hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ النيّة ـ القسم الثاني)

تاريخ الاعداد: 11/25/2025 تاريخ النشر: 11/27/2025
550
التحميل

حيدر حبّ الله 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(20 ـ 11 ـ 2025م)

 

الفصل الأوّل

في النيّة

مسألة 970: يشترط في صحّة الصوم النيّة([1]) على وجه القربة([2])، لا بمعنى وقوعه عن النيّة كغيره من العبادات الفعليّة، بل يكفي وقوعه للعجز عن المفطرات، أو لوجود الصارف النفساني عنها، إذا كان عازماً على تركها لولا ذلك، فلو نوى الصوم ليلاً ثمّ غلبه النوم قبل الفجر، أو نام اختياراً حتى دخل الليل، صحّ صومه، ويكفي ذلك في سائر التروك العباديّة أيضاً([3]). ولا يلحق بالنوم السكر والإغماء على الأحوط وجوباً([4]).

مسألة 971: لا يجب قصد الوجوب والندب، ولا الأداء والقضاء، ولا غير ذلك من صفات الأمر والمأمور به، بل يكفي القصد إلى المأمور به عن أمره، كما تقدّم في كتاب الصلاة([5]).

مسألة 972: يعتبر في القضاء عن غيره قصد امتثال الأمر المتوجّه إليه بالنيابة عن الغير، على ما تقدّم في النيابة في الصلاة([6])، كما أنّ فعله عن نفسه يتوقف على امتثال الأمر المتوجّه إليه بالصوم عن نفسه، ويكفي في المقامين القصد الإجمالي.

مسألة 973: لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فإذا قصد الصوم عن المفطرات ـ إجمالاً ـ كفى([7]).

مسألة 974: لا يقع في شهر رمضان صوم غيره ـ على إشكال ـ فإن نوى غيره بطل، إلا أن يكون جاهلاً به أو ناسياً له، فيجزي عن رمضان ـ حينئذٍ ـ لا عن ما نواه([8]).

مسألة 975: يكفي في صحّة صوم رمضان القصد إليه ولو إجمالاً، فإذا نوى الصوم المشروع في غدٍ وكان من رمضان أجزأ عنه، أمّا إذا قصد صوم غدٍ دون توصيفه بخصوص المشروع لم يجز، وكذا الحكم في سائر أنواع الصوم من النذر أو الكفارة أو القضاء فما لم يقصد المعيّن لا يصحّ، نعم إذا قصد ما في ذمّته وكان واحداً أجزأ عنه. ويكفي في صحّة الصوم المندوب المطلق نيّة صوم غدٍ قربةً إلى الله تعالى إذا لم يكن عليه صوم واجب. ولو كان غد من أيّام البيض مثلاً، فإن قصد الطبيعة الخاصّة صحّ المندوب الخاصّ، وإلا صحّ مندوباً مطلقاً.

مسألة 976: وقت النية في الواجب المعيّن ـ ولو بالعارض ـ عند طلوع الفجر الصادق، بحيث يحدث الصوم حينئذٍ مقارناً للنيّة، وفي الواجب غير المعيّن يمتدّ وقتها إلى الزوال وإن تضيّق وقته، فإذا أصبح ناوياً للإفطار وبدا له قبل الزوال أن يصوم واجباً فنوى الصوم أجزأه، وإن كان ذلك بعد الزوال لم يجز، وفي المندوب يمتدّ وقتها إلى أن يبقى من النهار ما يمكن فيه تجديد النيّة([9]).

مسألة 977: يجتزئ في شهر رمضان كلّه بنيّة واحدة قبل الشهر، والظاهر كفاية ذلك في غيره أيضاً، كصوم الكفارة ونحوها([10]).

مسألة 978: إذا لم ينوِ الصوم في شهر رمضان؛ لنسيان الحكم أو الموضوع، أو للجهل بهما، ولم يستعمل مفطراً، ففي الاجتزاء بتجديد نيّته إذا تذكّر أو علم قبل الزوال إشكال، والاحتياط بتجديد النية والقضاء لا يُترك([11]).

مسألة 979: إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ـ ندباً أو قضاء أو نذراً ـ أجزأ عن شهر رمضان إن كان، وإذا تبيّن أنّه من رمضان قبل الزوال أو بعده جدّد النيّة، وإن صامه بنيّة رمضان بطل، وأمّا إن صامه بنيّة الأمر الواقعي المتوجّه إليه ـ إما الوجوبي أو الندبي ـ فالظاهر الصحّة، وإن صامه على أنّه إن كان من شعبان كان ندباً، وإن كان من رمضان كان وجوباً فالظاهر البطلان، وإذا أصبح فيه ناوياً للإفطار فتبيّن أنّه من رمضان قبل تناول المفطر، فإن كان قبل الزوال فالأحوط تجديد النيّة ثم القضاء، وإن كان بعده أمسك وجوباً، وعليه قضاؤه([12]).

مسألة 980: تجب استدامة النية إلى آخر النهار، فإذا نوى القطع فعلاً أو تردّد بطل، وكذا إذا نوى القطع فيما يأتي أو تردّد فيه أو نوى المفطر مع العلم بمفطريّته، وإذا تردّد للشكّ في صحّة صومه فالظاهر الصحة، هذا في الواجب المعين، أمّا الواجب غير المعيّن فلا يقدح شي‌ء من ذلك فيه إذا رجع إلى نيته قبل الزوال([13]).

مسألة 981: لا يصحّ العدول من صوم إلى صوم إذا فات وقت نية المعدول إليه وإلا صحّ، على إشكال([14]).

________________________

([1]) القلبيّة ولو من دون تلفّظ، ولا قيمة للألفاظ من دون النية القلبيّة.

([2]) الصوم من العبادات، قال السید مصطفی الخمیني: «لا شبهة عند المسلمين في عباديّة الصوم، وإنّما البحث حول دليله، ولقد تقرّر منّا أنّ‌ مسألة أصالة التعبّدية لا أساس لها حسب العقل، وأمّا الأدلّة اللفظيّة المستدلّ‌ بها علىٰ‌ ذلك الأصل كالآية وجمع من الروايات فقد فرغنا عنهما في الأصول، وذكرنا هناك تفصيله، وأنّ‌ قصورهما عن ذلك من الأمر الجليّ. ولا تحتاج المسألة إلى الرواية لوضوحها، إلّا أنّ استفادة اعتبار قصد القربة في ذلك من المآثير الكثيرة التي وردت في الحثّ‌ عليه وذكر خواصّه وآثاره العجيبة، يؤيّد ذلك، كما أنّ‌ إطلاق «العبادة» عليه ـ بأنّ‌ «نوم الصائم عبادة، ونَفَسه تسبيح» ـ يشهد لذلك، وهكذا ما ورد في أبواب الصوم المندوب: «من صام يوماً تطوّعاً، ابتغاء ثواب الله، وجبت له المغفرة»، وغير ذلك ممّا يومئ إلى عباديّة الصوم» (كتاب الصوم: 20 ـ 21).

