hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

الحوارات

الفكر الإسلامي المعاصر نظرات وتقويمات

تاريخ الاعداد: 6/25/2023 تاريخ النشر: 6/25/2023
20590
التحميل

حوار مع الدكتور حيدر حبّ اللَّه([1])

أجرى الحوار: علي حمام*

* كاتب وباحث من لبنان.

 

مدخل

فضيلة الدكتور الشيخ حيدر حب الله باحث ومفكر إسلامي من لبنان، صاحب درس وبحث على مستوى الدراسات العليا في الحوزة العلمية بمدينة قم الإيرانية، ينتمي إلى الجيل الجديد من المفكرين الإسلاميين، وقد عُرف بطرحه التجديدي، وحِسِّه النقدي، وخطابه التفاهمي، قدَّم نتاجًا فكريًّا ومعرفيًّا جادًّا ومهمًّا مسجِّلًا به أثرًا وتأثيرًا في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر.

من أبرز تأليفاته: نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي.. التكوُّن والصيرورة، صدر سنة 2006م، الحديث الشريف.. حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج، صدر سنة 2017م، شمول الشريعة.. بحوث في مديات المرجعية القانونية بين العقل والوحي، صدر سنة 2018، فقه المصلحة.. مدخلًا لنظرية المقاصد واجتهاد المبادئ والغايات، صدر سنة 2019م، قواعد فقه العلاقة مع الآخر الديني.. دراسة في ضوء النص الإسلامي والمسيحي، صدر سنة 2020م، الاجتهاد المقاصدي.. المسارات والأصول والعوائق والتأثيرات، صدر سنة 2020م، إلى جانب تأليفات وأعمال أخرى.

كما تولَّى في وقت سابق رئاسة تحرير ثلاث مجلات فكرية صدرت في لبنان، هي: المنهاج ونصوص معاصرة والاجتهاد والتجديد، بالإضافة إلى أنشطة بحثية وتحقيقية أخرى.

في هذا الحوار يُقدِّم الدكتور الشيخ حب الله بعضًا من نظراته وأطروحاته وتقويماته لبعض القضايا والمسائل الفكرية والمعرفية المهمَّة في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، التي اشتغل عليها بحثًا وفحصًا وتحقيقًا.

 

نظرية السنّة

اشتغلتم على موضوع السنة والحديث في التراث الإسلاميّ، وأنجزتم عملًا موسَّعًا تمثَّل في عدد من التأليفات الجادَّة، ما الدافع لهذا العمل؟ وما هي أطروحتكم في هذا الشأن؟

إنّ الذي دفعني للبحث في موضوع السنّة والحديث، هو الحضور الهائل للتراث الحديثيّ عند المذاهب الإسلاميّة المختلفة في تكوين الثقافات والعادات والأعراف والسلوكيّات والمفاهيم، وكذلك العقائد والمنظومات الفكريّة. وقد رأيت أنّ هناك مجالًا واسعًا لإعادة النظر وتجديد الرأي في الكثير من التفاصيل والجزئيّات، بل حتّى الأساسيّات المرتبطة بالسنّة والحديث. بالإضافة إلى ذلك فإنّ مشهدًا جدليًّا أساسيًّا في قضيّة مرجعيّة السنة والحديث ظهر بين المسلمين منذ أواخر القرن التاسع عشر وصولًا إلى يومنا هذا.

وقد رأيت أنّه من الضروريّ جدًّا في هذه المرحلة أن نشتغل على إعادة تكوين منظومة تتخطّى إطار التكرار الذي ابتليت به كثير من الاتجاهات الأصوليّة والحديثيّة في عصرنا الحاضر، فجدّدتُ النظر في موضوع حجيّة السُّنّة بما هي سُنّة واقعيّة، ورأيت أنّ هناك مجالًا واسعًا لطرح قراءات جديدة ترتبط بأصل السُّنّة النبويّة وسنّة أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

وعلى سبيل المثال دون الحصر، تحفّظت على كثير من الأدلّة التي انطلق منها علماء المسلمين لتبرير حجيّة السنّة، ورأيت أنّ دليل حجيّة السنّة خاصّ بما ينسبه الرسول لله تعالى لا بمطلق ما يقوله، وبما يأمر به وينهى، فحجيّة السنّة تقع داخل هذين النطاقين: نطاق النسبة لله، ونطاق الأمر والنهي، فلو تكلّم النبيّ بأمرٍ لا علاقة له بالسلوكيّات، بل بشأنٍ تكويني، دون أن ينسب ما يقوله للوحي الإلهي، فإنّ دليل حجيّة السنّة لا يشمله، إلَّا إذا قلنا بالعصمة، وبهذا تقوى العلاقة بين نظريّة العصمة في سعتها مع نظريّة السنّة في سعتها طردًا وعكسًا.

كما توقّفت كثيرًا عند ما يُعرف بمبدأ السنّة التقريريّة، ورأيت أنّ سكوت النبيّ عن حادثةٍ واحدة وقعت أمامه لا يسمح لنا باستنباط مواقف دينيّة أو شرعيّة، ما لم تقم لدينا معطيات إضافيّة دالّة، وأنّ السكوت النبوي يجب التمييز فيه بين كونه سكوتًا عن حدثٍ جزئي، فلا يدلّنا بذاته على شيء، وسكوتًا عن ظاهرة متواصلة في العرف عبر السنين، فيمكن استنتاج شيء منه.

وقد بحثت -أيضًا- في موضوع تاريخيّة السنّة، ورأيت أنّه لا يوجد عندنا أصل مرجعيّ يمكن الاستنادُ إليه لنفي التاريخيّة بمعانيها المتنوّعة التي شرحتُها في كتابي «حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي»، ومن ثمّ فمن غير الصحيح ما يسلكه الفقه الإسلامي من التعامل مع كلّ نصّ على أنّ الأصل فيه التعالي عن الزمكان إلَّا ما خرج بدليل، فلا يوجد أصل من هذا النوع، بل على الفقيه وأمثاله أن يدرسوا الملابسات التي تقوّي احتمالية التأبيد تارةً أو احتمالية التأقيت تارةً أخرى.

