hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (أحكام النجاسة)

تاريخ الاعداد: 6/19/2024 تاريخ النشر: 6/20/2024
1400
التحميل

حيدر حبّ الله

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(13 ـ 6 ـ 2024م)

 

الفصل الثالث

في أحكام النجاسة

مسألة 418: يشترط في صحّة الصلاة الواجبة والمندوبة، وكذلك في أجزائها المنسيّة([1])، طهارة بدن المصلّي وتوابعه، من شعره وظفره ونحوهما، وطهارة ثيابه، من غير فرق بين الساتر وغيره([2]). والطواف الواجب والمندوب كالصلاة في ذلك([3]).

مسألة 419: الغطاء الذي يتغطّى به المصلي إيماءً إن كان ملتفّاً به المصلّي بحيث يصدق أنّه صلّى فيه، وجب أن يكون طاهراً، وإلا فلا([4]).

مسألة 420: يشترط في صحّة الصلاة طهارة محلّ السجود([5])، وهو ما يحصل به مسمّى وضع الجبهة، دون غيره من مواضع السجود، وإن كان اعتبار الطهارة فيها أحوط استحباباً([6]).

مسألة 421: كلّ واحد من أطراف الشبهة المحصورة بحكم النجس، فلا يجوز لبسه في الصلاة، ولا السجود عليه([7])، بخلاف ما هو من أطراف الشبهة غير المحصورة.

مسألة 422: لا فرق في بطلان الصلاة لنجاسة البدن أو اللباس أو المسجد بين العالم بالحكم التكليفي أو الوضعي، والجاهل بهما عن تقصير، وكذلك فيما إذا كان المسجد نجساً في السجدتين معاً حتى إذا كان الجهل عن قصور، وأمّا في غير ذلك، فالأظهر صحّة الصلاة في موارد الجهل القصوري لاجتهادٍ أو تقليد([8]).

مسألة 423: لو كان جاهلاً بالنجاسة، ولم يعلم بها حتى فرغ من صلاته، فلا إعادة عليه في الوقت، ولا القضاء في خارجه([9]).

مسألة 424: لو علم في أثناء الصلاة بوقوع بعض الصلاة في النجاسة، فإن كان الوقت واسعاً بطلت واستأنف الصلاة([10])، وإن كان الوقت ضيقاً حتى عن إدراك ركعة، فإن أمكن التبديل أو التطهير بلا لزوم المنافي فعل ذلك، وأتمّ الصلاة، وإلا صلّى فيه، والأحوط استحباباً القضاء أيضاً.

مسألة 425: لو عرضت النجاسة في أثناء الصلاة، فإن أمكن التطهير أو التبديل، على وجهٍ لا ينافي الصلاة فعلَ ذلك وأتمّ صلاته ولا إعادة عليه، وإذا لم يمكن ذلك، فإن كان الوقت واسعاً استأنف الصلاة بالطهارة، وإن كان ضيقاً فمع عدم إمكان النزع لبرد ونحوه ولو لعدم الأمن من الناظر، يتمّ صلاته ولا شي‌ء عليه، ولو أمكنه النزع ولا ساتر له غيره، فالأظهر وجوب الإتمام فيه.

مسألة 426: إذا نسي أنّ ثوبه نجس وصلّى فيه، كان عليه الإعادة إن ذكر في الوقت، وإن ذكر بعد خروج الوقت، فعليه القضاء. ولا فرق بين الذكر بعد الصلاة، وفي أثنائها مع إمكان التبديل، أو التطهير، وعدمه([11]).

مسألة 427: إذا طهّر ثوبه النجس، وصلّى فيه، ثم تبيّن أنّ النجاسة باقية فيه، لم تجب الإعادة ولا القضاء؛ لأنّه كان جاهلاً بالنجاسة.

مسألة 428: إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً، فإن لم يمكن نزعه لبردٍ أو نحوه، صلّى فيه بلا إشكال، ولا يجب عليه القضاء، وإن أمكن نزعه فالظاهر وجوب الصلاة فيه، والأحوط استحباباً الجمع بين الصلاة فيه والصلاة عارياً([12]).

مسألة 429: إذا كان عنده ثوبان يعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما وجبت الصلاة في كلّ منهما([13])، ولو كان عنده ثوب ثالث يعلم بطهارته تخيّر بين الصلاة فيه، والصلاة في كلّ منهما.

مسألة 430: إذا تنجّس موضع من بدنه وموضع من ثوبه، أو موضعان من بدنه، أو من ثوبه، ولم يكن عنده من الماء ما يكفي لتطهيرهما معاً، لكن كان يكفي لأحدهما، وجب تطهير أحدهما مخيّراً([14])، إلا مع الدوران بين الأقلّ والأكثر([15])، فيختار تطهير الأكثر.

مسألة 431: يحرم أكل النجس وشربه([16])، ويجوز الانتفاع به فيما لا يشترط فيه الطهارة([17]).

مسألة 432: لا يجوز بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والكلب غير الصيود، ولا بأس ببيع غيرها من الأعيان النجسة والمتنجّسة إذا كانت لها منفعة محلّلة معتدّ بها عند العقلاء على نحو يبذل بإزائها المال وإلا فلا يجوز بيعها وإن كان لها منفعة محلّلة جزئيّة على الأحوط([18]).

مسألة 433: يحرم تنجيس المساجد وبنائها وسائر آلاتها وكذلك فراشها، وإذا تنجّس شي‌ء منها وجب تطهيره([19])، بل يحرم إدخال النجاسة العينيّة غير المتعدّية إليه إذا لزم من ذلك هتك حرمة المسجد، مثل وضع العذرات والميتات فيه، ولا بأس به مع عدم الهتك، ولا سيما فيما لا يعتد به لكونه من توابع الداخل. مثل أن يدخل الإنسان وعلى ثوبه أو بدنه دم، لجرح، أو قرحة، أو نحو ذلك.

مسألة 434: تجب المبادرة إلى إزالة النجاسة من المسجد، بل وآلاته وفراشه على الأحوط حتى لو دخل المسجد ليصلّي فيه فوجد فيه نجاسة، وجبت المبادرة إلى إزالتها مقدّماً لها على الصلاة مع سعة الوقت، لكن لو صلّى وترك الإزالة عصى وصحّت الصلاة، أمّا في الضيق فتجب المبادرة إلى الصلاة مقدّماً لها على الإزالة.

مسألة 435: إذا توقّف تطهير المسجد على تخريب شيء منه وجب تطهيره إذا كان يسيراً لا يعتدّ به، وأمّا إذا كان التخريب مضرّاً بالوقف، ففي جوازه فضلاً عن الوجوب إشكال، حتى فيما إذا وجد باذل لتعميره.

مسألة 436: إذا توقّف تطهير المسجد على بذل مالٍ وجب، إلا إذا كان بحيث يضرّ بحاله، ولا يضمنه من صار سبباً للتنجيس، كما لا يختصّ وجوب إزالة النجاسة به([20]).

مسألة 437: إذا توقّف تطهير المسجد على تنجّس بعض المواضع الطاهرة وجب، إذا كان يطهر بعد ذلك([21]).

مسألة 438: إذا لم يتمكن الإنسان من تطهير المسجد وجب عليه إعلام غيره إذا احتمل حصول التطهير بإعلامه([22]).

