hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الأعيان النجسة ـ القسم الأوّل)

تاريخ الاعداد: 5/22/2024 تاريخ النشر: 5/23/2024
1520
التحميل

حيدر حبّ الله

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(16 ـ 5 ـ 2024م)

 

المبحث السادس

الطهارة من الخبث‌

وفيه فصول:

الفصل الأوّل

في عدد الأعيان النجسة

وهي عشرة([1]):

الأوّل والثاني: البول([2]) والغائط([3]) من كلّ حيوان له نفس سائلة محرّم الأكل، بالأصل أو بالعارض، كالجلال والموطوء، أمّا ما لا نفس له سائلة أو كان محلّل الأكل، فبوله وخرؤه، طاهران([4]).

مسألة 390: بول الطير، وذرقه، طاهران وإن كان غير مأكول اللحم، كالخفاش، والطاوس، ونحوهما([5]).

مسألة 391: ما يشكّ في أنّه له نفس سائلة، محكوم بطهارة بوله وخرئه([6])، وكذا ما يشكّ في أنّه محلّل الأكل أو محرّمه([7]).

الثالث: المنيّ من كلّ حيوان له نفس سائلة وإن حلّ أكل لحمه، وأمّا منيُّ ما لا نفس له سائلة فطاهر([8]).

الرابع: الميتة([9]) من الحيوان ذي النفس السائلة وإن كان محلّل الأكل، وكذا أجزاؤها المبانة منها وإن كانت صغاراً.

مسألة 392: الجزء المقطوع من الحيّ بمنزلة الميتة([10])، ويستثنى من ذلك الثالول، والبثور، وما يعلو الشفة، والقروح ونحوها عند البرء وقشور الجرب، ونحوه، المتصل بما ينفصل من شعره، وما ينفصل‌ بالحكّ، ونحوه من بعض الأبدان، فإن ذلك كلّه طاهر إذا فصل من الحيّ([11]).

مسألة 393: أجزاء الميتة إذا كانت لا تحلّها الحياة طاهرة، وهي الصوف، والشعر، والوبر، والعظم، والقرن، والمنقار، والظفر والمخلب، والريش، والظلف، والسن، والبيضة إذا اكتست القشر الأعلى، وإن لم يتصلّب، سواء أكان ذلك كلّه مأخوذاً من الحيوان الحلال أم الحرام، وسواء أخذ بجزّ، أم نتف، أم غيرهما، نعم يجب غسل المنتوف من رطوبات الميتة. ويلحق بالمذكورات الأنفحة، وكذلك اللبن في الضرع، إذا كان مما يؤكل لحمه. ولا ينجس بملاقاة الضرع النجس، وإن كان الأحوط استحباباً([12]) اجتنابه. هذا كلّه في ميتة طاهرة العين، أمّا ميتة نجسة العين، فلا يُستثنى منها شيء.

مسألة 394: فأرة المسك طاهرة، إذا انفصلت من الظبي الحيّ([13])، أمّا إذا انفصلت من الميّت ففيها إشكال([14])، ومع الشكّ في ذلك يبنى على الطهارة. وأمّا المسك فطاهر على كلّ حال، إلا أن يُعلم برطوبته المسرية حال موت الظبي، ففيه إشكال.

مسألة 395: ميتة ما لا نفس له سائلة طاهرة، كالوزغ، والعقرب والسمك، ومنه الخفاش على ما قضى به الاختبار، وكذا ميتة ما يشك في أنّ له نفساً سائلة أم لا.

مسألة 396: المراد من الميتة ما استند موته إلى أمر آخر، غير التذكية على الوجه الشرعي([15]).

مسألة 397: ما يؤخذ من يد المسلم، أو سوقهم من اللحم والشحم والجلد، إذا شكّ في تذكية حيوانه فهو محكوم بالطهارة والحليّة ظاهراً، بل لا يبعد ذلك حتى لو علم بسبق يد الكافر عليه إذا احتمل أنّ المسلم قد أحرز تذكيته على الوجه الشرعي، وكذا ما صنع في أرض الإسلام، أو وجد مطروحاً في أرض المسلمين إذا كان عليه أثر الاستعمال منهم الدالّ على التذكية مثل ظرف الماء والسمن واللبن، لا مثل ظروف العذرات والنجاسات([16]).

مسألة 398: المذكورات إذا أخذت من أيدي الكافرين محكومة بالطهارة أيضاً، إذا احتمل أنها مأخوذة من المذكّى، لكنّه لا يجوز أكلها، ولا الصلاة فيها ما لم يحرز أخذها من المذكّى، ولو من جهة العلم بسبق يد المسلم عليها([17]).

