التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ الكفارة ـ القسم الأوّل)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(1 ـ 1 ـ 2026م)
الفصل الثالث
كفارة الصوم
تجب الكفارة بتعمّد شيءٍ من المفطرات إذا كان الصوم مما تجب فيه الكفارة، كشهر رمضان وقضائه بعد الزوال، والصوم المنذور المعين. والظاهر اختصاص وجوب الكفارة بمن كان عالماً بكون ما يرتكبه مفطراً. وأمّا إذا كان جاهلاً به فلا تجب الكفارة، حتى إذا كان مقصّراً ولم يكن معذوراً لجهله([1])، نعم إذا كان عالماً بحرمة ما يرتكبه، كالكذب على الله سبحانه وجبت الكفارة أيضاً، وإن كان جاهلاً بمفطريّته([2]).
مسألة 1007: كفارة إفطار يوم من شهر رمضان مخيّرة بين عتق رقبة، وصوم شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، لكلّ مسكين مدّ، وهو يساوي ثلاثة أرباع الكيلو تقريباً([3]). وكفارة إفطار قضاء شهر رمضان ـ بعد الزوال ـ إطعام عشرة مساكين، لكلّ مسكين مدّ، فإن لم يتمكّن صام ثلاثة أيام([4]). وكفّارة إفطار الصوم المنذور المعيّن كفارة يمين، وهي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، لكلّ واحد مدّ، أو كسوة عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام([5]).
مسألة 1008: تتكرّر الكفارة بتكرّر الموجب في يومين، لا في يوم واحد، إلا في الجماع والاستمناء، فإنّها تتكرّر بتكرّرهما([6])، ومن عجز عن الخصال الثلاث فالأحوط أن يتصدق بما يطيق ويضمّ إليه الاستغفار ويلزم التكفير عند التمكّن، على الأحوط وجوباً([7]).
([1]) إلا إذا كان محتملاً المفطريّة ومتردّداً في ذلك، ومع ذلك أقدم، فإنّ مقتضى الاحتياط اللازم هو الكفارة.
([2]) على الأحوط استحباباً، وإلا فالأقوى أنّه ارتكب حراماً، لكنّه لا تجب عليه الكفّارة. والمثال الذي ذكره رحمه الله ـ وهو الكذب على الله سبحانه ـ سبق أن قلنا بأنّه ليس من المفطرات أصلاً، فلا قضاء معه ولا كفارة مطلقاً.
تعيين كفارة الإفطار في شهر رمضان
([3]) تعرّض السيّد الماتن هنا لمجموعة أمور، نتناولها وبعض ما يتصل بها بالترتيب:
1 ـ في أنّ الكفارة في إفطار شهر رمضان هي كفارة تخييريّة
أي ليست ترتيبية ولا منحصرة بالعتق أو الإطعام أو الصوم، وهذا هو الأقرب؛ لأنّ النصوص مع تعارضها يكون القدر المتيقّن منها هو التخيير، على ما أفاده الماتن نفسه في بحوثه الاستدلاليّة.
2 ـ عدم ثبوت اشتراط الانتماء الديني أو المذهبي الخاص في الكفّارة (الرقبة) ومصرفها
ذهب بعض الفقهاء من الإماميّة ـ مثل ابن إدريس الحلّي وغيره ـ إلى أنّ الرقبة (الرقيق/ملك اليمين) التي يعتبر عتقها أحد أفراد بعض الكفّارات المشرّعة في الشريعة الإسلاميّة، يُشترط فيها ـ أي في العبد أو الأمة المعتقَين ـ أن يكون شيعيّاً إماميّاً من الطائفة الاثني عشريّة، فلا يُجزي عتق مسلمٍ ليس من الإماميّة.
كما ذكر بعض الفقهاء أنّ الفقير الذي يُعطى من الكفّارات، مثل كفارات إطعام ستين مسكيناً أو عشرة مساكين أو غير ذلك، لابدّ أن يكون شيعيّاً إماميّاً، فلا يُجزي إطعام غير الإماميّ في هذا المجال. وبعضُ الفقهاء المتأخّرين ـ مثل السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي والسيد محمد الروحاني والسيد صادق الروحاني وغيرهم ـ بنى هذه المسألة على الاحتياط الوجوبي.