مسألة 439: إذا تنجّس حصير المسجد وجب تطهيره فيما إذا لم يستلزم فساده على الأحوط، وأمّا مع استلزام الفساد ففي جواز تطهيره أو قطع موضع النجس منه إشكال([23]).

مسألة 440: لا يجوز تنجيس المسجد الذي صار خراباً وإن كان لا يصلّي فيه أحد، ويجب تطهيره إذا تنجّس([24]).

مسألة 441: إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجدٍ وجب تطهيرهما([25]).

مسألة 442: يلحق بالمساجد، المصحفُ الشريف والمشاهد المشرّفة والضرائح المقدّسة والتربة الحسينية، بل تربة الرسول (ص) وسائر الأئمّة عليهم السلام المأخوذة للتبرّك، فيحرم تنجيسها إذا كان يوجب إهانتها وتجب إزالة النجاسة عنها حينئذ([26]).

مسألة 443: إذا غصب المسجد وجعل طريقاً أو دكّاناً أو خاناً، أو نحو ذلك، ففي حرمة تنجيسه ووجوب تطهيره إشكال، والأقوى عدم وجوب تطهيره من النجاسة الطارئة عليه بعد الخراب([27])، وأمّا معابد الكفّار فلا يحرم تنجيسها ولا تجب إزالة النجاسة عنها([28])، نعم إذا اتخذت مسجداً بأن يتملّكها وليّ الأمر، ثمّ يجعلها مسجداً، جرى عليها جميع أحكام المسجد([29]).

______________________________________

([1]) وكذلك ركعة الاحتياط، دون سجود السهو أو سجدة الشكر أو التلاوة، فلا يشترط فيها الطهارة الخبثيّة. كما لا تشترط الطهارة في مقدّمات الصلاة كالأذان والإقامة ولا في تعقيباتها ولواحقها ما لم يُحسب شيء منها جزءاً من الصلاة أو محكوماً بحكمها، وسوف يأتي الحديث عن موضوع وجوب الإقامة وعدمه قريباً إن شاء الله.

([2]) القدر المتيقّن هنا هو مانعيّة النجاسة عن صحّة الصلاة، وأمّا شرطيّة الطهارة للصلاة، فهي مشكوكة، لا لأنّه لا يصحّ التعبير عن الشرطيّة بلسان النهي أو عن المانعيّة بلسان الأمر أحياناً، بل لأنّ مجمل النصوص هنا تركّز على التحذير من الصلاة في النجاسة، لا أنّها تدعو للصلاة بالثوب الطاهر، بخلاف باب الطهارة الحدثيّة فإنّ الكثير من ألسنة النصوص هناك ـ قرآناً وسنّة ـ تدعو للطهارة. وتظهر الثمرة في مواضع، منها ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ عند التعليق على المسألتين رقم: 419، 429.

هذا، والصحيح أنّه لا تصحّ الصلاة بالنجاسة، وفاقاً لجمهور فقهاء الإسلام، وخلافاً لبعض المالكيّة الذين قالوا بأنّه تصحّ، وأنّ الطهارة ليست شرطاً أساساً عندهم كما أنّ النجاسة ليست مانعاً.

([3]) في اشتراط الطهارة من الخبث أو مانعيّته في الطواف نظرٌ، والأقرب عدم الاشتراط، بلا فرق بين الطواف الواجب أو المندوب، فإنّ العمدة روايتان آحاديّتان ضعيفتا الإسناد، بل ترجعان لرواية واحدة وهي رواية يونس بن يعقوب، وهما معارَضَتَان ـ بنحوٍ ما ـ بمرسل البزنطي. والماتن بنى على شرط الطهارة من الخبث في الطواف اعتماداً على إحدى الروايتين على قانون وثاقة رجال كامل الزيارات، الذي وثّقَ من خلاله الحكمَ بن مسكين، والمفترض عدوله عن هذه الفتوى بعد تغيير مبناه في كامل الزيارات، والعلم عند الله. وقد بنى بعضهم هذه المسألة على الاحتياط الوجوبي دون الفتوى، من أمثال السيد محمّد الروحاني والسيّد محمّد حسين فضل الله والسيد محمود الهاشمي الشاهرودي والسيد محمّد صادق الروحاني،، فيما بنى الشيخ محمّد إسحاق الفياض والشيخ محمّد اليعقوبي المسألةَ هنا على الاحتياط الاستحبابي، وهذا كلّه مختصّ بالطواف، وإلا فشرط الطهارة من الخبث أو مانعيّته في صلاة الطواف واضح، وليس كلامنا فيه.

([4]) هذه مسألة مصداقيّة، وذلك أنّ العبرة بطهارة ثوب المصلّي ولباسه، ويوكل عنوان الثوب واللباس إلى العرف، فإن رأى أنّ ما يلتفّ به يصدق عليه أنّه لباسه وثوبه، لزمت طهارته، وإلا فلا، ومع الشكّ تجوز الصلاة به على القول بالمانعيّة ولا تجوز على القول بالشرطيّة؛ وذلك تمسّكاً بأصل عدم وجود المانع، وبضمّ الوجدان إلى الأصل تصحّ الصلاة، وليس تمسّكاً بأصل البراءة حتى يقال بأنّه يجري عند الشك في المانعيّة ولا يجري عند الشك في وجود المانع نفسه.

([5]) على الأحوط استحباباً؛ فإنّه وإن كان خبر ابن محبوب صحيح الإسناد بطريق الطوسي دون طريق الصدوق، ويساعده دعوى الإجماع، إلا أنّ الروايات متعارضة، وبعضها يدلّ على جواز الصلاة في النجاسة الجافّة بلا تطهير وبعضها ينفي، كما أنّ بعض ما يدلّ على الجواز مطلق من ناحية مواضع السجود، مع أنّ المقام مقام بيان وتفصيل، والإجماع المدّعى ـ لو تمّ ـ فهو اجتهادي، ناتج عن مقارنة النصوص وترجيح مجموعة على أخرى، وفي مثل هذه الحال لا يكون تعبديّاً كاشفاً، ودلالات بعض النصوص التي تقف لصالح الشرطيّة غير واضحة، والشهرة ليست بحجّة. وأمّا القول بأنّ النجاسة تنتقل عادةً إلى الجبهة وبخاصة من حيث التعرّق، فهذا أقصاه التفصيل بين كون النجاسة تنتقل وغيرها، لا القول بشرط الطهارة في موضع السجود بعنوانه، بل هذا مبني على تنجيس المتنجّس، وحيث لا نقول بتنجيس المتنجّس الجامد مطلقاً كما تقدّم، لهذا لا يكون لهذه المسألة موضوع عندنا هنا، إلا إذا كان هناك ماء متنجس موجود على محلّ السجود وكان مائعاً أوّل، حيث نقول بتنجيس المتنجّس المائع الأوّل كما تقدّم في بحث سراية النجاسة.

([6]) هذا هو الصحيح، أي عدم اشتراط الطهارة في سائر مواضع السجود أيضاً، خلافاً لجمهور فقهاء أهل السنّة من اشتراط كون مكان المصلّي طاهراً. لكن هذا كلّه فيما إذا لم تكن النجاسة التي في موضع المصلّي توجب لو صلّى عليها انتقالها إلى بدنه أو لباسه، وإلا بطلت الصلاة من هذه الناحية، وهذا واضح.

