hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (كيفيّة سراية النجاسة)

تاريخ الاعداد: 6/11/2024 تاريخ النشر: 6/13/2024
1650
التحميل

حيدر حبّ الله

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(6 ـ 6 ـ 2024م)

 

الفصل الثاني

في كيفيّة سراية النجاسة إلى الملاقي

مسألة 410: الجسم الطاهر إذا لاقى الجسم النجس لا تسري النجاسة إليه، إلا إذا كان في أحدهما رطوبة مسرية، يعني تنتقل من أحدهما إلى الآخر بمجرّد الملاقاة، فإذا كانا يابسين، أو نديّين جافّين لم يتنجّس الطاهر بالملاقاة، وكذا لو كان أحدهما مائعاً بلا رطوبة كالذهب والفضة، ونحوهما من الفلزات، فإنّها إذا أذيبت في ظرفٍ نجس لا تنجس([1]).

مسألة 411: الفراش الموضوع في أرض السرداب إذا كانت الأرض نجسة، لا ينجس وإن سرت رطوبة الأرض إليه وصار ثقيلاً بعد أن كان خفيفاً، فإنّ مثل هذه الرطوبة غير المسرية لا توجب سراية النجاسة، وكذلك جدران المسجد المجاور لبعض المواضع النجسة، مثل الكنيف ونحوه، فإنّ الرطوبة السارية منها إلى الجدران ليست مسرية، ولا موجبة لتنجّسها وإن كانت مؤثرة في الجدار على نحوٍ قد تؤدّي إلى الخراب([2]).

مسألة 412: يشترط في سراية النجاسة في المائعات، أن لا يكون المائع متدافعاً إلى النجاسة، وإلا اختصّت النجاسة بموضع الملاقاة، ولا تسري إلى ما اتصل به من الأجزاء، فإن صبّ الماء من الإبريق على شي‌ء نجس، لا تسري النجاسة إلى العمود، فضلاً عما في الإبريق، وكذا الحكم لو كان التدافع من الأسفل إلى الأعلى كما في الفوارة([3]).

مسألة 413: الأجسام الجامدة إذا لاقت النجاسة مع الرطوبة المسرية تنجس موضع الاتصال، أمّا غيره من الأجزاء المجاورة له فلا تسري النجاسة إليه، وإن كانت الرطوبة المسرية مستوعبة للجسم، فالخيار أو البطيخ أو نحوهما، إذا لاقته النجاسة يتنجّس موضع الاتصال منه لا غير، وكذلك بدن الإنسان إذا كان عليه عرق، ولو كان كثيراً، فإنّه إذا لاقى النجاسة تنجّس الموضع الملاقي لا غير، إلا أن يجري العرق المتنجّس على الموضع الآخر فإنّه ينجّسه أيضاً.

مسألة 414: يشترط في سراية النجاسة في المائعات أن لا يكون المائع غليظاً، وإلا اختصّت بموضع الملاقاة لا غير، فالدبس الغليظ إذا أصابته النجاسة، لم تسر النجاسة إلى تمام أجزائه، بل يتنجّس موضع الاتصال لا غير، وكذا الحكم في اللبن الغليظ. نعم إذا كان المائع رقيقاً سرت النجاسة إلى تمام أجزائه، كالسمن، والعسل، والدبس، في أيام الصيف، بخلاف أيام البرد، فإنّ الغلظ مانع من سراية النجاسة إلى تمام الأجزاء. والحدّ في الغلظ والرقّة، هو أن المائع إذا كان بحيث لو أخذ منه شي‌ء بقي مكانه خالياً حين الأخذ وإن امتلأ بعد ذلك، فهو غليظ، وإن امتلأ مكانه بمجرّد الأخذ، فهو رقيق([4]).

مسألة 415: المتنجّس بملاقاة عين النجاسة كالنجس، ينجس ما يلاقيه مع الرطوبة المسرية، وكذلك المتنجس بملاقاة المتنجس، ينجس الماء القليل بملاقاته، وأما في غير ذلك فالحكم بالنجاسة مبني على الاحتياط([5]).

مسألة 416: تثبت النجاسة بالعلم، وبشهادة العدلين، وبإخبار ذي اليد، بل بإخبار مطلق الثقة أيضاً على الأظهر([6]).

مسألة 417: ما يؤخذ من أيدي الكافرين من الخبز والزيت والعسل ونحوها من المائعات والجامدات طاهرٌ، إلا أن يُعلم بمباشرتهم له بالرطوبة المسريّة، وكذلك ثيابهم، وأوانيهم([7])، والظنّ بالنجاسة لا عبرة به.

________________________________

([1]) مفهوم السراية عرفي تماماً، وبعض الفقهاء هنا تدخّلوا في بعض المصاديق التي مرجعها الأصلي هو العرف. والقدر المتيقّن من انتقال النجاسة هو حالة السراية، وتحقيق السراية موكولٌ للعرف، وعمدة السراية ـ عادةً ـ عبارة عن الرطوبة المسرية، لكن إذا تحقّقت السراية بلا رطوبة ـ وهذا فرضٌ ـ وقع التنجيس.