ويعزّز ذلك بالروایات التي تدلّ علی بطلان الصوم الواجب إذا قصده قبل الزوال، كما أنّ مناسبةَ الحكمِ والموضوعِ والفهمَ الارتكازيَّ من الصومِ تدلُّ على أنّه ليس توصّليّاً محضاً؛ إذ إنَّ الجوعَ والعطشَ لهما غايةٌ سامية، غير أنّ هذه الغاية قد تكون تهذيبَ النفسِ وبناءَ الذاتِ ومجاهدةَ الشهوات، ولا يلزم أن تكون «قصدَ الأمر» في الارتكازِ العقلائي. يضاف إلى ذلك نمط الروايات في موضوع الصوم، فضلاً عن الإجماع والتسالم الإسلامي منذ القرون الأولى، وكذا الارتكاز المنكشف بتعابير الأسئلة عند الرواة، كلّه مجتمعاً يعاضد فكرة التعبديّة، وكذا العديد من روايات النيّة وغير ذلك، بل الصوم أحد الأبواب التي ورد فيها تفصيل في قضايا النيّة على خلاف الكثير من أبواب العبادات الأخرى.

([3]) مثل تروك الإحرام.

 

هويّة النيّة في العبادات التركيّة

([4]) المطلوب في العبادات التركيّة العدميّة (أي العبادات المتقوّمة بترك بعض الأمور مثل الصوم، مقابل العبادات الفعلية الوجوديّة المتقوّمة بفعل بعض الأمور مثل الصلاة التي تتقوّم بفعل القراءة والركوع والسجود) المطلوب هو أن يقصد تحقيقها بحيث لو أمكنه فعل بعض التروك فهو لن يفعلها؛ لأجل نيّته القربيّة إلى الله في ذلك، وهذا معناه أنّه لو لم يفعلها لعجزه عنها مع وجود نيّة تركها لو كان قادراً عليها صحّ صومه، فالتروك العباديّة يكون الإتيان بها ـ في النظر العرفي والعقلائيّ ـ عبر عقد النية على الالتزام بالترك ما دام الوقت، وتكون النية حقيقيّةً، بمعنى أنّه لو تمكّن من فعل الشيء ـ أي عدم تحقيق التروك ـ فإنّه قربةً إلى الله تعالى لن يقوم بذلك، وقد عقد عزمه على هذا الأمر حقاً وجِدّاً لا قولاً ولقلقة لسان.

وبناءً عليه، لا فرق بين النوم وغيره في تحقيق أنّ فلاناً قد نوى الصيام بوصفه عبادة تركيّة، فلا حاجة لافتراض أنّ النوم خرج بدليلٍ خاصّ ـ مثل السيرة ـ وإلا فإنّ مقتضى عباديّة الصوم أن تقترن به نيّة القربة من أوّله إلى آخره بنحو الفعليّة التامّة، بحيث يكون كلّ تركٍ في كلّ آنٍ مقصوداً وملحوظاً، بل حتى لو قلنا بذلك ـ أي بخروج النائم لدليل خاصّ كالسيرة ـ فإنّ العرف المتشرّعي لا يرى فرقاً بين النوم والإغماء هنا في تحقّق خصوصيّة العباديّة فيهما، وأنّ خروج أحدهما عن مقتضى القاعدة يلازمه ـ بالنظر العرفي ـ خروج مثله كالإغماء والسكر ونحو ذلك، بلا فرق بين الإغماء المستوعب للوقت أو الذي يقع في جزء منه، ومنه كذلك البنج العمومي. وهذه قاعدة جارية في العبادات التركيّة كلّها أو التروك العباديّة.

نعم لو لم ينوِ الصوم أساساً ثمّ أغمي عليه قبل الفجر، واستيقظ من الإغماء بعد فوات وقت النيّة، فإنّه لا يصحّ منه الصوم هنا، كما هو واضح. وسوف يأتي في بحث شروط صحّة الصوم ووجوبه التعليق على (المسألة رقم: 1036)، حيث ذكر الماتن هناك أنّ عدم الإغماء من شروط وجوب الصوم.

قد تقول: لقد ذهب السیّد تقي الطباطبائي القمّي للقول بأنّ الحكم بصحّة الصوم في حال «النوم» ليس جارياً على القاعدة، بل مستنده السيرة والتسالم، وأنّ القاعدة تقتضي أن يصدر الفعل العبادي بجميع آناته عن قصد القربة من المكلَّف، ولذلك لم يُلحِق حالتي الإغماء والسُّكر بالنوم (مباني منهاج الصالحين 6: 5). وقد يناقش بأنّ خروج النوم عن القاعدة، إنّما هو على طبق القاعدة، غير أنّ الكلام في القاعدة نفسها، وذلك أنّ القاعدة الأوليّة في العبادات أن يكون العمل مستنداً إلى قصد القربة، وما ذكره أعلاه من أنّ المقصود من قصد القربة في التروك هو قصدٌ شأنيٌّ تعليقي، أي أنّه لو قدر لترك مشكوك، فما هو الدليل على هذا المعنى؟ إنّ الظاهر أنّ أصل الانتساب وقصد القربة محفوظان، وأنّ الفرق بين الفعل والترك إنما هو في أنّ الترك يمكن تحقّقه وقصده بالأفعال التوليدية، وما يكون مقدوراً للإنسان بالواسطة يصحّ إسناده إليه حقيقةً، شرط أن یقصد الواسطة ولو إجمالاً. من هنا يكون هذا موضع الخلاف مع السيّد القمي؛ إذ بناءً على هذا التفسير للقاعدة يكون خروج النوم على القاعدة، لا استثناءً مستنداً إلى السيرة؛ إذ من نوى الصوم ونام، فهو يعلم أنّ نومه لا يوجب صدور المفطرات، فيقصد تروك الصوم حال نومه ضمناً، وهذا شبيه بالفعل التوليدي، فنيّة الترك في النوم موجودة، وإن لم تكن هناك التفاتةٌ تفصيليّة إليها؛ لأنّ علمه بأنّ النوم لا يترتّب عليه مفطرات يكفي لصدق قصد الترك في مورده. مضافاً إلى ذلك، فإنّ القمي لو واجه شخصاً نوى الصوم ثمّ وُضع في حالٍ لا يتمكّن فيها من ارتكاب أيّ مفطر، كأن يُسجَن، فهل يلتزم بعدم صحّة صومه أو يقول بأنّ في التروك تكفي النية التعليقيّة، أي أنّه لو تمكّن لترك قربةً إلى الله؟ إلا إذا قال بأنّ قصد الترك مشروطٌ بالالتفات، لا بإمكان الإتیان. ولا معنی لهذا الکلام إلا القول بالقصد التعلیقي، وهو موجود في فرض النوم. وأمّا في حال الإغماء، فبما أنّه غير اختياري، ولا يمكن للشخص أن يقصد فيه الترك، فنتردّد في شمول القاعدة له. والخلاصة: إنّ الفارق بين الترك التوصّلي والترك التعبّدي هو اشتراط قصد القربة ـ ولو بالواسطة ـ في الترك التعبّدي، فلو أمر المولى جماعةً بأن يتركوا القيام من أماكنهم بقصد القربة، وكان فيهم من رُبطت أقدامه بحبلٍ، بحيث لا يقدر على القيام أصلاً، ولا يمكنه قصد هذا الترك ولو على نحوٍ توسّطي، فإنّ الطاعة والعصيان في حقّه ستكونان بلا معنى.