مسألة 399: السقط قبل ولوج الروح نجس، وكذا الفرخ في البيض على الأحوط وجوباً([18]) فيهما.

مسألة 400: الأنفحة هي ما يستحيل إليه اللبن الذي يرتضعه الجدي أو السخل قبل أن يأكل([19]).

___________________________

([1]) ثمّة بحث في غاية الأهميّة يفترض التعرّض له في فقه النجاسات، ولم يوله جمهور الفقهاء أهميّته التي يستحقّها، وإن كانت هناك تلميحات هنا أو هناك لما يشبهه، بل أخذ عندهم بمثابة أمر واضح مفروض سلفاً، وهذا البحث هو في كون النجاسة أمراً حقيقيّاً خارجيّاً أو أمراً تشريعيّاً تعبديّاً اعتباريّاً؛ وذلك أنّه قد يقال بأنّ النجاسة ليست أمراً تعبّدياً بالمعنى الذي فهمه الفقهاء، وأنّ الطهارة والنجاسة ليست أموراً اعتباريّة جعليّة للشارع، ولا مفاهيم منقولة ـ من قبل الشارع سبحانه وتعالى ـ عن اللغة والعرف، بل هي أمورٌ واقعيّة تكوينية قد يتدخّل الشارع فيها أحياناً، ولم يجعل لها في لغته اصطلاحاً خاصّاً أو مفهوماً منقولاً مغايراً للمفهوم اللغوي والعرفي، وأنّ الشارع كان يريد من نصوصه في الطهارة والنجاسة تحصيل النظافة التامّة في الشيء بحيث يرتفع استقذاره الطبيعي والعرفي، وليس مراده الكشف الغيبي عن القذارة الواقعيّة الموجودة في الشيء ولو لم يدركها الناس والعرف، وأنّ هذا هو المفهوم من مجموع نصوص باب الطهارة، وأنّ طرق التطهير المنصوصة إنّما ذكرت لكونها هي المتوفّرة آنذاك.

ينتج عن ذلك أنّنا أمام فرضيات ثلاث:

الفرضيّة الأولى: اعتبار الطهارة والنجاسة أموراً اعتبارية محضة لا علاقة لها ـ ضرورةً ـ بالواقع التكويني، فالمولى اعتبر الماء متنجّساً عندما لاقاه البول، وقد لا يكون في ملاقاة البول له أيّ أثر تكويني، أو فقل: ليس في ملاقاة البول له أيّ أثر تكويني يكون هو مدار الحكم الاعتباري بالنجاسة. وبناء على هذه الفرضية قد يكون الشيء مستقذراً عرفاً كما لو وقعت آلاف من الحشرات الميتة في حاوية ماء وبقيت كذلك لمدّة أيام في جوٍّ حار، فإنّ الشريعة لا ترى النجاسة حتى لو رأى العرف القذارة، وكذا لو لامست الحديدةُ نقطةَ بول، ثمّ تمّ رشّها بأنواع المعقّمات والمطهّرات الكيميائيّة والمصنّعة فإنّ العرف ـ بل والعلم الحديث ـ لا يرى قذارة، فيما الشريعة ترى نجاسة هنا؛ لعدم التطهير بمثل ذلك. ويبدو أنّ هذه الفرضيّة هي الاتجاه السائد في الفقه وتعتبر مفروضاً قبليّاً واضحاً بيّناً عند كثيرين.

