hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (غسل الجنابة ـ القسم الأوّل/الموجبات وما تتوقّف صحّته أو جوازه عليه و..)

تاريخ الاعداد: 2/20/2024 تاريخ النشر: 2/22/2024
4080
التحميل

حيدر حبّ الله

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(19 ـ 2 ـ 2024م)

 


المبحث الرابع

الغسل‌

والواجب منه لغيره([1]) غسل الجنابة، والحيض، والاستحاضة، والنفاس، ومسّ الأموات. والواجب لنفسه غسل الأموات([2])، فهنا مقاصد:

المقصد الأول

غسل الجنابة‌

وفيه فصول‌

الفصل الأوّل

ما تتحقّق به الجنابة

سبب الجنابة أمران:

الأوّل: خروج المنيّ([3]) من الموضع المعتاد وغيره([4])، وإن كان الأحوط استحباباً عند الخروج من غير المعتاد الجمع بين الطهارتين إذا كان محدثاً بالأصغر.

مسألة 169: إن عُرف المنيّ فلا إشكال، وإن لم يعرف فالشهوة والدفق وفتور الجسد أمارة عليه، ومع انتفاء واحدٍ منها لا يحكم بكونه منيّاً. وفي المريض يرجع إلى الشهوة والفتور([5]).

مسألة 170: من وجد على بدنه أو ثوبه منيّاً، وعلم أنّه منه بجنابةٍ لم يغتسل منها، وجب عليه الغسل، ويعيد كلّ صلاة لا يحتمل سبقها على الجنابة المذكورة، دون ما يحتمل سبقها عليها وإن علم تاريخ الجنابة وجهل تاريخ الصلاة، وإن كانت الإعادة لها أحوط استحباباً، وإن لم يعلم أنّه منه لم يجب عليه شيء.

مسألة 171: إذا دار أمر الجنابة بين شخصين يعلم كلّ منهما أنّها من أحدهما، ففيه صورتان: الأولى: أن يكون جنابة الآخر موضوعاً لحكم إلزامي بالنسبة إلى العالم بالجنابة إجمالاً، وذلك كحرمة استيجاره لدخول المسجد، أو للنيابة عن الصلاة عن ميت مثلاً، ففي هذه الصورة يجب على العالم بالإجمال ترتيب آثار العلم فيجب على نفسه الغسل، ولا يجوز له استيجاره لدخول المسجد، أو للنيابة في الصلاة، نعم لا بد له من التوضي أيضاً تحصيلاً للطهارة لما يتوقّف عليها. الثانية: أن لا تكون جنابة الآخر موضوعاً لحكم إلزامي بالإضافة إلى العالم بالجنابة إجمالاً ففيها لا يجب الغسل على أحدهما لا من حيث تكليف نفسه، ولا من حيث تكليف غيره إذا لم يعلم بالفساد، أمّا لو علم به ولو إجمالاً لزمه الاحتياط، فلا يجوز الائتمام لغيرهما بأحدهما إن كان كلّ منهما مورداً للابتلاء، فضلاً عن الائتمام بكليهما، أو ائتمام أحدهما بالآخر، كما لا يجوز لغيرهما استنابة أحدهما في صلاة أو غيرها مما يعتبر فيه الطهارة.

مسألة 172: البلل المشكوك الخارج بعد خروج المنيّ وقبل الاستبراء منه بالبول بحكم المنيّ ظاهراً([6]).

الثاني: الجماع ولو لم ينزل. ويتحقّق بدخول الحشفة([7]) في القبل أو الدبر من المرأة، وأمّا في غيرها فالأحوط الجمع بين الغسل والوضوء للواطي والموطوء فيما إذا كانا محدثَين بالحدث الأصغر، وإلا يكتفي بالغسل فقط([8]). ويكفي في مقطوع الحشفة([9]) دخول مقدارها، بل الأحوط وجوباً الاكتفاء بمجرّد الإدخال منه([10]).

مسألة 173: إذا تحقّق الجماع تحقّقت الجنابة للفاعل والمفعول به، من غير فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والقاصد وغيره، بل الظاهر ثبوت الجنابة للحيّ إذا كان أحدهما ميتاً([11]).

مسألة 174: إذا خرج المنيّ بصورة الدم، وجب الغسل بعد العلم بكونه منيّاً.

مسألة 175: إذا تحرّك المني عن محلّه بالاحتلام([12]) ولم يخرج إلى الخارج، لا يجب الغسل.

مسألة 176: يجوز للشخص إجناب نفسه بمقاربة زوجته([13]) ولو لم يقدر على الغسل وكان بعد دخول الوقت. نعم إذا لم يتمكّن من التيمّم أيضاً لا يجوز ذلك، وأمّا في الوضوء فلا يجوز لمن كان متوضئاً ـ ولم يتمكّن من الوضوء لو أحدث ـ أن يُبطل وضوءه إذا كان بعد دخول الوقت([14]).

مسألة 177: إذا شكّ في أنّه هل حصل الدخول أم لا، لا يجب عليه الغسل، وكذا لا يجب لو شكّ في أنّ المدخول فيه فرج أو دبر أو غيرهما.

مسألة 178: الوطء في دبر الخنثى([15]) موجبٌ للجنابة على الأحوط([16]) فيجب الجمع بين الغسل والوضوء إذا كان الواطئ أو الموطوء محدثاً بالأصغر دون قبلها إلا مع الإنزال فيجب عليه الغسل دونها إلا أن تنزل هي أيضاً. ولو أدخلت الخنثى في الرجل أو الأنثى مع عدم الانزال، لا يجب الغسل على الواطئ، ولا على الموطوء([17])، وإذا أدخل الرجل بالخنثى وتلك الخنثى بالأنثى، وجب الغسل على الخنثى([18])، دون الرجل والأنثى.

 

الفصل الثاني

فيما يتوقّف صحّته أو جوازه على غسل الجنابة

وهو أمور:

الأوّل: الصلاة مطلقاً([19])، عدا صلاة الجنائز. وكذا أجزاؤها المنسيّة، بل سجود السهو على الأحوط استحباباً([20]).

الثاني: الطواف الواجب بالإحرام مطلقاً كما تقدّم في الوضوء([21]).

الثالث: الصوم، بمعنى أنّه لو تعمّد البقاء على الجنابة حتى طلع الفجر بطل صومه، وكذا صوم ناسي الغسل، على تفصيلٍ يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى([22]).