والجواب: إنّ النية القربية غير موجودة حال النوم، سواء بنحو التفصيل أم الإجمال، نعم قبل النوم هي موجودة، أمّا حاله، فلا وجود لها، تماماً كحال الغفلة التامّة والإغماء والسكر والبنج العمومي وغير ذلك، وبهذا نكتشف أنّ المراد بالنية القربيّة في التروك هو تعهّد العبد بعدم صدور الفعل منه على أيّ تقدير، فهذا العنوان (على أيّ تقدير) كافٍ في نسبة العبادية للفعل، ولهذا لا حاجة لإخراج النوم، لا من باب أنّه على وفق القاعدة الأوليّة، بل من باب أنّه على وفق القاعدة الثانويّة التي يقتضيها الطبع العقلائي في مثل هذه الموارد، ولهذا لم يسأل أحدٌ النبيَّ أو غيره عن النوم حال الصيام في رمضان؛ لأنّه لم يخطر ببالهم أنّ هذا الأمر مانع، فهذا يصدق عليه نوع من القاعدة الثانويّة في باب التروك العباديّة، وأمّا موضوع عدم الاختيار فإن قصد القربة ممكن هنا، وذلك أنّ المراد بقصد القربة هو أنّه عازم على أنّه لو صار مختاراً لما فعل، فهو يحقّق التروك إن بنحو القهر أو بنحو القصد، فيصدق عليه أنّه نوى.. نعم إنّما لا يصدق عليه عنوان النية القربيّة في مورد عدم الاختيار في حالة واحدة، وهي ما لو نوى وأحرز أنّ نيّته شكلية فقط؛ ليقينه بأنّه لن يتمكّن مطلقاً، فأراد إضفاء طابع القربيّة على تركه المتحقّق قهراً على أيّة حال، فهنا بالتأكيد لا يصدق عليه قصد القربة والانبعاث، ما لم يحصل له التأكّد من أنّه لو صار قادراً ولو بمعجزة فإنّه لن يفعل هذه التروك.

وقد تقول: ليس المقصود «القصد الإجمالي»، بل «القصد مع الواسطة»، وذكر المثال من باب التشبيه بما يُسمّى في كلماتهم «الأفعال التوليديّة»، فلو أمرني المولى بإحراق عودٍ من الخشب، فإنّي لا أستطيع إحراقه مباشرةً، بل النار هي التي تُحرقه، غير أنّي أقدر على إيقاد النار وإلقاء الخشب فيها، فيُنسَب إليَّ الإحراق بالواسطة؛ لأنّه فعل توليدي. وعلى هذا القياس قلنا: إنّ النائم يمكنه أن يقصد الترك بواسطة النوم، أي يكون قصده «مع الواسطة» وإنْ لم يكن القصد حاضراً في جميع الآنات. وما يمنعنا من الموافقة على فكرة القصد التعليقي، هو أنّ الانتساب في هذا الفرض بعيدٌ في الذهن؛ أي لو أنّ شخصاً نوى الصوم، ثم أُغمي عليه من غير قصدٍ سابق (أي لم يكن الإغماء باختياره)، بل صادف أن أُغمي عليه حتى أفاق بعد الغروب، فهل يصحّ أن نقول: إنّه ترك المفطرات قُربةً إلى الله؟ هذا بعيد، بل الصحيح أن يقال: «صادف أن لم يصدر منه المفطر». وأیضاً لو أُمِرَ شخصٌ ـ من مقام المولويّة ـ بألا يُنفِقَ مالاً اليوم، كأن يُقال له: «لا تُنفِقْ مالاً يومَ الجمعة»، وكان هذا الشخص لا يملك مالاً أصلاً، لكنّه نوى أنّه لو كان عنده مالٌ لما أنفقه طاعةً لمولاه، فهل يُقال: إنّه ترك الفعلَ قُربةً إلى الله؟! نعم، هذا الشخص ذو نيّةٍ حسنة، لكنّ الواقع أنّه صادف أن لم يصدُر منه الفعل، إذ لم يكن عنده مالٌ لينفقه، لا أنّه لم يُنفِقْه قُربةً إلى الله.

والجواب: إنّ مثال الإنفاق مرتبطٌ بالفعل دون التروك، فهو قياس مع الفارق، لكن ألا يعدّ الذي ينوي من الفجر أن يصوم فلا يأكل ولا يشرب سواء قدر على ذلك أم لا، هو إنسانٌ ناوٍ للصوم؟ بمعنى أنّ من لا يأكل هو ليس دائما عن فعليّة ناشطة لنيّة الصوم مباشرةً، إذ قطعاً كثيراً ما لا يأكل الإنسان حتى في شهر رمضان؛ لعدم قدرته على الأكل أكثر مما يحتاجه جسده، فلماذا لا نقول بأنّ الناوي للصوم من الفجر ينوي في قلبه هكذا في الحقيقة: إنّني لا آكل ولا أشرب بمعنى لن يصدر منّي قصد الأكل والسعي إليه مطلقاً ـ سواء أردته أم لم أرده، قدرت عليه أم لم أقدر عليه ـ ألا يمكن لشخصٍ الآن أن يقول: إنّني قاصد متقرّب لله أن لا أزني ومروّضٌ نفسي على ذلك، سواء أتتني الفرصة لفعل ذلك أم لا، ألا يكون هذا ناوياً لترك هذا الفعل قربةً إلى الله؟

وهذا كلّه لا يمنع فكرة قصد النية مع الواسطة في الصوم، لكنّه لا يلغي التعريف الذي قدّمناه للنية في باب التروك، علماً أنّ الإغماء وغيره يمكن أن يكون قصديّاً، تماماً كالنوم، فيصحّ الصوم بناء عليه حتى وفق الكلام أعلاه.

([5]) راجع ما علّقناه على كلام الماتن في (كتاب الصلاة ـ أفعال الصلاة ـ الفصل الأوّل: في النيّة)، وكذا كتاب الطهارة، الوضوء (المسألة رقم: 139).

ومن هذه الموارد هنا نيّة تحديد اليوم الذي يصومه من شهر رمضان مثلاً، فلا يجب عليه أن ينوي أنّه يصوم اليوم الثاني من رمضان أو أنّه غداً سوف يصوم اليوم الرابع عشر وهكذا، بل حتى لو نوى أنّه يصوم اليوم الرابع عشر في الغد، وكان هو اليوم السادس عشر في الواقع، صحّ؛ إذ هذه الخصوصيّات لا قيمة لها ولا تغيّر من واقع النيّة شيئاً.

لكن سوف يأتي أنّه لكي يسقط التكليف الخاصّ يلزم تعيينه، فمثلاً لو كان عليه صوم قضاء وصوم كفّارة، فإنّ صيام يومٍ واحد بغير تعيين لا يكفي لإسقاط القضاء بعينه، وهكذا.

([6]) قد تعرّض الماتن لذلك في (كتاب الصلاة ـ صلاة الاستئجار، المسألة رقم: 753)، وقد علّقنا هناك، فراجع.

([7]) لعدم الدليل على ما هو أزيد من ذلك. وعليه فإذا قصد الصوم عن المفطرات إجمالاً كفى، حتى لو لم يكن يعلم تفصيلاً بكون هذا الشيء أو ذاك بالتحديد من المفطرات، بل حتى لو كان يتصوّر أنّ بعض الأمور من المفطرات ولكنّها لم تكن كذلك، أو يظنّ أن بعض الأمور ليست مفطرة ولكنها كانت كذلك، فإنّ النية الإجماليّة كافية ما دام لم يرتكب هذا المفطر عمليّاً أثناء النهار.