والمستند الرئيس الذي تنبني عليه هذه الفرضيّة هو أنّ النصوص مبنيّة على كونها في مقام التشريع، وأصالة الموضوعيّة في العناوين هي الحاكمة، ومقتضى الإطلاقات هو استنتاج مفاهيم الطهارة والنجاسة "في باب الخبث" بطريقة شرعيّة اعتباريّة، وغيرُ ذلك يحتاج إلى دليل، وفهم المشهور ـ ومعه الارتكاز ـ قائمٌ على ذلك، بل لو كان المعيار هو القذارة العرفية فلماذا وجدنا في النصوص طهارة القيح والبصاق والمذي والودي والقيء وفضلات ما يؤكل لحمه وغير ذلك؟ فإنّ هذا كلّه شاهد على أنّ المعيار ليس هو القذارة العرفيّة، بل الاعتبار التشريعي المستقلّ، ولو كان منشؤه في الجملة القذارة الخارجيّة. بل يمكن أن نضيف بأنّه لو كان المعيار هو القذارة العرفيّة فلماذا تدخّلت النصوص في التفاصيل؟ ولماذا كانت الأسئلة والأجوبة؟ فقد كان بإمكان النبيّ والأئمّة أن يقولوا للناس: ارفعوا القذارات العرفيّة عن أبدانكم وأثوابكم عند الصلاة والطواف وما شابه ذلك، والعرف يفهم القذارات العرفيّة، فهي قذارات مرجعها في التشخيص هو العرف حسب الفرض، فنفس وجود عشرات الأسئلة والأجوبة في باب الخبث كاشف أنّهم كانوا يرجعون للأئمّة باعتبار وجود أمر تشريعي تعبّدي في باب الخبثيات، ويؤيَّد ذلك بباب الحدث وأشكال الطهارة منه، فإنّ نواقض الوضوء أمور ليست بالتي يفهم العرف حدثاً منها، بل لا يفهم العرف من الطهارات الثلاثة نوعاً من التطهير، بل لعلّ الأصل اللغوي في كلمة "التطهير" كما مال إليه بعضٌ، هو التطهير من الخبث؛ لأنّ العرف لا يفهم التطهير من الحدث أساساً، وإنّما هو جعولات شرعيةّ.. إلى غير ذلك من القرائن والشواهد التي يمكننا طرحها لتأييد هذه الفرضية.

الفرضيّة الثانية: اعتبار الطهارة والنجاسة أمراً تكوينيّاً، لكنّ الشارع يتدخّل لتخطئة العرف في حسبانه أنّ الماء قد طهر، فيقول له بأنّه لا يطهر إلا بالطريقة الفلانيّة.

هذه الفرضية تحتلّ مكان الوسط، فكأنّها تقرّ بالمعيار الخارجي للطهارة والنجاسة، وبأنّ العرف سبيلٌ لمعرفة هذا المعيار، لكنّها ترى أنّ الشرع قد يتدخّل، وكأنّ هذه الفرضيّة تتمكّن من تفسير تدخّل الشريعة وكثرة الأسئلة والأجوبة في باب الطهارة والنجاسة، فتقول بأنّ السبب هو أنّ الناس قد تخطأ في تحديد القذر الخارجي، فلا تتطابق القذارة العرفية مع القذارة التكوينيّة، فتأتي الشريعة لتبيّن أنّ الشيء الفلاني قذر ولو لم تحسبوه كذلك، وقد يتصوّر العرف شيئاً ما قذراً، لكنّ الشريعة تتدخّل لبيان أنّه لا قذارة فيه، فالحاوية التي فيها ماء ماتت فيه عشرات آلاف الحشرات، أمرٌ قذر عرفاً، لكنّ الشرع جاء ليبيّن أنّه لا توجد قذارة هنا واقعاً أو تعبّداً، وهكذا. وعبر هذه الفرضية نستنتج أنّ الأصل هو القذارة الخارجيّة وأنّه في كلّ مورد أحرزنا فيه القذارة كان الشيء نجساً أو متنجّساً، وفي كلّ مورد أحرزنا فيه انتفاء القذارة كان طاهراً، وهاتان النتيجتان لهما استثناء وشرط، وهو أن لا يأتي في النصوص تصريح بطهارة شيء حسبناه قذراً أو بقذارة شيء حسبناه طاهراً، وعليه، لا تصل النوبة للأصول كأصل الطهارة في مورد إحرازنا قذارة شيء. وهذه نتيجة مهمّة جداً تعطينا إيّاها هذه الفرضيّة.

الفرضية الثالثة: إنّ الطهارة والنجاسة باقيتان على معناهما اللغوي والعرفي، وأنّ المرجع فيهما هو العرف وحالة الاستقذار النوعي، وأنّ النصوص الدينية ذكرت وسائل متوفّرة آنذاك، وهي جاءت لتؤكّد للعرف ضرورة التحذّر من هذا الأمر وتعليمه كيفيّة هذا التحذّر، في مقابل استخفاف العرب والمسلمين الأوائل بهذه المواضيع بحكم نمط حياتهم، فإذا تطوّر نمط حياة الناس وصاروا مهتمّين بأمور النظافة والطهارة، وصارت بيوتهم وألبستهم وأبدانهم نظيفة أنيقة جداً، فلا معنى لتلك الطرق التي وضعتها الشريعة لمجرّد الإشارة إلى المبالغة في التحذّر من القذارات.