الرابع: مسّ كتابة القرآن الشريف، ومسّ اسم الله تعالى على ما تقدّم في الوضوء([23]).

الخامس: اللبث في المساجد، بل مطلق الدخول فيها، وإن كان لوضع شي‌ء فيها، بل لا يجوز وضع شي‌ء فيها حال الاجتياز ومن خارجها، كما لا يجوز الدخول لأخذ شي‌ء منها، ويجوز الاجتياز فيها بالدخول من باب مثلاً، والخروج من آخر، إلا في المسجدين الشريفين ـ المسجد الحرام، ومسجد النبيّ «ص» ـ([24])، والأحوط وجوباً إلحاق المشاهد المشرّفة بالمساجد في الأحكام المذكورة([25]).

السادس: قراءة آية السجدة من سور العزائم([26])، وهي (الم السجدة، وحم السجدة، والنجم، والعلق)([27]). والأحوط استحباباً إلحاق تمام السورة بها حتى بعض البسملة.

مسألة 179: لا فرق في حرمة دخول الجنب في المساجد بين المعمور منها والخراب، وإن لم يصلّ فيه أحد ولم تبق آثار المسجديّة، و كذلك المساجد في الأراضي المفتوحة عنوة إذا ذهبت آثار المسجديّة بالمرّة.

مسألة 180: ما يشكّ([28]) في كونه جزءاً من المسجد من صحنه وحجراته ومنارته وحيطانه ونحو ذلك لا تجري عليه أحكام المسجديّة.

مسألة 181: لا يجوز أن يُستأجر الجنب لكنس المسجد في حال الجنابة([29])، بل الإجارة فاسدة، ولا يستحقّ الأجرة المسماة، وإن كان يستحقّ أجرة المثل. هذا إذا علم الأجير بجنابته، أما إذا جهل بها فالأظهر جواز استئجاره([30])، وكذلك الصبيّ والمجنون الجنب.

مسألة 182: إذا علم إجمالاً جنابة أحد الشخصين([31])، لا يجوز استئجارهما، ولا استئجار أحدهما([32]) لقراءة العزائم، أو دخول المساجد أو نحو ذلك مما يحرم على الجنب.

مسألة 183: مع الشكّ في الجنابة لا يحرم شي‌ء من المحرّمات المذكورة، إلا إذا كانت حالته السابقة هي الجنابة.

الفصل الثالث

(المكروهات للجنب)

قد ذكروا أنّه يكره للجنب: الأكل والشرب إلا بعد الوضوء، أو المضمضة والاستنشاق([33])، ويكره قراءة ما زاد على سبع آيات من غير العزائم([34])، بل الأحوط استحباباً عدم قراءة شي‌ء من القرآن ما دام جنباً([35])، ويكره أيضاً مسّ ما عدا الكتابة من المصحف([36])، والنوم جنباً إلا أن يتوضّأ أو يتيمّم بدل الغسل([37]).

_______________________

([1]) الوجوب الغيري هنا هو الصحيح، خلافاً لمن قال بأنّ غسل الجنابة واجبٌ نفسي.

([2]) هذا، وسوف يأتي لاحقاً ـ في موضعه ـ الحديث عن بعض الأغسال التي قيل بوجوبها، كغسل الجمعة، وغُسل من فرّط في صلاة الكسوفين مع احتراق القرص كاملاً، وغير ذلك.

([3]) على الأقوى مطلقاً في الرجل، أي عن شهوةٍ وبدونها، وعلى الأحوط وجوباً في المرأة، لكنّ غسل الجنابة بالإنزال في المرأة مقيّدٌ بحال كونها أمنت عن شهوة لا مطلقاً، فلو خرج منها الماء بلا شهوة إطلاقاً، كما لو كانت في حالة مرضيّة، لا يجب عليها الغسل، وإن كان هو الأحوط استحباباً. ومقتضى هذا الاحتياط الوجوبي في غسل المرأة هنا هو أن تجمع بين غسل الجنابة والوضوء على تقدير كونها كانت محدثةً بالأصغر قبل ذلك.

([4]) لكن بشرط صدق عنوان الإمناء والإنزال عليه، فلو استُخرج المنيّ بطريقة طبيّة خاصّة، من دون صدق عنوان الإنزال والإمناء ونحوهما عليه، فلا يجب الغسل، وإن كان هو الأحوط استحباباً.

([5]) المعروف بين الفقهاء في بحث غسل الجنابة أنّ من مسبّبات هذا الغسل خروج المني، وقد ذكروا أنّه إذا عرف المني وتمّ التأكّد من خروجه يجب ترتيب الآثار على ذلك، وإلا فلو خرج من الرجل شيءٌ وشُكّ في كونه منيّاً أو لا، فقد اعتمدوا على علامات هي: الدفق والشهوة وفتور الجسد، وبعضهم ذكر علامتين منها، وبعضهم واحدة، وبعضهم أضاف الرائحة، وكذلك اللون الأبيض الذي يصير أصفر عند الجفاف، وغير ذلك من الكلمات. هذا، ولعلّه يُستوحى من ابن إدريس الحلّي أنّ هذه العلامات لا أثر لها.

والصحيح هو أنّ المنيّ إن عُرف، وجوداً أو عدماً، ولو من خلال القرائن والأمور الغالبيّة عمل به، وأمّا إذا لم يحرَز أنّ الخارجَ منيٌّ أو لا، وظلّ الشكّ الحقيقي الموضوعي قائماً رغم وجود بعض القرائن مثلاً كالدفق مع الشهوة أو هما مع الفتور أو الفتور مع الدفق.. حُكم بالطهارة، وإن كان الأحوط استحباباً مع الشك ووجود هذه العلامات هو الغُسل مع ضمّ الوضوء إليه إذا كان قبل ذلك محدثاً بالحدث الأصغر، وعليه فالعلامات الثلاث أو الأربع أو الخمس، كلّها أو بعضها، ليست معياراً تعبّديّاً في إثبات الجنابة، بل هي قرائن خارجيّة مساعدة على معرفة المنيّ واقعاً في كثير من الأحيان على الأقل. هذا والأقوى أنّ هذه العلامات ـ لو قلنا بها تعبّداً ـ خاصّة بالرجل دون المرأة، بصرف النظر عن إطلاق تعبير المنيّ على مائها أو لا.