([7]) هذا واضحٌ على القول بالشرطيّة، أمّا على القول بالمانعيّة فيجوز له الصلاة في أحدها.

([8]) إنّ الحكم ببطلان الصلاة مع الجهل التقصيري بالحكم، مبنيٌّ على الاحتياط الوجوبي، إذ قد يقال بأنّ المفهوم من أدلّة مانعيّة النجاسة أو شرطيّة الطهارة هو أنّ المكلّف في ظرف علمه بالحكم أو الموضوع ليس له الصلاة ولا تصحّ صلاته، أمّا إذا كان لا يعرف الحكم، فإنّ صلاته صحيحة؛ لعدم وضوح وجود إطلاقات في الأدلّة هنا لغير حال العلم والعمد. ودعوى أنّه يلزم منه الحمل على الفرد النادر ـ كما أفاده الماتن في بحوثه الاستدلاليّة ـ غير واضحة، فإنّ الشريعة وضعت الحكم وتمّ تبيينه حتى لو كان مصداقه قليلاً. نعم إذا كان متردّداً ومع ذلك قصّر في المعرفة فيمكن أن يقال ببطلان صلاته مع النجاسة بناءً على عدم إمكان تأتّي قصد القربة منه، ومثل ذلك كلّ مورد يكون تحقّق قصد القربة فيه غير مضمون أو غير متوفّر.

([9]) هذا هو الصحيح، وفاقاً للكثير من الإماميّة والمالكيّة، وخلافاً للكثير من الأحناف والحنابلة والشافعيّة.

([10]) على الأحوط وجوباً فيما إذا أمكنه التبديل أو التطهير حال الصلاة بما لا ينافيها، وأمّا إذا كان لا يمكنه التبديل حال الصلاة بما لا ينافيها فالأقوى أنّ عليه استئناف الصلاة بثوب آخر أو بعد تطهيره.

([11]) المشهور بين الفقهاء أنّ المصلّي لو كان عالماً قبل الصلاة بنجاسة بدنه أو ثيابه، ثمّ صلّى ناسياً وفرغ من صلاته، ثم انتبه وتذكّر، فإنّه يلزمه إعادة الصلاة في الوقت وقضاؤها خارج الوقت. وخالف في ذلك جماعة، فلم يلزموا بالإعادة ولا القضاء، منهم: الشيخ علي الجواهري في تعليقته على العروة. واحتاط وجوباً الشيخ محمّد رضا آل ياسين والسيد عبد الهادي الشيرازي والشيخ محمّد إسحاق الفياض في «تعاليق مبسوطة» وغيرهم، بل نسب المحدّث البحراني القولَ بعدم وجوب الإعادة والقضاء لبعض فضلاء المتأخّرين، وهو المنسوب أيضاً للمحقّق الحلّي والشيخ الطوسي في بعض كتبهما، وللسيد العاملي صاحب المدارك وغيرهم. كما احتاط وجوباً في خصوص القضاء كلّ من: السيد محمّد باقر الصدر، والسيد محمود الهاشمي، والسيد موسى الشبيري الزنجاني. بل إنّ التفصيل بين وجوب الإعادة وعدم وجوب القضاء قولٌ معروف بين المتأخّرين. وذهب السيد علي السيستاني إلى أنّه لو كان الناسي قد نسي نتيجة إهمال وتساهل فالأحوط وجوباً عليه الإعادة، وإلا فالأحوط استحباباً الإعادة.

والأقرب هو عدم ثبوت وجوب الإعادة، فضلاً عن القضاء، على ناسي النجاسة، سواء كان نسيانه للحكم أم للموضوع. نعم الاحتياط حسنٌ وراجح جدّاً بالإعادة، وبخاصّة في حالة النسيان الآتي من الإهمال والتساهل والذي يمكن أكثر تعقّل مفهوم العقوبة فيه والمؤاخذة عليه.

والروايات الدالّة على الإعادة وإن لم تكن قليلة، بل تقارب العشرة بل وتزيد، غير أنّها معارضة بروايات تدلّ صريحاً على عدم وجوب الإعادة، وهي تبلغ الخمس روايات بل وقد تزيد، وهي مؤيَّدة بقاعدة «لا تُعاد»، بعد تخصيص الطهور فيها بالطهارة من الحدث دون الخبث كما بُحث في محلّه. فتصوير بعض الفقهاء أنّ روايات نفي الإعادة هي من الشاذّ النادر المهمل المخالف للسنّة الشريفة غريبٌ جدّاً، بل لا بدّ من ضمّ مختلف المجموعات الواردة في باب الصلاة وفي باب الاستنجاء والخلاء وفي باب نواقض الوضوء، والمتصلة بهذا الموضوع، وهناك سوف نرى أنّ روايات الإعادة معارَضة بعددٍ لا بأس به من روايات النفي، كما أنّ بعض روايات الإعادة يعاني من مشاكل أخرى، من نوع أنّه دالٌّ على وجوب إعادة الوضوء، فيكون معارِضاً للقواعد، بل معارِضاً أيضاً لرواياتٍ أخرى تدلّ على عدم وجوب إعادة الوضوء لمن نسي النجاسة في غير مواضع الوضوء، وهكذا. بل إنّ تعليل بعض الروايات هنا بالعقوبة على النسيان والتساهل لا ينسجم مع طبيعة الإطلاق في سائر الروايات. وأمّا دعوى أنّ روايات عدم الإعادة ساقطة عن الحجيّة بترك المشهور لها، فهو غير صحيح؛ لأنّ ترك المشهور إذا كان ناتجاً عن إعمال قواعد التعارض فلا يوجب سقوط الروايات عن الحجيّة، كما حقّقناه في محلّه وذهب إليه العديد من الأصوليّين والفقهاء. وأمّا دعوى أنّ روايات عدم الإعادة تُحمل على التقية ـ بعد فرض أنّه لا مجال للجمع العرفي بينها؛ كون النصوص ظاهرة في الإرشاد لا في التكليف، مع أنّه كلامٌ قابل للمناقشة رغم اشتهاره بين المتأخّرين ـ فلا يمكن تفسيره إلا في سياق تقية الإمام الصادق من مالك بن أنس وأصحابه في المدينة، وهو أمرٌ لا تبدو ظروفه الموضوعيّة مُقنعةً، لا في السياق التاريخي ولا في طبيعة الموضوع، فأهل السنّة منقسمون هنا إلى ثلاثة آراء أساسيّة: قولٌ ببطلان الصلاة ووجوب الإعادة، وهو ما ذهب إليه مشهور الحنفيّة والشافعية والحنابلة في وجهٍ، وقولٌ بالصحّة مع عدم وجوب الإعادة، وهو ما اختاره جمهور متأخّري الحنابلة، وقولٌ بالصحّة مع استحباب الإعادة، وهو موقف جمهور المالكيّة، فالتقية لو كانت، فلابدّ من فرضها تقيةً من مالك وأصحابه في المدينة، وهو أمرٌ غير مفهوم في سياقه الزمني في مسألة من هذا النوع، ونحن لا نقول بفرضية الحمل على التقية فيما لم تكن هناك مبرّرات معقولة احتمالية في الموضوع، خلافاً لما هو المتداول بين العديد من الفقهاء بالحمل على التقية لمجرّد وجود قول عند أهل السنّة. وأمّا مسلك المحدّث البحراني ومن تبعه في فكرة التقية وإيقاع الخلاف بين الشيعة من قبل أهل البيت أنفسهم فهو خاضع للنقاش في القاعدة نفسها من ناحية، وفي معناه ومعقوليّته في موضوعٍ من هذا القبيل هنا من ناحية أخرى، فتأمّل جيّداً.

