hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الحيض ـ القسم الأوّل/سببه وأقلّه وأكثره..)

تاريخ الاعداد: 3/5/2024 تاريخ النشر: 3/7/2024
1930
التحميل

 

حيدر حبّ الله

 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(3 ـ 3 ـ 2024م)

 


 

 

المقصد الثاني

غسل الحيض

وفيه فصول

الفصل الأوّل

في سببه

وهو خروج([1]) دم الحيض الذي تراه المرأة في زمان مخصوص غالباً، سواء خرج من الموضع المعتاد، أم من غيره([2])، وإن كان خروجه بقطنة، وإذا انصبّ من الرحم إلى فضاء الفرج ولم يخرج منه أصلاً ففي جريان حكم الحيض عليه إشكال، وإن كان الأظهر عدمه([3])، ولا إشكال في بقاء الحدث ما دام باقياً في باطن الفرج.

مسألة 212: إذا افتضّت البكر فسال دمٌ كثير، وشكّ في أنّه من دم الحيض، أو من العذرة، أو منهما، أدخلت قطنة وتركتها مليّاً ثمّ أخرجتها إخراجاً رفيقاً، فإن كانت مطوّقةً بالدم، فهو من العذرة، وإن كانت مستنقعة فهو من الحيض، ولا يصحّ عملها بقصد الأمر الجزمي بدون ذلك ظاهراً([4]).

مسألة 213: إذا تعذّر الاختبار المذكور([5]) فالأقوى الاعتبار بحالها السابق من حيضٍ أو عدمه، وإذا جهلت الحالة السابقة فالأحوط استحباباً الجمع بين عمل الحائض والطاهرة. والأظهر جواز البناء على الطهارة.

الفصل الثاني

كلّ دمٍ تراه الصبيّة قبل بلوغها تسع سنين ولو بلحظة، لا تكون له أحكام الحيض، وإن علمت أنّه حيض واقعاً، وكذا المرأة بعد اليأس([6]). ويتحقّق اليأس ببلوغ خمسين سنة في غير القرشيّة على المشهور، ولكنّ الأحوط في القرشية وغيرها الجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة بعد بلوغها خمسين، وقبل بلوغها ستين إذا كان الدم بصفات الحيض، أو أنّها رأته أيام عادتها. والمشكوك في أنّها قرشية بحكم غير القرشيّة([7]).

مسألة 214: الأقوى اجتماع الحيض والحمل حتى بعد استبانته([8])، لكن لا يترك الاحتياط فيما يرى بعد أوّل العادة بعشرين يوماً، إذا كان واجداً للصفات([9]).

 

الفصل الثالث

أقلّ الحيض وأكثره

أقلّ الحيض ما يستمرّ ثلاثة أيام([10]) ولو في باطن الفرج، وليلة اليوم الأوّل كليلة الرابع خارجتان، والليلتان المتوسّطتان داخلتان، ولا يكفي وجوده في بعض كلّ يوم من الثلاثة، ولا مع انقطاعه في الليل([11])، ويكفي التلفيق من أبعاض اليوم.

وأكثر الحيض عشرة أيام، وكذلك أقلّ الطهر([12])، فكل دم تراه المرأة ناقصاً عن ثلاثة، أو زائداً على العشرة، أو قبل مضيّ عشرة من الحيض الأوّل، فليس بحيض([13]).

___________________________

([1]) سيأتي أنّ العبرة ليست بالخروج.

([2]) مع صدق أنّه دم الحيض، فالخروج من الموضع غير المعتاد مشروط بالمحافظة على صدق عنوان الحيض عليه.

([3]) بل الأقوى جريان الحيض عليه ما دام يصدق أنّ هذه المرأة قد جاءتها العادة الشهريّة، وأنّ خروج الدم إلى الخارج هي مسألة وقت فقط، ويؤيّد ذلك ـ تأييداً ـ روايات بقاء الحدث ببقاء الدم في باطن الفرج والتي يوافق عليها الماتن نفسه. وبتعبير آخر: الوارد في النصوص عنوان الحائض أو التي جاءها الحيض أو حاضت أو نحو ذلك من التعابير التي لا ينافيها تعبير «رأت الدم» لأنّه مصداق لكونها قد حاضت. والفهم العرفي للحيض وأنّها حاضت هو المحكَّم، فإذا نزل الدم وانصبّ في فضاء الفرج وبعد دقيقة واحدة سوف يخرج مثلاً، فهل تقول النساء بأنّ هذه المرأة قد جاءتها العادة الشهريّة أو لا؟ وهذا غير باب المنيّ؛ لأنّ الموضوع هناك ـ بحسب النصوص ـ هو خروج المنيّ، وليس تحرّك المنيّ من دون خروج، ولا يصدق على شخص أنّه أجنب لمجرّد تحرّك المني دون خروج تماماً، كما لا يصدق عليه أنّه بال أو.. لمجرّد تحرّك البول أو الريح دون خروج وهكذا.