لكنّ العديد من الفقهاء رفضوا شرط الانتماء المذهبي الخاصّ في الرقبة وفي الفقير وأمثاله هنا، واحتاط بعضهم استحباباً في الموردين معاً مثل السيد محمّد باقر الصدر وغيره.
والأقرب أنّه لا يُشترط لا في الرقبة ولا في مصرف الكفارة والفقراء الذين يعطَون منها، لا يشترط أن يكونوا منتمين لمذهبٍ إسلاميّ بعينه، بل يكفي مطلق المسلم المعتقد بالإسلام، بل بعض الموارد لا يشترط فيها الإسلام أيضاً، ومنها كفارة الإفطار في شهر رمضان حيث إنّ جميع الروايات هنا تقريباً ـ على كثرتها ـ ذكرت عتق رقبة أو ستين مسكيناً ولم تقيّدها لا بالمسلم ولا بالشيعي ولا بغير ذلك. ورواية المشرقي التي ورد فيها الرقبة المؤمنة ضعيفة السند.
والأدلّة هنا عامّة من نوع دعوى الإجماع، أو الشهرة، أو ذهاب بعض الفقهاء إلى ذلك، أو بعض الكليّات والتفاصيل التي ناقشناها بالتفصيل في شرط الانتماء المذهبي في مستحقّ الخمس والزكاة، في كتابنا (دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 4: 337 ـ 391)، وغير ذلك مما لا نطيل فيه هنا، فراجع.
3 ـ تحديد معنى الشهرين المتتابعين في صوم الكفّارة
ذكر مشهور فقهاء الإماميّة أنّ صيام شهرين متتابعين في الكفارة المخيّرة أو المرتّبة أو كفارة الجمع، مثل كفارة الإفطار العمدي ليوٍم من شهر رمضان المبارك أو كفارة الظهار أو كفارة القتل.. ذكروا أنّ معنى الشهرين المتتابعين هو أن يصوم المكلّف الشهر الأوّل كاملاً بلا انقطاع، ثم يكفيه أن يصله ولو بيومٍ واحدٍ من الشهر الثاني، وبعد ذلك يمكنه صيام بقيّة الأيّام كما شاء موصولةً أو مفرَّقةً، لعذرٍ أو لغير عذر.
لكنّ بعض الفقهاء ذهبوا لوجوب الاستمرار في الصيام حتى نهاية الشهر الثاني، كما هو المنسوب إلى مثل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى والحلبي وأمثالهم، وفهم بعض الفقهاء منهم الوجوب التكليفي للتتابع، لا اشتراط إجزاء صيام شهرين متتابعين بالتتابع حتى نهاية الشهر الثاني.
وجمهور المعاصرين على القول المشهور، لكنّ السيد علي السيستاني بعد تحديده التتابع بالمعنى المشهور قال: «..ويجوز التفريق بعد ذلك على إشكال فيما إذا لم يكن لعارضٍ يعدّ عذراً عرفاً». كما ولعلّ ظاهر عبارة الشيخ محمّد الصادقي الطهراني هو لزوم المتابعة التامّة، لاستخدامه تعبير «ستين يوماً» بدل تعبير «الشهرين المتتابعين»، والله العالم.
أمّا في الفقه السنّي، فالظاهر أنّ الجمهور ذهب إلى أنّ التتابع لازمٌ في تمام أيّام الشهرين على استثناءات وقع فيها تفصيلٌ بينهم، من نوع ما لو طرأ عذرٌ للمرأة أو مرض على المكلّف أو غير ذلك أو جاء يوم عيدٍ تخلّل أيامَ صوم الكفارة أو نحو ذلك.
والأقرب أنّ ظاهر النصّ القرآني ونصوص السنّة الشريفة هو أنّ الشهرين المتتابعين يشترط وقوعهما بتمام أيّامهما متتابعين، فعليه صيام الستين يوماً مثلاً أو نحو ذلك متتابعةً كلّها، ولا يكفي وصل الشهر الأوّل بمجرّد يوم أو يومين من الشهر الثاني في صدق التتابع والإجزاء عن الواجب. نعم لو عرضه ـ وبخاصّة في الشهر الثاني ـ عارضٌ طارئ أوجب عذراً له للإفطار ولم يكن يمكنه من الأوّل الفرار منه، أمكنه الإفطار، ثمّ يستمرّ في التتابع، معوّضاً فوراً اليوم الذي فاته.