وممّا اشتغلتُ عليه كذلك موضوع الفعل النبويّ، إذ ثمّة فريق كبير من علماء المسلمين -وبخاصّة في الوسط الإمامي- يتعاملون مع الفعل النبويّ بطريقة «أوتوماتيكيّة»، وكأنّ فعلَ النبيّ منفصل عن طبعه وجبلّته وبمعزل عن إنسانيّته وبشريّته، فيُستنسخ من خلال أفعاله مواقف تشريعيّة وأخلاقيّة تفصيليّة كثيرة، في حين أن هذا غير دقيق على إطلاقه، وأنّ علينا التمييز بين أنواع الفعل النبوي وليست قليلة، وبعضها يمكن أن يكون مرجعًا لنا في استنباط الدين دون بعض آخر. وأيضًا تعرّضت لموضوع اجتهاد النبيّ، وحاولت أن أحفر فيه من زوايا متعدّدة.

وعلى الرغم من أنّ موضوع حجية السنّة بدهيُّ النتائج في تصوّر كثيرين، إلّا أننّي وجدت أنه موضوع يستحقّ إعادة النظر، وأنّ النتائج التي تترتّب على البحث فيه قد تغيّر رؤيتنا لمجالات واسعة من الموروث الراكد الموجود عندنا.

ثمّ بعد أن أتممتُ البحثَ في موضوع السنّة الواقعيّة، شرعتُ في الحديث عن النقطة التي ربما تكون أكثر تماسًّا مع قضايانا وهي الحديث، أو السنّة المحكيّة. فحاولت أن أدرسه من زاوية السؤال عن المرجعيّة التي تُعطي هذا التراث قيمته واعتباره، والذي توصّلت إليه في كتابي «حجيّة الحديث» أنّ الظنّ ليس مرجعًا في استنباط الأحكام الشرعيّة، وليس مرجعًا في استنباط الاعتقادات، بل يجب علينا -حتّى نستطيع الاعتماد على حديثٍ ما- أن يكون بالغًا مرتبة الاطمئنان، بحيث يكون هناك نوع من الوثوق العقلائيّ بصدور الأحاديث من خلال تنوّع مصادرها وتعدّدها ولو بين المذاهب، ومن خلال تنوُّع الأسانيد والطرق عند المحدّثين، ومن خلال طبيعة مضمونه وتحليل علاقة هذا المضمون بسائر المصادر المعرفيّة الأخرى وبخاصّة القرآن الكريم، وغير ذلك.

ومن الواضح لأيّ متابعٍ أنّ حذف مرجعيّة الظنّ المعبّر عنها في الأدبيات الأصوليّة بمرجعيّة خبر الواحد يحدث -في تقديري- نتائج مختلفة تمامًا، وبخاصّة إذا ترافق ذلك مع عدم قناعة الباحث بحجيّة الإجماع والشهرة وأمثالهما، ولذلك أشرت في نهاية كتابي «حجيّة الحديث» إلى أنّ نقد نظريّة الظنّ وحجية خبر الواحد في عالم الحديث والروايات يؤدّي إلى تغيير ما لا يقلّ عن ثلث منظومة التشريع والأخلاق الموجودة بين أيدينا.

ومن الطبيعي أنّ العمل في مجال الحديث يتطلّب إنتاج شبكة قواعد علم الرجال والجرح والتعديل، ولذلك اشتغلتُ -أيضًا- على علم الرجال وانتقدت بشكل موسّع كثيرًا من الأصول الرجاليّة التي اعتمد عليها العلماء، وبخاصّة تلك التي تأسّست منذ العصر الأخباري إلى يومنا هذا، فتوصّلت على سبيل المثال إلى أنّ ما يسمّى هنا بـ «التوثيقات العامّة» هو عبارة عن محاولات لم تكن ناجحة في ضخّ اعتبارٍ زائد في الموروث الحديثي، وأنّه يجب علينا أن نكون متواضعين في ادّعاء الوثوق بصدور الأحاديث، وأنّه قد لا يزيد الأمر عمّا يقرب من 5% في مجمل الأحاديث الموجودة عند المسلمين، بلا فرق في ذلك بين السنّة والشيعة.

واعتقادي أنّ موضوع الحديث موضوع جذريّ يترك تأثيراتٍ على مختلف المواضع المرتبطة بالاستنباط والاجتهاد الدينيّ عمومًا المعتمد على النقل، والذي يمثّل الحديثُ أساسًا مهمًّا من أساساته.

 

أطروحة نفي شمول الشريعة وحدود تدخّل العقل في التقنين

أثارت أطروحتُكم حول حدود الشريعة ومرجعيّة العقل جدلًا متنوّعًا بين مؤيّد ومفصّلٍ ومعارض لموقفكم من قاعدة شمول الشريعة لجميع وقائع الحياة، فما هو رأيكم بالضبط في هذه القاعدة؟ وأين تقع نظريّتكم بالقياس إلى النظريّات الأخرى؟

شمول الشريعة الصادرة إحدى القضايا الرئيسة التي تمثّل ركنًا مهمًّا من أركان البنية التحتيّة لتعاملنا مع التراث النقلي وغيره في وسط المسلمين. وفي قراءتي المتواضعة لهذا الموضوع الشائك في كتابي «شمول الشريعة» لم أوافق على أنّ لكلّ واقعة حكمًا، وأنّ الشريعة وضعت حلولًا لكلّ السلوكيّات بالتفصيل وبالتقنين الجزئيّ، بحيث تدخّلت في جميع مرافق الحياة، وأعطت حكمًا نستطيع أن نكتشفه بعنوان أنّه فتوى.

وكذلك لم أوافق -في المقلب الآخر- على النظريّات التي تنفي وجود شريعة في الإسلام، وتعتبر الإسلام أقرب إلى المسيحيّة التي تتبنّى القيم الكلّيّة الأخلاقيّة، وأنّ الشريعة منتَج كنسي انبثق من المؤسّسة الدينية، بل وصلتُ إلى أمر وسطيّ بين الاتجاهين، فاعتقدتُ بأنّ لدينا دستورًا، وبأنّ هذا الدستور يحوي مجموعة كبيرة من القواعد العامّة المنهجيّة المتعلّقة بمؤشّرات السلوك الكلية، ولدينا -أيضًا- منظومة غير قليلة من القوانين التفصيليّة التي قدّمتها لنا الشريعة، ونحن مخاطبون وملزمون بها. لكنّ هذا لا يعني أنّ جميع مرافق الحياة وجميع الجزئيّات والتفاصيل قد أعطت الشريعة موقفًا شرعيًّا محدّدًا منها.

