذا أكره زوجته على الجماع في صوم شهر رمضان، فالأحوط أنّ عليه كفارتين وتعزيرين، خمسين سوطاً، فيتحمّل عنها الكفّارة والتعزير، ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة، ولا تلحق بها الأمة، كما لا تلحق بالزوج الزوجة إذا أكرهت زوجها على ذلك([2]).

مسألة 1011: إذا علم أنّه أتى بما يوجب فساد الصوم، وتردّد بين ما يوجب القضاء فقط، أو يوجب الكفارة معه، لم تجب عليه، وإذا علم أنّه أفطر أياماً ولم يدرِ عددها، اقتصر في الكفارة على القدر المعلوم. وإذا شكّ في أنّه أفطر بالمحلّل أو المحرّم كفاه إحدى الخصال. وإذا شك في أنّ اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه وقد أفطر قبل الزوال، لم تجب عليه الكفارة، وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكيناً([3]).

مسألة 1012: إذا أفطر عمداً، ثم سافر قبل الزوال، لم تسقط عنه الكفّارة([4]).

مسألة 1013: إذا كان الزوج مفطراً لعذرٍ، فأكره زوجته الصائمة على الجماع، لم يتحمّل عنها الكفارة، وإن كان آثماً بذلك، ولا تجب الكفّارة عليها.

مسألة 1014: يجوز التبرّع بالكفارة عن الميّت ـ صوماً كانت أو غيره ـ وفي جوازه عن الحيّ إشكال([5]).

مسألة 1015: وجوب الكفّارة موسّع، ولكن لا يجوز التأخير إلى حدّ يعدّ توانياً وتسامحاً في أداء الواجب([6]).

مسألة 1016: مصرف كفّارة الإطعام الفقراء إمّا بإشباعهم، وإمّا بالتسليم إليهم، كلّ واحد مدّ، والأحوط مدّان، ويجزي مطلق الطعام من التمر والحنطة والدقيق والأرز والماش وغيرها مما يسمى طعاماً، نعم الأحوط في كفارة اليمين الاقتصار على الحنطة ودقيقها وخبزها.

مسألة 1017: لا يجزي في الكفارة إشباع شخص واحد مرّتين أو أكثر، أو إعطاؤه مدّين أو أكثر، بل لا بدّ من ستين نفساً([7]).

مسألة 1018: إذا كان للفقير عيال فقراء جاز إعطاؤه بعددهم إذا كان وليّاً عليهم، أو وكيلاً عنهم في القبض، فإذا قبض شيئاً من ذلك كان ملكاً لهم([8])، ولا يجوز التصرّف فيه إلا بإذنهم إذا كانوا كباراً، وإن كانوا صغاراً صرفه في مصالحهم كسائر أموالهم.

مسألة 1019: زوجة الفقير إذا كان زوجها باذلاً لنفقتها على النحو المتعارف لا تكون فقيرةً، ولا يجوز إعطاؤها من الكفّارة إلا إذا كانت محتاجة إلى نفقة غير لازمة للزوج من وفاء دينٍ ونحوه.

مسألة 1020: تبرأ ذمّة المكفّر بمجرّد ملك المسكين، ولا تتوقّف البراءة على أكله الطعام، فيجوز له بيعه عليه وعلى غيره([9]).

مسألة 1021: تجزي حقّة النجف ـ التي هي ثلاث حقق إسلامبول وثلث ـ عن ستة أمداد([10]).

مسألة 1022: في التكفير بنحو التمليك يعطى الصغير والكبير سواء، كلّ واحد مدّ([11]).


 

عدم وجوب كفارة الجمع في الإفطار على الحرام

([1]) يذهب الكثير من الفقهاء المتأخّرين على زمن العلامة الحلّي (726هـ) إلى أنّه لو أفطر الصائم على محرّم كالزنا أو أكل الطعام المغصوب أو شرب الخمر أو نحو ذلك، لزمه كفارة الجمع، بمعنى عتق رقبة مع إطعام ستين مسكيناً مع صيام شهرين متتابعين، ولا يكفيه أحد هذه الأمور الثلاثة.

ويظهر بالمراجعة التاريخيّة أنّ هذا الرأي ظهر بجدّية منذ زمن العلامة الحلّي، وأنّ المشهور قبله كان الكفارة التخييريّة، وليس كفارة الجمع.