قد تقول: هل يمكن عند حلول وقت العمل بالنهي أن يتحقّق قصدُ الترك من المكلَّف تجاه أمرٍ لا يعلم ما هو؟! هذا معناه تعلّقُ الإرادة ـ وهي ذاتُ الإضافة دائماً ـ عند إعمالها بما لا يعلمه المريد، ألا يبدو ذلك متنافراً؟

والجواب: إنّ المقصود هنا هو أنّه نوى أن يصوم فيترك جميع المفطرات، غاية الأمر أنّه ـ مثلاً ـ سوف يعرف بهذه المفطرات صباحاً بعد استيقاظه الساعة العاشرة مثلاً، حيث سيخبرونه بها، صحّ صومه، فهو نوى ترك ما أمر الله بتركه، غاية الأمر أنّه تعرّف عليه بعد انعقاد نيّة الصوم وفاعليّتها، أو أنّه يعرف أنّ الطعام والشراب مفطران، لكنّه لا يعرف سائر المفطرات، واتّفق أنّه تركها، وكذلك لا يعرف تفاصيل المفطرات وشروطها كما هي حال كثير من الناس، فهؤلاء جميعاً يصدق عليهم تحقّق نية الصوم منهم، فمفروض المسألة تخيّل انعقاد النيّة، لا أنّه لا يعرف شيئاً بالمطلق، ولن يعرف شيئاً، فيصوم وهو لا يعرف ما معنى الصوم أصلاً، فهذه لقلقة.

وقد تسأل: ألا يمكن مقاربة المذكور هنا مع الإغماء الذي كنّا نتكلم عنه قبل قليل، حيث إنّه بالإغماء لم يقصد نيّة الصوم؛ لكونه غير واعٍ، مع أنّه لو كان مستيقظاً كان سيقصدها، كما لو عُرف بتديّنه مثلاً، أمّا هنا فبالرغم من كونه يقصد نيّة الصوم إلا أنّه غير واعٍ لبعض موضوعات الصوم، ألا يفرض ذلك تصحيح صوم المغمى عليه، فلماذا لم يوافقوا عليه هناك ووافقوا هنا؟

والجواب: هناك فرق بين الإغماء قبل عقد النيّة والإغماء بعده، فلو أغمي عليه قبل عقد النيّة فلا معنى للصوم في حقّه، إنّما الكلام لو أغمي عليه بعد أن عقد نيّة الصوم، فكيف تكون مسألتنا هذه ذات صلة بتلك وفقاً لذلك؟!

 

صوم غير رمضان في شهر رمضان

([8]) هنا مسألتان:

1 ـ مدى صحّة الصوم فيما لو صام غير رمضان في رمضان، ومفروض المسألة إمكان تحقّق قصد القربة منه من خلال إتيانه بصيام غير رمضان في شهر رمضان، وإلا لم يصحّ قطعاً ولم يقع منه شيء أصلاً، وعلى تقدير تحقّق قصد القربة كما في مورد الجهل الموضوعي والحكمي، وكذا النسيان الموضوعي والحكمي، فالظاهر الصحّة؛ لعدم الدليل على البطلان بمجرّد الوقوع الخارجي في شهر رمضان. وعمدة النصوص ناظر إلى صيام شهر رمضان نفسه في مورد يسقط فيه صيام شهر رمضان بنحو العزيمة كالسفر، فلا علاقة له بالموضوع، كما أفاده غير واحدٍ من الفقهاء.

وعليه، فلو لم يقصد صيام شهر رمضان، بل قصد في أيّام رمضان صومَ النذر وكان عالماً بأنّ الواجب عليه صيام شهر رمضان وأنّه الآن في شهر رمضان بالفعل، ففي هذه الحال يكون قد عصى بتركه صيام شهر رمضان لكنّ صومه الآخر يصحّ على تقدير تأتّي قصد القربة منه على إشكالٍ يجعل الاحتياط حسناً. وأوضح منه ما لو كان مسافراً وقد نذر الصيام في السفر، فإنّه يمكنه أن يصوم في أيّام رمضان صوم النذر هذا، بعد فرض سقوط وجوب الصيام الرمضاني عليه في السفر، فيصحّ صومه ولا يبطل على الأقوى، والأمر يغدو أكثر وضوحاً في حالتَي: الجهل والنسيان.

ولعلّه لما قلناه بنى مثل السيد علي السيستاني الحكمَ بعدم الصحّة على تقدير تأتّي قصد القربة منه على الاحتياط اللزومي دون الفتوى.

قد تقول: إنّ قولكم: «يصحّ على تقدير تأتّي قصد القربة منه على إشكالٍ يجعل الاحتياط حسناً»، هو فرض وهمي، فهذا الشخص يعلم أنّه شهرُ رمضان، ويعلم أنّ الشارع في هذا الوقت لا يطلب منه إلا صومَ رمضان، ومع ذلك لا يقصد ترك الصوم مطلقاً، بل يريد أن يصوم لكن بنيّة صومٍ غيرِ رمضان، فهذا الشخص يمارس نوعاً من اللعب بأمر المولى، وتمشّي قصد القربة الجدّي فيه في غاية الإبهام، بل المتعيّن عدمه، فلماذا التعليق على إمكان تأتي قصد القربة منه؟! والمسألة هنا ليست في أنّ الترتّب ممكنٌ أو غير ممكن، حیث حكم الماتن بالصحّة في بحوثه الاستدلاليّة، مستنداً إلی جواز الترتّب، بل المسألة في أنّ من يتعمّد اللعب بأوامر المولى ويجعلها كأنّها موضعُ سخريةٍ فلا يأخذها بجدّية، هل يمكن أن يتوجّه منه قصدُ القربة حقيقةً؟!

والجواب: حيث إنّه من الصعب الإحاطة بحالات البشر كلّها، وطبيعة فهومهم وقصودهم، لهذا ناسب تعليق المسألة على إمكان تأتّي قصد القربة منه، ولهذا لم نتدخّل في التحقّق من الموضوع خارجاً.

2 ـ على تقدير صحّة الصوم الذي أُتي به في شهر رمضان بنيّةٍ مغايرة لنيّة صيام شهر رمضان، فما هو الذي يقع خارجاً: هل هو رمضان أو غيره؟ هنا قد يقال بأنّ ما وقع يقع على أنّه من شهر رمضان لا من غيره، إذ هذا هو مقتضى بعض النصوص الآحادية ذات الصلة بيوم الشكّ، والواردة في صورة الجهل بالموضوع. نعم لو قيّد نيّته بأنّها بشرط لا من حيث صيام رمضان، أشكل الأمر.

لكنّ الأقرب أنّ الأمر مشكل في جميع صوره؛ وأنّ الأصحّ هو أنّ ما وقع منه يجزي عمّا نواه لا عن رمضان، إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون قد قصد امتثال التكليف المتوجّه إليه بالفعل الآن، ثمّ ظنّ أنّ هذا التكليف هو الوفاء بالنذر، ناسياً أو جاهلاً أنّه قد دخل شهر رمضان، فهنا يصحّ منه ما صدر ويقع منه بوصفه صيام شهر رمضان دون النذر.