هنا، قد يقال بأنّ بعض القدماء كانوا يميلون جزئيّاً للاتجاه الثالث، حيث ينسب شيء قريب من هذا لكلّ من الشيخ المفيد والسيد المرتضى، من أنّهما قالا بأنّ مذهبنا جواز تطهير الأشياء بغير الماء من السوائل والمائعات، وأنّ هذا هو المرويّ عن الأئمة، وأنّه لا فرق في التطهير بين الماء والخلّ، وأنّه تطهر الثياب المتنجّسة بغسلها بغير الماء؛ لأنّ الطهارة ليست سوى زوال النجاسة، وليس في الأدلّة العقلية (النقليّة) ما يمنع من استعمال المائعات في الإزالة ولا ما يوجبها. ونحن نعلم أنه لا فرق بين الماء والخلّ في الإزالة، بل ربما كان غير الماء أبلغ، فحكمنا حينئذٍ بدليل العقل (انظر في نسبة هذه الآراء إليهما كتبَ الفقه ومنها: المحقّق الحلي، الرسائل التسع: 216؛ ومحمد تقي الرازي الإصفهاني، تبصرة الفقهاء 1: 284؛ ومحمد حسن النجفي، جواهر الكلام 1: 318؛ والمحدّث البحراني، الدرر النجفية 2: 245 ـ 246، وغيرهم). بل تجد من قد يستند ـ لكون وسائل التطهير أوسع ممّا ذكر ـ إلى رواية غياث بن إبراهيم عن الإمام الصادق× أنّه قال: «لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق» (تهذيب الأحكام 1: 425)، وكذلك برواية الحكم بن حكيم الصيرفي أنّه سأل الإمام الصادق: أبول فلا أصيب الماء، وقد أصاب يدي شيء من البول، فأمسحه بالحائط وبالتراب، ثم تعرق يدي، فأمسح وجهي أو بعض جسدي، أو يصيب ثوبي، فقال: «لا بأس به» (الكافي 3: 55 ـ 56)، وغيرها من النصوص المتعدّدة.

ولكي نحدّد الموقف من هذه الفرضيات الثلاث علينا أوّلاً أن نتخلّى عن مرتكزاتنا المأنوسة، ونسأل: هل ثمّة مرجّح ـ ولو ظنّي ـ لواحدة من هذه؟

إنّ دعوى أصالة كون المتكلّم في مقام بيان محض الشرع الاعتباري، وأصالة الموضوعيّة في العناوين وغيرها، سبق أن ناقشناها، وأنّها فرضيات لا دليل عليها من دون قرينة خاصّة حاليّة أو مقاليّة، من هنا قد نقول بأنّ كلمة النجاسة والقذارة وغيرها من التعابير التي وردت في النصوص لها مدلولات لغويّة، والأصل فيها دلالتها اللغويّة حتى يثبت وجود اصطلاح شرعي خاصّ، فإذا جاء في النصّ أنّه لا بأس بالوضوء بالماء حتى تعلم أنه قذر مثلاً، فإنّ كلمة القذارة هنا تفهم لغويّاً، وأمّا النصوص التي تدلّ على نجاسة البول فهي في مقام بيان مصداق من مصاديق القذر، وكذلك النصوص التي تنفي قذارة القيح مثلاً فهي تسعى لبيان عدم قذارة هذه الأشياء، ولو حسبناها قذرة بمنظور عرفي، من هنا يبدو لي أنّ أرجح الفرضيات هي الفرضية الثانية، وينتج عنها أمور:

أ ـ إنّنا إذا أحرزنا بالقطع واليقين أنّ الشيء الفلاني ليس فيه قذارة، بحيث أيقنّا أنّه لا فرق بينه وبين الجسم الذي لا نجاسة عليه، فمن الصعب القول بإمكان التمسّك بإطلاقات النصوص لإثبات النجاسة، كما لو طهّرنا جسماً تنجّس بالبول بالمواد الكيميائيّة وأجرينا فحصاً ومقارنة بينه وبين جسمٍ لم يمسّه البول، ووجدناه أكثر طهارة ونظافة منه، فإنّ القول بالنجاسة هنا غير مفهوم.

ب ـ إذا أحرزنا أنّ الشيء الفلاني قذر بمستوى قذارة البول مثلاً، ولكنّ أصالة الطهارة أو استصحابها يعطيان أنّه طاهر، ففي مثل هذه الحال لا يحرز شمول هذه الأصول لما نحن فيه؛ لأنّ عمومات القذارة شاملة للموقف.

