hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الوضوء ـ القسم الثالث/شروط الوضوء)

تاريخ الاعداد: 2/3/2024 تاريخ النشر: 2/3/2024
1440
التحميل

حيدر حبّ الله

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(2 ـ 2 ـ 2024م)

 

 

الفصل الثالث

في شرائط الوضوء

منها: طهارة الماء([1])، وإطلاقه([2])، وإباحته([3])، وكذا عدم استعماله في التطهير من الخبث على الأحوط([4])، بل ولا في رفع الحدث الأكبر على الأحوط استحباباً، على ما تقدّم.

ومنها: طهارة أعضاء الوضوء([5]).

ومنها: إباحة الفضاء الذي يقع فيه الوضوء على الأحوط وجوباً([6]). والأظهر عدم اعتبار إباحة الإناء الذي يتوضأ منه مع عدم الانحصار به، بل مع الانحصار ـ أيضاً ـ وإن كانت الوظيفة مع الانحصار التيمّم، لكنّه لو خالف وتوضأ بماء مباح من إناء مغصوب أثم، وصحّ وضوؤه، من دون فرق بين الاغتراف منه دفعة أو تدريجاً، والصبّ منه. نعم لا يصحّ الوضوء في الإناء المغصوب إذا كان بنحو الارتماس فيه([7])، كما أنّ الأظهر أنّ حكم المصبّ إذا كان وضع الماء على العضو مقدّمة للوصول إليه، حكم الإناء مع الانحصار وعدمه.

مسألة 129: يكفي طهارة كلّ عضو حين غسله، ولا يلزم أن تكون جميع الأعضاء ـ قبل الشروع ـ طاهرة، فلو كانت نجسة وغسل كلّ عضو بعد تطهيره، أو طهّره بغسل الوضوء كفى، ولا يضرّ تنجّس عضو بعد غسله، وإن لم يتمّ الوضوء.

مسألة 130: إذا توضأ من إناء الذهب، أو الفضة، بالاغتراف منه دفعة، أو تدريجاً، أو بالصبّ منه، فصحّة الوضوء لا تخلو من وجه، من دون فرق بين صورة الانحصار وعدمه. ولو توضأ بالارتماس فيه فالصحّة مشكلة([8]).

ومنها: عدم المانع من استعمال الماء لمرض، أو عطش يخاف منه على نفسه، أو على نفس محترمة. نعم الظاهر صحّة الوضوء مع المخالفة في فرض العطش([9])، ولا سيما إذا أراق الماء على أعلى جبهته، ونوى الوضوء ـ بعد ذلك ـ بتحريك الماء من أعلى الوجه إلى أسفله([10]).

مسألة 131: إذا توضأ في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فإن قصد أمر الصلاة الأدائي، وكان عالماً بالضيق بطل، وإن كان جاهلاً به صح، وإن قصد أمر غايةٍ أخرى، ولو كانت هي الكون على الطهارة صحّ حتى مع العلم بالضيق([11]).

مسألة 132: لا فرق في عدم صحّة الوضوء بالماء المضاف، أو النجس، أو مع الحائل، بين صورة العلم، والعمد، والجهل، والنسيان، وكذلك الحال إذا كان الماء مغصوباً، فإنّه يُحكم ببطلان الوضوء به حتى مع الجهل، نعم يصحّ الوضوء به مع النسيان، إذا لم يكن الناسي هو الغاصب([12]).

مسألة 133: إذا نسي غير الغاصب وتوضأ بالماء المغصوب والتفت إلى الغصبيّة في أثناء الوضوء، صحّ ما مضى من أجزائه، ويجب تحصيل الماء المباح للباقي([13])، ولكن إذا التفت إلى الغصبيّة بعد الغسلات، وقبل المسح، فجواز المسح بما بقي من الرطوبة لا يخلو من قوّة([14])، وإن كان الأحوط ـ استحباباً ـ إعادة الوضوء.

مسألة 134: مع الشكّ في رضا المالك لا يجوز التصرف ويجري عليه حكم الغصب([15])، فلا بدّ من العلم بإذن المالك، ولو بالفحوى أو شاهد الحال([16]).