لقد تبنّيتُ هذا الاتجّاه الوسطي بعد مناقشة جميع الأدلّة العقليّة والنقليّة التي اعتمدها العلماء عبر التاريخ لافتراض أنّ كلّ صغيرة وكبيرة لا بدّ أن يكون هناك فيها حكم شرعيّ. والحقيقة أنّه ليس عندنا شيء من ذلك، بل الأدلّة تقف على عكس هذه الدعوى، والمعطيات العقليّة والنصّية كذلك تساعد في نقد فكرةٍ من هذا القبيل.

ما توصّلت إليه هو أنه ثمّة مساحة معيّنة لا أجدُ فيها موقفًا للشريعة ككثير من الأمور المستحدثة في عصرنا، وبالتالي يجب علينا أَلَّا نحمّل النصوص أكثر ممّا تتحمّل. وقد كنتُ أطلقت على هذه الممارسة في بعض منشوراتي تسمية «استحلاب النصوص»، فالنصّ يعطي دلالة عرفيّة على الموضوع الكذائي فحسب، أمّا محاولة النفخ في النصوص لجعلها تجيب عن جميع الأشياء التي لا علاقة له بها فهي عمليّة غير ناجعة وغير موفقة، بل هي جناية في حقّ النصّ بمعنى من المعاني.

إنّ علينا أن نأخذ ما دلّ عليه النص بالفهم العرفيّ المألوف في عصر النصّ أو بما يرجع إليه، كما كنت قد أشرت إلى ذلك تفصيليًّا، وأمّا في غير هذه المساحة فيجب أن نرجع إلى الكليات الدستوريّة والمبادئ العامّة، وهي ليست أحكامًا ولا منتجِة للأحكام، وإنّما هي موجّهات ومؤشّرات فحسب، كقانون نفي الضرر والحرج ومبدأ العدل و..

ومن ثَمَّ على العقل الإنساني أن يقوم بإنتاج منظومته القانونيّة في الكثير من المستجدّات والمستحدثات التي لم تنصّ الشريعة على أحكامها -وهي مساحات واسعة في حياة البشر اليوم- على ضوء الكلّيات التي وضعتها الشريعة، والتي عبّرتُ عنها هناك بـ«حدود الله». كأنّ هناك أرضًا مسوّرة والسور حدود الله، فينبغي أَلَّا نتخطّى الحدود في ممارسة عمليّة التقنين، فعليَّ أن أصنع قوانيني من خلال العقل الذي أطلقت عليه لقب «العقل المؤمن»، أي ذلك العقل الذي يأخذ بعين الاعتبار القيم الروحيّة والأخلاقيّة والتشريعيّة الدينيّة.

وبهذه الطريقة أعتقد أنّنا نفكّ هذا الثقل الهائل الذي وضعناه على كاهل الشريعة وجعلناها تحاول أن تتدخّل في كلّ شيء. ونحن نجد حجم المعاناة والتأوّلات التي يمارسها كثير من الفقهاء فيما يطلقون عليه اسم المسائل المستحدثة؛ لارتكازهم على قاعدة شمول الشريعة، مع أنّنا في غنى عن ذلك كلّه، إذ بالإمكان أن نأخذ مجموعة من الكلّيّات العامّة ونقوم بصناعة القوانين البشريّة هذه المرّة في هدي هذه الكلّيات العامّة الدينيّة.

نعم، بعض الناس تعبّر عن هذه الفكرة بأنّها «نقصان الشريعة»، وأنا لا أحبّ هذا التعبير، بل أقول: هذه هي الشريعة التي أرادها الله، ولعلّ هذا هو كمالها في أنّها لا تحاول أن تُعطي نسخة محدّدة لجميع الأجيال تُغطّي كل وقائعهم، وإنّما تُعطي الكليات وتُحدّد قسمًا من التفاصيل والجزئيّات، وأمّا في المتغيّرات الآتية في كثيرٍ منها فإنّها تمنح العقل الإنساني أهليّة إنتاج القوانين لحلّ المشاكل بهدف تحقيق المقاصد العامّة للشريعة والدين ضمن إطار «حدود الله».

 

التجديد الديني من اللغة إلى البناء

تشدّدون في مواضع كثيرة من كتاباتكم ومقالاتكم على أنّ التجديد ينبغي أن ينشغل بالفكرة نفسها، لا التجديد في حدود الكلام مع عدم التطوير الفعليّ للمناهج والآليّات وملاحظة التحدّيات المعاصرة، هل تورّط بعضُ المقتنعين بالتجديد بالاكتفاء بتغيير الخطاب من دون سعي للبحث الجادّ في البنيات التحتيّة؟ وما هي أطروحتكم في هذا الشأن؟

إنّني مقتنعٌ تمامًا بأنّ العديد من مشاريع التجديد الدينيّ ليست سوى تجديد إعلاميّ لغوي صياغيّ لا أكثر، وهذا لا يعني أن نبخسها حقَّها، بل على العكس تمامًا، فهي حاجة وضرورة مُلحّة لإخراج التراث من صياغاته ولغته القديمة نحو إنتاج صياغات جديدة متوالمة مع العقل الحديث -ليس الغربيّ بالضرورة بالمفهوم السلبي للكلمة- ومع ما توصّلت إليه الخبرة الإنسانيّة بشكل عام. ولكنّ تغيير اللغة وتغيير أنماط الخطاب وحده غير كافٍ، فالقضيّة تحتاج إلى تغيير في بنية الخطاب، لا في الخطاب فحسب، ونحن ينبغي علينا أن نشتغل في الفكرة نفسها. فبعض المقتنعين بالتجديد اكتفوا بتغيير الخطاب دون سعي منهم في البحث الجادّ في البنية التحتيّة.