 

وقت النيّة في أنواع الصوم المختلفة

([9]) وقت النية في:

أ ـ الواجب المعيّن ـ وهو المعيّن بالأصل مثل شهر رمضان المبارك أو المعيّن بالعارض مثل نذر صوم أيّام بعينها من السنة ـ عند طلوع الفجر الصادق بحيث يحدث الصوم حينئذ مقارناً للنيّة، أو بتعبير آخر: لا يطلع الفجر عليه وهو غير ناوٍ، ولا يجب تبييت النيّة من الليل. وروايةُ التبييت التي ذكرها محدّثو أهل السنّة تعبّر عن بيان عدم التأخير عن الفجر، لا عن لزوم التببيت، وعلى الأقلّ غير واضحة في لزوم التبييت، كما أنّه لا يعني أنّ وقت النيّة هو الفجر أنّ المكلّف يجب أن يكون مستيقظاً وقت الفجر ليحقّق النيّة، بل المطلوب منه أن يحقّق النية قبل الفجر ولو كان نائماً عند الفجر، وبتعبير دقيق: المطلوب عدم تأخير النيّة عن الفجر.

وما قلناه في وقت نية الواجب المعيّن بالأصل أو بالعارض هو مقتضى القاعدة، وتساعده بعض النصوص.

ب ـ في الواجب غير المعيّن ـ كما هي الحالة الغالبة في صوم القضاء، وصوم الكفارة ـ يمتدّ وقتها إلى الزوال، فإذا أصبح ناوياً للإفطار وبدا له قبل الزوال أن يصوم واجباً فنوى الصوم أجزأه، وإن كان ذلك بعد الزوال لم يجزِ، لكن لو تضيّق وقت هذا الواجب غير المعيّن، كما لو كان عليه صوم القضاء وقلنا بعدم جواز تأخير قضاء شهر رمضان الأوّل إلى حلول شهر رمضان الثاني، وتضيّق الوقت بحيث أصبح المكلّف في آخر شهر شعبان، ففي مثل هذه الحال يكون وقت النيّة مقارناً للفجر، ولا يجوز تأخيرها إلى الزوال، وبتعبيرٍ آخر: يكون هذا الصوم ملحقاً بالواجب المعيّن بالعارض.

إنّ العدول عن مقتضى القاعدة في الواجب غیر المعیّن مستندٌ إلی الروایات هنا، وأغلبيّتها وإن لم يكن مقیّداً بالزوال، بل ورد في واحدة منها «العصر»، غير أنّه توجد أخبار معارضة دلّت علی التقیید بـ«قبل الزوال»، ومع هذه المعارَضَة يلزم الأخذ بالمقدار المتيقّن من مجموع نصوص الباب، وفقاً للمنهج الوثوقي، وهو حدّ الزوال؛ إذ هو المأخوذ به في جميعها.

ج ـ في المندوب يمتدّ وقتها إلى الزوال، دون ما بعده، ولو أراد الصوم بعد الزوال فيأتي به برجاء المطلوبيّة احتياطاً.

 

النيّة الإجمالية الواحدة لمجموعة أيّام، كشهر رمضان

([10]) الظاهر أنّ وقوع النيّة أوّل الشهر أو قبيله ـ حتى قبل ثبوت الهلال ـ أو في كلّ ليلة عبارةٌ عن أمرٍ واحد خارجاً، فإنّ معنى النية من أوّل الشهر هو وجود هذه النيّة بنحو الإجمال والكمون في النفس في كلّ ليلة وقبل كلّ يوم، والعرف لا يرى فرقاً بين النيّة من الليل والنيّة قبل شهر ما دامت فعاليّة النية قائمة في النفس ومحرّكة نحو الفعل، فالكفاية في هذه المسألة ليست لدليل خاصّ، بل لتحقّق عنوان نيّة صوم كلّ يوم من هذا الشهر أو ذاك، من خلال ما أطلق عليه الماتن عبارة «النيّة الواحدة»، ولولا ذلك لما كان وجهٌ لتصحيح هذه النيّة، ففي الحقيقة، حصل خلطٌ هنا بين أصل النيّة من جهة، والالتفات التفصيليّ لها أو استحضارها ذهنيّاً من جهة ثانية.

([11]) إذا لم ينو الصوم في شهر رمضان لنسيان الحكم أو الموضوع، أو للجهل بهما، ولم يستعمل مفطراً ففي الاجتزاء بتجديد نيّته إذا تذكر أو علم قبل الزوال إشكال، فلا يصحّ منه الصوم، وإن كان الاحتياط حسناً بتجديد النية والقضاء بعد ذلك.

 

صوم يوم الشكّ، الصور والحالات والأحكام

([12]) لم يتعرّض السيد الماتن بوضوح لأصل حكم صوم يوم الشكّ، والظاهر أنّه لا يجب صومه، وفي المقابل يجب صوم يوم الشكّ في آخر رمضان، ما لم يثبت العيد.

وعلى أيّة حال، تعالج هذه المسألة عدّة أمور مرتبطة بيوم الشكّ، وهي:

 

1 ـ صوم يوم الشكّ بنيّة شعبان

وهنا:

أ ـ لا شكّ في جوازه تكليفاً، رغم ورود بعض النصوص الناهية وذهاب بعض فقهاء أهل السنّة للمنع عن صيام يوم الشكّ؛ عملاً ببعض النصوص؛ وذلك أنّ ضم النصوص العامة والمفصّلة إلى بعضها يُفهمنا أنّ المقصود بالصوم المنهيّ عنه هناك هو الصوم بنيّة رمضان، لا مطلقاً، فيمكن الجمع بين النصوص بالتمييز بين الصوم بنيّة رمضان قبل ثبوته والصوم بنية شعبان، فإنّ هذا هو القدر المتيقّن من مجموع النصوص هنا، هذا مضافاً لكونه مقتضى القاعدة.

ب ـ إنّما الكلام في أنّه لو تبيّن أنّه من رمضان، فهل يكتفي به عن رمضان أو لا؟ ذهب الماتن وكثيرون إلى الاكتفاء؛ عملاً بمجموعة من النصوص، وهو الأقرب؛ وبخاصّة أنّ هذه النصوص مؤيَّدة بعدم وجود أيّ سؤال عن قضاء يومٍ من رمضان على تقدير صيام يوم الشك بنيّة شعبان، مع أنّ هذا غير قليل الوقوع، فاجتماع هاتين الخصوصيّتين: النصوص وعدم وجود ما يفيد لزوم قضاء ذلك اليوم من رمضان، يصلح للوثوق بكفاية هذا اليوم عن رمضان.

ج ـ ولا فرق في هذا الحكم بين أن تكون نيّته في صوم هذا اليوم من شعبان ندباً أو نذراً أو غير ذلك، عملاً بإطلاق بعض النصوص من جهة، وعدم وجود خصوصيّة متعقّلة للتمييز من جهة ثانية، مع عدم إشارة أيّ من النصوص لمثل ذلك من جهة ثالثة.

 

2 ـ صوم يوم الشك بنيّة رمضان

وهنا:

أ ـ أمّا تكليفاً، فمن الواضح أنّه قبل ثبوت شهر رمضان لا يجوز الصيام بنيّة رمضان، وقد دلّت عليه النصوص العديدة، بل هو على مقتضى القاعدة بملاحظة التشريع المحرّم ونحو ذلك.