مسألة 135: يجوز الوضوء والشرب من الأنهار الكبار المملوكة لأشخاص خاصّة، سواء أكانت قنوات، أو منشقّة من شط، وإن لم يعلم رضا المالكين، وكذلك الأراضي الوسيعة جداً، أو غير المحجّبة، فيجوز الوضوء والجلوس، والنوم، ونحوها فيها، ما لم ينه المالك، أو علم بأن المالك صغير، أو مجنون([17]).

مسألة 136: الحياض الواقعة في المساجد والمدارس ـ إذا لم يعلم كيفيّة وقفها من اختصاصها بمن يصلّي فيها، أو الطلاب الساكنين فيها أو عدم اختصاصها ـ لا يجوز لغيرهم الوضوء منها، إلا مع جريان العادة بوضوء كلّ من يريد، مع عدم منع أحد، فإنه يجوز الوضوء لغيرهم منها إذا كشفت العادة عن عموم الإذن([18]).

مسألة 137: إذا علم أو احتمل أن حوض المسجد وقف على المصلّين فيه لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر، ولو توضّأ بقصد الصلاة فيه، ثم بدا له أن يصلّي في مكان آخر، فالظاهر بطلان وضوئه، وكذلك إذا توضأ بقصد الصلاة في ذلك المسجد، ولكنه لم يتمكن وكان يحتمل أنه لا يتمكن، وأما إذا كان قاطعا بالتمكن، ثم انكشف عدمه، فالظاهر صحّة وضوئه، وكذلك يصحّ لو توضأ غفلة، أو باعتقاد عدم الاشتراط، ولا يجب عليه أن يصلي فيه، وإن كان أحوط([19]).

مسألة 138: إذا دخل المكان الغصبيّ ـ غفلةً ـ وفي حال الخروج توضأ بحيث لا ينافي فوريّته، فالظاهر صحة وضوئه، وأما إذا دخل عصياناً وخرج، وتوضأ في حال الخروج، فالحكم فيه هو الحكم فيما إذا توضأ حال الدخول.

ومنها: النية، وهي أن يقصد الفعل، ويكون الباعث إلى القصد المذكور، أمر الله تعالى([20])، من دون فرق بين أن يكون ذلك بداعي الحبّ له سبحانه، أو رجاء الثواب، أو الخوف من العقاب. ويعتبر فيها الإخلاص فلو ضمّ إليها الرياء بطل، ولو ضمّ إليها غيره من الضمائم الراجحة، كالتنظيف من الوسخ، أو المباحة كالتبريد، فإن كانت الضميمة تابعة، أو كان كلّ من الأمر والضميمة صالحاً للاستقلال في البعث إلى الفعل، لم تقدح، وفي غير ذلك تقدح([21]). والأظهر عدم قدح العجب حتى المقارن([22])، وإن كان موجباً لحبط الثواب([23]).

مسألة 139: لا تعتبر نية الوجوب، ولا الندب، ولا غيرهما من الصفات والغايات، ولو نوى الوجوب في موضع الندب، أو العكس ـ جهلاً أو نسياناً ـ صحّ، وكذا الحال إذا نوى التجديد وهو محدث أو نوى الرفع وهو متطهّر.

مسألة 140: لا بدّ من استمرار النية، بمعنى صدور تمام الأجزاء عن النية المذكورة.

مسألة 141: لو اجتمعت أسباب متعدّدة للوضوء كفى وضوء واحد، ولو اجتمعت أسباب للغسل، أجزأ غسل واحد بقصد الجميع، وكذا لو قصد الجنابة فقط، بل الأقوى ذلك أيضاً إذا قصد منها واحداً غير الجنابة([24])، ولو قصد الغسل قربة من دون نية الجميع ولا واحد بعينه فالظاهر البطلان، إلا أن يرجع ذلك إلى نية الجميع إجمالاً([25]).

ومنها: مباشرة المتوضي للغسل والمسح، فلو توضأ غيره ـ على نحو لا يسند إليه الفعل ـ بطل([26])، إلا مع الاضطرار، فيوضؤه غيره، ولكن هو الذي يتولّى النية، والأحوط([27]) أن ينوي الموضئ أيضاً.

ومنها: الموالاة([28])، وهي التتابع في الغسل والمسح بنحو لا يلزم جفاف تمام السابق في الحال المتعارفة، فلا يقدح الجفاف لأجل حرارة الهواء أو البدن الخارجة عن المتعارف([29]).