وفي تقديري الشخصي، إنّ هذه هي الحالة العامّة في الأوساط المشتغلة بالبحوث الدينيّة على مستوى الحوزات العلميّة والمعاهد الدينية الرسميّة على امتداد العالم الإسلامي بمذاهبه المختلفة، وأقصى ما فعلته هو تغيير اللغة مع تغييرات جزئيّة في بعض الفتاوى والأفكار هنا وهناك، ولكنّهم لم يقوموا بإجراء عمليّات جراحيّة من العيار الثقيل. وأسباب ذلك متعدّدة، منها أنّ هذا الموضوع يحتاج إلى جرأة كبيرة جدًّا، ومنها أنّه مخاطرة كبيرة؛ إذ الإنسان يخشى ممّا يمكن أن تُحدثه التحوُّلات الجذريّة في البنيات الفكريّة، فعندما ينسف الباحث الموضوعيّ نظريّات في أصول الفقه أو في علم الكلام وتؤدّي إلى تغييرات على مساحات واسعة في المنظومة الفكريّة والعلميّة فإنّه يخشى من المآلات والنتائج، إذ في أحيان كثيرة يمكن أن ينتج الإنسان أفكارًا لا يعرف النتائج التي يمكن أن تترتّب على الأفكار الجديدة التي طرحها، فيعزف عن التجديد بسبب خوفه من نتائجه المجهولة.

وكما تفضَّلتم في السؤال فإنّ انعدام الحوافز من ضمن الأسباب أيضًا، بل على العكس سيخضع الذي يُقدم على مثل هذه الخطوات لمحاربة وحصار وضغط، وهذا كلّه يؤثّر على المستوى الشخصيّ والنفسي والاجتماعيّ ويعزّز الإحجام عن الدخول في هذا المعترك. هذا فضلًا عن كون طبيعة الاشتغال على النقاشات البنيويّة تحظى بصعوبة خاصة وتتطلّب جهدًا غير عاديّ، لأنّك تقوم بالحفر في الأعماق ولا تقوم بتغيير فرع جزئيّ هنا أو هناك، ثمّ تلاحق نتائج الحفر الذي قمت به، وتأثيرات هذا الحفر على مساحات واسعة من المنظومة الفكرية الدينيّة.

وقناعتي الشخصية أنه قد انتهى وقت التجديد على مستوى اللغة والخطاب والإعلام، لقد عبرنا هذه المرحلة وأنجز العلماء مهمّات هائلة في هذا الإطار، وجهود العلماء والمفكّرين المسلمين منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا كانت رائعة، وقد بلغت مبلغًا مهمًّا، إلّا أنّ الأولويّة لم تعد من نصيبها بمرور الزمن وفي سياق التحدّيات المعاصرة، وإنّما انتقلت إلى موضوع الجرأة على الحفر واستنتاج مفاهيم جديدة وإعادة النظر بلا خوف ولا وجل.

ولذلك أقول دائمًا: إنّ أكبر المقولات المعيقة في منظوماتنا الفكرية الدينية والإسلامية بالخصوص هي مقولة الإجماع والشهرة، والتحرّر من الإجماع والشهرة ليس المراد منه التحرّر الشكلي، فإنّك تبحث في علم أصول الفقه وتتوصّل إلى عدم حجيّة الإجماع، وعلى الرغم من ذلك تكون في البحث الفقهيّ العمليّ مكبّلًا بالإجماعات لا من حيث طريقة البحث، بل من حيث الذهنيّة.

المهمّ من وجهة نظري تأسيس حواضر علميّة وجامعات وحوزات تربّي الطالب منذ اللحظة الأولى على أن الإجماع ليس له سلطة نفسيّة عليه في بحثه، وبالتالي فهو متحرّر تمامًا يناقش المجمعين مناقشته للفقيه الواحد، فيصل إلى النتيجة من خلال الاعتماد على الأدلّة في الكتاب والسنّة ومرجعيّة العقل فحسب.

 

علم الكلام القديم والجديد

عاد الحديث من جديد عن علم الكلام، وتزايد النقاش عن علم الكلام الجديد، هل ترون تطوّرًا ملحوظًا حدث في علم الكلام الجديد خلال السنوات الأخيرة، أم أنّ المشهد العامّ يوحي بأنّنا ما زلنا في دائرة الشرح والتلخيص والحاشية من دون إبداع أو ابتكار، ما هي وجهة نظركم في هذا الشأن؟

لكي نوسّع الدائرة، دعني أحذف كلمة «الجديد»، لنقل علم الكلام بقضاياه القديمة والجديدة معًا. أقرّ بأنه ثمّة تطوّر ملحوظ حصل في علم الكلام بشقّيه الجديد والقديم، وبالتحديد في موضوعات ومسائل الكلام الجديد، وتجلَّى ذلك على المستوى الشيعي بشكل أكبر منذ أواخر الثمانينات حتى حوالي عام2010م.

ولكن مع الأسف الشديد قضايا علم الكلام الجديد شهدت تراجعًا ورتابة، تقهقرت وبدأت تُعاد الموضوعات نفسها من دون وجود إبداعات جديدة ومقولات جديدة إلَّا جزئيّة هنا وهناك وفي بعض التفاصيل المحدودة. وهذا معناه أننا بحاجة إلى تحرير المتكلّم -سواء القديم أم الجديد- من التبعيّة ومن إنتاج المعرفة بطريقة سياسيّة، وذلك لأنّ جزءًا من النزاعات التي ارتبطت بقضايا علم الكلام الجديد خلال العقود الثلاثة الأخيرة كانت ترجع إلى السياسة والموقف السياسيّ، ولمّا تغيّر المشهد السياسي انتهت النقاشات. نحن نريد لعلم الكلام أن يكون تابعًا للتطوّر المعرفيّ -أيضًا- وليس فقط للمتحوّل السياسي، وهذه نقطة ينبغي التركيز عليها.