وقد أقرّ غير واحدٍ من الفقهاء بأنّ ظاهر عنوان الشهرين المتتابعين الوارد في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة هو وقوع الشهرين كاملين متّصلين ببعضهما، غير أنّ الذي دفعهم للخروج عن ظاهر الكتاب والسنّة هو بعض الروايات، وعمدتها رواية الحلبي عن الإمام جعفر الصادق، والتي جاء فيها تعبير «والتتابع أن يصوم شهراً ويصوم من الآخر شيئاً أو أيّاماً منه..»، فتدلّ هذه الرواية على كفاية التتابع بين عنوان الشهرين لا بينهما بكاملهما.
غير أنّ التأمّل في هذا الحديث ـ مضافاً لكونه خبراً آحاديّاً، ولاحتمال كون هذه الجملة إدراجاً، واحتمال كون المقطع اللاحق منه مرتبطاً عضويّاً بالمقطع محلّ الشاهد، فلا يكون في محلّ الشاهد إطلاق ـ هو أنّه مخالفٌ لظاهر عنوان الشهرين المتتابعين الوارد في الكتاب والسنّة، ودعوى حكومة خبر الحلبي على ظاهر مفاد تلك النصوص غير واضحة، بل هو نوعٌ من التعارض بحسب الفهم العرفي البعيد عن التكلّف والتأوّل. بل إنّ بعض الروايات ـ مثل خبر أبي بصير ـ يُفهم منه أنّه يجب عليه التتابع حتى النهاية، غايته أنّه لو عرضه عذرٌ ألزمه الإفطارَ، فإن كان العذرُ في الشهر الأوّل لزمته الإعادة من الأوّل، وإن كان في الشهر الثاني لزمه القضاء، فإنّ تعبير القضاء «..فإنّ عليه أن يقضي» يعزّز فرضيّة أنّه كان يلزمه الإتيان به لولا العذر، غاية الأمر أنّ الفرق بين الشهر الأوّل والثاني إنما هو في أنّ طروء العذر هل يوجب إبطال ما صامه من قبل واستئناف صوم الكفّارة من جديد، وهذه هي حال الشهر الأوّل، أو أنّه يمكنه الإفطار لعذرٍ، ثم قضاء ذلك اليوم بعد ذلك، ويُعذر لعدم التتابع في هذا اليوم الذي أفطر فيه لعذرٍ من الشهر الثاني.
4 ـ في مقدار ما يعطى المسكينُ
ذكر الكثير من الفقهاء أنّ المسكين يعطى مدّاً على تقدير عدم إطعامه المباشر، فإن كان يريد إطعامه فالمعتبر فيه الإطعام العرفي، لا مطلق إدخال أيّ مقدار من الطعام في جوفه ولو كان قليلاً جداً، فهذا لا يصدق عليه إطعامٌ عرفاً بمناسبات الحكم والموضوع، لكن على تقدير أنّه لا يريد إطعامه، بل يريد إعطاءه ما يقوم هو بأكله أو طبخه أو طهيه ونحو ذلك، فقد قدّروا ذلك بالمدّ كما فعل الماتن.
والذي يظهر أنّ الروايات تارةً أطلقت تعبير الإطعام، وأخرى قالت بالإطعام مدّاً، وثالثة تحدّثت عن المدّ، ورابعة تحدّثت عن الصاع، وأمر الصاع والمدّ واضح رغم الاضطراب في فهم الصاع وتحديده بدقّة، كما أقرّ بذلك غير واحد، لكنّ السؤال هو أنّ تعيين المدّ هل هو جزء تشريعي أو تبييني للمقدار المطلوب من الإطعام، بمعنى أنّه لو فرضنا أنّ مقدار المدّ لا يحقّق الإطعام عرفاً، لسببٍ أو لآخر، أو أنّ المدّ كان من مثل الملح، بحيث لا يصدق عليه أنّه إطعام، إذ لا يُستهلك في وجبةٍ واحدة أو وجبتين، فهل هذا يكفي أو لا؟
الظاهر أنّه مع كون المطعوم ومقدار المدّ مما يصدق عليه عرفاً أنّه تمّ إطعام هذا الفقير ولو بشكل غير مباشر فلا إشكال، أمّا في غير ذلك فالاحتياط يتطلّب الزيادة على المدّ لتحقيق العنوان الأصلي الذي هو الإطعام، وبخاصة أنّ بعض الروايات قالت: إطعام ستين مسكيناً لكلّ مسكينٍ مدّ، بمعنى أنّ المدّ يفهم منه أنّه وجبة طعام يقتات منها الإنسان. نعم بإمكان الفقير لو حصل على وجبة طعام أو موادّها الخام أن يوزّع أكله لها على دفعات قد تستمرّ أيّاماً، لكن ما أعطي له يصدق عليه أنّه إطعام يسدّ به الرمق، بحيث يصحّ أن نعبّر بأنّ فلاناً أطعم فلاناً.