مسألة 142: الأحوط ـ وجوباً ـ عدم الاعتداد ببقاء الرطوبة في مسترسل اللحية الخارج عن حدّ الوجه([30]).

ومنها: الترتيب بين الأعضاء بتقديم الوجه، ثم اليد اليمنى، ثم اليسرى، ثمّ مسح الرأس. والأحوط تقديم الرجل اليمنى على اليسرى. وكذا يجب الترتيب في أجزاء كلّ عضو على ما تقدّم([31])، ولو عكس الترتيب ـ سهواً ـ أعاد على ما يحصل به الترتيب مع عدم فوات الموالاة، وإلا استأنف، وكذا لو عكس ـ عمداً ـ إلا أن يكون قد أتى بالجميع عن غير الأمر الشرعي، فيستأنف([32]).

___________________________

([1]) بل الأحوط وجوباً نظافة ماء الوضوء ولو كان طاهراً بالمفهوم الشرعي للكلمة. وأمّا رواية ابن مسكان الواردة في جواز التوضوء من الماء الذي ولغ فيه الكلب والسنّور أو شرب منه الجمل أو الدابة فهي ـ بعد الفراغ عن القول بنجاسة الكلب ـ ضعيفة السند، وذلك من جهة ورود محمد بن سنان قطعاً أو احتمالاً فيه، وضعيفة الدلالة النهائيّة ـ بعد ضمّ النصوص إلى بعضها ـ لاحتمال إرادة الماء الكثير، وبخاصّة بعد ضمّها إلى الروايات التي أشارت لذلك مثل خبر أبي بصير وغيره، بل قد احتمل غيرُ واحدٍ من الفقهاء أن تكون واردةً في المياه التي تردها الدواب والتي تكون بطبعها كثيرة كمياه الغدران.

([2]) على الأحوط وجوباً.

([3]) هذا مبنيٌّ على عباديّة الطهارات الثلاث، وسيأتي التعليق عليه.

([4]) قد تقدّم الكلام فيه.

([5]) على الأحوط استحباباً فيما لو كانت غسلات الوضوء لا توجب نجاسة الماء وانفعاله، بحيث يخرج عن كون الوضوء به وضوءاً بالماء الطاهر، الأمر الذي لا وجود له لو كان الوضوء بالماء المعتصم مثلاً أو بالماء القليل الذي لا تكون غسالته نجسة وهكذا.

([6]) بل على الأحوط استحباباً، إذ هذا مبنيٌّ على عبادية الطهارات الثلاث.

([7]) على الأحوط استحباباً، لأنّه مبنيٌّ على عبادية الطهارات الثلاث.

([8]) الأقرب الصحّة.

([9]) القول بالصحّة هنا مشكل، لا من باب العباديّة، بل من باب أنّ وظيفته التيمّم، إلا إذا قيل ـ وليس ببعيد ـ بأنّ الانتقال للتيمّم في هذه الفروض تخفيف من المولى لا غير، وإلا فالملاك والمصلحة في الوضوء باقيان.

([10]) الظاهر أنّ مثل هذه التخريجات الفقهيّة بعيدة عن المقاربة المقاصديّة والمناطية للموضوع، إلا إذا أراق الماء على وجهه غافلاً تماماً عن فكرة الوضوء، وطرأت الفكرة في ذهنه بعد إجراء الماء، ولكنّه مجرّد فرضٍ لا أكثر.

([11]) بناء هذه المسألة على عباديّة الطهارات الثلاث، وإلا فينبغي الحكم بالصحّة في جميع الموارد وإن عصى.

([12]) الأقرب الحكم بالصحّة في صورة الغصب مطلقاً مع العلم والعمد والجهل والنسيان، بلا فرق بين كونه هو الغاصب وغيره، وبلا فرق بين كون الجهل عن قصور أو تقصير. هذا على ما بنينا عليه من عدم عبادية الطهارات الثلاث، أمّا على القول بالعباديّة فالأقرب القول بالبطلان مع العلم دون الجهل والنسيان، نعم هو مقتضى الاحتياط الوجوبي في صورة كون الناسي هو الغاصب.

([13]) ظهر الموقف فيه مما تقدّم.