غير أنّه ومنذ مطلع القرن العشرين تقريباً حدث تحوّل واضح في المواقف الفقهيّة، وذلك على خطّين:

الخطّ الأوّل: عدم الإفتاء بكفارة الجمع في الإفطار على الحرام، واستبداله بالاحتياط الوجوبي مع وجود مناقشات في البحوث العلمية حول دليل كفارة الجمع وعدم اقتناعهم به. ومن هؤلاء العلماء الذين احتاطوا وجوباً: الميرزا النائيني، والسيد الخوئي، والسيد محمّد الروحاني، والسيد الخميني، والشيخ المنتظري، والشيخ فاضل اللنكراني، والشيخ محمد تقي بهجت، والشيخ عبد الله جوادي الآملي، والشيخ الوحيد الخراساني، والسيد محمود الهاشمي، وغيرهم.

الخطّ الثاني: الإفتاء بكفاية الكفارة التخييريّة، مع الاحتياط الاستحبابي بكفّارة الجمع، ومن هؤلاء العلماء: السيّد كاظم الحائري، والسيد علي السيستاني، والسيّد محمّد حسين فضل الله، والشيخ محمّد إسحاق الفياض، وغيرهم.

والصحيح عدم ثبوت كفارة الجمع في الإفطار على الحرام، بل الكفارة فيه كالكفارة في غير الحرام؛ إذ عمدة الدليل هنا حوالي ثلاث روايات آحاديّة، بعضُها لا دلالة فيه، وبعضُها الآخر ضعيف الإسناد، إضافة لمناقشات أخرى.

وبيان ذلك أنّ عمدة النصوص هنا هو الآتي:

الرواية الأولى: خبر سماعة، قال: سألته عن رجل أتى أهله في رمضان متعمّداً، فقال: «عليه عتق رقبة، وإطعام ستين مسكيناً، وصيام شهرين متتابعين، وقضاء ذلك اليوم، وأنّى (وأين) له مثل ذلك اليوم».

وقد علّق الحر العاملي فقال: «حمله الشيخ على أنّ المراد بالواو التخيير دون الجمع، كقوله تعالى: «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع». قال: ويحتمل أن يكون مخصوصاً بمن أتى أهله في حال يحرم فيها الوطء كالحيض والظهار قبل الكفارة واستدلّ بالحديث السابق. ولا يخفى رجحان الثاني بل تعيينه لنصّ الرضا× على تأويله به، بل إرادته منه، ويحتمل الحمل على الاستحباب» (تفصيل وسائل الشيعة 10: 54 ـ 55).

وقد تعرّضت هذه الرواية لمناقشات أهمّها:

المناقشة الأولى: ما ذكره السيد الخوئي، من أنّ الرواية مذكورة في كتاب نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن عثمان بن عيسى عن سماعة، إلا أنّه توجد فيها «أو»، بدل الواو، ومع التردّد يحصل الشكّ ولا تعود هناك حجيّة لنسخة الواو (الموسوعة (المستند) 21: 315).

المناقشة الثانية: ما ذكره الخوئي أيضاً، قائلاً: «لو سُلَّم اشتمالها على كلمة الواو فبما أنّ حملها على التخيير وكونها بمعنى «أو» خلاف الظاهر، فهي معارضة لا محالة لنصوص التخيير، والجمع بينهما بحمل هذه على الإفطار بالحرام وتلك بالحلال جمعٌ تبرّعي لا شاهد له بعد أن كان التعارض بالإطلاق. نعم، لو ثبت من الخارج كفّارة الجمع في الإفطار بالحرام كان ذلك شاهداً للجمع المزبور، وخرج عن كونه تبرّعيّاً، وإلَا فبنفس هذه الرواية لا يمكن إثبات كفّارة الجمع في المحرّم، إذ لا وجه لحمل أحد المطلقين المتعارضين على صنف والآخر على صنف آخر من غير قرينة تقتضيه، فإمّا أن تُلغى هذه الموثّقة لعدم مقاومتها مع نصوص التخيير كما لا يخفى، أو تُحمَل على الأفضليّة» (المصدر نفسه: 315).