ولكن إذا ذهبنا من علم الكلام الجديد وصولًا إلى ما اعتبره بعضٌ انتهاء فترة الإصلاح الديني؛ لأنّ هناك كلامًا كثيرًا اليوم عمّا يسمّى بـ«ما بعد الإصلاح الديني»، وأنّ مشروع الإصلاح الديني قد فشل وأخفق وانتهى، وثمّة نُقّاد علمانيون كثر يتكلّمون عمّا بعد الإصلاح الديني، ويعتبرون أنّ الإصلاح لم يقدّم أيَّة نتيجة سوى مجموعة من الأفكار التي تلاشت وذهبت أدراج الرياح، ولم تستطع أن تترجم نفسها على أرض الواقع.

وبصرف النظر عن صحّة هذه الإشكاليّة، يهمّني أن أركّز أكثر على علم الكلام القديم، فالمشكلة الأساسيّة أن كلّ قضايا علم الكلام الجديد لا تستطيع أن تنتج علم كلام جديد بحقّ إذا لم تكن قد حسمت موقفك من علم الكلام القديم في المرتبة السابقة، فإذا أراد الباحث أن يفكّر بمنطق علم الكلام الجديد محكومًا بمسلّمات علم الكلام القديم فلن ينتج حينئذٍ إلَّا علم كلام جديد جدليّ أو شكلي! وهذا قد حصل بالفعل ولا أريد أن أدخل في الأسماء.

نقطة الانطلاق في تشكيل علم الكلام الجديد هو تحرير علم الكلام القديم من المسلّمات والإجماعات والشهرة ومن الهُوية المذهبيّة، وممارسة نقد موضوعي على قضاياه من جديد للتثبّت من عناصر قوّته وضعفه، فموضوع العصمة -على سبيل المثال- لا داعي أن أبحثه بذهنيّة الشيعيّ والسنّي، بل أبحثه بذهنية المسلم والمتديّن والباحث فحسب، وقولبة عشرات الملفات في إطار الثنائيّات المذهبيّة أمرٌ يعقّد الموضوع، لأنّ أيّ بحث فيه سيجعلك كأنّما تتَّخذ موقفًا من مذهبك، وكذلك مثلًا موضوع التحسين والتقبيح العقليّين وموضوع العقل الأخلاقي وحجيّته، فمثل هذا الموضوع لا علاقة له بالسنة والشيعة والإباضية ولا حتى بالمعتزلة والأشاعرة، بل هو موضوع فلسفي. نعم، اشتغل عليه الشيعة والماتردية والزيدية، ولكنْ طبيعته وهويّته ما فوق مذهبية، فعندما أبحث في هكذا موضوعات وأنا مسكون بالعقليّة المذهبيّة التي يحمّلني إياها علم الكلام القديم، لن أستطيع أن أطوّر العقل الأخلاقيّ ولن أتمكّن بالتالي من تطوير علم الأخلاق الإسلاميّ المعاصر.

وأمّا أسباب التراجع والضمور في علم الكلام الجديد، فيمكن اختصارها بعدة عناصر: منها عناصر مرتبطة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومنها عناصر مرتبطة بالفتن الطائفيّة في المنطقة والتي غطّت على كلّ الأولويات، ومنها عدم اشتغالنا على علم الكلام القديم بشكل كافٍ لأجل إنتاج منظومة جديدة من علم الكلام القديم تستطيع أن تفتح الطريق أمام الجميع لكي ينتجوا في قضايا علم الكلام الجديد، لأنّ التابوهات في مجال علم الكلام القديم باتت كثيرة.

 

فقه المصلحة والفقه المقاصدي

أوليتم اهتمامًا جادًّا بحثًا وتحقيقًا في فقه المصلحة والفقه المقاصدي، ما الذي دفعكم لهذا الاشتغال بهذه الدرجة من الاهتمام؟ وما هي المنهجيّة التي على أساسها بحثتم في هذه الملفّات؟

الذي دفعني للاشتغال بفقه المصلحة وفقه المقاصد والعلل، هو محاولة إنتاج نمط من الاجتهاد الشرعيّ الذي يستطيع أن ينقلنا من الفقه المتشظّي ومن فقه المسائل الجزئية إلى الفقه المنسجم والمتلائم والمتماسك. والتنظير في البحث المقاصدي في الحقيقة هو دخول إلى منطقة قلقلة على مستوى العقل الشيعي، وذلك لأنّ مصطلح المقاصد نفسه قد يُخيِّل للمتلقي أنّك تورّطت في متاهات مشبوهة، فأمثال قضية القياس وقضية معرفة العلل وتوابعها تعدّ في العقل الإمامي من المحرّمات كما نعرف.

وعندما بحثتُ هذا الموضوع طرحته على مرحلتين: المرحلة الأولى في كليات فقه المصلحة، وكانت هذه المرحلة بمنزلة تمهيد لأعرّج بعد ذلك على الفقه المقاصدي. وما توصّلت إليه في هذا الموضع باختصار وإيجاز أنّ الاجتهاد السنّي خطا خطوات كبيرة جدًّا في هذا الإطار، وأنّ ثمّة كثيرًا من المفاهيم والمنظومات استعملها الاجتهاد الشيعي من دون أن يطلق عليها التسمية السنّيّة نفسها، فالاجتهاد الشيعيّ استعمل في بعض المواضع فكرة سدّ الذرائع، وفي بعض المواضع استعمل الاستقراء، والمصالح المرسلة ولكن بثوبه هو وبمصطلحه الخاصّ، حتّى يحافظ على البيئة الثقافية والفكرية التي يحملها.

واستخدم -أيضًا- في بعض المواضع الفقه العللي دون الفقه المقاصدي بالشكل الكلّي بوصفها نظريّة كلّية شاملة للشريعة برمّتها، واستخدم -أيضًا- الفقه المناطي، فاعتمد على مناسبات الحكم والموضوع وقياس الأولويّة وتنقيح المناط القطعي، وعندما نخوض في هذه الملفات التي اشتغلت عليها في كتابي «الاجتهاد المقاصدي والمناطي» نجد أننا نلاحظ تقاربًا كبيرًا بين المنظومات، واختلافًا -أيضًا- بينها.

