التعليقة على منهاج الصالحين (الخلل في الصلاة ـ القسم السادس)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(21 ـ 8 ـ 2025م)
فصل
في سجود السهو
مسألة 877: يجب سجود السهو للكلام ساهياً، وللسلام في غير محلّه، وللشكّ بين الأربع والخمس كما تقدّم، ولنسيان التشهّد، والأحوط وجوباً سجود السهو لنسيان السجدة وللقيام في موضع الجلوس، أو الجلوس في موضع القيام، كما أنّ الأحوط استحباباً سجود السهو لكلّ زيادة أو نقيصة([1]).
مسألة 878: يتعدّد السجود بتعدّد موجبه، ولا يتعدّد بتعدّد الكلام، إلا مع تعدّد السهو، بأن يتذكّر ثمّ يسهو، أمّا إذا تكلّم كثيراً وكان ذلك عن سهوٍ واحد، وجب سجودٌ واحد لا غير.
مسألة 879: لا يجب الترتيب فيه بترتيب أسبابه، ولا تعيين السبب([2]).
مسألة 880: يؤخّر السجود عن صلاة الاحتياط، وكذا عن الأجزاء المقضيّة. والأحوط عدم تأخيره عن الصلاة، وعدم الفصل بينهما بالمنافي([3])، وإذا أخّره عنها أو فصله بالمنافي لم تبطل صلاته ولم يسقط وجوبه([4])، بل لا تسقط فوريّته أيضاً على الأحوط([5])، وإذا نسيه فذكر وهو في أثناء صلاةٍ أخرى أتمّ صلاته وأتى به بعدها.
مسألة 881: سجود السهو سجدتان متواليتان، وتجب فيه نيّة القربة، ولا يجب فيه تكبير. ويعتبر فيه وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه ووضع سائر المساجد([6])، والأحوط استحباباً أن يكون واجداً لجميع ما يعتبر في سجود الصلاة من الطهارة والاستقبال والستر وغير ذلك. والأقوى وجوب الذكر في كلّ واحد منهما، والأحوط في صورته: «بسم الله وبالله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»([7]). ويجب فيه التشهّد بعد رفع الرأس من السجدة الثانية، ثم التسليم، والأحوط([8]) اختيار التشهّد المتعارف.
مسألة 882: إذا شكّ في موجبه لم يلتفت، وإذا شكّ في عدد الموجب بنى على الأقلّ، وإذا شكّ في إتيانه بعد العلم بوجوبه أتى به، وإذا اعتقد تحقّق الموجب، وبعد السلام شكّ فيه، لم يلتفت، كما أنّه إذا شكّ في الموجب، وبعد ذلك علم به أتى به، وإذا شكّ في أنّه سجد سجدة أو سجدتين بنى على الأقلّ، إلا إذا دخل في التشهّد، وإذا شكّ بعد رفع الرأس في تحقّق الذكر مضى، وإذا علم بعدمه أعاد السجدة([9])، وإذا زاد سجدةً لم تقدح، على إشكالٍ ضعيف.
مسألة 883: تشترك النافلة مع الفريضة في أنّه إذا شكّ في جزءٍ منها في المحلّ لزم الإتيان به، وإذا شكّ بعد تجاوز المحلّ لا يعتني به، وفي أنّه إذا نسي جزءاً لزم تداركه إذا ذكره قبل الدخول في ركنٍ بعده. وتفترق عن الفريضة بأنّ الشك في ركعاتها يجوز فيه البناء على الأقلّ والأكثر ـ كما تقدّم ـ وأنّه لا سجود للسهو فيها، وأنّه لا قضاء للجزء المنسيّ فيها ـ إذا كان يقضى في الفريضة ـ وأنّ زيادة الركن سهواً غير قادحة، ومن هنا يجب تدارك الجزء المنسيّ إذا ذكره بعد الدخول في ركنٍ أيضاً([10]).
([1]) يشرع الماتن في هذه المسألة بالحديث عن موجبات سجود السهو، وفي الحقيقة فإنّ موجبات سجود السهو لا تقتصر على حال السهو والنسيان بالمعنى المتعارف، بل تشمل بعض صور الشكّ، كما تقدّم معنا في بحث الشكّ في الركعات، وسوف يشير له الماتن أيضاً هنا في هذه المسألة، وحاصل ما ذكره الماتن مع تعليقاتنا عليه هو الآتي:
1 ـ الكلام ساهياً، لكنّنا نرى أنّ ثبوت سجود السهو فيه مبنيٌّ على الاحتياط الوجوبي؛ فإنّ الروايات الدالّة قليلة نسبيّاً، ولولا معارضتها بغيرها لربما أمكن الأخذ بها، لكن تُعارضها بعضُ الأخبار ولو من خلال الإطلاق المقامي. ولا فرق في الكلام ساهياً بين صدور الكلام عن نسيان أو صدوره عمداً بتخيّل أنّه انتهى من الصلاة وخرج منها.
2 ـ السلام في غير محلّه، والأقرب أنّه مقتضى الاحتياط الاستحبابي.
3 ـ الشكّ بين الأربع والخمس، وقد تقدّم.
4 ـ نسيان التشهّد، والأقرب أنّ نسيان التشهّد الأوسط موجبٌ لسجود السهو، لكونه القدر المتيقّن الموثوق بصدوره من النصوص، أمّا التشهّد الأخير فالأحوط استحباباً سجود السهو له، بصرف النظر عن إشكال أمثال المحقّق العراقي القاضي بعدم تصوّر فوت االتشهّد الأخير في صلاة صحيحة أساساً.