المناقشة الثالثة: إنّه بغض النظر عمّا تقدّم، فلا بدّ على أقصى تقدير من أن نقيّد إطلاقات نصوص التخيير بحال مقاربة الرجل أهله في شهر رمضان على حرام، لا أزيد، فلا تثبت هذه الرواية أكثر من كفارة الجمع في بعض مفردات الإفطار على الحرام. ورفع الخصوصيّة لا يظهر من الرواية.

الرواية الثانية: خبر أبي الحسين الأسدي، فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، يعني عن المهدي، فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً بجماع محرّم عليه أو بطعام محرّم عليه أنّ عليه ثلاث كفارات (تفصيل وسائل الشيعة 10: 55).

لكنّ الاستدلال بهذه الرواية تعرّض لمناقشات أهمّها:

المناقشة الأولى: ما ذكره السيد الخوئي، قائلاً: «لا يخفى أنّ التفسير المزبور أعني قوله: يعني عن المهدي×، من كلام صاحب الوسائل، وإلَّا فعبارة الفقيه خالية من ذلك. ومن هنا قد تناقَش في الاستدلال بالرواية بأنّها مقطوعة، إذ لم يسندها العمري إلى الحجّة×، ولعلَّه كان فتوى منه، فكيف اعتمد عليه الصدوق؟!».

ثم أجاب الخوئي عن هذا الإشكال فقال: «ولكنّ هذا كما ترى بعيدٌ غايته؛ إذ لا يحتمل أن يكون ذلك فتوى العمري نفسه الذي هو نائب خاصّ، وكيف يستند الصدوق إلى هذه الفتوى المجرّدة؟! فتفسير الوسائل في محلَّه والأمر كما فهمه، لكنّ عبارته توهم أنّه من الصدوق، وليس كذلك كما عرفت» (الموسوعة (المستند) 21: 316).

لكن قد يرد على جواب السيد الخوئي بأنّه من الممكن أن يكون الصدوق اعتمد على مقدمات حدسيّة اجتهاديّة جعلته يستبعد احتمال كون الرواية عن العمري نفسه، كما يحصل كثيراً، ومن ثمّ فلا يعود إسناد النصّ إلى الإمام راجعاً إلى مصدر حديثي حسّي، وإنّما إلى عمليّة حدسيّة اجتهاديّة، مما يسمح لنا بمناقشة ذلك برفع استبعاد كونه فتوى العمري، ولا أقلّ من أنّها قد تكون محاولة منه للجمع بين نصوص عدّة أو ما فهمه من ذلك، وإن كان هذا الاحتمال يضعف عندما نعرف أنّ "السفراء الأربعة" لم يُعرفوا بالفقاهة والإفتاء، كما بحثناه في محلّه من كتاب حجية الحديث، فراجع.

المناقشة الثانية: إنّ طريق الصدوق إلى الأسديّ مجهول، فتعود الرواية مرسلة لا يُعتمد عليها.

المناقشة الثالثة: إنّ الرواية غير واضحة في كفارة الجمع، فإنّها قالت: «ثلاث كفارات»، بصيغة التنكير، ومن الممكن أن يكون المعنى ثلاث كفارات، كلّ منها كفارة تخيير، وهذا غير كفارة الجمع. ومثل هذا التعبير ورد في بعض النصوص، فراجع الباب 11 ـ 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم من (تفصيل وسائل الشيعة 10: 55 ـ 57).

الرواية الثالثة: خبر عبد السلام بن صالح الهرويّ، قال: قلت للرضا×: يا ابن رسول الله، قد روي عن آبائك عليهم السلام فيمن جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه، ثلاث كفارات، وروي عنهم أيضاً كفارة واحدة، فبأيّ الحديثين نأخذ؟ قال: «بهما جميعاً، متى جامع الرجل حراماً أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، وقضاء ذلك اليوم، وإن كان نكح حلالاً أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة، وإن كان ناسياً فلا شيء عليه» (تفصيل وسائل الشيعة 10: 54).

وهذه الرواية ظاهرة في المطلوب من حيث الدلالة، غير أنّ الكلام وقع في سندها، حيث جاء فيه علي بن محمّد بن قتيبة ـ وغيره ـ الذي لم تثبت وثاقته على التحقيق.

بل إنّ روايات كفارة الجمع معارضة بخبر الفتح بن يزيد الجرجاني، أنّه كتب إلى أبي الحسن×، يسأله عن رجل واقع امرأةً في شهر رمضان من حلال أو حرام في يوم عشر مرات؟ قال: «عليه عشر كفّارات لكلّ مرّة كفارة، فإن أكل أو شرب فكفارة يوم واحد» (تفصيل وسائل الشيعة 10: 55).