هذا وتحديد المدّ بما ذكره الماتن محتملٌ وليس قطعيّاً بشرط لا من حيث الزيادة، لكن قد يكون أكثر من ذلك بقليل، كما قال بعضٌ، فالاحتياط حسن.
نقد القول بثبوت الكفّارة في إفطار قضاء شهر رمضان
([4]) ذهب المشهور هنا إلى ما ذهب إليه الماتن أعلاه، من ثبوت كفارة مرتّبة في الإفطار بعد الزوال في قضاء شهر رمضان، لكنّ الصحيح هو عدم ثبوت ذلك؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ عمدة ما دلّ على ثبوت الكفارة المرتّبة هذه، هو روايتان، هما:
الرواية الأولى: خبر بريد العجلي، عن أبي جعفر×، في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان، قال: «إن كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شيء عليه إلا يوم مكان يوم، وإن كان أتى أهله بعد زوال الشمس فإنّ عليه أن يتصدّق على عشرة مساكين فإن لم يقدر صام يوماً مكان يوم، وصام ثلاثة أيام كفّارة لما صنع» (الكافي 4: 122).
الرواية الثانية: صحيحة هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله×: رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان، فقال: «إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر، فلا شيء عليه يصوم يوماً بدل يوم، وإن فعل بعد العصر، صام ذلك اليوم وأطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفّارة لذلك» (تهذيب الأحكام 4: 279).
وقد حاول الخوئي في بحوثه حلّ مشكلة صلاة العصر في صحيحة هشام بالقول بأنّ وقت صلاة العصر يكون عند الزوال؛ نظراً لاشتراك وقتهما أو يكون من التصحيف الذي وقع مثله كثيراً في تهذيب الطوسي، ورغم أنّه رفض الرواية الأولى لضعفها السند بالحارث بن محمّد، لكنّه اعتمد الثانية.
ويناقش بأنّه ـ فضلاً عن كونها أخباراً آحاديّة لا نرى حجيّتها، بالإضافة لما سيأتي من معارض لها ـ فإنّ تأويل الخوئي في غير محلّه؛ إذ احتمال التصحيف أو السهو ولو كان وارداً لكنّه غير راجح؛ إذ لا تقارب بين كلمة الزوال وكلمة العصر في الكتابة والتدوين، إلا إذا كان القصد هو الظهر والعصر، كما أنّ نسبة اشتباه الراوي بين الزوال والعصر عالية تجعلنا نحتمل أنّه اشتبه أيضاً في كلمة أخرى في الرواية، ولعلّها لو كانت أفادت الترغيب في الكفارة لا غير.
ثانياً: إنّ دليل المشهور هنا معارَض بنوعين من الروايات:
النوع الأوّل: ما دلّ على أنّ كفارة الإفطار في قضاء شهر رمضان هي مثل كفارة الإفطار في شهر رمضان، مثل صحيحة زرارة ومرسل حفص بن سوقة، دون تفريق بين ما قبل الزوال وبعده وما قبل العصر وبعده، وهذه معارضة قويّة لنصوص المجموعة الأولى من جهتين: جهة التحديد الزمني بالزوال وعدمه، وجهة نوعية الكفارة كما هو واضح.
وناقش الماتنُ هنا بأنّ إطلاق تنزيل يوم القضاء منزلة يوم رمضان أمرٌ لم يلتزم به أحد، فتطرح الرواية أو تحمل على التقية أو غير ذلك.
ويجاب عنه بأنّ عدم عملهم بهذه الرواية لعلّه اجتهاديٌّ؛ لترجيحهم الروايتين المتقدّمتين عليها، فعدم التزام أحد بذلك ـ رغم أنّ هذا هو المنسوب إلى الصدوق ووالده ـ لا يضرّ هنا، وبخاصّة على مباني الخوئي.