([4]) لم تثبت هذه الطريقة بوصفها أمارة تعبّديّة، بل العبرة بحصول الوثوق بكونه حيضاً ولو من خلال قول من له خبرة، أو قيام حجّة معتبرة شرعيّة، وإلا لم يحكم بالحيضيّة مع عدم ثبوتها بحجّة معتبرة ولو كانت هو الاستصحاب كما سيشير له الماتن في المسألة اللاحقة. والروايات الواردة هنا ـ مضافاً لكونها آحادية ـ تشتمل على علامات استفهام تعرّضنا لها في محلّه، وعلى رأسها رواية خلف بن حماد الكوفي.

([5]) يفهم من كلامه أنّ هذا الاختبار واجب شرعي شرطي ولو في الجملة، ولمّا لم يثبت لدينا دليل هذا الاختبار كما قلنا، فإنّه لا يجب شرعاً التثبّت من كونه دم حيض أو غيره، وعليه فيمكنها العمل بالاستصحاب أو بالطهارة ولو من دون فحص.

([6]) إذا أحرزت الحيضيّة ترتبت أحكام الحيض ولو كان قبل التسع أو بعد اليأس، على فرض تحقّقه، ومن ثمّ يحكم ببلوغها بذلك ولو كانت تحت التسع، وبعدم يأسها ولو كانت فوق سنّ اليأس المذكور لديهم، بلا فرق بين كون المرأة هنا شاكّة في وصولها حدّ البلوغ أو حدّ اليأس أو لا.

([7]) موضوع سنّ اليأس للمرأة من الموضوعات المهمّة في الفقه والقانون الإسلامي، حيث تترتّب على تحديده وتعيينه نتائج فقهيّة متعدّدة تتعلّق بالمرأة في حياتها الفرديّة وسلوكها العبادي، وفي علاقاتها الزوجيّة، وفي قضايا العِدَد والطلاق، وغير ذلك مما هو مذكور في أبواب متفرّقة من الفقه الإسلامي. المسألة المهمّة هنا هو في تحديد سنّ اليأس للمرأة، فالفقه الإسلامي ما دام قد رتّب نتائج على عنوان اليأس، فلا بدّ من البحث في معيار تحديد هذا العنوان، وهذا ما دفعهم لدراسة هذا الموضوع، فلم يقتصر الفقهاء على عنوان اليأس نفسه، بل اعتبروا أن الشريعة تدخّلت في تحديد السنّ الذي تكون فيه المرأة يائسة بحيث ما تراه من دمٍ بعد هذا السنّ فهو استحاضة أو يتطلّب الاحتياط مثلاً أو غير ذلك، وما تراه قبل ذلك فهو حيض ضمن المعايير الواردة في كتاب الحيض، وهكذا. فما هو سنّ اليأس؟ وما المرجع في تحديده؟

انقسم فقهاء الإماميّة هنا في الأعمّ الأغلب إلى فريقين (بعيداً عن نظريّات التمييز بين القرشيّة والنبطيّة والعربيّة وغيرها)، ففيما قال الفريق الأوّل بأنّ سنّ اليأس خمسون سنة قمريّة، فإذا بلغتها المرأة صارت يائسة وتترتّب عليها تمام الأحكام التي تلحق اليائسة، ذهب الفريق الثاني من الفقهاء إلى أنّ اليأسَ يكون ببلوغ ستين سنة، وهذه الأرقام نتجت في العادة عن كيفيّة تعاملهم مع الروايات الواردة في الموضوع، رغم قلّة عدد الروايات الواردة في تحديد السنّ جدّاً مع كون الموضوع شديد الابتلاء!