إلا إذا قيل بأنّ هذه الرواية بصدد بيان عدد الكفارات بقطع النظر عن تحديد كلّ كفارة، وأنّها كفارة جمع أو تخيير، مضافاً لضعفها السندي.

والحاصل هو أنّ الروايات هنا بين ضعيف الدلالة وضعيف السند، فضلاً عن قلّتها وآحاديّتها. وشهرة الفتوى جاءت بعد عصر الحلّي، فلا تُسعف ضعفَ الروايات، فلم تثبت كفارة الجمع هنا مطلقاً.

 

إكراه أحد الزوجين الآخرَ على الجماع، الحكم التكليفي وعدم ثبوت عقوبة محدّدة

([2]) هنا حالتان:

الحالة الأولى: إكراه الزوج زوجته على الجماع، ولا شكّ في ثبوت الكفارة عليه دونها، لحديث الرفع وأمثاله، لكن قيل بلزوم كفارتين عليه وتعزيرين، عملاً برواية آحادية، وهي خبر المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله×، في رجل أتى امرأته، وهو صائم وهي صائمة، فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفارة وعليها كفارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحدّ، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً وضربت خمسة وعشرين سوطاً» (الكافي 4: 103 ـ 104).

لكنّ الرواية ـ مضافاً لتفرّدها وآحاديّتها ـ ضعيفة السند، لا أقلّ بإبراهيم بن إسحاق الأحمر الضعيف. لكن لو قلنا بها، فالحكم يشمل الدائمة والمنقطعة، لكنّه لا يشمل الأمة؛ لأنّ الرواية ذكرت «امرأته»، وهو ظاهر في الزوجة، وإن كان من غير البعيد الشمول للأمة ولو بإلغاء الخصوصيّة.

الحالة الثانية: إكراه الزوجة زوجها على الجماع، ولا شكّ في ثبوت الكفارة عليها دونه للدليل عينه، والاستناد لخبر المفضل بن عمر برفع الخصوصيّة محتمل، لكن قلنا بأنّ أصل الحكم لم يثبت، فلا تعدّد في الكفارات ولا تعزير معيّناً في هذا المورد مطلقاً.

([3]) ما ذكره الماتن من صور وفروض هنا كلّه صحيح عدا الصورة الأخيرة، فإنّ اللازم عليه هو إطعام عشرة مساكين فقط، ولا يجب ما هو أكثر من ذلك.

 

عدم ثبوت الكفارة على من أفطر ثم سافر في اليوم نفسه سفراً يوجب الإفطار

([4]) عمدة الدليل هنا هو أنّ نصوص الباب تدلّ على عنوان الإفطار، والمفروض تحقّقه بالنسبة لمن أفطر ثم سافر قبل الظهر، مضافاً لرواية آحادية منفردة قيل بدلالتها، لكنّ المفهوم من النصوص أنّ عنوان الإفطار يقصد منه إبطال الصيام الشرعي الثابت، في حين أنّ السفر قبل الزوال يكشف عن عدم وجوب صيام هذا اليوم بالنسبة إليه، بل عدم صحّته، فلا يكون قد أبطل صومه، فيكون إفطاره في الحقيقة صورة إفطار انكشف لنا ذلك بعد السفر، نعم يكون متجرّياً ويجب عليه القضاء، لكنّ إيجابه للكفارة غير واضح. والأمر عينه يجري فيما لو أفطر، ثم مرض أو حاضت المرأة أثناء النهار، فإنّه يكون متجرّياً ولا تلزمه الكفارة. بلا فرق في هذا كلّه بين أن يقدم على السفر ونحوه اختياراً للفرار من الكفّارة أو لا.