هذا، ويلاحظ هنا غياب الرواية النبويّة بين المسلمين، فأهل السنّة ـ كالشيعة ـ ليس لديهم أيّ رواية نبويّة في هذا الموضوع! وأدلّتهم هنا راجعةٌ للقواعد أو القياس أو نحو ذلك. والرواية النبويّة الوحيدة واردةٌ في الصلاة بنجاسة النعلين جاهلاً لا ناسياً، وهي ضعيفة السند أيضاً حتى وفق قواعد أهل السنّة، فراجع، فمن الغريب غياب الرواية النبويّة في موضوع يتوقّع فيه إثارة سؤال أو ظهور تبيين نبويّ ولو من طرق أهل السنّة، بل عادةً ما يبيّن أئمّة أهل البيت روايةً نبويّة أو علويّة في موضوعات من هذا القبيل؛ لتأكيد احتجاجهم أو احتجاج شيعتهم في الموضوع، عندما يكون الفضاء المحيط كلّه معارِضاً لهم، فراجع طريقتهم ـ عليهم السلام ـ في ذلك تعرف، فإمّا لم يكن الفضاء كذلك فلم تكن موجبات التقية متوفّرة أو كان ومع ذلك لم يذكروا روايةً نبويّة، وهو غير متعارف. وعليه فلا دليل معتبراً على لزوم الإعادة والقضاء، بل مقتضى قاعدة "لا تعاد" هو عدم ذلك. والمقام يتحمّل الكثير من المناقشة والتحليل ممّا نتركه لمناسبةٍ أخرى.

([12]) هذا هو الصحيح خلافاً لما ذهب إليه العديد من فقهاء الشافعية، من عدم جواز الصلاة بالثوب النجس حتى في هذه الحال.

([13]) الأقرب أنّه يكفي أن يصلّي في واحدٍ منهما؛ لأنّ المأخوذ هنا ـ بوصفه قدراً متيقّناً من دلالة النصوص ـ هو مانعيّة النجاسة، وليس شرطيّة الطهارة، والمفروض عدم العلم بالنجاسة في أحد الثوبين بالخصوص، فلا موضوع للمانعيّة هنا.

([14]) بلا فرق بين البدن والثوب، خلافاً لبعض الفقهاء الذين قدّموا تطهير البدن على تطهير الثوب، وإن كان هو الأحوط استحباباً.

([15]) كمّاً أو كيفاً أو شدّة أو نحو ذلك.

([16]) المشهور المعروف بين فقهاء المسلمين أنّه يحرم أكل النجاسات المعيّنة في الشرع كالبول والمنيّ وغيرهما، كما صرّح كثيرون بحرمة أكل المتنجّسات ولو لم تكن فيها عين النجاسة، كما لو وقعت قطرة دم صغيرة على التفّاحة، فأزال الإنسان الدمَ بخرقة، لكنّه لم يطهّر التفّاحة بالغسل بالماء، فيحرُم أكلها بوصفها متنجّساً، حتى لو لم تكن عليها عين النجاسة. وقد ادُّعي عدم الخلاف في هذه المسألة، بل الإجماع، وقد تعرّض الفقهاء لهذا الموضوع تارةً في كتاب النجاسات وأحكامها، وأخرى في كتاب الأطعمة والأشربة.

والأقرب عدم وجود دليل معتبر على حرمة تناول النجاسات والمتنجّسات بما هي نجاسات أو متنجّسات. نعم ثبت أنّ بعضَ ما يُعتبر من النجاسات عندهم محرّمُ الأكل بعنوانه، لا بعنوان أنّه من النجاسات، وهو: الميتة بأنواعها، والدم، ولحم الخنزير، والمسكر وما ينضوي تحته وصولاً للفقّاع، والكلب بمقتضى الاحتياط الوجوبي، ومن الطبيعي حرمة أكل الإنسان، انطلاقاً من الارتكاز المبنيّ على الهتك وغيره. فهذه كلّها يحرم أكلها سواء قلنا بطهارتها أم قلنا بنجاستها لا فرق؛ لأنّ تحريمها ثابتٌ لها بعنوانها لا بعنوان كونها نجاسات. أمّا سائر ما عُدَّ من النجاسات ولو عند بعض الفقهاء، مثل البول، والغائط، والمنيّ، وعرق الجنب من الحرام، وعرق الإبل الجلّالة أو مطلق الحيوان الجلّال، وغير ذلك، فليس بحرام أكله ولا شربه (يُشار إلى أنّه في الفقه الإسلامي كلامٌ كثير حول نجاسة السباع، والضواري، والمسوخ، والثعلب، والأرنب، والفأرة، والعقرب، والوزغ، والمذي، والودي، والقيح والصديد، والقيء المتغيّر بحموضةٍ أو رائحة، وغير ذلك مما لم تثبت نجاسته على التحقيق). وهكذا الحال في الملاقي لما هو محرّم الأكل من الميتة والمسكر والدم، فإنّه يلزم غسله كما دلّت على ذلك النصوص؛ لتجنّب وجود جزيئات من محرّم الأكل عليه. هذا، وإذا كان شيء من هذه النجاسات أو المتنجّسات أو غيرها مضرّاً بالإنسان ضرراً معتدّاً به، فيحرم للضرر وبالعنوان الثانوي لا لنفسه، وهذا واضح. وقد ذهب الكثير من الفقهاء لتحريم كلّ مستخبَث ومستقذَر، ولكنّه لم يثبت وجود تحريم من هذا النوع.

([17]) ذهب الكثير من متقدّمي الفقهاء إلى أنّه لا يجوز الانتفاع بالأعيان النجسة مطلقاً، إلا ما خرج بدليلٍ خاصّ، فكلّ ما ثبتت نجاسته حرُم الانتفاع به، ولو الانتفاع غير المتعنون بعنوان تحريمي آخر، فاستخدام الميتة في غير أكلها حرام، والانتفاع بالخمر في غير شربها وبيعها حرام أيضاً، وهكذا. لكنّ الكثير من الفقهاء المتأخّرين وجمهور الفقهاء المعاصرين ـ وبعض المتقدّمين أيضاً ـ عدلوا عن هذه الفكرة، وقالوا بعكسها تماماً، وهو أنّ كلّ انتفاع في الأعيان النجسة حلال إلا ما خرج بالدليل الخاصّ. والخلاف أيضاً وقع في المتنجّسات، فهل يجوز الانتفاع بها في غير ما هو محرّم بعنوانه؟ ذهب بعضهم للحرمة وذهب آخرون للجواز، فلو تنجّس الماء فهل يجوز الانتفاع به بجعله للحيوانات تشرب منه أو لا؟