لكنّ رأياً مخالفاً للمشهور ذهب إلى أنّ سنّ اليأس شأنٌ تكوينيٌّ ليس له عمر معيّن، ويختلف باختلاف النساء. ومن العلماء الذين رأيتُ لهم فتوى بهذا الرأي: السيد محمّد جواد الموسوي الغروي الإصفهاني، والشيخ محمّد إبراهيم الجنّاتي، والشيخ محمّد اليعقوبي، والسيد محمد تقي المدرسي، وغيرهم. وسوف نشير لأبرز آراء الفقه السنّي قريباً، فانتظر.

والأقرب بالنظر هو أنّ سنّ اليأس في الشريعة الإسلاميّة عنوانٌ واقعي غير تعبّدي، وهو السنّ الذي ـ وفقاً للبيان القرآني ـ تصبح فيه المرأة يائسةً تماماً من الحيض يأساً ناتجاً عن الحالة الطبيعيّة الجسديّة، فينعدم عندها احتمال الحيض بحيث لم تعد ترجوه (وكلامنا ليس في المستَرَابَة كما هو واضح). وهذا العنوان قد يختلف باختلاف النساء من حيث الجينات وطبيعة البدن والمناطق الجغرافيّة والمناخيّة، حيث يقال بأنّ نساء الهنود الحمر يبلغن سنّ اليأس في الخمسين، فيما السنّ عند الصينيّات هو الأربعين، ويبلغ عند بعض شعوب شرق سيبيريا ما بين الثلاثين والخمس وثلاثين، وهكذا، فإذا أحرزت المرأة أنّها يئست من المحيض ترتّبت عليها أحكام اليائس ولو كان عمرها دون الخمسين، وإذا ظلّت ترى الدم كما كانت تراه من قبل وكانت النسوة مثلها تشبهها في حالتها مثل قريباتها مثلاً، أو ثبت بالفحص أو الكشف العلمي أنّه حيض، فإنّها لا تكون يائسةً ولو تجاوزت الستين سنة. ولو وقعت في شكّ في كونها قد انقطع عنها الحيض نهائيّاً أو لا، ولم يكن يمكنها رفع الشك بطرق علميّة أو نحوها، مثل جعل الحالة الغالبة لنساء منطقتها وقريباتها بمثابة قرينة وثوقيّة على اليأس، فإنّ مقتضى القاعدة هو عدم ترتيب آثار اليائس عليها حتى يحصل لها اليقين بذلك، ويتحقّق الموضوع الحقيقي الذي هو اليأس من الحيض، وإن كان مقتضى الاحتياط الحَسَن هو الجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة بعد الستين لو استمرّت معها حالة الشكّ هذه، وكان الدم مما يمكن ترتيب عنوان الحيض عليه لولا فكرة اليأس. كما أنّ الأقوى عدم الفرق في سنّ اليأس ـ من الزاوية الشرعيّة الاعتباريّة ـ بين القرشيّة والنبطيّة وغيرهما، فإذا قلنا بأنّ سنّ اليأس هو الخمسين فهو سنٌّ لتمام أنواع النساء، وكذا لو قلنا بأنّه الستين، بل وكذا لو قلنا بأنّه أمرٌ تكويني ـ ثابت واحد أو مختلف بين النساء والشعوب ـ ليس له تحديدٌ شرعي تعبّدي، فلا فرق بين القرشيّة وغيرها في هذه الأمور.

وهذا الموضوع لا يسعني مع الأسف الإطالة فيه هنا؛ لضيق المجال، لكنّني أشير لنقاط مفتاحيّة يمكن للراغبين بمراجعة البحث التأمّل فيها:

أ ـ إنّ النص القرآني جعل المعيار هو اليأس من المحيض، وكذلك كانت معه مجموعة كبيرة من الروايات التي استخدمت تعبير اليأس من المحيض ومثلها لا تحيض، أو تعبير: لا تلد أو لا تحبل، ونحو ذلك. وهذه عناوين واقعية تكوينية خارجيّة.

ب ـ إنّ الروايات الواردة تقع على ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: ما دلّ على أنّ حدّ اليأس هو الستون سنة قمريّة، وهو كلّ من خبر عبد الرحمان بن الحجّاج، ومرسل الكليني. ولعلّ مرسل الكليني هو عين خبر ابن الحجّاج. وهذان الخبران ضعيفان تارةً بالإرسال، وأخرى بضعف طريق الطوسي لابن فضال على التحقيق.