ج ـ إنّه من الممكن أنّ بعض الأشياء القذرة قد اعتبرها الشارع غير قذرة تسهيلاً على الناس، مثل روث وبول الحيوانات الأهليّة كالبقر والغنم والإبل، وفي هذه الحال لا نستطيع الاستناد للإطلاق في إثبات طهارة بولها وغائطها في مورد عدم التسهيل، كما هي الحال لو خرجت بقرة اليوم في مدينة ولوّثت الطريق. علماً أنّه من الممكن جداً أنّ الناس في تلك العصور لم تكن ترى قذارة بول ولا غائط مثل هذه الحيوانات، ولهذا بنت الشريعة على طهارتها. وبهذا الطريق لا يعود من الممكن الاستدلال على بطلان الفرضية الثانية بأنّ ما نفت النصوص عنه النجاسة هو قذارة خارجيّة محقّقة، فإنّ احتمال أنّ نفي القذارة عنها لمكان التسهيل يُبطل الاستدلال. وفرضية التسهيل معقولة، كما فيما ورد في المقدار المعفوّ عنه من الدم، وكذلك ما ورد في بول الصبي الرضيع بالنسبة للمربية، وهكذا.

د ـ إنّ هذه الفرضية يمكنها تقديم الحكم بطهارة أشياء قد تشملها النصوص بالنجاسة أو الأصول كذلك، فيما لو أحرزنا ارتفاع القذارة الخارجية، لكنّ السؤال هل يمكن لهذه الفرضيّة أن تثبت نجاسة أشياء لم تعتبرها الشريعة نجسة بمعنى أن تكون النجاسات الواردة في النصوص قد وردت على سبيل المثال فيما هو الأعم الأغلب من ابتلاءاتهم في ذلك الزمان أو في تلك البلدان؟ بعبارة أخرى: ما هو الشيء القذر الخارجي الذي يكون مدار الحكم هنا؟ هل هو مطابق للقذر العرفي وبالتالي قابل للتحوّل والتغير والتبدل زماناً ومكاناً أو له قرار غايته قد نعرفه وقد لا نعرفه؟ أقرب الحلول هنا أنّ نحكم بنجاسة كلّ ما يكون مشابهاً لأعيان النجاسات الواردة في النصوص، لا عملاً بالقياس، بل لأنّ جمع هذه النجاسات يعطينا تصوّراً عن مفهوم القذارة الخارجيّة المأخوذة موضوعاً في اعتبار الشارع، فكلّ ما شابهها يحكم عليه بالنجاسة، إلغاء للخصوصيّة، وإلا فلا، ومع الشكّ يعمل بقواعد الشك.

هذه محاولة تأمّل أوّليّة مختصرة، والأمر مشكلٌ جداً وبحاجة لمزيد تحقيق لا تسعه هذه التعليقة المبنيّة على الإيجاز. وسوف نبني في تعليقاتنا الآتية على بحث الطهارة والنجاسة الخبثيّة على الفرضية المشهورة، وقد نلمح للفرضية التي رجّحناها بما يكون في مورد ما هنا أو هناك قرينة عليه، ويترتب عليه أنّه في موارد الحكم بالنجاسة طبقاً للفرضية الأولى أو الثانية مع منافاة الفرضيّة الأخرى لها بحيث كانت تحكم بالطهارة، فإنّنا نبني الحكم بالنجاسة في هذه الموارد على الاحتياط الوجوبي، فلاحظ جيّداً.

([2]) الحقّ أنّ نجاسة البول من الأمور الواضحة، غير أنّ حدود هذه النجاسة قد اضطربت فيها الروايات من أكثر من جهة، والقدر المتيقّن ـ بناءً على ما سلكناه في " المنهج الانضمامي" الذي أشرنا له في مقدّمات هذه التعليقة على "المنهاج" ـ هو القول بنجاسة بول الإنسان وكلّ حيوان محرّم الأكل ولا يؤكل عادةً، بلا فرقٍ بين أن تكون له نفس سائلة أو لا، بشرط أن يكون حيواناً له لحم، فالحشرات الصغيرة من غير ذوات اللحم يكون بولها طاهراً، أمّا الأسماك المحرّمة فبولها نجس ـ إذا كان لها بول ـ ولو لم تكن لها نفس سائلة. ودعوى أنّ كلمة "لا يؤكل لحمه" تدلّ على نفي المأكوليّة بملاحظة الشريعة لا بملاحظة العادة، غيرُ واضحة، فإذا راجعنا النصوص لا يشهد لذلك شيء واضح فيها، بل بالعكس نجد في بعض الأحيان تعبير الحلية وفي الوقت عينه نجد تعبير أنّه لا يؤكل لحمه عادةً ونحو ذلك. وأمّا دعوى أنّ كلمة اللحم تعني اللبّ دون خصوص اللحم المتعارف، وأنّ العرب تستخدم هذه الكلمة كذلك، مثل قولهم: لحم الفاكهة، فهو غير واضح؛ إذ مجرّد الاستعمال مرّةً أو مرّتين مع انصراف اللفظ لمفهومه المتعارف اليوم، وإمكان كون ذلك الاستخدام النادر على نحو التشبيه والمجاز، لا يوجب ظهور كلمة اللحم في الأعمّ، فضلاً عن كونه على نحو الحقيقة دون المجاز.