النوع الثاني: ما دلّ على أنّه ليس عليه شيء غير إعادة هذا اليوم، وهو عبارة عن خبر عمار الساباطي، عن أبي عبد الله×، عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها متى يريد أن ينوي الصيام، قال: «هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصم، وإن كان نوى الإفطار فليفطر»، سئل: فإن كان نوى (الصوم ثم أفطر بعدما زالت الشمس) الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال: «قد أساء، وليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه» وعلّق الطوسي قائلاً: «وليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم، محمولٌ على أنّه ليس عليه شيء من العقاب؛ لأنّ من أفطر في هذا اليوم لا يستحقّ العقاب وإن أفطر بعد الزوال وتلزمه الكفارة حسب ما قد بيّناه، وليس كذلك من أفطر في رمضان لأنه يستحقّ العقاب والقضاء والكفارة» (تهذيب الأحكام 4: 280).
وحلّ السيد الماتن هذه المشكلة عبر القول: «أوّلاً: إنّها إنّما تنفي الكفّارة بالإطلاق لا بالصراحة، فمن المحتمل أن تكون ناظرة إلى نفي قضاء آخر، بمعنى أن يكون هناك قضاءان: قضاءٌ لشهر رمضان، وقضاءٌ لقضائه الذي أفسده بالإفطار بعد الزوال، فيكون المنفي هو القضاء الثاني لا الكفّارة، وأنّه ليس عليه من القضاء إلَّا الأوّل، كما قد يؤيّده التوصيف بقوله×: «ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه». وهذا الحكم وإن أصبح الآن من الواضحات، بحيث لا مجال لاحتمال تعدّد القضاء لعلَّه في عصر صدور هذه الأخبار وفي بدء الأمر كان محتملًا، فإنّ تعلَّم الأحكام تدريجي، وكثيرٌ من الأحكام الواضحة لدينا اليوم كان يسأل عنها أكابر الأصحاب، وإنّما بلغ حدّ الوضوح بعد تلك الأسئلة والأجوبة وورود النصوص المتكاثرة كما لا يخفى، فمن الجائز أن يكون الإمام× قد تصدّى في هذه الرواية إلى أنّ هذا القضاء لا ينشأ منه قضاء آخر، ولم يكن× بصدد نفي الكفّارة، فغايته الدلالة على النفي بالإطلاق الذي لا يقاوم التصريح بالثبوت في صحيحة هشام، فيجمع بينهما بذلك، أو يقال: بأنّها ناظرة إلى نفي سائر أقسام الكفّارة. وثانياً: لو سلَّم كونها صريحة في نفي الكفّارة على وجهٍ لم يمكن الجمع المزبور، فلا ريب في كونها معارضة حينئذٍ مع صحيحة هشام الصريحة في الكفّارة، ولا مجال للجمع بالحمل على الاستحباب كما ذُكِر، فإنّه إنّما يتّجه في مثل ما لو ورد الأمر بشيء وورد في دليل آخر أنّه لا بأس بتركه، فيرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب، ويحمل على الاستحباب، دون مثل المقام، فإنّ الأمر بالكفّارة ونفيها يعدّان في العرف من المتعارضين، إذ مورد الكفّارة ارتكاب الحرام ولا سيّما مع التصريح بعدم الجواز وأنّه قد أساء كما في الموثّقة، فكيف يمكن حمل الأمر بها على الاستحباب الكاشف عن عدم ارتكاب الذنب؟! فاستحباب الكفّارة ممّا لا محصّل له كما لا يخفى، فليس مثل هذين الدليلين من الظاهر والنصّ ليرفع اليد عن أحدهما بالآخر كما في سابقه، بل هما عرفاً من المتعارضين، ولا شكّ أنّ الترجيح حينئذٍ مع صحيحة هشام إمّا لأنّ مضمونها متسالم عليه بين الفقهاء، إذ لم يُنسَب الخلاف في ثبوت الكفّارة إلَّا إلى العماني كما سمعت، فتُطرح الموثّقة حينئذٍ، لكونها مهجورة وعلى خلاف السنّة القطعيّة، أو لأجل أنّها أي الموثّقة محمولة على التقيّة، لموافقة مضمونها مع العامّة، فإنّ جمهور العامّة لا يرون الكفّارة، وإنّما هي من مختصّات الإماميّة، ولا يبعد أن يكون هذا هو الأوجه» (الموسوعة (المستند) 21: 323 ـ 324).