ب ـ وأمّا وضعاً، فقد حكم السيد الماتن وآخرون ببطلان هذا الصوم، حتى لو صادف أنّه من شهر مضان، وهنا يمكن أن يقال بأنّه لو صام بنية رمضان عالماً عامداً مع علمه بأنّ هذا لا يجوز، فإنّ تحقق قصد القربة منه مشكل، والتقرّب بمثل ذلك أشكل، سواء صادف كونه من رمضان أم لا، فصحّة الصوم محلّ إشكالٍ من رأس كما هو واضح، إنّما الكلام لو أمكن تصوّر تحقّق قصد القربة منه، كما لو كان يظنّ جواز ذلك أو لم يكن ملتفتاً للمسألة أصلاً، فهنا لو صادف أنّه من رمضان، فإنّ مقتضى القاعدة هو الصحّة؛ لكنّ بعض النصوص الآحاديّة فهموا منها الحكم بالبطلان وأنّ الإمام قال بأنّه لا يقع ولو كان من شهر رمضان واقعاً، رغم أنّهم قالوا بأنّها معارَضة بما دلّ على الصحّة.

والأقرب بالنظر أنّ ما دلّ على البطلان قدره المتيقّن هو الحالة التي لا يكون فيها تحقّق قصد القربة متاحاً، مضافاً لكونه آحاديّاً، ونصوص النهي عن صوم يوم الشك على أنّه من رمضان لا تفيد بطلان الصوم وعدم وقوعه من رمضان لو نواه على أنّه من رمضان جهلاً أو غفلة، فلا ينبغي إقحام هذه النصوص في الجانب الوضعي لبحثنا هنا، وبهذا لا يكون في البَين ما يزيد عن خبرٍ آحاديّ، فراجع.

 

3 ـ صوم يوم الشك بنيّة الأمر الواقعي

وقد حكم السيد الماتن هنا بصحّة صومه ووقوعه عن رمضان لو صادفه، وهذا هو الصحيح؛ لعدم كون هذه الحالة مشمولة لما دلّ على النهي عن نيّة رمضان في يوم الشكّ، وأمّا ما أفاد حصر الجواز بنيّة شعبان ـ مثل حديث سماعة ـ فهو واضح في كونه حصراً إضافيّاً، أي في مقابل أن ينوي أنّه من رمضان، ولا أقلّ من عدم وضوح الحصر الحقيقي هنا، وسيأتي مزيد توضيح عند الحديث عن النيّة المردّدة في صيام يوم الشك.

 

4 ـ صوم يوم الشك بنيّة مردّدة متأرجحة (الحكم بالصحّة)

تعتبر مسألة صيام يوم الشك من القضايا الخلافيّة بين المذاهب على مستوى بعض التفاصيل. وأحد فروعها ما لو صام بنيّةٍ مردّدة بحيث قال مثلاً: سأصوم يوم الغد فإن كان من شعبان فهو ندب ومستحبّ، وإن كان من شهر رمضان فهو واجب، حيث أفتى الكثير من العلماء ـ ومنهم السيد الماتن ـ بعدم صحّة الصوم هنا، وأنّه لا يجزي عن صيام رمضان لو كان الغد هو الأوّل من رمضان.

لكنّ بعض العلماء السابقين والمتأخّرين تردّد وتأمّل في المسألة، ومنهم السيد أحمد الخوانساري، والسيد محسن الحكيم، والمحقق ضياء الدين العراقي، والسيد أبو الحسن الإصفهاني وغيرهم، بل بعضهم حكم بالصحّة بوضوح، ومنهم السيد روح الله الخميني، والشيخ الجواهري، والفيروزآبادي، والشيخ الفاضل اللنكراني، والسيّد محمّد حسين فضل الله، والسيّد علي الخامنئي، والسيد موسى الشبيري الزنجاني، والسيد علي السيستاني، والسيد صادق الروحاني، والشيخ محمد إسحاق الفيّاض، وغيرهم. واستحسن الشيخ المنتظري نيّة الترتيب بأن ينوي أنّه من شعبان فإن لم يكن فهو من رمضان، مائلاً إلى الصحّة.

والأقرب بالنظر أنّ هذا النوع من النيّة لا إشكال فيه، فيمكن للمكلّف أن ينوي صوم يوم الشك على أنّه من شعبان فلو تبيّن له أنّه من شهر رمضان أجزأ، كما ويمكنه أن ينويه ترديداً بحيث يقول بأنّني أصوم يوم الغد فإن كان من شعبان فهو ندب، وإن كان من رمضان فهو واجب، لكن لا يمكنه أن ينويه من رمضان جزماً ولم يثبت عنده بعدُ.

والمنهيّ عنه في النصوص هو أن ينويَه من شهر رمضان وهو لم يثبت عنده بعدُ أنّ شهر رمضان قد دخل، والروايات الحاصرة بالنيّة من شعبان حصرها إضافيّ في مقابل النية من رمضان والتي صحّحها بعض فقهاء أهل السنّة، وقرينة المقابلة في الروايات واضحة. كما أنّ الروايات الناهية عن الإتيان بهذا اليوم من رمضان لا تشمل الإتيان به بصيغة الترديد، فإنّ من القضايا التي كانت مثار نقاش بينهم في القرن الثاني الهجري وما بعد هي إمكانيّة صوم يوم الشك بنيّة رمضان، وكلّ نصوص النهي متركّزة على الجزم، ولا أقلّ من عدم الاطمئنان بانعقاد إطلاق فيها.

وأمّا القول بأنّ النصوص ناظرة لهذه الحال بالتحديد بدعوى استبعاد أنّهم كانوا يسألون عن صورة النيّة الجزمية الرمضانية، فهذا غير مقنع؛ لأنّ النيّة الجزمية متصوّرة جداً بعد مقاربة الأسئلة وظهوراتها، وتوقّع أن تصحيح صيام رمضان يحتاج لنية جازمة، علماً أنّ بعض اتجاهات الفقه السنّي، كالحنابلة، له رأي في وجوب صيامه على أنّه رمضان في بعض الصور، وهم ولو كانوا متأخرين عن زمن صدور النصوص هنا لكنّ قولهم هذا يعطي مجالاً لفتح الباب لاحتماليّة القصد الجزمي، خلافاً لما يذكره القائلون هنا بأنّ الروايات الناهية ناظرة تحديداً لصورة الترديد ولا تحتمل فرضيّة الجزم.

هذا كلّه فضلاً عن كون نيّة الجزم في نفسها معقولةً جداً؛ لأنّ يوم الشك حيث يحتمل أنّه من رمضان، فإنّ الإنسان العادي يبدأ شهره فيه لو صام جمهور الناس فيه، وهذا قائمٌ بالفعل بين بعض الناس لولا الفتاوى الناهية.

وأمّا التحليلات التي دخلوا فيها للتمييز بين الترديد في النية والترديد في المنويّ، والمعتمدة على مقاربات ذهنية فهي غير مقنعة، وقد ألمح إلى شيء من ذلك بعضهم، ولا حاجة للإطالة فالمقام مبنيٌّ على الاختصار.