([14]) بل الأقوى الحرمة؛ وبخاصّة أنّ نكتة احترام المال هو عدم العدوان على ما هو للآخرين، فليست الماليّة موضوعاً لحرمة التصرّف بلا إذن، بل المملوكيّة المتضمّنة لنسبة المال أو الشيء لمالكه الموجبة لتحقّق عنوان العدوانيّة عليه بلا إذنه. والشرع وإن ورد في بعض نصوصه تعبير "المال" لكنّ بيانه ليس تأسيسيّاً، وإنّما هو جريٌ على المفهوم العقلائي في التعامل مع الأموال والممتلكات. وعليه فليس لأنّ المال تالف على كلّ حال يكون العدوان على الغير في مملوكاته غير قبيح عقلائيّاً. نعم إذا أعرض المالك عن هذه الرطوبة التي على اليد أو عاد ورخّص جاز المسح.

([15]) ليس كلّ تصرّف غير مشروع يعتبر غصباً واقعاً، فتترتّب عليه جميع أحكامه، وربما لهذا عبر بأنّه يجري عليه حكم الغصب في بابنا هنا، لا أنّه غصب.

([16]) ويجري الاستصحاب لو علمت الحالة السابقة وتمّت أركانه.

([17]) الأقرب المنع في جميع الصور المشار إليها، ما لم يحرز بحسب العرف نوعٌ من التباني على الترخيص من الملاك في التصرّف بهذا المقدار (وهو ما يعبّر عنه الفقه الإباضي أحياناً بقاعدة "الإذن العرفي كالإذن اللفظي")، أو تكون هذه الأمور من المشتركات أو المباحات دون المملوكات الخاصّة؛ فإنّ عمدة الدليل هنا هو السيرة والقدر المتيقّن منها حالة الإحراز النوعي أنّ الملّاك لا يمانعون من مثل هذه التصرّفات. والغريب أنّ بعض الفقهاء قال بالجواز ولو مع منع المالك! هذا، وسوف يأتي في بحث المشتركات تحقيق ما إذا كان يمكن ملكيّة أنهار كبيرة أو ينابيع أو غير ذلك ـ بالملكيّة الخاصّة ـ أو لا.

([18]) سبق الحديث عن بعض ما يتصل بهذا في باب التخلّي.

([19]) الأحكام الوضعيّة الواردة في هذه المسأة (البطلان أو عدم الصحّة) مبنيّة على عبادية الوضوء، وإلا فالأقرب الصحّة في جميع هذه الصور، وان كان يحرم عليه الوضوء في بعضها، كما هو واضح.

([20]) ربما يكون هناك إجماع كبير بين فقهاء الإماميّة على أنّ الطهارات الثلاث (الوضوء والغسل بأنواعه والتيمّم) من الأمور العباديّة، وانطلاقاً من ذلك كانت النيّة ـ وهي القصد إلى الفعل ـ ومعها الإخلاص لله في مقابل مثل الرياء، من شروط هذه العبادات، فمن دون النيّة القربيّة الخالصة لله تبطل هذه الطهارات ولا تصحّ. هذا المشهد الذي يبدو واضحاً على المقلب الإمامي، يقابله انقسام في الرأي في وسط أهل السنّة، ففيما اعتُبرت الطهارات الثلاث بحاجة للنيّة عند جمهور الشافعيّة والمالكيّة والحنابلة، وعند أبي ثور وداود، ذهبت الأحناف إلى رفض ذلك، على الأقلّ في الوضوء والغسل، فيصحّان ولو من دون نيّة، فيما نسب للأوزاعي وأبي حنيفة والثوري صحّة الطهارات الثلاث بلا حاجة للنيّة، فضلاً عن الإخلاص فيها. وقد طرحت المذاهب الفقهيّة على تنوّعها سلسلة أدلّة هنا، من الصعب الإطالة بنقلها ونقدها، غير أنّها برمّتها خضعت لمناقشات، وأهمّ دليل ظلّ مقبولاً وبات هو المعتمد عليه في الفقه الإمامي اليوم ـ مثلاً ـ هو الإجماع والتسالم الكاشف عن ارتكاز المتشرّعة في العصور الأولى، وإلا فإنّ الآيات والروايات التي استدلّ بها كلّها خضعت لمناقشات مركّزة عند المتأخّرين. والإنصاف أنّها بعيدة كلّ البعد عن الموضوع. ويوضح لنا بعض الفقهاء، مثل ابن رشد الحفيد (595هـ)، أنّ سبب اختلاف الفقهاء هنا هو في معقوليّة الطهارات الثلاث، فكلّما كانت غير مفهومة للعقل البشري عنى ذلك أنّها عباديّات والعكس صحيح، وربما يفسّر هذا جزءاً من أسباب انقسام الرأي في المشهد السنّي حول الموضوع.