([2]) هذه المسألة مصداقيّة يرجع فيها للعرف، وليست من شؤون الفقيه بما هو فقيه.

([3]) قد تقدّم الحديث عن هذه المسألة بعينها في الفصل الثاني من المبحث الأوّل من مباحث كتاب الطهارة، وهو مبحث أقسام المياه وأحكامها، فراجع حتى لا نعيد.

([4]) ما أفاده الماتن في هذه المسألة هو الصحيح، وقد وردت فيه بعض النصوص، وهو على مقتضى القاعدة، لكنّ تمييزَه في آخر المسألة بين الغلظة والرقّة هنا ليس أمراً شرعيّاً بل مرجعه العرف، وهو من نوع تحديد معيار مصداقي.

([5]) اشتهر بقوّةٍ بين متأخّري فقهاء الإماميّة القول بتنجيس المتنجّس، حتّى ادّعي عليه الإجماع، وهذا يعني أنّ ملاقاة عين النجاسة يوجب تنجّس الملاقي، وكذلك ملاقاة الملاقي لعين النجاسة يوجب تنجّس ملاقيه ولو لم يكن على الملاقي الأوّل عينُ نجاسةٍ. لكنّ دراسةً تاريخية للمسألة ـ أشار إليها العديد من كبار الفقهاء، ليس آخرهم المحقّق الهمداني والسيد الخوئي ـ تؤكّد أنّ موضوع تنجيس المتنجّس (الجامد على الأقلّ) رغم كثرة الابتلاء به لم يتعرّض له جمهور المتقدّمين من الفقهاء أصلاً، وليس لهم في هذا الأمر عين ولا أثر، حتى أنّ الحلّي وأمثاله في القرن السابع والثامن الهجريّين ذهبوا لعدم تنجيس المتنجّس، ويستوحى من كلماتهم أنّه لا عين ولا أثر لهذه المسألة قبلهم، بل ذهب بعض المتأخّرين مثل الآخوند الخراساني والمحقّق الهمداني إلى أنّه لا عين ولا أثر لفكرة تنجيس المتنجّس في الروايات، رغم أنّ القائلين بتنجيس المتنجّس طرحوا الكثير من الروايات لإثبات فكرتهم. وذهب جماعة ـ منهم السيد الماتن ـ إلى أنّ المتنجّس بملاقاة عين النجاسة كالنجس، ينجّس ما يلاقيه مع الرطوبة المسرية، وكذلك المتنجّس بملاقاة المتنجّس ينجّس الماء القليل بملاقاته، وأمّا في غير ذلك فالحكم بالنجاسة مبنيٌّ على الاحتياط الوجوبي. أمّا السيد محمّد الروحاني فاعتبر أنّ المتنجّس الأوّل ينجّس مطلقاً، أمّا الثاني وما بعده فلا ينجّس إلا المائعات دون الجوامد. أمّا السيد السيستاني فحكم بعدم تنجيس المتنجّس الثالث مطلقاً. واحتاط وجوباً السيد محمّد صادق الروحاني في تنجيس المتنجّس الأوّل لغير المائعات، وذهب السيد محمد باقر الصدر إلى أنّ المتنجّس إذا لم يكن مائعاً ولم يكن قد تنجّس بعين النجس ولا بالمائع المتنجّس بعين النجس، لا يكون منجّساً، وقريب منه بل مطابق له ما ذهب إليه السيد محمود الهاشمي. واشتهر بين بعض الفقهاء أنّه مع قلّة الوسائط يحصل التنجيس وأمّا مع كثرتها فلا، وممّن قال بذلك السيد روح الله الخميني والشيخ فاضل اللنكراني والشيخ محمّد إبراهيم الجنّاتي وغيرهم. واحتاط السيد فضل الله في المتنجّس الجامد الأوّل، أمّا المتنجّس الثاني وغيره فحكم فيهما بالطهارة، إلى غير ذلك من الآراء الكثيرة والتفاصيل المتشعّبة في هذه المسألة. أمّا الفقه السنّي فالمعروف بينهم أنّ المالكية لا ترى تنجيس المتنجّس، فيما البقيّة يرون التنجيس في الجملة.

والأقرب هو:

أ ـ إنّ عين النجاسة توجب تنجيس ما يلاقيها مطلقاً، مائعاً كان ملاقيها أم جامداً، مع تحقّق شروط التنجيس المتقدّمة آنفاً.

ب ـ إنّ المتنجّس المائع ـ كالماء ـ الملاقي لعين النجاسة (وهو ما يسمّى بالمتنجّس الأوّل المائع)، ينجّس ما يلاقيه، فلو تنجّس الماء الذي في الإبريق بسقوط قطرة بول فيه، فإنّ هذا الماء لو وقع على الثوب فإنّه ينجّسه، فلا يمكن الصلاة بهذا الثوب قبل تطهيره، وكذلك لو وقع هذا الماء على ماء آخر فإنّه ينجّسه.