هذا، وقد يقال بأنّ ما يثير الاستغراب بعضَ الشيء هو أنّه لا يوجد في الروايات أيُّ أثرٍ للنيّة المتردّدة بوصفها حلاً للمسألة، مع أنّ النيّة الإجماليّة أو التعليقيّة أو المتردّدة أو النيّة الترتّبيّة ليست من المسائل المعقّدة، وبالنظر إلى كثرة الابتلاء بهذه المسألة وورود الروايات الكثيرة حولها، كان من المتوقّع أن يُطرح هذا الحلّ البسيط لمعالجة مسألة «يوم الشك»، وكثيرٍ من الحالات الأخرى، وهذا ما قد يدفع للقول بلزوم النيّة الجازمة.

لكن قد يقال في المقابل بأنّه لعلّ ذلك لكون محلّ النقاش الأصلي بينهم كان في إمكان الاتيان بها بنيّة رمضان، فتركّز الكلام على عدمه، دون الدخول في سائر التفاصيل، والله العالم.

 

5 ـ حكم ما لو أصبح ناوياً الإفطار في يوم الشكّ فتبيّن أنّه من رمضان

هذه هي الصورة الأخيرة التي ذكرها الماتن هنا في هذه المسألة، وهي أنّه لو أصبح ناوياً للإفطار ولم يتناول المفطر بعد، فتبيّن له أنّه قد دخل شهر رمضان بالفعل، فما هو حكمه؟

فصّل الماتن بين ما قبل الزوال وما بعده، فقبله احتاط بتجديد النية ثم القضاء، وأمّا بعده فحكم بوجوب الإمساك ثمّ القضاء، واحتاط أستاذنا السيد محمود الهاشمي الشاهرودي بتجديد النية رجاءً حتى بعد الزوال.

والصحيح أنّه:

أ ـ لو كان قد تناول المفطر، فلا يجب عليه الإمساك، وإن كان هو الأحوط استحباباً، بل يلزمه القضاء فقط؛ وذلك أنّ دليل وجوب الإمساك ـ وفقاً لما ذكره الماتن وغيره في بحوثهم ـ أمران:

الأوّل: الإجماع والتسالم.

وهو يحتاج لإثبات تاريخيّ، فضلاً عن احتمال مدركيّته.

الثاني: إطلاقات النصوص التي تدلّ عل المنع عن فعل المفطرات في شهر رمضان دون أن توجِّه المنعَ لعنوان الصائم، وقد خرج من ذلك المريض والمسافر فيبقى غيره.

ولكنّ هذا الوجه ضعيف؛ لأنّ المنصرف من تلك النصوص هو الصائم الذي هو مجرى الحديث عادةً، والأخذ بحرفيّة التعبير فيه تكلّفٌ، فلا فرق في الذهن المتشرّعي بين القول: لا تجامع أهلك في نهار شهر رمضان، ولك ذلك في الليل، والقول: لا يجامع الصائم أهله في شهر رمضان وله ذلك في الليل. ودعوى أنّ هناك مفهوماً مستقلاً مرتكزاً في الذهن المتشرّعي لتجنّب هذه الأمور لمطلق الناس في رمضان، ولو كانوا غير صائمين عدا المريض والمسافر، تحتاج لدليلٍ غير متوفّر.

ب ـ لو لم يكن قد تناول المفطر، والقاعدة تقتضي البطلان؛ لانتهاء وقت النيّة، لكنّهم عمموا الحكم الوارد في المريض والمسافر لموردنا فيما لو كان قبل الزوال، أمّا بعده فيشمله دليل الإمساك الذي ناقشناه قبل قليل. ومقتضى الاحتياط الوجوبي هو تجديد النيّة قبل الزوال ثم القضاء، أمّا بعد الزوال فالاحتياط الاستحبابي يتطلّب تجديد النيّة، لكن يلزمه القضاء.

 

حكم الصوم مع نيّة القطع أو نيّة فعل القاطع أو التردّد..

([13]) يتحدّث الفقهاء عن مسألة تُعتبر ابتلائيّةً إلى حدٍّ ما في الصوم، وهو ما يسمّى بشرط استمراريّة النية أو استدامة النيّة ولو حُكماً، فيرون أنّ الصائم إذا نوى قطع صيامه وعزم على ترك الصوم ولو للحظات، فإذا كان الصوم واجباً معيّناً بطل نهائيّاً مثل صوم نهار شهر رمضان المبارك، حتى لو لم يتناول أيّ شيء من المفطرات، وحتى لو عاد ونوى الصوم مجدّداً. وأمّا إذا كان غير ذلك وكان مجال النيّة مفتوحاً مثل صوم القضاء الذي ينفتح مجال نيّته إلى الزوال، وحصل منه نيّة القطع قبل الزوال، أمكنه الرجوع وعقد النية ما دام الزوال لم يحِن بعدُ، أمّا لو نوى قطع الصوم بعد الزوال لم يعد يمكنه الرجوع وبطل صومه.

وتجري هذه الأحكام بعينها لو تردّد الصائم: هل يترك الصوم أو لا؟ فإنّ مجرّد التردّد هذا يوجب بطلان صومه على التفصيل المتقدّم، كما تجري لو نوى فعل القاطع أي نوى وتحرّك مثلاً نحو أكل الطعام، فإنّ نية القطع قد لا تجامع الإقدام على الأكل، بينما نيّة القاطع تفترض ذلك.

لكنّ الفقهاء جميعاً يوافقون ـ فيما يبدو ـ على أنّه لو تردّد المكلّف في البقاء صائماً أو لا، وكان السبب في ذلك هو شكّه في صحّة صومه، ثمّ تبيّن له أنّ صومه صحيح، فأزالَ التردّد من نفسه، صحّ صومه مطلقاً، معتبرين أنّه في الحقيقة جازم بالنية على تقدير صحّة الصوم، وهذا القدر من الجزم كافٍ.

لكنّ المنسوب لبعض الفقهاء المتقدّمين، مثل الشيخ الطوسي والسيد المرتضى في بعض كتبهما، هو الحكم بالصحّة. أمّا السيّد علي السيستاني فبنى ذلك كلّه على الاحتياط الوجوبي، ويظهر شيء قريب من ذلك عند السيد محمد حسين فضل الله في صورة التردّد خاصّة.

والذي يبدو لي هو أنّه وإن كان يمكن ترجيح القول بصحّة الصوم في هذه الحالات ـ وبخاصّة لو كان الفاصل في نيّة القطع أو القاطع أو التردّد قصيراً زماناً كلحظاتٍ أو دقائق ـ إلا أنّ الاحتياط لازمٌ بإكمال الصوم في هذه الحالات ثمّ القضاء، وذلك أنّ في المسألة أوجهاً واحتمالات تحظى بترجيحات متعارِضة، بما يجعل الاحتياط قراراً موضوعيّاً، والعلم عند الله.

ويستند الفقهاء هنا للحكم بالبطلان في العادة لتحليلٍ استنتاجي، لا لرواية أو آية بعينهما تتكلّمان عن الموضوع بالمباشرة، كما هي الحال في الكثير جدّاً من مباحث النيّة في مختلف أبواب الفقه، وخلاصة هذا التحليل أنّ النية مقوّمة للصوم فإذا زالت ولو للحظة زال الصيام، فلا يصدق على هذا المكلّف أنّه صام النهار كلّه، ومعنى أنّها مقوّمة هو أنّ جوهر الصوم قائم بالنية، وهذا بخلاف الصلاة، فإنّ جوهرها ـ عند كثير منهم ـ ليس قائماً بالنيّة، بل بالأفعال، والنيّة القربيّة شرطٌ في صحّة هذه الأفعال.