المجموعة الثانية: ما دلّ على أنّ الحدّ هو خمسون سنة، وهما خبران ينتهيان أيضاً لابن الحجّاج، إلى جانب مرسل ابن أبي نصر البزنطي. وأحد الخبرين مع مرسل البزنطي ضعيفان بسهل بن زياد، أمّا الخبر الآخر فهو أيضاً ضعيف السند ـ على التحقيق ـ بتردّد محمد بن إسماعيل الراوي للخبر عن الفضل بن شاذان بين النيسابوري الذي لم تثبت وثاقته والبرمكي الذي ثبتت وثاقته.

المجموعة الثالثة: ما دلّ على التفصيل بين القرشيّة فستين وغيرها فخمسين، مثل مرسل الطوسي في المبسوط، ومرسل الصدوق في الفقيه.

وبعيداً عن كونها برمّتها مجموعة أخبار آحاديّة متعارضة، مع احتمال كون أربعة منها ليست سوى رواية واحدة وهي رواية ابن الحجّاج (رواياته الثلاث مع مرسل الكليني)، كما وبعيداً عن ضعفها السندي جميعاً على التحقيق، وبعيداً أيضاً عن المجموعة الثالثة التي سنناقشها بعد قليل، سوف أتوقّف عند نقطتين:

النقطة الأولى: إنّ ابن الحجّاج بنفسه روى لنا خبر الستين وخبر الخمسين، والغريب أنّه في الموردين روى عن ابن الحجّاج شخصٌ واحد وهو صفوان، الأمر الذي أثار استفهامات، من احتمال حصول خطأ في نسخة معيّنة أو في نقلٍ ما، فرجّحوا الخمسين تارةً والستين أخرى. واحتمل بعضهم صدور الروايتين من الإمام معاً فيقع التعارض وهكذا. وترجيح الخمسين على الستين أو بالعكس ليس مقنعاً، وتفصيله في محلّه.

النقطة الثانية: إنّ جمهور العلماء يتعاطون مع مثل هذا النوع من النصوص على أنّه تأسيس لسنّ يأسٍ شرعيٍّ تعبّدي، فيُصبح لدينا يأسٌ تكويني ويأسٌ شرعي، والمعيار هو اليأس الشرعي، فإذا بلغت الخمسين فهي يائس ولو لم تكن يائساً في الواقع، بل كانت على يقين بأنّ الدم الذي تراه ما يزال هو الدم عينه الذي كان يأتيها من قبل، وهو ما أثار نقد المحقّق الخراساني الذي أجاب عليه السيد الخميني بأنّه أمرٌ طبيعيٌّ جداً من حيث إنّ الشريعة تؤسّس مقولاتها ولو كانت على خلاف الواقع التكويني؛ لأنّ المسألةَ هي مسألةُ اعتباراتٍ تشريعيّة وقانونيّة.

لكنّ هذا النوع من فهم هذا النمط من النصوص، رغم أنّ نصوص الكتاب والسنّة تستخدم عبارة "اليأس من المحيض" وعبارات "مثلها لا تحيض" وأمثال ذلك كما تقدّم.. هذا الفهم مبنيٌّ على مصادرة مسبقة ترى أنّ الإمام هنا في مقام تعيين سنٍّ شرعي تعبّدي، وهذا يحتاج لدليل، فلعلّه في مقام بيان الغالب، فكيف عرفنا أنّه يقوم بتحديد سنٍّ شرعي تعبّدي، ولا يقوم بتحديد سنّ اليأس في نساء عصره؟! تماماً كما لو سألنا النساء اليوم عن سنّ اليأس فقد تجيبك واحدة وتقول: إنّه ثمانية وأربعون أو اثنتان وخمسون، تماماً كما في الرواية عند أهل السنّة من أنّ عائشة قالت بأنّ الخمسين هو سنّ اليأس، وأنّ هذا السنّ هو سنّ الخروج من الحيض. فاللغة هنا هي لغة واقعيّة وليست لغة تشريعيّة تعبديّة تأسيسيّة. وإثبات العكس يحتاج لدليل؛ لأنّ المسؤول عنه شأنٌ واقعيّ تكويني (انقطاع الحيض)، فالذهنيّة التي حكمت الفقهاء وبُنيت على مصادرة أنّ النبيَّ والإمام دائماً يتكلّمان بوصفهما مفتياً، وليس على مصادرة التمييز بين طبيعة السؤال والجواب.. هي التي أفضت للقول بوجود سنّ يأسٍ تعبديّ ولو لم يكن معه أيّ يأس حقيقي، والمفروض أنّ كلمة "اليأس" هذه استخدمها القرآن نفسه، وكان بإمكانه أن يستخدم مباشرةً عنوان "الخمسين" ما دام لم يعد لليأس أيّ موضوعيّة. وإذا لم تقبل معي أنّ جواب الإمام هنا لبيان الغالب في عصره (مقام الإخبار)، لا في مقام بيان أمرٍ تعبّدي تأسيسي (مقام الإنشاء)، فلا أقلّ من حصول الالتباس والشكّ في المراد من هذه الأجوبة، على خلاف ما اعتادت عليه الذهنيّة الفقهيّة السائدة التي تجزم بأنّ المراد هو بيان التأسيس التعبّدي، وعليه فلا يمكن الأخذ بدلالة هذه الروايات الآحاديّة على تأسيس أمر هو على خلاف الواقع التكويني الذي اعتبر معياراً في نص الكتاب والسنّة. وإن أبيتَ أيضاً فلا أقلّ من الحمل على صورة الشكّ بحيث يكون بيان الحالة الغالبة موجباً لقوّة الظنّ بأنّها يئست، أو يحمل على تبيان مقتضى الظاهر بالنسبة لغير المرأة نفسها وأمثال ذلك، فانتبه.