والتأمّل في الأدلّة التي ذكروها يفضي لتنويعها إلى نوعين:

النوع الأوّل: محاولات خارجيّة لتأكيد واقعيّة التلازم بين هذه الصفات وخروج المنيّ. وهذا ليس من شأن الفقهاء ولا اختصاصهم، بل لا حجيّة لتقويمهم الموقف هنا بما هم فقهاء، بل يرجع في ذلك للدراسات العلمية المؤكّدة دون الظنيّة، فإن ثبت علميّاً أنّ وجود علامة أو اثنتين من هذه أو غيرها يوجب اليقين بأنّ البلل منيٌّ، عُمل به؛ لمكان العلم واليقين، وإلا فلا حجيّة للظنّ هنا، بل التلازم المزعوم لا يعطي ـ لو تمّ ـ تعبديّةَ هذه العلامات عند الشكّ، وإنّما يُعطي اليقين بكون البلل منيّاً وزوال الشك واقعاً. ونحن أيضاً نقول بأنّ الإنسان العادي إذا اجتمعت عنده هذه العلامات الثلاث حصل لديه يقين عادة بأنّ السائل منيّ، سواء وردت روايات بذلك أم لم ترد، فانتبه فكلامنا في المعياريّة التعبديّة حال الشكّ هنا.

النوع الثاني: الروايات، وبمراجعتها ـ على قلّتها ـ يظهر أنّ:

أ ـ بعضها بصدد اشتراط وجوب الغُسل بالعلامات، وذلك مثل معتبرة عليّ بن جعفر، قال: سألته عن الرجل يلعب مع المرأة ويقبّلها، فيخرج منه المنيّ (الشيء)، فما عليه؟ قال: «إذا جاءت الشهوة ودفع وفتر بخروجه فعليه الغسل، وإن كان إنّما هو شيء لم يجد له فترة ولا شهوة فلا بأس».

لكنّ هذا النوع من النصوص يفيد في الحقيقة اشتراط الشهوة في ثبوت الغسل بخروج المني، لا كون الشهوة والفتور من علامات المنيّ التعبديّة عند الشك في كونه منيّاً، ويشهد لذلك أنّ السائل افترض في السؤال أنّ الخارجَ منيٌّ، ويسأل عن الموقف لا أنّه يسأل عن كون الخارج منه منيّاً أو لا؟ ومع ذلك اشترط الإمام هذه الشروط، مع أنّ هذه العلامات إنّما يؤخذ بها ـ باتفاق الفقهاء ـ في حال الشكّ في كون البلل منيّاً أو لا، لا في حال العلم بكونه منيّاً أو بعدم كونه كذلك. فمن الغريب ما قاله العاملي صاحب المنتقى تبعاً للطوسي، من أنّ التصريح بكون الخارج منيّاً، بناه السائل على الظنّ، فجاء الجواب مفصّلاً للحكم، دافعاً للوهم! إلا إذا أخذنا اختلاف نقل الرواية، حيث وردت الرواية في مسائل عليّ بن جعفر وفي قرب الإسناد للحميري، بتعبير "الشيء"، لكن بسندٍ ضعيف على التحقيق، فينسجم الجواب مع دعوى المشهور، لكن يبقى أنّ جواب الإمام هل هو بصدد إعطاء معيار تعبّدي أو هو بصدد بيان علامات خارجيّة غالبية تفيد الوثوق بكون السائل منيّاً؟ هذا ما يحتاج لتبيين. ودعوى التعبديّة تحتاج لدليل؛ ولهذا عندما علّق الفقهاء والمحدّثون هنا ـ منذ الطوسي ومن بعده ـ قالوا بأنّ هذه العلامات من البعيد وجودها مع عدم كون السائل منيّاً. ولو غضضنا الطرف عن ذلك كلّه، فالرواية حيث إنّها مختلفة الصيغة بين المصادر، لا يمكن البناء عليها لإثبات حكمٍ إضافي هنا.

ب ـ وبعضها الآخر ـ مثل خبر ابن أبي يعفور ـ بصدد إثبات أنّ البلل الخارج منيٌّ ولو مع فقدانه هذه العلامات (عدا أصل الشهوة)، انطلاقاً من أنّ المكلّف مريض، فقد تخلو هذه العلامات منه.

وهذا لا يفيد مرجعيّة هذه العلامات في حال الشكّ تعبّداً، بل يفيد الحكم بالجنابة للمريض ولو من دون بعض هذه العلامات، وفرقٌ كبيرٌ بينهما، فعدم بعض هذه العلامات لا يوجب رفع احتمال كون البلل منيّاً؛ إذ خصوصيّة المرض تبرّر ذلك، أمّا أنّ الإمام جعل الدفق تعبّداً علامة للصحيح حتى عند الشكّ، فهذا غير واضح، فهو في مقام تبرير غُسل المريض رغم تأخّر نزول المني منه بعد الاستيقاظ وفقدان الدفق.

ج ـ وبعضها الثالث ـ مثل مرسل ابن رباط ـ يبيّن أنّ المنيَّ هو الذي يكون معه شهوة ودفق وفتور.

وهذا لا يدلّ على شيء هنا؛ لأنّ كون المنيّ معه هذه الصفات لا يعني أنّ هذه الصفات كافية في إثبات كون البلل منيّاً تعبّداً، فالرواية ليست ناظرة لحال الشكّ في البلل، وتحديد موقف تعبّدي حاله، بل ناظرة لتوصيف المنيّ أنّه الذي يخرج بهذه الكيفيّة، وهذا يكفي فيه أن يكون غالبيّاً، بدليل أنّ روايات المريض لم تكن فيها بعض هذه الصفات، ومع ذلك حكمت بأنّه منيّ، فالغالب في المني أن يكون خروجه مع هذه الصفات، فإن تحقّقت وحصل اليقين فبها، أمّا لو كان هناك مانع عن حصول اليقين معها، كما لو كان الشخص قد تناول مادّةً معيّنة قد توجب خروج المذي (وليس المني) منه بنفس هذه الطريقة مثلاً، فلا دلالة فيها على التعبّد باعتباره منيّاً، فانتبه. علماً أنّ عمدة روايات المجموعة الثالثة قليل العدد ضعيف الإسناد.

وعليه، فليس بأيدينا خبر موثوق الصدور تامّ الدلالة يمكن أن ينفع في إثبات العلامات بوصفها تعبديّة، بل هذه العلامات علامات واقعيّة غالباً، فتنفع في تحصيل الوثوق العقلائي بكون السائل منيّاً، لكن لو طرأ ما يوجب الريب ـ كما رأينا في أنموذج المريض ـ أشكل الرجوع إلى وجودها لإثبات كون السائل منيّاً اعتباراً، كما يشكل الرجوع لانتفاء واحدةٍ منها لنفي كونه منيّاً تعبّداً. ولعلّ بعض الفقهاء، وبخاصّة من القدماء، كانوا ينظرون لهذه العلامات بهذا المعيار لا بمعيار التعبديّة.