والصحيح هو ما ذهب إليه العديد من المتأخّرين، من أنّ الأصل في الأعيان النجسة والمتنجّسة، هو جواز الانتفاع بها مطلقاً إلا ما خرج بالدليل. وما ثبت بنظري القاصر هنا هو جواز استخدام الخنزير لبعض الانتفاعات غير المرتبطة بأكله، بل واستخدام الخمر بتحويلها لخلّ (وهذا غير صناعة الخمر، فانتبه)، ولا يجب إهدارها وإتلافها بمجرّد صيرورتها خمراً ما دام يمكن تحويلها لخلّ، وكذا استخدام الدم للفحوصات والبحوث العلميّة أو حتى لمثل صبغ حائطٍ به، واستخدام العذرة للتسميد، واستخدام المياه المتنجّسة لسقي الزرع فيما لا يلزم منه محذور ثانوي، واستخدام الكلاب لمختلف الأغراض المحلّلة في نفسها، بل حتّى الانتفاع بالميتة في غير ما هو محرّم، مثل استخدام جثث الحيوانات الميتة للتشريح والتعليم، أو لجعلها طعاماً لحيوانات أخرى مملوكة مثلاً، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي تضاعفت اليوم في العصر الحديث بسبب توفّر إمكانات جديدة لاستخدام هذه الأشياء. والنتيجة: حليّة استخدام مختلف الأعيان النجسة والمتنجّسة في غير الجهة المحرّمة في استعمالها، وفيما لم يرد فيه بخصوصه نصٌّ مانع، كأكل الخنزير والدم والخمر، ولم يكن المورد مشروطاً بالطهارة، كاستعمال الميتة لباساً في الصلاة.

والأدلّة التي اعتمدها جمهور المتقدّمين خضعت لمناقشات من قبل النقّاد هنا، حتى باتت تُعتبر اليوم في غاية الضعف عند بعضهم، مثل:

أ ـ التمسّك بإطلاق تحريم الميتة والدم والخنزير على أساس أنّ الإطلاق شاملٌ لجميع الانتفاعات.

ب ـ الأمر باجتناب الخمر على أساس شمول الاجتناب لكلّ أشكاله.

ج ـ إطلاق تحريم الخبائث.

ووجه الضعف في هذه الأدلّة وأمثالها هو أنّه لا توجد إطلاقات، بل العُرف يفهم ـ بمناسبات الحكم والموضوع وقرائن السياق ـ أنّ المنظور تحريمه هو الأكل والشرب، تماماً كما ورد تحريم الأمّهات والمحارم في النصّ القرآني، فإنّ التحريم هناك غير مطلق؛ لأنّ المنظور فيه تحريم النكاح، لا أنّه ورد مطلقاً، ثمّ تمّ تخصيصه!

د ـ الاستناد للإجماع. وهو ـ لو تمّ التثبّت منه ـ واضح المدركيّة.

هـ ـ بعض الروايات الضعيفة الإسناد أو الدلالة أو هما معاً، مثل مرسلة تحف العقول وخبر دعائم الإسلام، وروايات إراقة الماء المتنجّس، أو الانتفاع بالدّهن المتنجّس في غير الاستصباح خاصّة، فضلاً عن وجود روايات معارضة لها تفيد الترخيص في الاستعمال غير المحرّم بنفسه، وغير ذلك من الملاحظات التي أجاد النقّاد في تناولها هنا، فراجع حتى لا نطيل.

و ـ الروايات الواردة في خصوص الميتة، والتي وقع فيها تعارض يمنع ـ لوجوه ذكروها هناك ـ من الأخذ بالروايات المانعة، فضلاً عن ضعف أغلب الروايات المانعة نفسها، فراجع.

([18]) المعروف بين كثيرٍ من فقهاء المسلمين حرمة التعامل والمتاجرة بالنجاسات والمتنجّسات، فلا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا هبتها ولا جعلها أجرةً في الإجارة ولا مهراً في النكاح ولا غير ذلك من أنواع المعاوضات. والظاهر من كثيرين أنّ هذا التحريم إنّما هو لعنوان كونها نجاسات ومتنجّسات، فهو عنوانٌ مستقل يُعدّ سبباً قائماً بنفسه للتحريم ولبطلان المعاملة، لا لعنوان آخر مثل كونها مما لا منفعة محلّلة لها أو غير ذلك، وإن كان يظهر من أدلّة بعضهم أنّ ذلك راجع لموضوع سلب الماليّة والانتفاعات وغير ذلك. غير أنّ الكثير من الفقهاء المتأخّرين أجروا مراجعة على هذا الحكم الذي كان مشهوراً سابقاً، وقالوا بجواز المعاملة عليها تكليفاً ووضعاً، لكنّ بعضهم قيّد الحكم بأن لا تباع بقصد أن يستخدمها المشتري في الحرام، كأن يأكلها بناء على حرمة أكل النجس، وبعضٌ آخر قيّد بأن تكون لها منفعة محلّلة مقصودة، مثل بيع العذرة للتسميد والدم لانتفاع المرضى به وغير ذلك، مع استثناءات من ذلك تتصل بالخمر والمسكر والكلاب والخنازير والميتة بحثوها في محلّه.

وسوف نقوم بتقسيم الحديث عن هذه الأعيان التي صنّفت في عداد النجاسات ضمن مرحلتين: في المرحلة الأولى نتكلّم عن جميع النجاسات والمتنجّسات عدا الكلب والخنزير والميتة والمسكر، أمّا هذه الأربعة فنتحدّث عنها في المرحلة الثانية:

المرحلة الأولى: إنّ الأقرب هو أنّه لو غضضنا الطرف عن موضوع المعاوضة بالمسكر والميتة والخنزير والكلب ـ حيث قد يقال بأنّ لهذه أحكاماً خاصّة ـ فإنّ المعاوضة على سائر ما عُدَّ من النجاسات والمتنجّسات حلالٌ تكليفاً وصحيحٌ وضعاً مطلقاً بالعنوان الأوّلي، بل لا يُشترط أن يكون لهذه الأعيان منفعة محلّلة مقصودة للعقلاء، فحتى لو لم يكن لها أيّ منفعة محلّلة مقصودة عقلائيّاً، لكن أراد المشتري شراءها لسببٍ ما، ولو لم يكن سبباً عقلائيّاً، فإنّ العقد صحيح والمعاملة صحيحة، وجائزة تكليفاً أيضاً بالعنوان الأوّلي. غير أنّه لو كان الترخيص في المعاملة موجباً لشيوع الاستخدام المحرّم، وكان الامتناع عن ذلك موجباً لتوقّفه، ربما أمكن القول بلزوم الامتناع تكليفاً عن المعاملة، دون البطلان وضعاً، وهذا راجعٌ لملاكات تتصل بعنوان ثانوي مثل باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتخضع لشروطه الموضوعيّة. وبناءً عليه، فهذه الأعيان تُملك ملكيّةً صحيحة، ولا حاجة للمعاوضة على حقّ الاختصاص الثابت في موردها، والذي ذكره كثيرون. نعم، من اشترى هذه الأعيان لا يجوز له التصرّف فيها بغير الوجه الشرعي، وهذا واضح، فالتصرّف بالنجاسات والمتنجّسات على الوجه الشرعي، مثل استخدام الدم لمعالجة المرضى أو استخدام العذرة للتسميد أو استخدام النجاسات في الدراسات الطبيعيّة والمخبريّة والتعليمية وغير ذلك، كلّه جائز. أمّا استخدامها بالأكل والشرب فحرام عند من يرى حرمة تناول النجاسات والمتنجّسات، أو لكونها بعنوانها محرّمة الأكل كالدم.