وهذا ما أطلقنا عليه في بحوثنا الأصولية عنوان "الشخصيّة الموضوعية للنبيّ والإمام"، بمعنى أنّه يقوم بالجواب عن الموضوعات الخارجيّة بناء على قانون الغلبة؛ لمساعدة المكلّفين على إدارة تطبيقهم للأحكام الشرعيّة على الأقلّ في موارد الالتباس، لا أنه يريد نسخ العنوان القرآني والحديثي وإعادة تعريفه بطريقة تُلغي موضوعيّته، وهو عنوان اليأس.

ولعلّ ما يؤيّد ما نقول تلك القاعدة التي استوحيناها من طرائق تعبير الأئمّة، وهو أنّ هذا الموضوع ليس عند أهل السنّة فيه أيّ حديث أو رواية نبويّة، وإنّما قال جمهور الأحناف بأنّ سنّ اليأس خمس وخمسون، ونسبوه لبعض المتقدّمين. وقال جمهور المالكية بأنّه سبعون، ومال اليه بعض الفقهاء من غيرهم. ونفت الشافعيّة وجود سنٍّ خاصّ لليأس، لكن قال بعضهم بأنّه اثنتان وستون سنة. وقالت الحنابلة بأنّه خمسون اعتماداً على مثل رواية عائشة. وبعض فقهاء أهل السنّة أرجع الأمر للمتعارف المحيط بالمرأة من الأقارب والمجتمع ونحو ذلك. وعندما يخالف الأئمّة ـ قبل عصر ابن حنبل في مورد بحثنا ـ جمهور فقهاء أهل السنّة في مسألةٍ، فهم في العادة لو كانوا بصدد بيان أمرٍ تشريعيّ تأسيسي، لنسبوه لعليّ أو للنبيّ؛ لتأكيد الاحتجاج على الجمهور ونشر الرأي الشرعي الصحيح من خلال نشر الرواية النبويّة فيه، وهو ما لم نجده هنا إطلاقاً، الأمر الذي يعزّز ـ مع قلّة عدد الروايات في موضوعٍ ابتلائيّ من هذا النوع على غير صعيد ـ أنّ هذه التحديدات لم تكن تأسيسات شرعيّة، بل بيانات إخباريّة في زمانهم، والمعيار الشرعي هو المعيار الذي وضعه القرآن ونصوص السنة (اليأس). وعليه، فسنّ اليأس هو السنّ التي ينعدم فيها احتمال الحيض بالنسبة لهذه المرأة بشكلٍ نهائي غير مؤقّت، فلو ثبت أنّ هذا حيض ولو بلغت السبعين حكم بالحيضيّة، والعكس صحيح. ونترك التفصيل لمجال أوسع.