([6]) قد سبق في مباحث التخلّي وملحقاته ما يرتبط بموضوع البلل المشتبه، وأنّ كلام الماتن ليس على إطلاقه، فراجع، فإنّه إذا كان عدم التبوّل موجباً لقوة الوثوق بأنّ ما نزل ليس إلا المنيّ ثبت الغسل، وإلا لم يجب عليه الغسل، وليس البول هنا معياراً حصرياً، بل طول المدة بما يوجب تضاؤل احتمال أنّ ما نزل لاحقاً هو منيّ كاف أيضاً، وكذلك الاستبراء بالخرطات التسع وغير ذلك قد يحلّ محل البول وهكذا، فالتبوّل طريق لحصول الوثوق ـ نوعاً ـ بنقاء المجرى، ولهذا ورد في خبر محمّد بن مسلم، تعبيرٌ تعليلي حيث قال: «لأنّ البولَ لم يدع شيئاً»، فيؤخذ بعموم العلّة.

([7]) الأقرب أنّ الموجب للجنابة هو الدخول، بحيث يقال: دخل بها عرفاً، ولا يكفي مماسّة الختانين ـ خلافاً لما توحيه بعض النصوص ـ بل يلزم الدخول، من هنا فالحشفة ليست معياراً شرعيّاً تعبّديّاً، بل كناية عن تحقّق الدخول عرفاً، فلو صدق الدخول بإدخال بعض الحشفة، كما لو كانت حشفته طويلة مثلاً ـ وهذا مجرّد فرض ـ تحقّق موجب الجنابة.

([8]) هنا حالات: 1 ـ الدخول في دبر امرأةٍ أو ذكر. 2 ـ الدخول في بهيمة. 3 ـ الدخول في الميّت. وهنا يجب الغسل في الأولى في خصوص دبر المرأة، وأمّا الأولى في خصوص دبر غير المرأة وكذا الثالثة فالغسل واجبٌ على الأحوط وجوباً، دون أن يكتفي به إذا كان قد حدث منه ما يوجب الوضوء قبل ذلك أو بعده، بل يضمّه إليه على الأحوط وجوباً. وحكم الإنسان المفعول به في هذه الحالات حكم المباشر الفاعل على التفصيل المتقدّم. وأمّا الحالة الثانية، فيجب فيها الغسل على الأحوط استحباباً.

([9]) الظاهر أنّ مقصود الماتن من مقطوع الحشفة من ليس له حشفة، لا من قطع بعضُ حشفته، بحيث ظلّ يصدق عليه لو أدخل أنّه أدخل الحشفة.

([10]) مما أسلفناه آنفاً يتضح الموقف هنا، وهو أنّ مقطوع الحشفة محكومٌ بصدق عنوان الدخول في حقّه، وليست الحشفة معياراً شرعيّاً تامّ الموضوعيّة، حتى يحتمل بعضُ الفقهاء عدم تحقّق الجنابة بالإدخال في حقّ مقطوع الحشفة؛ لعدم تحقّق دخول الحشفة في حقّه! وعليه فإذا صدق عليه أنّه دخل بها، تحقّقَ موجبُ الجنابة، ومن ثمّ فلا موجب للحديث عن دخول مقدار الحشفة ونحو ذلك مما أفاده في المتن.

([11]) على الأحوط وجوباً كما ذكرناه آنفاً.

([12]) أو غيره مثل مقاربة أمته، أو الاستمناء بيد زوجته أو جسدها بغير مقاربة، أو النوم مع علمه بأنّه سوف يحتلم، أو التبوّل مع العلم بأنّه سوف يُنزل المنيّ المتبقي في المجرى وكان اغتسل قبل ذلك ثم فقد الماء قبل التبوّل، وغير ذلك من الأمثلة.

([13]) هذا من الماتن؛ لاعتماده على خصوص خبر إسحاق بن عمار والاقتصار على مفاده، ولكنّ الصحيح عدم الفرق بين إجناب نفسه بجماع زوجته أو بغير ذلك من أسباب الجنابة.

([14]) بل يجوز ما دام يمكنه التيمّم.

([15]) المراد الخنثى التي لم يحدَّد وضعُها الشرعي والقانوني بعد. والظنّ غير المعتبر كالشكّ.

([16]) وجوباً؛ لما قلناه آنفاً من أنّ الدخول في دبر غير المرأة موجب للجنابة على الأحوط وجوباً.

([17]) وهذا واضح؛ لعدم العلم بكون العضو الذكري في الخنثى عضواً ذكريّاً أو شيئاً زائداً.

([18]) مع كون الإدخالين قد وقعا في القُبل، وإلا فالحكم بوجوب الغسل على الخنثى مبنيّ على الاحتياط الوجوبي كما صار واضحاً.

([19]) بما فيها صلاة الاحتياط.

([20]) وكذا لا يلزم الطهارة في مثل سجدة الشكر والتلاوة.

([21]) سبق في الوضوء بيان تعليقنا على هذه الموارد.

([22]) سوف يأتي منّا التعليق على ذلك في كتاب الصوم بإذن الله.

([23]) ذهب العديد من الفقهاء إلى حرمة مسّ المحدِث بالحدث الأكبر، كالجنب والحائض والنفساء وأمثالهم، كتابة القرآن الكريم، وكذلك اسم الجلالة وأسماء الله تعالى وصفاته، وأسماء الأنبياء والأئمّة والسيّدة الزهراء وغيرهم، عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. وقد تنوّعت كلمات الفقهاء هنا بين الفتوى والاحتياط الوجوبي. ووقعت بعض الخلافات بينهم في الرأي هنا سواء بين المتقدّمين أم المتأخّرين، مما لا نطيل فيه، ويمكن فهم بعض جوانبه مما أسلفناه عند الحديث عن مسّ المحدِث بالحدَث الأصغر لهذه الأمور.