هذا، ونسيان بعض التشهّد لا يجري عليه هنا حكم نسيان التشهّد، وفاقاً للعديد من العلماء المتأخّرين؛ لعدم ظهور الأدلّة في الشمول لذلك.
5 ـ احتاط الماتن وجوباً في سجود السهو لنسيان السجدة، وللقيام في موضع الجلوس، أو الجلوس في موضع القيام، والأصحّ أنّه مقتضى الاحتياط الاستحبابي.
6 ـ احتاط الماتن استحباباً ـ وهو الصحيح ـ بسجود السهو لكلّ زيادة أو نقيصة.
وقد تشكل وتقول: إنكم وافقتم السيد الماتن على القول بوجوب سجود السهو في مورد الشكّ بين الأربع والخمس، ويبدو أنّ هذا ـ بحسب نظركم ـ هو المورد الوحيد الذي تجب فيه سجدة السهو عندكم، حيث ذهبتم إلى الاحتياط الوجوبي في مورد الكلام السهوي، فهل يُعدّ حصر وجوب سجدة السهو في هذه الموارد القليلة منسجماً مع ما يظهر من كون سجدة السهو عملاً معروفاً في الشرع، وكانوا يشيرون إليها بعنوان خاصّ باسم "سجدة السهو"؟!
والجواب: إنّ معروفيّة سجود السهو أعم من كونه واجباً أو مستحباً، فلا تقتصر المعروفية على حال وجوبه، علماً أنّنا وافقنا على وجوب سجود السهو لنسيان التشهّد الأوسط أيضاً. ولا يبعد الترغيب العام ـ من خلال ضمّ مجموع النصوص ـ في سجود السهو على كلّ نقيصة أو زيادة تحدث.
([2]) بل حتى لو عيّن السبب اشتباهاً، صحّ ما لم يكن بنحو التقييد بشرط لا من حيث غيره.
([3]) الأقرب في فهم النصوص أنّ المطلوب هو الإتيان بسجدتي السهو بعد التسليم وانتهاء الصلاة بما يصدق معه عرفاً أنّه أتى بسجود السهو بعد التسليم، في مقابل ما إذا فصل بينه وبين سجود السهو عملٌ أو وقتٌ طويل عرفاً، ولو لم يوجب صدق عنوان المنافي، وعليه فلا مانع من الفصل بين الصلاة وبين سجود السهو بالمنافي ما دام يصدق أنّه أتى بهما بعد التسليم عرفاً، ولا يلزم أن يكون فوراً بعد التسليم بالمعنى الدقيق للكلمة، بل تكفي الفوريّة العرفيّة. نعم الأحوط أن لا يكون هذا المنافي هو الكلام.
([4]) على الأحوط وجوباً.
([5]) استحباباً؛ فإنّ نصوص الفورية غير ناظرة لما إذا أخّر السجود لفترة طويلة عمداً أو سهواً، أو على الأقلّ لا يحرز نظرها لمثل ذلك حتى يتمسّك بالإطلاق فيها.
([6]) وضع الجبهة وسائر المساجد لا إشكال فيه بما يحقّق عنوان السجود، أمّا شرط أن يكون على ما يصحّ السجود عليه، فهو مقتضى الاحتياط الوجوبي؛ انطلاقاً من صدق عنوان السجدة من دونه عرفاً، ومن احتمال قويّ بأنّ المنظور هو السجود المعترف به شرعاً في الصلاة، ولو من حيث كون سجود السهو نوعٌ من السجود المرتبط بالصلاة بشكلٍ أو بآخر، لهذا نحتاط وجوباً.
([7]) وجوب الذكر مبنيٌّ على الاحتياط الاستحبابي، وكذا الصيغة الخاصّة التي ذكرها الماتن، فإنّ الدليل آحادي جداً، وإلا فالأقوى أنّه يكفي مطلق السجود ولو لم يقل أثناءه شيئاً. ولعلّ ذكر النبيّ بخصوصه في الرواية الآحاديّة الشارحة لما يقال في سجود السهو ـ وهي رواية الحلبي ـ جاء لتذكّر ما حصل مع النبيّ في قضيّة السهو والسجود له، والعلم عند الله.
([8]) استحباباً، وإلا فالأقرب مطلق ما يصدق عليه تشهّدٌ وتسليم عرفاً.
([9]) لا تجب إعادة السجود ولو مع العلم؛ لعدم ثبوت وجوب الذكر كما قلنا.
([10]) ثبوت وجوب السهو وقضاء الأجزاء المنسيّة في النافلة هو الأقرب، وأمّا عدم البطلان بزيادة الركن، فإنّ الأحوط وجوباً هو الجمع بين الإكمال والإعادة أو قطع النافلة وإعادتها.
والسؤال: هل مستند رفض كلام الماتن هو فقدان ما یدلّ علی الفرق؟ أي أنّ مقتضي الوجوب في الصلاة المستحبة موجود عندکم وترون الروایات مطلقة بالنسبة إلی المستحبّة غیر منصرفة إلی الفرائض، ومن ثمّ لا یوجد عندکم ما یفرّق بین الفریضة والنافلة؟
والجواب: نعم تماماً، وكأنّها من شؤون الصلاة، لا من شؤون الصلاة الواجبة، وبخاصة مع كون الإتيان بالنوافل ليس قليلاً، وعدم توضيح الروايات ما هو خلاف ذلك.