هذا على صعيد سنّ اليأس من حيث ذاته، وأمّا على صعيد التفصيل بين القرشيّة وغيرها، فيمكن القول بأنّه قد ذهب الكثير من فقهاء الإماميّة ـ بل لعلّه المشهور ـ إلى أنّ هناك فرقاً في سنّ اليأس بين المرأة القرشيّة وغيرها، ونقل الشيخ المفيد تمييزاً مشابهاً بين النبطيّة والقرشيّة وغيرهما، ففي القرشيّة سنّ اليأس هو بلوغ ستين سنة قمريّة، وفي غير القرشيّة هو بلوغ المرأة لخمسين سنة. والمراد عندهم بالمرأة القرشيّة ـ على ما هو المتداول ـ تلك التي ينتهي نسبها إلى النضر بن كنانة، والذي هو الجدّ الأعلى للقبائل العربيّة التي عاشت في مكّة، وإليه يرجع بنو هاشم وبنو أميّة وبنو عدي وبنو تميم وغيرهم. وقال بعضٌ بأنّ قريشاً تنتسب قبائلُها لفهر بن مالك بن نضر، فأولاد أخي فهر لا ينتسبون إلى قريش، وإن كانوا من أولاد مالك بن نضر. ويظهر هذا الفرق بين القر شيّة وغيرها في العرف الاجتماعي اليوم بشكل أكبر بين المرأة الهاشميّة أو العلويّة أو الفاطميّة وبين عموم النساء غير القرشيّات.

لكنّ العديد من الفقهاء، لم يوافقوا على هذا التمييز بين القرشيّة وغيرها في سنّ اليأس، مثل الشيخ الطوسي والعلامة الحلّي والمحقّق الحلّي وابن إدريس الحلّي في بعض كتبهم على الأقلّ، أمّا في العصر الحديث فبدأ القول بعدم التمييز يظهر أكثر فأكثر على مستوى البحوث العلميّة، أمّا على مستوى الفتاوى والرسائل العمليّة:

أ ـ فبعضهم ذهب إلى الاحتياط الوجوبي بالجمع بين تروك الحائض وأفعال المستحاضة في المرأة القرشيّة وغيرها بين سنّ الخمسين والستّين، فتجب عليهما الصلاة والصيام وغيرهما في الوقت الذي يحرم عليهما دخول المساجد والارتباط الجنسي وغير ذلك. وممّن احتاط وجوباً هنا السيّد الخوئي، والسيّد محمود الهاشمي، والشيخ الوحيد الخراساني، وغيرهم. وهذا الاحتياط الوجوبي ليس مرجعه للقرشيّة، بل لاختلاف النصوص بين الستين والخمسين، فراجع.

ب ـ وبعضٌ آخر من العلماء رفض ـ على مستوى الإفتاء ـ التمييزَ المذكور، بل ولم يقل بالاحتياط الوجوبي، معتبراً أنّ سنّ اليأس واحدٌ بين جميع النساء، سواء اعتبرناه الخمسين أم الستين أم غير ذلك. ومن هؤلاء: السيّد محمّد باقر الصدر، والسيّد محمد جواد الغروي الإصفهاني، والسيد علي السيستاني، والشيخ محمّد الصادقي الطهراني، والشيخ محمّد إسحاق الفياض، والسيّد محمّد حسين فضل الله (احتاط استحباباً بالجمع)، والسيّد كمال الحيدري، والسيّد كاظم الحائري، وغيرهم.

ورغم اتساع جمهور القول بعدم التفصيل بين القرشيّة وغيرها مؤخّراً، غير أنّ القائلين بهذا التفصيل ما زالوا يشكّلون نسبة كبيرة بين الفقهاء.

والأقوى هو عدم الفرق في سنّ اليأس بين القرشيّة والنبطيّة وغيرهما، فإذا قلنا بأنّ سنّ اليأس هو الخمسين فهو سنٌّ لتمام أنواع النساء، وكذا لو قلنا بأنّه الستين، بل وكذا لو قلنا بأنّه أمرٌ تكويني ليس له تحديدٌ شرعي تعبّدي، فلا فرق بين القرشيّة وغيرها في هذه الأمور.

والمستند العمدة لديهم هنا هو رواياتٌ قليلة جداً، لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، وكلّها مراسيل، وبعضُهم اعتمدها:

إمّا لكون المرسِل هو الشيخ الصدوق مع القول بحجيّة مراسيل الصدوق. وهو مبنى لم نوافق عليه، على ما حقّقناه في محلّه وأشرنا له سابقاً. أو لتصحيح مراسيل ابن أبي عمير، وهو أيضاً مبنى ناقشناه في محلّه بالتفصيل، فراجع. أو على أنّ الحكم بالتمييز بين القرشيّة وغيرها مشهورٌ قديماً وحديثاً؛ فإمّا تكفي الشهرة في نفسها بناء على حجيّة الشهرة الفتوائيّة، أو تكون جابرةً لضعف أسانيد الأخبار القليلة الضعيفة هنا. وكلاهما ـ أعني حجيّة الشهرة الفتوائيّة في نفسها وقاعدة الجبر السندي ـ لم تثبتا على ما بحثناه في محلّه، فراجع. بل الأمر عندي في القضيّة مرتبطٌ أيضاً بأصل مسلك حجيّة خبر الواحد الظنّي، فضلاً عن بعض الملاحظات المتنيّة.