والتحقيق أنّه لا يوجد دليل حاسم على اشتراط النيّة ولا على عباديّة الطهارات الثلاث. والإجماعُ المدّعى أنّه كاشف عن الارتكاز والذي بات اليوم هو أهمّ دليل، غير دقيق هنا؛ لأنّ بين السيرة المتشرّعيّة والإجماع الفقهائي توافقاً عمليّاً، فكلاهما يسير في هذه الطهارات على النيّة بحكم العادة، أمّا "شرط النيّة" فمن الصعب اكتشافه من السيرة، خاصّة وأنّ التنازع الاستدلالي في الوسط السنّي المتراءى لهم في القرون الأولى يمكن أن تكون بعضُ أدلّته هو السبب في قناعتهم بالشرطيّة مع عدم وجود سيرة متشرّعية معاكسة، وهذا ـ قانوناً ـ من معوقات اكتشاف الارتكازات المتشرّعية ـ أحياناً ـ من خلال الإجماعات الفقهيّة، ووقوع الفقيه في الخلط بين السيرة العمليّة والارتكاز الشرطي. وبهذا نكتشف احتماليّة المدركيّة العالية في هذه الإجماعات وعدم قدرتها على الكشف عن الارتكازات المتشرّعيّة. وينتج عن ذلك أنّه لو لم يكن شخصٌ يعرف وجوب غسل الجنابة أو لم تكن امرأة تعرف وجوب غسل الحيض، أو كانا يعرفان ولكنّهما غير ملتفتين له، لكنّهما كانا يستحمّان كلّما أجنبا أو حصل لها النقاء، لعادةٍ عندهما أو للنظافة، ولم نقل بشرط تقسيم الجسد في غسل الجنابة بين اليمين واليسار، أمكنهما تصحيح صلواتهما جميعاً. وكذا لو توضّأ إنسانٌ وضوءاً تامّاً صحيحاً بقصد التبريد أو للنظافة كفاه ولو لم يقصد القربة، على تقدير تحقّق ذلك خارجاً، وغير ذلك من الأمثلة. وإن كان الاحتياط الراجح جدّاً هو في أخذ النيّة والإخلاص في شروط الطهارة الحدثيّة.

هذا، وربما تكون رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر، قال: سألته عن الرجل لا يكون على وضوء، فيصيبه المطر حتى يبتلّ رأسه ولحيته وجسده ويداه ورجلاه، هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال: «إن غسله فإنّ ذلك يجزيه»، بناء على تفسيرها بأنّ المطر غسل بلا إشارة للنيّة.. أقول قد تكون مثل هذه الرواية مساعدة على عدم وجود شرط النيّة وفقاً لهذا التفسير، والله العالم.

([21]) لا فرق بين الرياء وغيره هنا من حيث الحكم الوضعي، فلو صلّى رياءً لكن كان الرياء وقصد القربة باعثان على الفعل ولو مستقلّاً كفى. وبعبارة أخرى: الرياء المبطل لعباديّة العبادة هو ذاك الذي يجعل العبد غير منبعثٍ عن أمر المولى، بل عن أمرٍ آخر، أمّا لو انبعث عن أمر المولى وفي الوقت عينه مارس الرياء صحّ، بمعنى أنّه لو زال مبرّر الرياء، كما لو لم يكن هناك أحد في المسجد ليصلّي رياءً أمامه، ومع ذلك كان سيصلّي بنفس الطريقة، صحّت صلاته وهكذا. وهذا بخلاف الشرك، فإنّ مفهومه هو الخضوع لله ولغيره وممارسة العبادة لله ولغيره، ولو كان لو نسي غير الله لانبعث إلى العبادة أيضاً، والمرائي لا يمارس فعل عبادة الناس أو الخضوع التذلّلي لهم، فتأمّل جيّداً.