غير أنّ هذه الطريقة في المقاربة قد يُناقِش فيها شخصٌ بأكثر من مناقشة، وعلى سبيل المثال قد يقال: لو أنّنا نظرنا في مجمل نصوص فقه الصوم لرأينا أنّ بعض الروايات تسمح في الواجب غير المعيّن بعقد نيّة الصوم قبل الزوال، بل في غير الواجب يمكن عقدها قبل الغروب بقليل عندهم، فلو كانت كلّ لحظات النهار يجب أن تكون صوماً عن نيّة جازمة بوصف ذلك مقوّماً، لما صحّ ذلك، بل في بعض صور المسافر يمكنه عقد النيّة لو رجع قبل الزوال، وهذا ما ربما يقال بأنّه ليس من باب التخصيص أو نحوه، بل هو كاشف عن أنّ العلاقة بين النيّة والصوم ليست بالشكل القهري الذي بحيث لو انقطعت للحظة انعدم الصوم نتيجة مفهوم التقوّم لا مفهوم الشرط.

وعليه، فقد يرى فقيهٌ أنّ العبرة بالصدق العرفي لحصول الصوم عن نيّة، والعرف يرى أنّ التردّد لفترة قصيرة أو نية القطع أو القاطع كذلك، لا يخلّ بصدق عنوان صيام النهار عن نية قربيّة، بخلاف ما لو قطع نيته طوال النهار ليعود فينوي في آخره، فيما قد يرى فقيهٌ آخر أنّ المسألة مرتبطة بالدقّة الحرفيّة ممّا يصحّح ما قاله المشهور، وقد توقفنا في المسألة مرجّحين الاحتياط الوجوبي.

قد يقال: إنّ وجود النيّة والقصد لا يتنافيان مع وجود التردّد الذهني والتجاذب النفسيّ، إذ يمكن للإنسان أن يكون في حالٍ لا يزال فيها ناوياً لمواصلة الصوم، ومع ذلك يعتريه في ذهنه تردّدٌ أو مجاهدةٌ داخليةٌ في الإقدام على ارتكاب المفطر أو لا. وما يشهد ذلك هو قياس ترك الفعل بفعلٍ مادّيٍّ محسوس، فمثلاً، من يحمل حجراً ثقيلاً بيده قد يشعر بعد دقائق ـ من التعب أو لأيّ سببٍ آخر ـ بتردّدٍ في ذهنه، هل يستمرّ بحمل الحجر أو يرميه؟ ومع ذلك هو ما زال حاملاً له ولم يُسقطه بعد، أي إنّ القصد لا يزال قائماً وإن وجد التردّد الذهني، ولولا القصد لسقط الحجر من يده، كذلك الحال في التروك، فالإنسان يمكنه أن تكون له نيّةُ مواصلة الصوم ولم تَزُلْ بعدُ، وفي الوقت نفسه يصارع الوساوس والشكوك ويتردّد: هل يُكمل الصوم أو يُفطر؟ نعم، إذا كان التردّد بمعنى التردّد في أصل النيّة نفسها ـ أي ما يساوق عدم النيّة ـ فحينئذٍ يجري عليه حكم عدم النيّة.

ولمزيد توضيح: إنّه یُمکن للشخص أن تکون له نیّةُ الصوم لتمام الیوم، أي ینوی قبل الفجر أنّه سیصوم الیوم کلّه، ثمّ یشكّ عند الظهر هل یعدل عن نیّة الصوم أو یُبقِیها، أي یشكّ في المحافظة على نیّته الأصلیّة أو ترکها، وهذا تردّدٌ بین الاستمرار في الصوم أو النقض، مع أنّ أصل النیة ما زال باقیاً وقابلاً للاجتماع مع هذا التردّد، فأنا منذ ما قبل الفجر كانت نیّتي أن أصوم الیوم کلّه، ثمّ عند الظهر یعرض لي شكّ: هل أفعل المفطر أو أحافظ على نیّة الصوم وأستمرّ به؟ ويمكن قياس ذلك بالصلاة، ففي الصلاة أيضاً نیّة القربة معتبرة، لکن لو شكّ المصلّي أثناء الصلاة: هل یحافظ على نیّته أو یترکها ویفعل المبطل، كاستدبار القبلة، فإنّ مجرد التردّد لا یُبطل الصلاة، وإنّما تبطل إذا انتهى إلى قرارٍ بترك الصلاة، وبمجرّد لحظة اختیار الترك یخرج فیها عن قصد الصلاة، ففي هذه الحالة یحکم بالبطلان.

والجواب: إنّ هذا الكلام هو في الفعل، من حيث تأثير التردّد في النية عليه، بينما نظرهم في النيّة نفسها، بمعنى أنّ هذا الشخص قد حصل له التردّد في نيّة التخلّي عن حمل الحجر، فلم يعد يصدق عليه أنّ لديه نيّة حمل الحجر، لكنّه لم يقم بترك الحمل خارجاً، لا لأنّه ما زال ناوياً لحمله، بل لأنّه لم يقرّر إلقاءه، أمّا في باب التروك فالمشكلة عندهم أنّه ليس بيدنا فيها إلا النيّة ذاتها، وإلا فذات الترك بلا نيّةٍ لا قيمة له، ولا يسمّى صوماً، فلحظات التردّد تحسب من نوع عدم وجود نيّة للصوم قائمة.

وأمّا مثال الصلاة، فلا يبعد الالتزام أيضاً بأنّ تردّده قاطع، غاية الأمر أنّ الفرق أنّ التردّد الذي هو بحكم ارتفاع النيّة إذا صاحب فعلاً صلاتيّاً كالركوع، أبطل الصلاة، ولو لم يصدر منه شيء إطلاقاً حال التردّد ولم يحصل إخلال بصورة الصلاة ثم رجع للنيّة، أمكنه الإتيان بالتكملة، ويصدق عليه أنّ تمام الصلاة (بوصفها سلسلة أفعال) صدر عن نيّة، فالمقارنة غير متطابقة هنا.

 

العدول من صومٍ إلى صوم آخر، الصور والأحكام

([14]) أمّا في حال فوت وقت نيّة المعدول إليه فواضح؛ إذ لا معنى للعدول والمفروض أنّه لا تنعقد النيّة للمعدول إليه بعد فوات وقتها، فالمراد من عدم صحّة العدول هنا هو عدم تحقّق الصوم المعدول إليه؛ لعدم تحقّق نيّته في وقتها، فيكون العدول بحكم العدم، وأمّا في حال بقاء وقت النية ففي الحقيقة يكون هذا إبطالاً للصوم السابق واستئنافاً لصومٍ جديد يفترض أنّ وقت نيّته ما يزال قائماً، فلا إشكال في المقام ما دام يحقّ له إبطال الصوم السابق وإلا يكون قد ارتكب محرّماً بإبطاله إيّاه، كما هو واضح.

والأوضح من ذلك أن يكون العدول من صومٍ محكومٍ بالبطلان إلى صومٍ محكوم بالصحّة ونيّته ما تزال في وقتها، كما لو نوى تطوّعاً مَن عليه قضاء شهر رمضان، وقلنا بعدم الجواز، فعدوله هنا إلى نية القضاء قبل الزوال صحيحٌ بلا إشكال.