ومن هنا قال الشيخ المنتظري في (التعليقة على العروة الوثقى 2: 235): «لو كان الموضوع للكفّارة إفطار الصوم الشرعيّ، كان مقتضاه عدم وجوب الكفّارة في هذا المثال وما بعده من الأمثلة؛ إذ الصوم عبارة عن مجموع الإمساك من الفجر إلى الليل الملحوظة بنحو الارتباط والوحدة مع الشرائط، وعدم السفر والمرض والحيض شروط للوجوب والواجب معاً. فمن كان في علم الله تعالى مريضاً أو حائضاً أو مسافراً أو نحو ذلك ليس إمساكه صوماً شرعيّاً، وإن وجب عليه الإمساك تأدّباً ما لم يتحقّق هذه الموانع. وظاهر الأخبار كون الكفّارة مترتّبة على إفطار ما هو الصوم واقعاً، لا مطلق الإفطار المحرّم؛ فثبوت الكفّارة في جميع هذه الصور مبنيّ على الاحتياط؛ ولكن لا يترك بالنسبة إلى من كان عذره باختياره كالسفر، ولا سيّما في الجماع والاستمناء».

وقد فصّل السيد الخميني فأفتى بالكفارة لو سافر فراراً من الكفارة، واحتاط وجوباً في غيره، أمّا في سائر الموارد غير السفر فأفتى بسقوط الكفارة، ومثله الفاضل اللنكراني في خصوص السفر. وذهب السيد محمد صادق الروحاني إلى الاحتياط الوجوبي لو سافر اختياراً، والسقوط لو لم يكن اختياراً. أمّا السيد السيستاني ففصّل بين السفر، فوافق الماتن، وغيره، فذهب إلى ما قلناه. وغالب الظنّ أنّه لا يرى موجباً للكفارة بحسب القاعدة، لكنّ الرواية الآحادية قد تكون دفعته لذلك هنا، واحتاط السيد محمد الروحاني وجوباً في المسألة (أعلاه) كلّها في باب السفر، وكانت لغير واحد من المحشّين على العروة احتياطات وتوقّفات هنا ولو في بعض الصور، مثل السيد البروجردي والشيخ الحائري والشيخ آل ياسين والسيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي، فراجع.

هذا كلّه لو كان السفر قبل الزوال، أمّا بعد الزوال فتثبت الكفارة في حقّه، بصرف النظر عما سيأتي بحثه في موضوع التفصيل في السفر ما قبل الزوال وبعده.

([5]) قد تقدّم في مباحث صلاة الاستئجار الحديث عن هذا كلّه، والنتيجة: إنّ التبرّع عن الحيّ مشكل جداً، بل لم يثبت، أمّا عن الأموات فلا بأس به لكن بمعنى أن يكون نائباً عنه قائماً مقامه في ذلك. وقد حقّقنا في محلّه من كتابنا (دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 5: 502 ـ 504) أنّ الكفارات أمور عباديّة مشروطة بالنية وقصد القربة.

([6]) وهذا واضح؛ لعدم الدليل على الفوريّة.

([7]) لظهور النصوص في ذلك كما لا يخفى. نعم لو كانت عليه ثلاث كفارات أمكنه أن يعطي الفقير نفسَه ثلاث حصص، حصّة من كلّ كفارة، وهكذا.

([8]) بمقتضى ولايته أو وكالته.

 

مدى إمكان التعامل مع الكفارة خارج سياق الإعانة الغذائيّة

([9]) في النفس شيء من عدم استفادة الفقير من الطعام، إلا لأمر يحتاجه فاضطرّ للبيع، فالأحوط وجوباً عدم بيعه له إلا لحاجة. ومنشأ تردّدنا في جواز البيع هو التردّد في كفاية التمليك الخالص، ولهذا نحن نحتاط أيضاً وجوباً بجعل سقوط التكليف موقوفاً على تحقّق الإطعام ولو بالقوّة، كإعطائه ما يأكله أو قيمة ما يأكله. ومنه يظهر أنّ احتياطنا هذا لا يشمل ما لو أعطاه طعاماً ثم باع الفقير الطعام له مقابل طعامٍ آخر.

([10]) هذا شأنٌ تطبيقي مصداقي، وليس حكماً فقهياً كلياً، فيُرجع فيه لأهل الخبرة في التقديرات التي من هذا النوع.

([11]) عملاً بمقتضى إطلاقات النصوص، أمّا في الإشباع فتحقّقه لكلّ فرد بحسابه، وقد يختلف عن الآخر، ولا سيما بين الكبير والصغير، فيؤخذ كلّ فرد بحسابه ولا يلزم أن يُعطى الصغير بعد إشباعه ما به التفاوت بين طعامه وطعام الكبير، خلافاً لما توحيه عبارات بعض الفقهاء، مثل السيد محمد سعيد الحكيم.