ج ـ إنّ المتنجّس المائع ـ كالماء ـ الملاقي لملاقي عين النجاسة (وهو ما يسمّى بالمتنجّس الثاني المائع)، لا ينجّس ما يلاقيه (سواء قلنا بأنّه متنجّس أم لا)، سواء كان ما لاقاه جامداً أم مائعاً، فلو تنجّس الماء الذي في الإبريق بقطرة بول، ثم سقط شيء من هذا الماء في طشتٍ فيه ماء، فإنّه يُحكم بنجاسة الماء الذي في الطشت، لكن لو سقط شيءٌ من ماء الطشت على ماءٍ ثالث لم يحكم بنجاسة الماء الثالث. وكذلك لو وقع شيء من ماء الطشت هذا على اليد أو الثوب مثلاً، فإنّه لا يُحكم بنجاسة اليد ولا الثوب. وعليه فالمتنجّس المائع الثاني، فضلاً عن الثالث والرابع وغيرهما، لا ينجّس ما يلاقيه مطلقاً.

د ـ إنّ المتنجّس الجامد لا ينجّس ما يلاقيه مطلقاً، مائعاً كان الملاقي أم جامداً، بلا فرقٍ في ذلك بين المتنجّس الأوّل أو الثاني أو الثالث أو غير ذلك، فلو تنجّست اليد بالبول، ثمّ زالت عين النجاسة زوالاً عرفيّاً، فلاقت اليدُ الثوبَ لم ينجس الثوب، وكذا لو لاقت هذه اليد ماءً، فإنّه لا ينجس هذا الماء، وهكذا. وإن كان الأحوط استحباباً هو الحكم بتنجّس خصوص الماء الملاقي للجامد المتنجّس الأوّل خاصّة، وكذلك الأحوط استحباباً القول بتنجيس الجامد الذي تنجّس بالمائع المتنجّس بعين النجس.

والنتيجة: إنّ ملاقاة عين النجاسة أو ملاقاة خصوص المائع الأوّل المتنجّس بعين النجاسة نفسها، يوجب تنجيس الملاقي، وأمّا في غير ذلك فلا تنجيس مطلقاً، وإن كان الاحتياط حَسَناً في بعض الصور كما بيّنّا.

ملاحظة توضيحيّة: قلنا بأنّ المتنجّس الأوّل المائع منجِّس، وفي الوقت عينه قلنا بأنّ المتنجّس الأوّل الجامد غير منجّس، وهنا لابدّ من توضيح أمرٍ، وهو أنّه لو فرضنا أنّ بولاً سقط في ماءٍ قليل فنجّسه، فصار الماء متنجّساً (متنجّس أوّل مائع)، ثم سُكب هذا الماء على الأرض، فإن بقي الماء على الأرض واتصلت يدنا بالأرض، فهنا يحكم بنجاسة اليد؛ لأنّ اليد لاقت المتنجّس الأوّل المائع؛ لكونه ما زال بعينه على الأرض، أمّا لو جفّ الماء، ظلّت الأرض متنجّسةً، لكنّه لو لاقت يداً رطبة أو صببنا ماء طاهراً قليلاً على الأرض فصارت مرّةً ثانية رطبة، فهنا لا يحكم بنجاسة ملاقي الأرض؛ لأنّ المتنجّس الجامد لا ينجّس مطلقاً.

والكلام في الأدلّة والمناقشات لا يسعه هذا المختصر، إذ الروايات المتعرَّض لها هنا والمحتمل دلالتها على التنجيس أو على عدمه، كثيرةٌ ومتداخلة، ولا يمكن عرض التحليل باختصار، فنوكله لمناسبة أخرى.

([6]) ثبوت النجاسة بالبيّنة أو بإخبار ذي اليد أو بإخبار مطلق الثقة مشروطٌ بحصول الوثوق، وقد حقّقنا في محلّه بالتفصيل مسألة حجيّة الخبر في الموضوعات، فراجع كتابنا "الحديث الشريف، حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج 2: 139 ـ 186". والقدر المتيقّن من السيرة العقلائية في حجيّة إخبار ذي اليد هو حال الوثوق لا مطلقاً، والنصوص الواردة قليلة وغير دالّة.

([7]) هذه المسألة إن قُصد منها موضوع التنجّس بذوات الكفّار، فقد قلنا سابقاً بأنّ مطلق الإنسان ـ مسلماً كان أو غير مسلم ـ طاهر، فلا موضوع لهذه المسألة من هذه الزاوية، وإن كانت على المبنى صحيحة، وإن قصد منها ملاحظة ما يتعاطونه من النجاسات التي لا يتحفّظون منها كالخنزير، فما ذكره الماتن صحيح.