ويجاب عنه بأنّ تأويله أنّ الرواية أرادت نفي قضاءٍ آخر في غاية البعد؛ إذ لا عين ولا أثر لفكرةٍ من هذا القبيل في التراث الإسلامي قاطبة، بل نحن لدينا ما يشبه هذه الرواية، وهو عين خبر هشام وخبر بريد العجلي المتقدّمين اللذين هما الدليل على مسلك المشهور هنا، فقد جاء فيهما بأنّه ليس عليه شيء إلا يوماً مكان يوم، ثم على التقدير الثاني ذكرتا أنّ عليه الكفارة، وهذا يعني أن تعبير «ليس عليه شيء» في هذا السياق هنا تعبير ناظر إلى الكفارة وأمثالها، لا إلى قضاء آخر غير القضاء الأوّل. أضف إلى ذلك أنّ احتماليّة استحباب الكفّارة غير بعيدة، إذ يكون ما دلّ على الكفارة أعمّ من المعصية وغيره، كما في كفارة القتل الخطأ، ويكون المراد هنا أنّه عصى فعليه التوبة، ويستحسن أن يضيف إليها الكفارة، وأيّ ضيرٍ في ذلك؟!
والحاصل أنّ عمدة الدليل هنا فيه معارضة متعدّدة الجهات، والنصوص مع ذلك قليلة، فلا يحصل وثوق بثبوت الكفارة هنا، وإن كان ذلك هو الأحوط استحباباً.
([5]) الحقّ أنّ المسألة مشكلة، والاحتياط حسن، والتعارض من عدّة جهات.
عدم تكرّر الكفارة بارتكاب مطلق المفطر أكثر من مرّة في يومٍ واحد
([6]) ذكر الفقهاء أنّ الصائم لو ارتكب المفطر عمداً مرّة واحدة وجبت عليه الكفارة، كما لو أكل مرّة واحدة في نهار شهر رمضان أو جامع أو نحو ذلك، أمّا لو ارتكب المفطر في يومين مرّتين في كلّ يومٍ مرّة، فمن الطبيعي أن تتكرّر الكفارة؛ لأنّ كل يوم هو صيامٌ مستقلّ تترتّب عليه أحكامه. واستثنى كثيرٌ من الفقهاء من الحكم بعدم تكرّر الكفارة في اليوم الواحد الجماعَ (وزاد بعضهم الاستمناء)، فقالوا بأنّه لو جامع أكثر من مرّة في يوم واحدٍ لزمه تكرار الكفارة، ولو استمنى ثلاث مرات مثلاً في اليوم الواحد لزمته ثلاث كفارات. ويفترض أن يترتب الحكم في كفارة الجمع لو قيل بها، فلو زنى مرّتين في يومٍ واحد لزمته كفارتا جمع وهكذا.
وخالف في تكرّر الكفارة في الجماع والاستمناء جماعةٌ، ومنهم بعض المتأخّرين من أمثال: السيد روح الله الخميني، والسيد علي السيستاني، والشيخ يوسف الصانعي، والسيد محمّد حسين فضل الله، والسيد محمد صادق الروحاني. واحتاط السيد محمود الهاشمي وجوباً بالتكرار في خصوص شهر رمضان المبارك. كما احتاط وجوباً ـ مطلقاً في رمضان وغيره ـ السيد محسن الحكيم، والسيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد محمد صادق الصدر، والسيد علي الخامنئي، والسيد محمّد الروحاني، والشيخ فاضل اللنكراني (في الجماع)، والشيخ الوحيد الخراساني، وغيرهم.
والأقرب هو أنّ الكفارة لا تتكرّر مطلقاً بتكرّر ارتكاب المفطر في يوم واحدٍ، بلا فرقٍ في ذلك بين الجماع والاستمناء وغيرهما، سواء تكرّر الجماع مرّتين أم وقع الجماع بعد الأكل وهكذا، وسواء كان ذلك في شهر رمضان المبارك أم في غيره، فلو استمنى أكثر من مرّة ـ بناء على مفطريّة مطلق الاستمناء ـ كفته كفارة واحدة، ولو جامع أكثر من مرّة فالحكم كذلك، وهكذا.