والأقرب عدم حرمة مسّ المحدِث بالحدَث الأكبر مطلقاً، لكتابة القرآن الكريم، سواء في المصحف أم خارجه، وكذلك عدم حرمة مسّه لاسم الجلالة وأسماء الله سبحانه وصفاته، وكذا أسماء الأنبياء والأوصياء والأولياء وأمثالهم، ما لم يلزم من ذلك ـ بحسب النظر العرفي ـ الهتك أو الإهانة، فيحرم للإهانة والهتك لا بعنوانه. وإن كان الاحتياط حسناً وراجحاً في تجنّب مسّ كتابة المصحف بالخصوص.

وقد استدلّوا على الحرمة تارةً بعين الأدلّة التي سبق أن أشرنا لبعضها في موضوع مسّ المحدِث بالحدث الأصغر للقرآن وأسماء الله والأنبياء والأوصياء وأمثالهم، تارةً بشمولها بالإطلاق لما نحن فيه وأخرى بالأولويّة، ولكنّنا لم نوافق هناك على وجود دليلٍ مقنع على التحريم أصلاً حتّى يُؤخذ به هنا بالإطلاق، فضلاً عن الأولويّة، وأخرى استدلّوا ببعض الروايات القليلة جداً الضعيفة إسناداً أو دلالةً باعتراف الكثير منهم، وثالثة بما ورد في النهي عن أن يمسّ الجنب والحائض الدراهم المكتوب عليها أسماء الله وأمثال ذلك، وهو غير تامّ؛ وبخاصّة مع معارضته بجملة من الأحاديث، ومنها الصحيح سنداً والدالّة على الجواز، بل بعضها دالٌّ على مسّ الإمام نفسه، وهو جنب، لهذه الدراهم والدنانير بتصريحه هو. وجمعُ بعض الفقهاء هنا، وبخاصّة جمع مثل الحرّ العاملي والسيد الخوئي، غير مقنع، فراجع، فالمجال لا يسع للتفصيل.

إلى غير ذلك من الوجوه التي قالوها، مما هو خاضع كذلك للمناقشة، وبخاصّة على مسلكنا في حجيّة الخبر الاطمئناني وتطبيق قواعد الفهم الانضمامي للنصوص، فلا نطيل، فراجع ما أسلفناه في مسّ المحدِث بالحدث الأصغر.

([24]) القدر المتيقّن من التحريم هنا هو اللبث في المساجد مطلقاً، وكذا المرور في المسجدين: الحرام والنبويّ، أمّا المرور في سائر المساجد، أو أخذ شيء منها فهو جائز. وأمّا وضع شيء فيها، مع عدم استلزام ذلك المكث في المسجد، فهو غير جائزٍ على الأحوط وجوباً.

ولا بأس ببعض التفصيل هنا وذلك أنّ المعتمد في تحريم مكث المجنب في المسجد دليلان ـ معتضدان عندهم بالإجماع أو على الأقلّ بالشهرة العظيمة ـ وهما:

1 ـ قوله تعالى: (وَلَا جُنُبَاً إِلَّا عَاْبِرِيْ سَبِيْلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء: 43)، حيث فسّر عدم الاقتراب من الصلاة حال الجنابة بمعنى عدم الاقتراب من مواضع الصلاة، وقد شرحت صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المراد بهذه الآية، فعنهما، عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قالا: قلنا له: الحائض والجنب يدخلان المسجد أم لا؟ قال: «الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا» (تفصيل وسائل الشيعة 2: 207، 209 ـ 210).

لكنّ هذا التأوّل مخالف لظاهر الآية الكريمة، فإنّ ظاهرها ـ ولو لم يعمل به أحدٌ من الفقهاء ـ هو أنّه لا تجوز الصلاة حال الجنابة إلا لعابر السبيل أي للمسافر، فإنّه يسقط عنه وجوب الغسل تخفيفاً، كما سقط عنه التمام وثبت القصر. وقد بحثنا حول هذه الآية بالتفصيل في محلّه فراجع: (فقه الأطعمة والأشربة 1: 38 ـ 43).

2 ـ النصوص والروايات الحديثية الدالّة على عدم جواز المكث في المساجد ووضع شيء فيها، مع استثناء المرور بها عدا المسجدين: الحرام والنبوي فإنّ المرور أيضاً فيهما غير جائز. وهذه الروايات لا تقتصر على المصادر الشيعيّة، بل ورد بعضها بطرق سنيّة وفي المصادر الحديثية السنيّة كذلك.

ومن أبرز هذه الروايات ـ عدا صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدّمة ـ:

أ ـ صحيحة جميل، قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: «لا، ولكن يمرّ فيها كلّها إلا المسجد الحرام ومسجد الرسول صلّى الله عليه وآله» (تفصيل وسائل الشيعة 2: 205). ومثله بعض الأخبار الأخرى كخبر محمّد بن حمران.

ب ـ خبر أبي حمزة، قال: قال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ: «إذا كان الرجل نائماً في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله، فاحتلم فأصابته جنابة فليتيمّم، ولا يمرّ في المسجد إلا متيمّماً، ولا بأس أن يمرّ في سائر المساجد، ولا يجلس في شيءٍ من المساجد» (تفصيل وسائل الشيعة 2: 206).

ج ـ خبر أمّ سلمة، الذي رواه البيهقي وابن ماجة، قالت: دخل رسول الله صرحة المسجد، فنادى بأعلى صوته: «إنّ المسجد لا يحلّ لحائض ولا لجنب».

والخبر قريب منه جاء بطريق مطابق فيه جسرة بنت دجاجة التي هي مدار الحديثين معاً، عن عائشة، قالت: جاء رسول الله ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبيّ، ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإنّي لا أحلّ المسجدَ لحائض ولا لجنب». لكنّ هذا الحديث ضعّفه غير واحد بجهالة بعض رواته منهم جسرة بن دجاجة. ومعنى أنّ وجوه البيوت شارعة في المسجد أنّهم كانوا يجعلون أبواب بيوتهم بحيث لما يخرجون فهم يخرجون فوراً من البيت للمسجد، ومنه إلى الخارج، فالحديث كأنّه يشمل تحريم المرور، وليس فقط تحريم المكوث، لكنّه خاصّ بالمسجد النبوي؛ خاصّة مع احتمالية أنّ الألف واللام في كلمة "المسجد" في كلام النبيّ، للإشارة إلى المسجد النبويّ خاصّة، وما يعزّز ذلك هو الروايات التي تميّز بين المسجدين وسائر المساجد في قضية المرور.

فهذه النصوص دالّة بوضوح على النهي عن المكث في المساجد للجنب، ودلالتها واضحة، كما أنّ بعضها تام السند بلا نقاش.