([8]) المعروف علميّاً أنّ الحيض لا يجتمع مع الحمل، وأنّ ما هو متعارف بين العديد من النساء، وبخاصّة في الثلث الأوّل من الحمل، من رؤية بعض الدم، ناتجٌ عن عوامل أخرى توجب نزيفاً، مثل تكوّن تجمّع دموي مكان الانغراس، بل قد يكون مؤشراً على احتماليّة حدوث إجهاض، فإذا حصل العلم بعدم الحيض أثناء الحمل نتيجة المعطيات العلميّة المؤكّدة، فإنّ هذا بنفسه كافٍ في ترجيح الروايات النافية لاجتماع الحيض مع الحمل على تلك المثبتة. ودعوى أنّ الشارع لا يتكلّم إلا بما هو شارع، ولا يتكلّم بما هو ناظر للشأن التكويني، لا دليل يثبتها على الإطلاق ما لم تقم قرائن مورديّة، وهذا ما له تأثيرات كبيرة على الاجتهاد الشرعي في الأبواب المختلفة، حيث فرضوا ـ مصادرةً ـ أنّ الأصل في كلام النبيّ والإمام هو التشريع، فحملوا الكثير من النصوص على التعبدية والتنزيل القانوني. كما أنّ إفتاء النبيّ أو الإمام أحياناً على وفق المعطيات العلميّة في عصرهم والمتعلّقة بتشخيص المصاديق، لا ببيان الأحكام الكليّة، لا دليل يمنعه كلاميّاً، والتفصيل في محلّه. وبهذا يعلم عدم صحّة ما ذهب إليه جمع من فقهاء المالكيّة والشافعيّة والإماميّة من اجتماع الحيض والحمل، وأنّ الأقرب ما ذهب إليه جمعٌ من الأحناف والحنابلة من عدم اجتماعهما. نعم يجتمع الحيض مع الرضاع قطعاً.

وهذا كلّه على تقدير أنّنا لم نجزم في موردٍ هنا أو هناك أنّ هذا الدم دم حيض، نتيجة حالة خاصّة استثنائيّة لدى هذه المرأة أو تلك، لو تحقّق ذلك على أرض الواقع.

([9]) قد ظهر الموقف فيه مما تقدّم.