ومستند الفقهاء هنا بعضُ الروايات القليلة جداً، وجميعُها ضعيف الإسناد، بل بعضها مرسل في مصادر متأخّرة ككتب العلامة الحلّي، بل يحتمل كونها جميعاً ـ نتيجة بعض الشواهد ـ مجرّد رواية واحدة نُقلت في أكثر من صيغة. وحيث إنّها قليلة العدد ضعيفة الإسناد فلا يحتجّ بها. وأمّا الاستدلال بإطلاق أدلّة الكفارة في الجماع والاستمناء ـ والذي اعتمده جملةٌ من الفقهاء مثل السيد الخوئي ـ فهو غير واضح؛ إذ مضافاً لكون مفروض بعض هذه الروايات المطلقة أنّ المرتكبَ صائمٌ وهو لا يتحقّق إلا بفرض كون المفطر قد تمّ ارتكابه للمرّة الأولى، فإنّ النصوص ليست ناظرة لحالات تكرّر الكفارة، وعلى الأقلّ لا يُعلم نظرُها لغير أصل الكفارة، فلا يُحرز كونها في مقام البيان من هذه الناحية، والسائل يسأل عن مبدأ القضيّة حيث لا يعرف بها، فلا ينعقد إطلاق فيها لما نحن فيه.
حكم تجدّد القدرة على كفّارة إفطار يومٍ من شهر رمضان بعد العجز عنها
([7]) يفتي العديد من الفقهاء أنّ المكلّف لو ثبتت عليه كفارة إفطار يوم من شهر رمضان المبارك ولم يقدر على أدائها في الخصال الثلاث الثابتة فيها (عتق الرقبة ـ إطعام ستين مسكيناً ـ صوم شهرين متتابعين)، فإنّ عليه أن يستغفر الله، وقيل بأنّ عليه أن يتصدّق بما يمكنه، وقيل بالاحتياط بالجمع بينهما، وقيل يتخيّر بين أن يصوم ثمانية عشر يوماً أو يتصدّق بما يطيق، ولو عجز عن هذا أيضاً أتى بالممكن منهما، وإن لم يقدر على شيء منهما استغفر الله ولو مرّة بدلاً عن الكفارة، ثمّ قالوا بأنّه لو تمكّن بعد ذلك وجب عليه أداء الكفارة.
لكنّ بعض الفقهاء قال بأنّه لو تمكّن بعد ذلك فالأحوط وجوباً عليه أداء الكفارة الأصليّة، مثل: السيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئي، والسيد محمّد باقر الصدر، والشيخ فاضل اللنكراني، ويظهر أيضاً من السيد الخميني، والشيخ يوسف الصانعي، والسيد محمود الهاشمي، والسيد محمّد الروحاني، والسيّد علي السيستاني، والسيد محمّد صادق الروحاني، والشيخ الوحيد الخراساني، والسيد موسى الشبيري الزنجاني، والسيد صادق الشيرازي، والسيد محمد رضا الگلپايگاني، والسيد البروجردي، وغيرهم.
واحتاط استحباباً في التكفير عند التمكّن لاحقاً الشيخُ آل ياسين والفيروزآبادي في تعليقتهما على العروة، وكذلك السيّد محمد حسين فضل الله، والسيد علي الخامنئي. واحتاط السيد محمّد محمد صادق الصدر معبّراً: «في كونه احتياطاً وجوبيّاً إشكال». ولعلّ الظاهر من الشيخ ناصر مكارم الشيرازي والسيد كمال الحيدري هو عدم الوجوب.
والأقوى هو تعيّن الكفارة الأصليّة عليه، فإن تمكّن منها فبها ونعمت، وإلا فإلى أن يتمكّن، ولا يثبت في حقّه ـ حال العجز ـ أيّ شيء آخر، وإن كان الأحوط استحباباً التصدّق بما يطيق والاستغفار، وعليه فلو تجدّدت القدرة بعد العجز ثبتت الكفارة الأصليّة، حتى لو كان قد حقّق قبل ذلك ـ أي قبل تجدّد القدرة ـ الاستغفارَ والتصدّق بما يمكن. والتفصيل في محلّه.