غير أنّه يلاحظ هنا عدّة أمور:

الأمر الأوّل: إنّه قد جاءت في جملة من هذه النصوص فكرة ذات طابع مذهبي مهمّ، وهي فكرة جواز الجنابة في المسجد بما فيه النبويّ لخصوص النبي وعليّ وآل عليّ عليهم السلام، واعتبار ذلك خاصية لهم ومكانة اختصّوا بها. هذا الأمر يضعنا أمام احتماليّة اختلاق حظر في دخول المساجد بهدف تمييز عليّ وآله عن سائر الناس. ويتعزّز هذا الأمر عندما نلاحظ كيف فهم بعض علماء أهل السنّة مسألة فتح بابٍ صغير على المسجد، فقد قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي في شرحه على سنن أبي داود: « والحديث فيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر أن توجه البيوت الشارعة في المسجد، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفتحون أبواباً صغاراً يسمى الواحد منها الخوخة على المسجد؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في آخر حياته: لا تبقى خوخة إلا سدّت، إلا خوخة أبي بكر رضي الله عنه؛ وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّه هو الخليفة بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد استدلّ به الصحابة على ذلك» (شرح سنن أبي داود 15: 5)، ففتح باب لشخص معين بعد وجود نهي نبوي عام يعطي دلالة ـ بحسب فهمهم ـ على مسألة الخلافة بعد النبيّ.

لكنّ هذا الاحتمال وإن كان موجوداً، غير أنّه غير كافٍ لوحده في طرح هذه الروايات التي تزيد عن العشرين رواية تقريباً على تنوّع مستوياتها الدلاليّة ومصادرها المذهبية. مضافاً إلى أنّ هذه الفكرة ـ حرمة دخول المساجد للجنب ـ شائعة جداً في الوسط السنّي إن في كتب الحديث أو في كتب الفقه، فلم يظهر كونها من مختصّات الفقه الشيعي حتى يقال بأنّ هذه الروايات وُضعت لتبرير أمرٍ مذهبيّ.

بل قد يضاف إليه احتماليّة أنّ بيت عليّ كان بحيث لا يمكن الخروج منه إلا عبر المسجد، وهو ما يفهم من بعض النصوص، فعن ابن عباس قال: أمر رسول الله بأبواب المسجد فسدّت إلا باب علي، وفي رواية: وأمر بسدّ أبواب المسجد غير باب علي؛ فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره. إذا فهمنا من الذيل ذلك.

الأمر الثاني: وجود رواية واحدة عن أهل البيت معارضة لمجمل هذه الروايات، وهو خبر محمد بن القاسم قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السلام ـ عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: «يتوضأ، ولا بأس أن ينام في المسجد ويمرّ فيه» (تفصيل وسائل الشيعة 2: 210). فهذه الرواية يفهم منها الجواز غايته أنّ عليه أن يتوضأ.

وقد وقع نقاش في دلالة هذه الرواية وفي نوع علاقتها بسائر الروايات، حيث أشار الحرّ العاملي بقوله: «هذا إمّا محمول على التقية؛ فإنّ جماعة من العامة يستبيحون استيطان المساجد للجنب بالوضوء، وبعضهم يجوّزه بغير وضوء، أو على الضرورة لما يأتي من قول الصادق ـ عليه السلام ـ: ما حرم الله شيئاً إلا وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه، أو على أنّ المراد من المسجد البيت المعدّ للصلاة في الدار، كما يأتي من استعماله في هذا المعنى. والله أعلم» (المصدر نفسه).

لكن تأويلات الحرّ العاملي وأمثاله كلّها قابلة للنقاش؛ فإنّه وإن صحّ أن بعض فقهاء الحنابلة قالوا بإمكانية التواجد في المسجد على تقدير الوضوء، وبه قال بعض علماء السلفيّة في العصر الراهن أيضاً، معتمدين على بعض الروايات مثل خبر عطاء بن يسار قال: «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضوؤا وضوء الصلاة»، ومن الطبيعي أنّه لا معنى لأن يراهم مجنبين إلا أن يكونوا أخبروه بأنفسهم أو كانت هناك سياقات حافّة توجب الاقتناع بذلك؛ لأنّ طبيعة هذا الأمر مما لا يكون ظاهراً للعيان في العادة.. لكن لم يثبت الترجيح بموافقة أهل السنّة بعيداً عن إثبات وجود ظرف موضوعي للتقية، ولا نجد أنّ قضيةً جزئية من هذا النوع مما يتطلّب التقية في بيانه، فضلاً عن أنّ الذين ذهبوا إلى هذا القول هم من الحنابلة الذين لم يكن لهم حضور في عصر صدور هذه الرواية. واللافت أنّه لو كانت القضية مرتبطة بالتقية لكانت جميع روايات الباب قابلة للحمل على التقية، وذلك أنّها موافقة لأهل السنّة في بعض مذاهبهم، فبمراجعة تاريخ الفقه السنّي يظهر أنّ المالكية والحنفية كانوا يرون حرمة الدخول مطلقاً حتى اجتيازاً، فيما كان يفصّل الشافعيّة والحنابلة بين العبور والاجتياز من جهة والمكث والبقاء من جهة ثانية (انظر ـ على سبيل المثال ـ: الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته 1: 463)، فإذا كان خبر محمد بن القاسم موافقاً لبعض أهل السنّة، فإنّ الكثير من الأخبار المعارضة له فيها نحو موافقةٍ أيضاً لهم من جهة ثانية.

يُضاف إلى ذلك ـ في مناقشة محاولات الحرّ العاملي ـ أنّ الرواية لا إشارة فيها للضرورة، بل هي مطلقة تماماً، وحمل المسجد فيها على غير معناه المنصرف إليه يحتاج لقرينة.

وأمّا ما ذكره بعضٌ من أنّ العلاقة بين هذه الرواية وغيرها هي علاقة التخصيص، فإنّ تلك الروايات مطلقة في المنع، وهذه تخصّص المنع بحال عدم الوضوء، فهو أيضاً غير مفهوم؛ لأنّه من غير المعقول أن تكون لدينا حوالي عشرين رواية تطلق الكلام في دخول المسجد مع وجود سياق موضوعي وحاجة لبيان النبيّ والإمام لقيد الوضوء، مع عموم الابتلاء، ومع ذلك لا يبيّنان قيد الوضوء في جميع تلك الروايات، فعلاقة التخصيص هنا هندسيّة حدّية وليست عرفيّةً، حتى لو فرضنا أنّ المكلّف يمكنه ذلك بالاغتسال، فإنّ بيان خصوصية الوضوء هنا مما هو متعارف ومحلّ حاجة. فضلاً عمّا لو قلنا بأنّه لو ثبت هذا الحكم في المجنب ثبت بطريق أوضح في الحائض، فإنّ الحائض ليس لها سبيل آخر كالمجنب الذي سبيله الاغتسال.