وما حاولت أن أفعله يتلخّص بالخطوات التالية: التنظير للأساسات التي يمكن أن تُبنى عليها اجتهادات مقاصديّة وعلليّة، فجمعت كلّ ما له صلة بذلك مثل: أصل أنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، قضيّة سدّ الذرائع، قضيّة المصالح المرسلة، كلّية العلاقة بين النصّ والمصلحة، القضايا المرتبطة بمناسبات الحكم والموضوع، تنقيح المناط القطعي، موضوع العلة المنصوصة، موضوع قياس الأولوية، وغيرها من المسائل.

ثمّ بعد ذلك اشتغلت على تكوين بناء مقاصدي يستطيع أن يعيش وينمو في ظلّ المنظومة الاجتهاديّة التي لا تؤمن بالقياس بعرضه العريض، ورأيت أنّ الإمكانية موجودة، وأنّ حضور النصوص المرتبطة بالعلل والمقاصد ليس حضورًا خجولًا كما يُتصوّر، وأنّ التقعيدات المرتبطة بمثل تنقيح المناط القطعي، ومثل مناسبات الحكم والموضوع، وموضوع العلل المنصوصة ليست بقليلة، ولكن مع الأسف غُيّبت تحت عناوين واعتبارات شتّى، مثل تغييب العلّة المنصوصة تحت عنوان الحكمة، وقد شرحتُ هذا بالتفصيل في محلّه.

لكن الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للسائد هو محاولة فكّ عقدة القياس بوصفها العقدة العظمى التي تقف في مواجهة الاجتهاد المقاصدي في الموروث الشيعي، حيث حاولت أن أحلّل منطلقات موقف أهل البيت من القياس تاريخيًّا، وتوصّلت إلى أنّ المألوف والمرتكز في الأذهان من أنّ أهل البيت عليهم السلام واجهوا القياس بالمعنى الذي نعرفه اليوم في الاجتهاد السنّي أي بعد الغزالي والجويني والفخر الرازي غيرُ دقيق إطلاقًا، بل المنظومة النقديّة لأهل البيت عليهم السلام فيما يتعلّق بالقياس تردّ على المنهج الذي كان معتمدًا في القرن الثاني الهجري، وهو المنهج الاجتهاديّ الذي كان يستند إلى العقل في تقويم النصّ، فيطرح النصّ الشرعيّ اعتمادًا على عقله الناقص ورأيه الفاسد الذي لا يصاب به دين الله كما جاء في الرواية، ولا علاقة لهذه المنظومة النقديّة بعمليّة الانتقال من حكم إلى حكمٍ آخر.

ومن هنا حاولتُ أن أذلّل عقبة القياس من أمام المشروع المقاصديّ على الأقلّ، ويبدو لي أنّني نجحت في ذلك، دون أن أتبنّى حجيّة القياس. ونبّهتُ كذلك على أنّ اجتهادَ المقاصد يمكن أن ينهض، ولكن ليس بالمعنى المتفلّت الذي قد تجده في بعض الاجتهادات عند بعض المذاهب والتي تستأنس ببعض النصوص القليلة وتتسرّع في إطلاق الأحكام، وإنّما بالمعنى المنضبط والصارم على مستوى المنهج.

ومن جهتي فإنّني أدعو الاجتهاد الشيعي والسنّي إلى أن يفكّر جدّيًّا في الاجتهاد المقاصدي، ولا أقصد أنه هو الحلّ الوحيد ولكنّه أحد الطرق والسبل لإعادة فهم النصوص، وإعادة ربطها بسياقاتها، وإعادة تحليلها وترتيبها، ولكي يتجلّى لنا أنّ الأحكام الحقيقيّة أقلّ من النصوص، فقد يكون هناك ألف نص يخيّل لي وجودَ ألف حكم، ولكن كلّ هذه الأحكام قد لا تكون إلَّا تطبيقاتٍ من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام لحكم مقصديّ واحد، والمهمّ في الشريعة هو ذلك الحكم الواحد المقصديّ. أمّا كيف نستطيع أن نكتشفه ونستعين به لفكّ الكثير من المشاكل المعاصرة، فهنا يكون تحدّي الرؤية المقاصديّة.

 

عثرات في المسيرة المقاصديّة

رصدتم في مطلع بحثكم حول الفقه المقاصديّ والمناطيّ عدّة مواضع في الفقه الإماميّ عند المتأخّرين تُلامسُ -على حدّ تعبيركم- مجموعة من القواعد الاجتهاديّة في مجموعة من النصوص الفقهيّة والأصوليّة، وميّزتموها عن المرحلة السابقة للفقه الإماميّ والتي كانت متحفّظةً في أغلب الأحيان عن الخروج عن النصّ. برأيكم لماذا كانت مساحات انعكاس هذه الآراء على الواقعِ الفتوائيّ خجولة ونادرة؟ وهل ما زالت مبرّرات ولادة هذه الرؤى موجودة؟ وهل هناك موانع من تطويرها أم أنّ أصل أسباب ولادتها لم يعد له واقع موضوعيّ؟

هذا الذي تشيرون إليه سببه أنّ الحركة العقلانية والحركة المقاصدية وإن لم تأخذ هذا الاسم، قد انطلقت فعلًا في الوسط الإمامي عند المتأخّرين. وحين رصدتُ في الجزء الأول من كتابي «الاجتهاد المقاصديّ» الحركة المقاصدية في هذه المرحلة، وجدت أنّ هؤلاء حاولوا أن يقدّموا تنظيرًا عقلانيًّا للشريعة ومحاولة للفهم العقلانيّ على المستوى النظريّ.

وأمّا لماذا بقيت خجولة؟ فلأنّها منطقة قلقلة كما قلنا تدفع الباحث للخوف من القياس، وهو ما أطلقت عليه في كتابي اسم «فوبيا القياس»، مع وجود إرث راسخ وتقليد سائد من مئات السنين بعيد عن هذا الشكل من الاستنباط، ومن جهة ثانية فإنّ التيّارات المدرسيّة المحافظة لا تتقبّل طريقة تفكير من هذا القبيل، إذ الفقه الإماميّ -بحسب ما يقوله الميرزا النائيني وغيره- بُني على «تفريق المؤتلفات وتأليف المفترقات»، وهم يعتبرون أن بناء الاجتهاد هو على تفكيك الأمر الملتحم، وجمع الأمور المفكّكة.