وعمدة أدلّة الفقهاء هنا مجموعة من العمومات الكتابية والحديثيّة غير الناهضة في الدلالة أو في السند أو فيهما معاً، ومجموعة من الروايات الخاصّة، وعمدتها ضعيف السند، بل في دلالة بعضها على تحريم التعامل بالنجاسات والمتنجّسات توقّفٌ، كما أنّ في بعضها نوعاً من التعارض، بل لا يبعد أنّ نظر بعضها إلى التعامل الموجب لرواج الاستخدام المحرّم منها، لا غير، فأريد الحدّ من رواج ذلك بملاك ثانوي، ويمكن مراجعة ما كتبه النقّاد من الفقهاء المتأخّرين، فإنّه نافع هنا ويعطي صورة عن الموضوع، فلا حاجة للإطالة، وممّن درس الموضوع بقدر من الإسهاب الشيخ حسين علي المنتظري في كتابه حول المكاسب المحرّمة. هذا، وقد استدلّ بعضُ فقهاء أهل السنّة هنا بالقياس، حيث النصوص واردة في أمور محدّدة كالخمر والكلب والخنزير، فاستخدموا القياس لمطلق النجاسات، ومن الواضح أنّه قياس مع الفارق، بل لا يُعلم أنّ المعيار هناك هو النجاسة أصلاً، خاصّة مع القول بطهارة الخمر.

المرحلة الثانية: في الأعيان الأ ربع المتبقيّة، والأقرب فيها هو القول:

أ ـ أمّا الميتة، فالأحوط وجوباً عدم التعامل بها إلا لمن يستحلّ الميتة، فيجوز بيعهم إيّاها.

ب ـ وأمّا الكلب، فالأقرب حرمة المعاملة عليه، إلا إذا كان كلب صيد.

ج ـ وأمّا الخنزير، فلا تجوز المعاملة عليه في سياق أكله وما شابه ذلك، أمّا المعاملة عليه أو على أجزائه في غير سياق الأكل بحيث لا تكون هذه المعاملة طريقاً لتحقيق أكل لحم الخنزير في الخارج، فلا بأس بها.

د ـ وأمّا الخمر والمسكرات، فإنّ معيار تحريم المتاجرة بها هو في كون هذه المتاجرة تقع في سياق تحقّق شربها وتناولها المحرّم أو لا، فمثلاً المصنّعات الكحولية الكيميائية التي تستخدم لأغراض طبيّة أو نحوها، لا تُعتبر صناعتها ولا المتاجرة بها واقعتين في سياق نشر ظاهرة شرب المسكر في المجتمع، فيكون ذلك حلالاً، أمّا أنواع الخمور المعتّقة التي تباع بحيث يعلم أنّ نهاية المتاجرة بها هو تحقّق شربها في المجتمع، ففي هذه الحال يكون بيعها والمتاجرة بها حراماً.

([19]) المعروف المشهور في الفقه الإسلامي بمذاهبه حرمة تنجيس المسجد، ووجوب تطهيره إذا تنجّس، وقد ادُّعي عليه الإجماع المذهبي تارةً، والإسلامي أخرى. ولهم في ذلك تفاصيل كثيرة تتصل بآلات المسجد وفراشه، والجهة الخارجيّة من جدرانه، وباطن الجدران والأرض، وحمل شيء من النجاسة في المسجد، والدخول بالنعل المتنجّسة، وغير ذلك من التفاصيل. لكن يُستوحى من السيد العاملي صاحب المدارك (1009هـ) والمحدّث البحراني (1186هـ)، الميل لجواز تنجيس المسجد. كما أنّ الشيخ محمّد إسحاق الفيّاض بنى الحكم هنا ـ في غير صورة استلزام الهتك ـ على الاحتياط دون الفتوى في خصوص كتابه "تعاليق مبسوطة"، بل قد احتاط وجوباً في غير صورة استلزام الهتك السيدُ كاظم الحائري أيضاً، وذلك في تعليقته على الفتاوى الواضحة. وظاهر السيد محمّد محمّد صادق الصدر هو الاحتياط الوجوبي كذلك، وإن احتملت عبارتُه رجوعَ هذا الاحتياط إلى خصوص فراش المسجد.

والأقرب بالنظر هو عدم حرمة تنجيس المساجد وما فيها مما يُعدّ من آلاتها وفرشها، ولا وجوب إزالة النجاسة عن المسجد، فضلاً عن فوريّة هذا الوجوب، إلا إذا لزم من التنجيس أو بقاء النجاسة هتكُ حرمة المسجد أو كانت النجاسةُ مخلّةً بغرضيّة الوقف، كما لو كانت موجبةً لتعطيل إقامة الصلوات في المسجد نتيجة عدم إمكان أداء المصلّين للصلاة فيه مع وجود النجاسة، إمّا لاستلزامها تنجّسهم، أو لعدم طهارة موضع سجودهم بناءً على القول باشتراط طهارته. ومقتضى الاحتياط هو حرمة تنجيس المسجد النبويّ والمسجد الحرام، ووجوب تطهيرهما لو تنجّسا، وبخاصّة المسجد الحرام. وبهذا يظهر الموقف من التفريعات والفروض المتعدّدة التي ذكروها في ذيل هذه المسألة، فلا نطيل.

وعمدة أدلّة الفقهاء المسلمين هنا:

تارةً رواية علي بن جعفر الواردة في بول الدابّة على حائط المسجد أو أرضه، وهي رواية لو سلّمنا سندها، تعاني من معارضات متعدّدة دفعتهم للاضطراب في حملها حملاً جزئيّاً على التقيّة، علماً أنّها ناظرة للصلاة في المسجد قبل تطهيره، لا لوجوب تطهيره بعنوانه، بل لا يُعلم أنّ المرتكز في ذهن السائل هو وجوب التطهير فقد يكون المرتكز هو استحبابه الشديد، ويسأل عن تأخير الصلاة في مقابل استحباب الغَسل وأيّهما المقدّم، ولنِعْم ما أفاد السيد الخوئي هنا من كون دلالة هذه الرواية مجملة.

وأخرى بروايتَي الحلبي الواردتين في المسجد الذي زقاقه قذر، وهما ـ فضلاً عن ضعفهما السندي على التحقيق ـ غير ظاهرتين في النظر للمسجد، بل الأقرب نظرهما لتنجّس المصلّي الذاهب للمسجد، وربما لهذا أشار له الإمام إلى تطهير الأرض بعضها بعضاً، ويكفي تقارب الاحتمالات التفسيريّة لسقوط الاستدلال بهما.