وأمّا القول بكون هذه الرواية مطروحة لمخالفتها للقرآن، فقد تقدّم أنّ القرآن غير دالّ على الموضوع هنا إلا بمعونة الرواية، فالتعارض في الحقيقة بين الروايات نفسها.

وكذلك ما ذكره السيد الخوئي من أنّ هذه الرواية لم يعمل بها أحد من الأصحاب فهي متروكة ولهذا نحملها على التقية (التنقيح 6: 315)، هو الآخر قابل للنقاش؛ وذلك أنّ عدم عملهم بها جاء في مورد التعارض، فلعلّهم رجّحوا تلك الروايات عليها لكثرتها، فلا يكون تركهم لها لوهنها في نفسها أو لكونها وردت مورد التقية، بل لكونها معارَضة، وفي مثل هذه الحال فإنّ تركهم للرواية هو تركٌ اجتهاديّ لا يوهِن السند ولا يُضعف الدلالة، وقد أقرّ العديد من الفقهاء بأنّ قاعدة الوهن لا تجري في مثل هذه الموارد، لو قلنا بجريانها بوصفها قاعدة.

من هنا، فالأقرب بالنظر أنّ هذه الرواية لا يمكنها مواجهة كلّ تلك الروايات بكثرتها الكاثرة فيؤخذ بما اشتهر ويترك الشاذّ النادر ويوكل علمه إلى أهله.

الأمر الثالث: ما ورد من أنّ النبي استقبل غير المسلمين في المسجد مثل نصارى نجران، كما أنّه احتجز ثمامة بن أثال وربطه بأسطوانة المسجد لما تمّ أسره، فإذا كانوا ـ وهم لا يغتسلون من جنابةٍ ـ يدخلون المسجد ويجلسون فيه دون نكيرٍ منه ولا استنكار من أحد من الصحابة، فهذا يدلّ بطريق أوضح على أنّ المسلم الجنب له الدخول في المسجد.

وهذا الكلام صحيح لو ثبتت عدّة أمور: منها: تكليف الكفّار بالفروع. ومنها: عدم كون دخولهم حالة خاصّة لها مصلحة عليا للدعوة الإسلاميّة، فلا يعارض السكوتُ النبويّ في هذه الحال النصوصَ اللفظية الواضحة الصادرة منه ومن أئمّة أهل البيت. ومنها: اعتبار النيّة والعبادية في غسل الجنابة، وإلا فلو قلنا بأنّه لا دليل على عبادية الطهارات الثلاث ـ كما هو الأصحّ ـ فإنّه غالباً يكون هؤلاء قد اغتسلوا من الجنابة.

الأمر الرابع: خبر زيد بن أسلم الذين نقله ابن أبي شيبة الكوفي، قال: كان الرجل منهم ـ يقصد الصحابة ـ يجنب ثم يدخل المسجد فيحدّث فيه (ابن أبي شيبة الكوفي، المصنّف ١: ١٧٢).

فهذا خبر واضح في الترخيص بلا إشارة لقضية الوضوء نفسها. كما أنّ الكلام عن أنّه "يحدّث" واضح في أنّه كان يمكث في المسجد، لا أنّه يمرّ به أو يجتازه فقط، غير أنّ زيد بن أسلم توفي عام 136هـ، وقيل: 143هـ. وهذا يعني أو يرجّح ـ حيث لم يُذكر في المعمّرين ـ أنّه التقى بعدد محدود من الصحابة عند بلوغه سنّ الشباب، حيث كان أكثرهم قد توفي أو استشهد، ومن ثمّ يقع تساؤل في حجم دقّة المعلومة التي ينقلها لنا ومساحتها من حيث عدد الصحابة، وبخاصّة أنّه استقرّ في المدينة المنوّرة وكان من فقهائها الذين أخذ عنهم مالك بن أنس، وربما كان أوّل عمره في وقعة الحرّة التي قضت على عشرات الصحابة المتبقّين في المدينة، وعليه فربما يكون هؤلاء الصحابة الذين التقاهم قليلين جدّاً من حيث العدد، وغير مطّلعين بما فيه الكفاية على تفاصيل الأحكام الشرعيّة، فإنّ الصحابة لم يكونوا كلّهم على مستوى واحد في المعرفة، كما هو واضح.

والنتيجة ترجيح حرمة دخول الجنب إلى المساجد إلا للمرور، عدا المسجدين: الحرام والنبويّ، فيحرم مطلقاً.

([25]) بل هو الأحوط استحباباً؛ فإنّ عمدة الدليل هنا هو:

أ ـ إنّ المشاهد مساجد وزيادة، فيشملها حكمها؛ انطلاقاً من أنّ خصوصية المسجد منطلقة من شرافته وقدسيّته، الأمر المتحقّق في المشاهد أيضاً.

والجواب: إنّ اثبات عنوان المسجديّة فيها يحتاج لدليل، واحتمال أنّ للمساجد خصوصيتها وأحكامها لا من باب مطلق شرافة المكان هو احتمال وارد ووجيه، لأنها مكان الصلاة دون المشاهد. نعم لو لزم من دخول الجنب أو الحائض لها الهتك لحرمتها، فهذا يحرم بالعنوان الثانوي في هذه الحال.

ب ـ ما ورد في بعض الروايات التي جمعها الحرّ العاملي في الباب السادس عشر من وسائله في أبواب الجنابة من النهي عن دخول بيوت الأنبياء على جنابة.