([22]) يقصد الماتن أنّه فضلاً عن العجب المتأخّر عن العمل، فإنّه أوضح في عدم إبطاله العملَ السابق عليه، بل الأقوى أنّ الرياء اللاحق على العمل ـ والذي فسّروه بمعنى نشر أعماله الحسنة ليطّلع عليها الناس ـ لا يوجب بطلان العمل.

([23]) في كونه موجباً لحبط الثواب إشكال؛ فإنّ عمدة الروايات في المقام تحكي عن سببيّته لهلاك العبد، وعن مفاسده، وعن ذمّه. أمّا ما دلّ على بطلان الثواب به فهو قليلٌ آحادي، بل في بعضه نقاشٌ سندي.

([24]) هذان الفرضان ـ لو قلنا بعباديّة الطهارات الثلاث واشتراط النية فيها ـ لا يصحّان على الإطلاق، إذ يشكل الأمر في في حالة ما لو قصد غسل الجنابة أو غيره بنحو التعيين والحصر، أو فقل: بنحو البشرط لا من حيث غيره.

([25]) بل يصحّ، مع الأخذ بعين الاعتبار ما أشرنا له آنفاً.

([26]) الأقرب الصحّة، بل حتى لو قلنا بعباديّة الطهارات الثلاث فإنّ طلبه من الآخر أن يوضّئه أو يغسله مع نيّته الوضوء بهذه الطريقة، كافٍ، ولا يوجد دليل لفظي خاصّ تامّ يفيد المباشرة، وعمدة الدليل هو ظهور الخطابات في المباشرة، وهذا يتمّ في مورد أمر الآخر بتحقيق تمام الفعل، كما لو أُمر زيدٌ بأن يأكل السمك، فقام عمرو نيابةً عن زيد بأكله، فهنا لا يصدق أكل زيد للسمك ولا تحقيقه المأمور به، أمّا ما نحن فيه، فإنّ زيداً لم ينفصل عن تحقيق الوضوء، إذ المفروض أنّ الوضوء حصل على يديه ووجهه ورجليه ورأسه، فلو فرضنا أنّ رجلاً آليّاً وضّأ زيداً، وكان زيد قد ضغط على الجهاز الآمر للإنسان الآلي بفعل ذلك، فإنّ العرف يقول بأنّ زيداً توضّأ، وهذا بخلاف ما لو قام الإنسان الآلي بالوضوء بنفسه بعيداً عن جسد زيد. بل ربما يمكن ادّعاء أن المفهوم من مفاد الآية الكريمة ليس مطلوبيّة ذات فعل الغسل والمسح، بل مطلوبيّة وقوع غسل يديه ووجهه و.. قبل الصلاة، ولهذا لو وقف تحت أنبوب الماء وطلب من غيره أنّ يفتح الماء، ففتحه، فنزل الماء عليه وكان قاصداً امتثال الأمر بغُسل الجنابة مثلاً بوجوده تحت الماء، كفى.

([27]) استحباباً.

([28]) على الأحوط وجوباً، فإنّ بين بعض النصوص تعارضاً. والمالكيّة والحنابلة والإماميّة فرضوا الموالاة بخلاف الحنفية والشافعيّة فقد اعتبروها سنّة. هذا في غير حالة حصول الجفاف الموجب لعدم إمكان المسح ببلّة الوضوء، وإلا فلزوم الإعادة ثابت وشرط الموالاة متعيّن بهذا المقدار.

([29]) إذا بنينا على حجيّة خبر الواحد الظنّي، فإنّ التعليل في معتبرة أبي بصيرة «الوضوء لا يتبعّض» يقع بمثابة القاعدة الأعمّ من الحال المتعارفة وغيرها، وبخاصّة أنّ الفعل جاء في نقل الكافي "يتبعّض"، أي ذات الوضوء لا ينشطر إلى شطرين مهما كان السبب. والقدر المتيقّن من مقاربة الموضوع للتعليل هو تبعّض الوضوء عبر جفاف السابق كلّه، فلا خصوصيّة لطول المدّة مع عدم الجفاف.

([30]) إذا بنينا على شرط الموالاة وضعاً، فإنّ الأقوى عدم الاعتداد بمسترسل اللحية.

([31]) وتقدّم التعليق عليه في الفصل الأوّل من الوضوء.

([32]) على الأحوط استحباباً؛ إذ هذا مبنيّ على عباديّة الطهارات الثلاث.