([3]) المعروف بين فقهاء المسلمين هو الفتوى بنجاسة البول والغائط من كلّ حيوان له نفس سائلة ويكون في الوقت نفسه محرّم الأكل. ولكنّ الأقرب هو نجاسة الغائط من الإنسان مطلقاً، أمّا سائر الحيوانات ـ بصرف النظر عن الكلب والخنزير ـ فالأمر فيها محلّ تأمّل شديد، بصرف النظر عن حكم الأكل، وذلك أنّه رغم إقرار بعضٍ بعدم وجود دليل لفظي معتبر على نجاسة الغائط في غير الإنسان، وأنّ الروايات كلّها تقريباً تتكلّم عن البول دون الغائط، وأنّ الدليل الأساس هو الإجماع وأمثال ذلك، لكنّ بعض الفقهاء حاول الاستناد لبعض الأدلّة القابلة للنقاش، فتارةً جَمَعَ نصوصاً تفيد نجاسة غائط الإنسان ـ وهو مفروغ منه ونوافق عليه ـ وأخرى نصوصاً تدلّ على نجاسة العذرة، مع أنّ العذرة كلمةٌ يتيقّن من دلالتها في اللغة العربيّة على غائط الإنسان، ولا يوجد ما يؤكّد في العربيّة شمولها لغيره إلا بقرينة، وهي غير موجودة في هذه الروايات عدا رواية آحاديّة واحدة، ثمّة نقاش أيضاً في مساحة دلالتها. وثالثة استند إلى الارتكاز المتشرّعي الذي لا يرى فرقاً بين البول والغائط في الحكم، لكنّه في تقديري ارتكازٌ غير معلوم في عصر النصّ، بل يحتاج لإثبات أنّه ليس وليدَ الفتاوى نفسها. ورابعة بعدم القول بالفصل بين مدفوع الإنسان ومدفوع الحيوان، وهو رجوع لمثل فكرة الإجماع المحتمل المدركيّة جداً هنا.. إلى غير ذلك من المناقشات التي ينجم عنها عدم بقاء دليل عدا شيء بسيط جداً من الروايات ضعيفة الإسناد والتي فيها نوع دلالة.

من هنا يترجّح بنظري القاصر طهارة مدفوع غير الإنسان، وإن كان الأحوط استحباباً الحكم بالنجاسة. وهذا كلّه على مستوى النجاسة التعبّديّة، وبغضّ النظر عن النظريّة التي تقول بأنّ باب النجاسات والطهارات كلّه ليس راجعاً للتعبّد والاعتبار، وإنّما هو عين الاستقذار الخارجي العرفي، والشارع لم يؤسّس شيئاً، بل شرح موارد الاستقذار الخارجي وكيفيّة رفعه بحسب المتوفّر لهم آنذاك مع تدخّله أحياناً في التوسعة والتضييق. ومسألة غائط الحيوان قضيّة ابتلائيّة حقّاً، فالكثير من الحيوانات منتشرةٌ في الشوارع والأزقّة أو في بيوت الناس، تبعاً لاختلاف البلدان والشعوب، مثل القطّة والجرذ والفأرة والقرد والسلحفاة والهامستر والسنجاب وغيرها.

([4]) قد صار الموقف واضحاً مما تقدّم.

([5]) الأقوى أنّه لا فرق بين الطيور وغيرها في حكم نجاسة أبوالها وطهارتها، فيرجع فيها إلى ما تقدّم من المعيار.

([6]) قد قلنا بأنّ النفس السائلة ليست معياراً ـ وجوداً وعدماً ـ في النجاسة والطهارة هنا، لكن لو قلنا بذلك فما ذهب إليه الماتن هو الصحيح في صورة الشكّ.