ومن ثم فإنّ الفقه الاجتهادي السائد لمّا كان مبنيًّا على اللامنطقية بالمعنى الفلسفي -لا أقصد النقد بل التوصيف- وبشكل يتقبّل ربط غير المترابطات وحلّ المترابطات أشبه بالفيزياء الكميّة حيث تُفتحُ الأمور على كلّ الاحتمالات، فإنّه لا يرى حاجةً بل لا يرى حجيّة للمنهجيّة المقابلة.

ولذا فإنّ هذه الحركة التطورية التجديدية والنزعة المقاصديّة والمناطيّة التي رأيناها منذ بدايات القرن العشرين إلى يومنا هذا، ظلّت محدودة وضئيلة، لأنّ الفضاء العامّ أعطى صفة رفض القياس وأعطى صفة القلق من هذه المشاريع، وأعطاها -أيضًا- صفة مذهبيّة، أعني أعطاها هُويّة خاصّة، بحيث يوحي الاشتغال بها بالخروج من السياق المذهبيّ، وهذا ما يسبّب عادةً مشكلة بالنسبة إلى الباحث.

ويجب أن أضيف أيضًا، أنّ هناك حركة جريئة اليوم عند بعض العلماء والباحثين، على مستوى الطبقة الثانية والثالثة بحسب التصنيف السائد في المؤسسة الدينيّة، وهناك جهود واسعة جدًّا في هذا المجال، ولكن متى سنرى مخرجات هذه الحركة على مستوى الفتاوى والاجتهادات الرسميّة؟ هذا شيء لا أستطيع أن أحدّده بشكل دقيق.

 

العلاقة مع الآخر الديني

قدمتم أطروحة عن «فقه العلاقة مع الآخر الديني» ومهّدتم لها بمجموعة من القواعد العامّة، ودرستم في ضوئها عددًا من الملفّات الشائكة، والتي لها أثر بالغ على مفهوم المواطنة اليوم وعلى موضوع الحقوق السياسيّة، هل يمكن أن نُطلق على هذه الأطروحة أنّها أطروحة مقاصديّة؟ أو أنها تطبيق من تطبيقات الفقه القرآني كما في بحثكم عن «فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؟

ما دفعني إلى هذا البحث هو ما نعرفه من أزمة العلاقة مع الآخر في عالمنا الإسلاميّ، وما يترتّب على هذه الأزمة من لوازم ومواقف، على أنّ مشروعي في فقه العلاقة مع الآخر الديني سيستكمل في بحوثي التي ألقيها هذه السنة في موضوع فقه الجهاد، والتي ستصدر إن شاء الله تعالى أواخر خريف 2023م في ثلاثة مجلّدات كبيرة على الأقلّ.

عندما دخلت في تفاصيل البحث وجدت أن إنتاج التفاصيل أمر صعب، لأن أغلبَ التفاصيل إما ليس عليه أدلة أو أدلّتها إجماعات وشهرات أو مجرّد أخبار آحاد، وحيث إنّني لا أؤمن بهذه كلّها، حاولت أن أشتغل على القوانين الكلية أو القواعد الدستورية التي يمكن أن تؤطّر وتحكم الحركة مع الآخر، وهو في الواقع نمطٌ من فقه الكليات ومن الفقه المقاصدي.

وفي آخر صفحة من كتابي «قواعد فقه العلاقة مع الآخر الديني» أشرت إلى هذا، وقلت بأن طبيعة بحثنا تتبيّن بعد الاستنتاج الكليّ والجزئيّ من الأدلّة، فهو أقرب إلى المنهج المقاصدي منه إلى الفقه التجزيئي، لأنه ثمَّة ملفات كثيرة ليس عندي فيها نصوص ثابتة، لا من حيث الإثبات التاريخي ولا من حيث الدلالة.

ولذلك لا أجد إلَّا القواعد الدستورية العامّة، وعليَّ أن أطبقها بإنتاج قوانين عبر العقل البشريّ المؤمن بحيث تستطيع أن تنظّم حركة العلاقة مع الآخر الديني ضمن إطار الحدود الكلية مثل مبدأ العدل والإنصاف، ومبدأ الكرامة الإنسانية، وقاعدة البرّ والإحسان، وقاعدة العدالة وقاعدة حفظ الهُويّة الإيمانيّة وما شابه ذلك من مثل هذه الموضوعات، فهو يصبّ في الإطار المقاصدي، ولكن ليس على طريقة بعض المقاصديين الذين يكتفون بآيتين أو ثلاث ويشتغلون على بعض الكليّات ثمّ يستخرجون النتائج، وإنّما على طريقة الاستقصاء والتتبّع للكشف عن وجود تدخّل تفصيليّ للشريعة في هذه الملفّات، ومع عدم وجود تدخّل شرعيّ فيها نرجع حينئذٍ إلى الاجتهاد المقاصديّ بالمعنى الذي أطرحه منسجمًا مع عدم شمول الشريعة.

 

مخالفة السائد

كنتم قد نشرتم قسمًا من آرائكم الدينية والفقهيّة وغيرها في موقعكم الإلكترونيّ، لماذا نلاحظ اختلافكم عن المشهور في نسبة عالية جدًّا من هذه الآراء والتي تجاوزت مجرّد التحرّر من الاحتياطات الوجوبيّة كما هو السائد، ما تفسيركم لهذا الأمر؟

أيُّ شخص يدرس البناء الفكريّ لباحثٍ ما، يجب عليه أن يتوقّع المخرجات لهذا البناء وفق النسق المنطقيّ. عندما ترفض -بالمعنى الحقيقيّ- مرجعية الإجماع إلَّا ما شذّ وندر، ومرجعيّة الشهرة وقاعدة التسامح في أدلة السنن، وترفض حجيّة خبر الواحد الظني، وغيرها من الأساسات المهمّة التي يرتكز عليها الرأي السائد، من الطبيعيّ أن تكون المخرجات مختلفة تمامًا، هذا أمر طبيعيّ جدًّا، بل على العكس تمامًا الغريبُ وغير الطبيعيّ ألّا يكون هناك اختلاف في النتائج، فهذه حينئذٍ ازدواجيّة ما بين النظرية ومخرجاتها.