وثالثة بمجموعة الروايات الدالّة على اتخاذ الكنيف أو المكان القذر مسجداً، وهذه تعاني من مشاكل من جهات رغم صحّة بعضها سنداً، وذلك أنّه من جهة أولى قد يكون ذلك بملاحظة أنّ كون الكنيف مسجداً هتكٌ لحرمة المسجد، وأين هذا من التعميم لكلّ تنجّس للمسجد؟! وهذا ينفع في الجواب عن بعض هذه الروايات لا جميعها فراجع، ومن جهة ثانية يشار في الرواية لكفاية طمّ النجاسة والكنيف بالتراب، مع أنّ هذا لا يوجب طهارته عندهم، بل يوجب إمكان صلاة المصلّين عليه، فالرواية قد تكون ناظرة لإمكانات صلاة المصلّين في هذا المسجد، فيجيبه الإمام بأنّ وضع طبقة من التراب على الأرض كافية، ومحقّقة للطهارة اللازمة في صلاة المصلّين، فالإمام ناظر للمواراة الموجبة لطهارة مكان المصلّين، ولهذا عبرّ بـ «يواريه»، ولنِعمَ ما أفاده السيد محمّد باقر الصدر هنا من عدم دلالة هذه النصوص على المطلوب. بل لو كان تنجيس المسجد محرّماً وتطهيره واجباً، وهو أمرٌ ابتلائي بين الناس عادةً؛ لإمكان كون أحدهم مجروحاً أو غير ذلك، لناسب ذلك كثرة الأسئلة في هذا الموضوع، ولا نجد ـ باستثناء رواية علي بن جعفر ـ سؤالاً عن الموضوع مباشرةً، علماً أنّ بول الدابّة الوارد فيها ليس بنجس أصلاً عند الكثير منهم.

هذا، وتوجد أدلّة أخرى عند الشيعة وغيرهم، مستقاة من الكتاب والسنّة، لكنّها ضعيفة جداً في الدلالة أو السند، أو في شمولها لغير المسجدَين: المكّي والمدني، يمكن مراجعة ملاحظاتهم النقديّة عليها، فلا نطيل. كما أنّ دعوى الارتكاز المتشرّعي الإلزامي تحتاج لإثبات تاريخي يكشف لنا كونها متصلة بعصر النصّ بغير عنوان الهتك أو تيسير أمور المصلّين للصلاة بما يحقّق غرض الوقفيّة، فنحن هنا لا نتكلّم عن تطهير المسجد لجعل المصلّين قادرين على الصلاة فيه من حيث طهارة موضع الجبهة على الأقلّ، بل نتكلّم عنه بنفسه حتى لو صار مسجداً مهجوراً لا يصلّي فيه أحد، كما صرّح الكثير منهم بذلك. وأمّا دعوى الإجماع ـ والتي أعتقد بأنّها لعبت دوراً كبيراً في استمراريّة فتوى التحريم هنا ـ فأمرها أوضح، وبخاصّة مع كون احتمال مدركيّته كبيراً جدّاً بملاحظة كتب الفقه السنيّة والشيعيّة منذ قديم الأيّام.

([20]) ما أفاده الماتن في المسائل 434 ـ 435 ـ 436 صحيحٌ بناءً على حرمة تنجيس المسجد ووجوب تطهيره، إلا أنّك عرفت أنّ ذلك لم يثبت. نعم إذا وجد باذل لتعمير المسجد وكان في تطهيره ما يوجب خرابه جزئياً أو كليّاً، لم يجب التخريب لكنّه جائز على تقدير عدم تعطّل المسجد بغير المتعارف، وبخاصّة لو كان بناؤه الجديد فيه مصلحة إضافيّة للمسجد.

([21]) هذا المورد من مصاديق باب التزاحم ويخضع لمعاييره.

([22]) من باب أنّ المباشرة ليست شرطاً، فيكون قادراً على التطهير بتوسّط الآخرين.

([23]) هنا مسائل:

أ ـ لم يثبت حرمة تنجيس الحصير حتى لو قلنا بحرمة تنجيس المسجد. ودعوى أنّ التنجيس ينافي الوقفيّة أي هو تصرّف غير منسجم مع الوقف، غير مفهومة، إذ يمكن أن يكون المؤمن جالساً في المسجد ويرى الدم ينزل منه، فيتركه يسري نحو الحصير حال كونه جالساً يقرأ القرآن أو ساجداً سجدة الشكر. نعم لو كان التنجيس موجباً لعدم القدرة على الصلاة في المسجد أو في هذا الموضع صحّ.

ب ـ لو تنجّس الحصير فلا دليل على وجوب تطهيره أيضاً.

ج ـ لو وجب تطهيره، فإنّه لا يوجد معيار لشكل الموقف، فلو كان إخراجه للتطهير أفضل للمسجد ومتعلّقاته أخرج والعكس بالعكس، وهكذا في قطع موضع النجاسة، وغير ذلك.. فالعبرة بملاحظة ما فيه مصلحة الوقف والمسجد ومتعلّقاته بنحو الكسر والانكسار.

([24]) هنا تفصيل لا بدّ من الانتباه له، وبه يتمّ التمييز بين هذه المسألة والمسألة القادمة رقم: 443، وذلك أنّ موضوع هذه المسألة هنا صيرورة المسجد خراباً دون أن يتغيّر عنوان المسجديّة عرفاً فيه، فهو مسجد وما يزال عرفاً مسجداً، غير أنّه صار مسجداً مهجوراً خربةً أو جُعل مزبلةً أو مكاناً مهملاً أو نحو ذلك، وهنا مع صدق العنوان الوقفي والعرفي للمسجديّة رغم الخراب، لا يجوز تنجيسه ويجب تطهيره بناء على القول بهما، أمّا لو كان خرابه موجباً لتغيّر العنوان عرفاً، وهو ما يقصده الماتن في المسألة رقم: 443، فهنا يكون حرمة التنجيس ووجوب التطهير مبنيين على الاحتياط الاستحبابي؛ لعدم وجود إطلاق في الأدلّة لغير حال المسجد العرفي بحيث يشمل المسجد الوقفي ولو لم يكن مسجداً عرفاً، ويكفي عدم حصول الوثوق بالإطلاق من الأدلّة اللفظيّة، فضلاً عن اللبيّة. والاستصحاب هنا فيه نظرٌ؛ إذ بعد كون المنظور هو المسجد العرفي، وغيره غير معلوم، لا تحرز وحدة الموضوع وبقاؤه هنا كي يجري الاستصحاب.

([25]) ما أفاده الماتن صحيحٌ بناءً على وجوب تطهير المسجد، إلا أنّك عرفت أنّ ذلك لم يثبت بعنوانه.

([26]) هنا أمران:

أوّلاً: في تنجيس المشاهد المشرّفة والضرائح المقدّسة للأنبياء والأئمّة وأمثالهم، وكذلك تنجيس المصحف الشريف كلاً أو بعضاً، وتنجيس التربة الحسينيّة، وتربة الرسول وسائر الأئمّة وأمثالهم، ونحو ذلك، وهنا للفقهاء رأيان أساسيّان:

الرأي الأوّل: ما هو المشهور، وهو ظاهر عبارات أغلب الفقهاء، بمن فيهم العديد من المعاصرين، من أنّ حرمة التنجيس خاصّة بحالة ما إذا لزم هتك حرمة المشاهد المشرّفة وأمثالها، أمّا إذا لم يلزم هتك الحرمة فيجوز التنجيس، ولا تجب إزالة النجاسة. وقال كثير من هؤلاء بأنّ هذا هو حكم المصحف الشريف أيضاً.