([7]) بلا فرق بين كون الشبهة حكميّة أو موضوعيّة.

([8]) المعروف بين فقهاء الإماميّة هو الفتوى بنجاسة المنيّ من كلّ حيوان له نفس سائلة سواء كان حلال الأكل أم حرامه. وقد اختلفت المذاهب الأربعة في نجاسة المنيّ وعدمها، فقال فريق بنجاسة المنيّ وقال آخرون بالطهارة، وثمّة تفصيلات في هذا المورد، ويبدو لي أنّ بعضاً من الأدلّة المختلف فيها عند المذاهب الأربعة ـ وليس كلّها ـ قد لا ترجع لطهارة المنيّ، وإنّما لكيفيّة تطهيره، فتصوّر بعضٌ أنّ اختلاف كيفيّة التطهير عن سائر النجاسات، وفقاً لما جاء في الروايات والأحاديث، تعطي عدم النجاسة، ولا نريد الإطالة.

والأقرب القول بنجاسة منيّ الإنسان مطلقاً، أمّا سائر الحيوانات ـ بصرف النظر عن الكلب والخنزير ـ فالأمر فيها غير واضح، فالأقرب الحكم بالطهارة وإن كان الأحوط استحباباً القول بالنجاسة، بصرف النظر عن حكم أكل المني؛ وذلك أنّ أدلّة نجاسة المنيّ إن لم نقل بأنّ ظاهرها الحديث عن منيّ الإنسان خاصّة، فلا أقلّ من أنّه من الصعب العثور على إطلاق معتبر فيها يشمل غير الإنسان، وإن حاول بعضٌ تكلّفَ ذلك من بعض الروايات مثل خبر محمّد بن مسلم.

([9]) نجاسة الإنسان الميّت قبل غسله مبنيّة على الاحتياط الوجوبي.

([10]) على الأحوط استحباباً؛ وذلك لعدم إحراز عموم التنزيل في النصوص التي استدلّ بها هنا، على قلّتها.

([11]) طهارة هذه جميعها على مقتضى القاعدة عندنا، وليست استثناءً، بل لعلّها تصلح لتأييد القاعدة التي توصّلنا إليها.

([12]) وجوباً.

([13]) أو من حيوان مذكّى.

([14]) إذا ثبت علميّاً أنّ فأرة المسك ـ والتي تستخرج من ذكر غزال المسك ـ مما لا تحلّه الحياة، فتكون طاهرة هي وما في داخلها، وعلى الأقلّ في مورد انفصالها الطبيعي من الغزال؛ لأنّه قد يقال حينها بأنّ انفصالها هذا يكون بعد صيرورتها فاقدةً للحياة، ففي كلّ مورد يثبت كونها لا حياة فيها يحكم بطهارتها، وإلا فالأحوط وجوباً الحكم بالنجاسة.

([15]) القدر المتيقّن من الميتة هنا هو ما مات حتف أنفه أو مات بغير صيد ولا ذبح ولا نحر، فيما يُصطاد أو يذبح أو ينحر، أمّا المذبوح لكن على غير الطريقة الشرعيّة أو المصطاد أو المنحور على غيرها، فالأقرب هو الحكم بطهارته، وإن كان مقتضى الاحتياط الشديد جداً هو ترتيب آثار النجاسة، وإذا قلنا بطهارته فهذا معناه أنّ ما يؤتى به من جلود أو لحوم أو غيرها من بلاد غير المسلمين وأسواقهم، وإن قلنا بأنّه لا يجوز أكله، لكنّه يحكم بطهارته لو كان سبب موته هو الذبح ولو على غير الطريقة الشرعيّة، دون ما لو كان سبب موته هو الصعق الكهربائي مثلاً.

([16]) تتعدّد الأسواق التي يحصل من خلالها الإنسان على اللحم والعظم والجلد الحيواني وأمثال ذلك، فتارةً يكون السوقُ سوقَ المسلمين أو بلادهم وأخرى سوق غيرهم وبلادهم، وتارةً يأخذ هذه الأمور من مسلمٍ كانت الجلود واللحوم في يده وأخرى يأخذها من غيره وهكذا، فكيف يتعامل الإنسان مع هذه الأمور من حيث الحليّة والطهارة؟

الأقرب ـ من خلال فهم النصوص والقواعد الدينيّة والسّيَر العقلائية والمتشرّعية ـ هو أنّها تقوم على عنصرين:

أ ـ رفع الظنّ بالتذكية، بشكل واضح، بحيث يكون احتمال التذكية هو الغالب جدّاً، وهو عنصر معرفي.