والجواب: إنّه لو راجعنا هذه الروايات فكلّها ضعيفة الإسناد، عدا رواية واحدة على التحقيق، وهو خبر بكر بن محمّد الوارد في مصدرين، بما يكشف عن كونه رواية واحدة وليسا روايتين، خلافاً لما عبر به بعض الفقهاء، بل كثير منها غير دالّ؛ فإن المفهوم من غير واحد منها أنّ المنهيّ عنه ـ لو استُفيد النهي ـ هو الدخول في بيوت الأنبياء وأولاد الأنبياء جنباً، وعنوان البيت لم يعد صادقاً على مراقد الأنبياء والأئمّة، بل كثير من هذه المراقد لم تكن من الأصل بيوتاً لهم، فضلاً عمّا لو قلنا بأنّ المراد من بيوتهم هو النسبة الظرفية كما ذهب إليه الخوئي (التنقيح 6: 323)، كما أنّ بعض الروايات هناك تفيد النهي عن الدخول على الإمام نفسه حال الجنابة، مما هو ظاهر في الدخول عليه حيّاً. واستفادة التعميم لحال الوفاة يحتاج لدليل، وكليّة دعوى عدم الفرق بين أحيائهم وأمواتهم غير ثابتة في التأثيرات القانونية لها، فلاحظ خبر أبي بصير.

وخلاصة القول: إنّه لم يثبت تعميم الحكم لغير المساجد، ولو ثبت فهو مختصّ بالمجنب، ولا دليل على تعميمه للحائض أو النفساء أو غيرهما. والقدر المتيقّن أنّه مقصود بالمشاهد قد يختلف بحسب اختلاف الأدلّة، فلو قلنا بدليل اشتراك المسجد والمشهد بالقدسيّة فقد يعمّ الحكم التوسعات اللاحقة على المراقد بحيث يشمل الباحات والصحون وغيرها، وأمّا لو قلنا بأنّ الدليل هو روايات النهي عن دخول بيوت الأنبياء وأولادهم فقد يقال بأنّ القدر المتيقّن هنا هو المكان المحيط بالقبر، دون مطلق الصحون والباحات والساحات الواسعة البعيدة التي بنيت لاحقاً؛ للشكّ في صدق عنوان البيت عليها.

([26]) الحكم بالحرمة هنا مبنيّ على الاحتياط الوجوبي.

([27]) الأحوط استحباباً عدم قراءة أيّ آية من آيات السجدة في القرآن وليس فقط هذه الأربعة. والمراد بآية السجدة كلّ آية تضمّنت أمراً بالسجود.

([28]) المراد من الشكّ هنا هو الشك الذي لم يرتفع واقعاً ولا حكماً، وإلا فالارتفاع الحكمي يجامع بقاء الشك واقعاً، كما هو واضح.

([29]) ما دام عقد الإجارة بنفسه يتضمّن إلزاماً للأجير بالمكث في المسجد، أمّا الإجارة التي لا تتضمّن بنفسها إلزاماً بالحرام، بل يتخلّلها إرادة المستأجر بعد العقد بحيث يكون الأجير ملزماً بالعمل بمقتضى إرادة المستأجر اللاحقة، فلا وجه للتحريم فضلاً عن البطلان، كما لو اتفقا على الإجارة بحيث اذا طلب منه كنس المسجد حال الجنابة يلزمه ذلك. فهناك فرق بين صورتين: أولاهما أنّ زيداً استأجر بكراً لمدّة يومين بحيث إذا أمره بشيء فعله، فهنا تصحّ هذه الإجارة؛ لأنّ متعلّقها صحيح وشرعي، لكن إذا قام زيد بالطلب من بكر أن يكنس المسجد حال الجنابة، فهنا لا نقول ببطلان الإجارة، بل نقول بأنّه لا يجوز لبكر الوفاء بالإجارة؛ لوجود المانع الشرعي، أمّا الصورة الثانية فهي كما لو استأجره على المكوث في المسجد، فإنّ متعلّق الإجارة بنفسه غير شرعي، فتقع الإجارة باطلةً من الأوّل.

([30]) قد يقال بأنّ ظاهر ـ بل ومناط ـ جملة من نصوص تحريم دخول الجنب للمسجد هو النهي عن كونه في المسجد، لا النهي عن دخوله قاصداً عامداً، فجملة: لا يدخل مسجدنا جنبٌ ولا حائض، قد يفهم منها مبغوضيّة كون الجنب في المسجد، فعقد الإجارة يتضمّن الإلزام بما هو في ذاته مبغوض ولو من غير قصد الفاعل، تماماً كما لو تنجّس المسجد بغير قصد الفاعل، فإنّ أمر زيد أن ينجّس المسجدَ من حيث لا يعلم زيد أنّه يلقي النجاسة في المسجد، غيرُ مشروع، فمقتضى الاحتياط اللازم تجنّب استئجاره ولو كان جاهلاً.

([31]) وكان المجنب منهما عالماً بجنابته، بل ولو لم يكن كذلك على الأحوط وجوباً كما مرّ آنفاً.

([32]) هذا مبنيٌّ على الاحتياط الوجوبي.

([33]) لم تثبت الكراهة، وعلى تقديرها فإنّها لا ترتفع ـ لو ارتفعت ـ بمجرّد المضمضة والاستنشاق، بل يلزم معهما غسل اليدين. وأمّا الوضوء فلا يبعد أن يراد منه معناه اللغوي مثل الغسل للوجه واليدين، فتكون الروايات كلّها ـ على تعارضها الطفيف فيما بينها ـ دالّة على فكرة واحدة، وهو أن يقوم بغسل اليدين والوجه وما شابه ذلك.

([34]) دليله خبر آحادي ولم يثبت.

([35]) لا وجه لهذا الاحتياط ولو كان استحبابيّاً؛ لأنّه إذا لم تثبت الكراهة، فإنّ عمومات استحباب قراءة القرآن محكّمةٌ، فكيف يتحقّق الاحتياط هنا بالترك؟! إلا إذا قيل بأنّ معنى الاحتياط هنا هو المباشرة الفوريّة للغسل كي يقرأ على طهارة، فيكون المعنى: الاحوط استحباباً المباشرة للغسل فوراً عندما يريد قراءة القرآن. وبهذا يظهر أيضاً أنّه لا دليل معتبراً لما ذهب إليه جماعة من فقهاء الشافعيّة والأحناف، من تحريم قراءة القرآن مطلقاً على المجنب ولو آية واحدة.

([36]) لم تثبت هذه الكراهة؛ فإنّ دليلها خبر آحادي. وكذا لم يثبت كراهة حمل المصحف وتعليقه على الجسد للمجنب.

([37]) لم تثبت كراهة شرعيّة هنا. والأقرب أنّه لو ثبت شيءٌ فهو كراهة النوم مجنباً بلا وضوء، لا استحباب الوضوء قبل النوم؛ إذ الظاهر من مثل خبر الحلبي وغيره التركيز على النوم حال الجنابة، لا على الوضوء قبل النوم مجنباً.