([10]) هذا التحديد تضعه النصوص لتعيين مصاديق العناوين بأمارات غالبيّة، بمعنى أنّه عندما لا نعرف أنّ هذا الدم هل هو حيض أو لا، أو عندما نريد أن نتعامل بعيداً عن أيّ معطى إضافي علمي، فإنّنا نرجع إلى هذه المعايير الغالبيّة لضبط مصاديق الأحكام الشرعيّة، فاحتمال كون الدم حيضاً في أقلّ من ثلاثة أيام هو ـ في العادة ـ احتمال ضئيل لا يعتنى به، لكن لو قام الدليل على كونه حيضاً وأنّه ليس شيئاً غير دم الحيض المعروف بين النساء، واستمرّ يومين مثلاً ـ كما لو تناولت دواء يوجب صيرورة حيضها كلّ شهر أربع مرّات في كلّ مرّة يومين ـ فإنّ الحكم بعدم التحيّض في غاية الإشكال، فالأقرب ـ وفاقاً للمالكيّة، وخلافاً للإماميّة والأحناف، وكذلك للشافعية والحنابلة (الذين يرون أقلّ الحيض يوماً كاملاً) ـ أنّه في لوح الواقع لا يوجد حدّ للحيض، لكنّنا نضيف أنّه ما لم تقم معطيات أخرى فإنّ المرجع الضابط في لسان النصوص هو الأيام الثلاثة. وسبب فهمنا هذا راجع لكون الفقهاء يفهمون من كلّ نصّ صدر من النبي أو الإمام أنّه بمثابة بيان تشريعي، فلو لم يطابق الواقع اعتبروه تنزيلاً تعبّدياً وتأسيساً لمفهوم شرعي منفصل عن الواقع، من هنا يكون عندهم حيض شرعي وحيض تكويني واقعي، وقد صرّح الماتن بذلك في أوّل الفصل الثاني من الحيض هنا، أمّا لو قلنا بأنّ المشرّع له نحوان من البيان: بيان قانوني يبيّن فيه الكلية القانونيّة، مثل: كلّ مسكر حرام، وبيان خارجي يعمل فيه على قانون الغلبة في مجال المصاديق فيحدّد للمكلّفين الحكم وفقاً للمعطيات الغالبيّة المتوفّرة إخراجاً لهم عن الاضطراب وعدم الوضوح، وضبطاً للتشريعات في عالم التطبيق، ففي مثل هذه الحال لا يمكننا فهم نصوص الحدّ الأدنى والأعلى للحيض على أنّها تأسيس لحيض قانوني شرعي اعتباري، بل تحتمل جدّاً أن تكون بياناً للشأن الخارجي، ويكثر ذلك عندما لا يستشهد الإمام بنصّ قرآني أو نبويّ في إثبات ما يقول إلى جانب عدم تداول نصّ نبوي كلّي في وسط فقهاء الجمهور، بل نراهم يعتمدون على خبراتهم البشريّة وتطبيقهم للكليات لا أكثر. وعليه فيكفينا عدم ثبوت أصالة البيان الكلّي القانوني في كلمات النبي والإمام؛ لعدم الدليل عليها، مع أصالة تبعيّة الأحكام للعناوين الواقعيّة بحسب الفهم العرفي، لكي نلتزم بالتحيّض فيما لو رأت الدم في أقلّ من ثلاثة أيام عالمةً علماً موضوعيّاً حجّةً أنّه حيضٌ واقعي، وإن كان الاحتياط وجيهاً هنا بالجمع بين تروك الحائض وأعمال المستحاضة. وسوف يأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ عند الحديث عن الاستحاضة ما يرتبط بهذا الأمر، فانتظر.

([11]) هذه نتائج شرط الاستمرار الذي ذكره الماتن مطلع الكلام، غير أنّه لا دليل على شرط الاستمرار، بل المهم صدق أنّ الدم جاءها لثلاثة أيّام، فلو رأت الدم صباحاً، ثمّ انقطع مساء، ثم رأته في صباح اليوم التالي، ثم انقطع ظهر اليوم الثاني، ثمّ رأته منتصف ليلة الثالث وهكذا حتى تمّت الثلاثة، حُكم بالحيضيّة. والنصوص وردت في مقام بيان عدد الأيام التي يكون الحيض فيها ما بين بدايته ونهايته، لا في مقام بيان الاستمرار، فراجع.

([12]) الكلام في أكثر الحيض وأقلّ الطهر يطابق الكلام في أقلّ الحيض، فلا نعيد. وبه يُعلم أنّ ما ذهب إليه جمهور فقهاء أهل السنّة ـ عدا الحنابلة ـ من أنّ أقلّ الطهر خمسة عشر يوماً، وكذا ما ذهب إليه الحنابلة من أنّه ثلاثة عشر يوماً، ليس مطلقاً ولا نهائيّاً.

ولا بأس أيضاً أن نشير إلى أنّ الدورة الشهرية لو تأخّرت عن شهرٍ أو شهرين أو أكثر بسبب زيادة في الوزن أو بسبب متلازمة تكيّس المبايض، فإنّ بطانة الرحم تتراكم وينزل دم الدورة الشهرية لمدّة أكثر من عشرة أيام، بل وأسبوعين، بعين صفات دم الحيض، نعم لو كان النزيف طويل المدّة مسبَّباً عن وجود لحميّة أو تليّف ببطانة الرحم أو عضال الرحم أو بسبب اضطرابات في الغدّة الدرقيّة، فإنّ الأمر نفسه يحدث لكن يكون الدم هنا أحمر غير غامق، وفي هذه الحالات التي تعتبر ـ علميّاً ـ حالات مرضيّة، يمكن أن يكون أقلّ الطهر أقلّ من عشرة أيام لكنّ الدم الثاني لا يصنف دورة شهرية طبيعيّة، وهذا يتوافق مع النصوص. هذا كلّه يؤكّد أنّ هذه الأرقام جميعاً هي أرقام غالبيّة لحالة الدورة الشهريّة الطبيعيّة غير المرضيّة، وسيأتي في بحث الاستحاضة ما ينفع أيضاً.

([13]) اتضح الحال فيه مما تقدّم.