ب ـ عدم التشدّد في السؤال، وإمكانية العمل بالحالة الغالبة بلا حاجة للتدقيق، وهو عنصر تسهيل.

ووفقاً لما تقدّم، فنحن أمام حالات:

الحالة الأولى: أن يكون ما في السوق، أيّ سوقٍ كان، في بلد مسلم أم غيره، أو في يد المسلم أو غيره، من المذكّى، بحيث نعلم أو نطمئنّ بذلك، فهنا يحكم بالحليّة والطهارة، فلو أخذ اللحم أو الجلد من بلد مسلم أو غير مسلم وكان يُعلم بالعلم العادي بأنّه مذكّى، فإنّ تركيبة القواعد الفقهيّة هنا تنتج الحليّة والطهارة معاً، حتى لو كان هناك احتمال ضئيل أنّ الذابح لم يراعِ القواعد الشرعيّة في الذبح. ومن هذا القبيل اتّباع قرائن التذكية الموجبة في العرف لقوّة احتمال التذكية جدّاً، كما لو رأينا البائع المسلم يأكل من هذا اللحم ونحن نعرف تديّنه الشديد، أو نعرف أنّ هذا التاجر ـ وكذا الدولة ـ متعهّد بأن لا يستورد غير الشرعيّ، الأمر الذي يؤدّي إلى قناعتنا بالتذكية وأنّه مطلعٌ على هذا، فيُعمل بمثل هذه القرائن الوثوقيّة.

الحالة الثانية: أن يكون ما في السوق أو في يد المسلم أو غيره غير مذكّى في العادة، وهنا نجري القانون نفسه، فنحكم بالنجاسة والحرمة (بناء على ثبوت النجاسة في مطلق غير المذكى، كما تعرّضنا له آنفاً)، حتى لو اشتريناه من مسلم أو من بلد مسلم، فضلاً عن غيرهما، فإنّ إسقاط شرط الإسلام في الذابح لا يعني إسقاط شرط الذبح الشرعي كالتسمية وفَري الأوداج، نعم شرط الاستقبال يكون ملغيّاً في قبول ذبيحة غير المسلم. ومن موارد هذه الحالة أن تقوم القرائن المفيدة لغلبة الظنّ أو العلم بأنّ اللحم من إنتاج غير إسلامي، وهنا نتّبع قرائن عدم التذكية حتى لو كنّا في سوق المسلمين، كما لو اشترينا اللحم من سوبرماركت في بلد مسلم، ونعلم أنّ هذه السوبرماركت غالباً ما تبيع المستورد المحكوم بعدم التذكية، بحيث يندر أن تبيع غيره، فيحكم بالنجاسة والحرمة.

الحالة الثالثة: أن نفقد قرائن العلم أو الظنّ الغالب بأنّ اللحم مذكّى أو غير مذكّى، ويدور الأمر وتتساوى الاحتمالات، أو تتقارب، فهنا يُشكل الأمر حتى لو كان اللحم في سوق المسلمين. فلو كثر في بلدٍ مسلم استيراد المحكوم بعدم التذكية بشكل كبير، بحيث لم تعد حالة اللحوم المستوردة حالةً قليلة، بل صارت حالة كبيرة، وفي الوقت نفسه انتابنا شكّ حقيقي قويّ في أنّ المستوردين أو التجّار أو البائعين أو الدولة نفسها، هل يهتمّون لقضيّة التذكية أو لا؟ ففي هذه الحال لا يحكم بالتذكية؛ لأنّ قواعد السوق واليد وغيرها قواعد عقلائيّة لا تعبّدية، والغرض منها عدم الالتفات للاحتمالات القليلة والجري على الغالب المفيد لقوّة الظنّ جدّاً، لكن لو كثر اللحم المستورد وضاع الاطمئنان ووقع الشك الحقيقي أشكل الحكم بالتذكية في غير ما نحرز أنّه مذكّى بعينه أو قامت القرائن العرفيّة على تذكيته كما قلنا. وبهذا يعلم الموقف مما ذكره الماتن.

([17]) قد أصبح الموقف واضحاً مما تقدّم في المسألة السابقة.

([18]) استحباباً.

([19]) تعيين المراد من الأنفحة في غاية الإشكال، لكن الأقرب هو الحكم بطهارة باطن الظرف والمظروف معاً.