الرأي الثاني: ما ذهب إليه بعض الفقهاء، من أنّ حرمة تنجيس المشاهد المشرّفة حرمة مطلقة، بمعنى أنّ تنجيسها حرام، سواء لزم منه الهتك أم لم يلزم. وهذا هو رأي أمثال الشيخ فاضل اللنكراني، والسيد الصدر في الفتاوى الواضحة، أمّا الشيخ وحيد الخراساني فذهب إلى حرمة التنجيس مطلقاً على الأقوى في المشاهد، وعلى الأحوط في المصحف الشريف.

ثانياً: كيفيّة التعامل أو رمي أو التخلّص من الأوراق أو غيرها، المكتوب عليها اسم الجلالة أو أسماء الله وصفاته، وأسماء الأنبياء والأئمّة وأمثالهم، وكذلك آيات القرآن، أو حتى المصحف كلّه وأمثال ذلك. وهنا السائد في فتاوى الفقهاء واستفتاءاتهم هو حرمة أيّ تصرّف يوجب الهتك والإهانة، لا غير، وهنا نجد بعضهم يطبّق المفهوم على حالات، فمثلاً نجد من يحرّم إحراق الورق، أو يحرّم رميه في مواضع القمامة، أو دفنه إذا كان الناس يمشون على الطريق المدفون فيها هذا الورق، أو رميه في الكنيف أو البالوعة، وبعضهم يقترح رميه في البحر، أو شطبه بالحبر وبعدها يمكن رميه، وغير ذلك من التعابير والمواقف.

والأقرب أنّه لا يحرم تنجيس المساجد ولا المشاهد ولا غيرها مطلقاً، ولا يحرم ترك النجاسة فيها، إذا لم يلزم منه الهتك أو الإهانة، أمّا إذا لزم فهو حرام، ويجب إزالة النجاسة حينها. أمّا الأوراق وأمثالها مما عليه أسماء الله والأنبياء والأئمّة وآيات الكتاب الكريم وأمثال ذلك، فأيضاً لا دليل على حرمة وضعها في أيّ مكان، ما لم يلزم من ذلك هتكها والعدوان عليها وإهانتها عرفاً. والأعراف هنا تختلف، فلا ينبغي فرض عرفٍ معيّن أو الإفتاء بمضمونه بصيغةٍ مطلقة، بل يُترك الأمر لتحديد المكلّف فيما يراه من عرفه بحسب زمانه ومجتمعه، ولا يُفرض عُرف مجتمعٍ على آخر، سواء كانا مجتَمَعَين في زمان واحد ومكانين، أو في مكان واحد وزمانين، فقد تتحوّل الأعراف. ومفهوم الإهانة هنا يعيشه المتديّنون، وإلا فلا يقول شخص بأنّني لو رميت جريدةً ورد اسم والدي أو أخي فيها، فإنّني أكون قد أهنته وهتكت حرمته، فضلاً عمّا لو ورد فيها آلاف أسماء المؤمنين، كما هي الحال في الصحف والمجلات وغيرها، ونوعية الأشخاص تترك أثراً أيضاً.

واستدلال بعضهم للتحريم المطلق هنا: إمّا لأجل وجوب تعظيم الشعائر. وهو غير ثابت بتمام مراتبه، بل الثابت حرمة هتك الشعائر. أو من حيث إنّ تحريم مسّ المحدث للقرآن يقتضي بالأولويّة حرمة التنجيس، وهو لو سلّم، لكنّه لا دليل كما قلنا سابقاً على تحريم مسّ المحدث بالأكبر أو بالأصغر للقرآن وأسماء الله وأمثالها. أو دعوى أنّ تنجيس المشاهد والضرائح يقتضي منافاة الوقف الذي جعل فيها. وهذا غير مقنع إطلاقاً إذ تارةً هو مبنيٌّ على تنجيس المتنجّس، وقد تقدّم التعليق عليه، وأخرى على إحراز السراية والرطوبة وأمثال ذلك، فهو أخصّ بكثير من المدّعى. وليس هناك إجماع مطلق هنا فضلاً عن نصوص ذات بيانات إطلاقيّة. واحتمال خصوصيّة المسجد ـ لو سلّم أنّ المسجد لا يجوز تنجيسه بعنوانه ـ واردة جداً، وله في الفقه أحكامه وتشريعاته الخاصّة المعروفة. هذا، وليس في موضوع رمي الأوراق المكتوب عليها القرآن أو أسماء الله و.. ليس في ذلك نصّ معتبر إطلاقاً، لهذا بُنيت المسألة على مقتضى الكليات العامّة في الهتك والإهانة. بل أيّد بعضٌ الترخيصَ الواسع بأنّ الصحابة وأهل البيت لم يذمّوا إحراق عثمان للمصاحف، وهذا ما يحتاج لرصد أنّه هل سكت الآخرون عن إحراقه؟ إذ وردت في النصوص بعض الاعتراضات كاعتراض عائشة، رغم أنّه ورد في نصوص أخرى مدح عليّ لإحراق عثمان للمصاحف. والمسألة تاريخية تحتاج لتتبّع ومراجعة ليس هنا محلّها.

وهنا مسألة لا بأس بطرحها أيضاً ، وهي تسمية المحلات التجاريّة أو الشركات أو المنتجات بأسماء الله والأنبياء والأئمّة و.. فقد ذكر بعض المعاصرين من الشيعة وبعض اللجان الاستفتائيّة عند أهل السنّة، أنّ تسمية المحال أو المنتجات أو الشركات بأسماء الله المختصّة به، أو بأسماء الأنبياء والأئمّة وأمثالهم هو أمر منبوذ، بل محرّم؛ لعدم جواز تسمية غير الله بأسمائه الخاصّة، ولأنّ هذا يعتبر متاجرة بالدين. لكن الأقرب أنّه لا دليل على حرمة التسمية بالأسماء الخاصّة بالله في مثل ما نحن فيه ما لم يلزم منه مفسدة يجب تحديدها بدرجة دقيقة لإعطاء حكمها، بل قد يقال بأنّني عندما أسمّي دكّاني باسم "الرحمان" مثلاً، فهذا معناه أنّ هذا دكّان الرحمن، أي أنّني أجعله لله، وأيّ ضيرٍ في ذلك؟! وهذا غير تسمية الولد بأسماء الله الخاصّة. كما ولا أدري ما وجه مرجوحيّة التسمية بأسماء الأنبياء والأئمّة وأمثالهم، بصرف النظر عن قصود الناس عندما يفعلون ذلك، هل يقصدون المتاجرة والاستغلال السلبي أو لا؟ وإلا فلماذا لا يصنّف هذا نوعاً من نشر الثقافة الدينيّة؟! ولماذا لا تكون تسمية الأولاد بأسماء النبيّ وأهل بيته متاجرة بالدين؟! وعليه، فإطلاق التحريم هنا، كإطلاق الترخيص، غير دقيقٍ، لا على مستوى الرأي العلمي، ولا على مستوى الفتوى معاً، بل ينبغي القول بالجواز ما لم تلزم منه مفسدة تحريميّة يجب تحديدها بدقّة لا بمزاجيّة.

([27]) قد تقدّم التعليق على هذه المسألة عند التعليق على المسألة رقم: 440، وشرحنا هناك الفرقَ بين المسألتين، والموقف منهما.

([28]) ذلك كلّه بالعنوان الأوّلي.

([29]) كما لا فرق في أحكام المسجديّة بين مساجد مختلف فرق المسلمين ما دام يصدق عليها عنوان المسجد.