وعلى سبيل المثال، عندما نلاحظ في منهاج الصالحين أو في العروة الوثقى أو غيرهما من الكتب وجود مئات المستحبّات، ونجد مع ذلك أن كثيرًا من العلماء لم يبحثوا في هذه المستحبّات والمكروهات لتدخل في إطار العادات والأعراف والتقاليد والثقافات بين الناس، إما لاعتقادهم بعدم وجوب البحث عن مثل هذه الأمور كما هو منسوب إلى السيّد الخوئي حيث يقول بأنّ الفقيه لا يجب عليه البحث في المستحبّات والمكروهات، ولا يجب عليه أن يُفتي في مثل هذه المواضيع، أو لبنائهم على قاعدة التسامح في أدلّة السنن.

فإذا لم تكن أدلّة قاعدة التسامح ناهضة بحسب رأيك، ولم تتمّ عندك حجيّة خبر الواحد الظنيّ ولو كان ثقة، بل تحتاج إلى قرائن أكثر للعمل بالحديث، وكنت في الوقت عينه مقتنعًا بمنهج نقديّ للحديث يُعتبر متشدّدًا بالقياس إلى السائد، فمن الطبيعيّ أنّ أغلب منظومة المستحبّات والمكروهات ستتلاشى، وهذا مجرّد مثال بسيط.

أضف إلى ذلك أنه عندما تكون لديك نزعة مقاصدية بمعنى من المعاني، وعندما تكون لديك رؤية في عدم شمول الشريعة، فكلّ هذه الأمور ستجعل المنتَج مختلفًا تمامًا عن المشهور، وليست المسألة مسألة نزوع نفسيّ وحبّ لمخالفة المشهور فقط لمجرّد المخالفة والعياذ بالله، وإنما القضية أنّك منسجم مع نفسك من حيث المنظومة الاجتهادية الموجودة عندك، ومخرجاتها يجب أن تنسجم معها، وعليه فنسبة مخالفة المشهور كانت طبيعيّة عندما نأخذ بعين الاعتبار الأصول الاجتهادية التي انطلق منها الباحث. ومن حقّك أن تناقش هذا الباحث في الأصول الاجتهاديّة، وهذا شيء طبيعي جدًّا.

 

من المذهبيّة إلى الإسلاميّة

نجد في أبحاثكم وتأليفاتكم أنّكم تذكرون الروايات والنصوص الواردة في مصادر أهل السنّة كما تذكرون الروايات الواردة في مصادر أهل الشيعة، ما هي الحكمة من ذلك؟

بحثتُ في كتابي «الحديث الشريف حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج»، وأيضًا في كتابي «منطق النقد السندي»، موضوع تراث الآخر المذهبيّ بشكل مفصّل، حيث جمعت كلّ الأدلة التي تطرح للطرفين المتنازعين وحاكمت بينها. وباعتقادي الشخصيّ أن الفقيه يجب أن يكون إسلاميًّا، وأنّ المتكلّم يجب أن يكون إسلاميًّا، وأن الباحث الأخلاقيّ يجب أن يكون إسلاميًّا، وأَلَّا يتقيّد بموروث مذهبيّ واحد ويقتصر عليه، فكما أطرح أدلّة الشافعيّ في البحث كذلك أطرح أدلة الشيخ الطوسي، وكما أطرح أدلّة العلامة الحلي وأناقشها أطرح أدلة أبي حنيفة، فما يهمّني هو الأدلّة بصرف النظر عن مصدرها.

إنّ التراث الإسلاميّ الهائل عند المذاهب الأخرى ليس صفرًا، والتعامل مع التراث بهذه الطريقة أمر يتناقض كلّيًّا مع الإنصاف، والأمر عينه في التراث الحديثيّ، بل الذي يؤمن بحجية الخبر الموثوق يهمّه جدًّا أن يجمع القرائن المختلفة ويراكمها، فإنّ هذه العمليّة تساعد الباحث على تحصيل الوثوق الاطمئناني، فإذن من الطبيعي في أيّ بحث تنويع مصادر الاطّلاع.

وهذا دأبي وديدني في جميع البحوث أنني أضع أمامي على الطاولة جميع المصادر الفقهية والحديثية والأصولية والكلامية عند مختلف المذاهب، وأتعامل معها على وزان واحد، فليس لأن الطوسي شيعي فإذن لا بدّ أن أكون معه، ولا لأن الماتريدي ليس شيعيًّا لا بدّ أن أنتقده، قد أوافق الطوسيّ وأنتقد أبا الحسن الأشعري، وقد أوافق عبد الجبّار المعتزليّ وأنتقد السيد المرتضى، أين المشكلة في ذلك؟ بل أعتقد أن هذا هو المطلوب من جميع الباحثين اليوم.

وقناعتي أنّ مناهج التربية والتعليم في المؤسّسات الدينية يجب عليها أن تشتغل بهذه الطريقة، فتفتح آفاق الطلاب من المراحل الأولى على تنوع المدارس الاجتهادية من دون أن تقول لهم: أنتم لا هويّة لكم! ولكن على الأقل أن تعرّفهم عليها والطالب عندما يبحث يرصد الجميع. وهذا كان دأب المتقدّمين من العلماء، فالسيّد المرتضى في فقهه وكلامه، والطوسي في الخلاف، وكذلك العلامة الحلّي في كثير من مصنّفاته كانوا كذلك. حدث في الفترة التي تلت ذلك -وبالدِّقَّة في العصر الصفوي الأخباري- أن تلاشت هذه الظاهرة.

إنّني أدعو إلى وجوب الرجوع إلى الفقه الإسلامي، وإلى العمل على تطبيق الأطروحة التي قدّمها الشيخ محمد مهدي شمس الدين في أن يكون الفقيه إسلاميًّا، لا بمعنى أنّه لا يملك هويّته الخاصة، بل بمعنى أن مادّة البحث عنده مبسوطة على جميع أشكال الموروث الإسلامي في المعرفة الدينية.

ولذلك أعتبرُ أنّ هذه نقطة نقص قائمة، وأقرّ بأنها صعبة ومعقّدة بعض الشيء، لأنّ الاشتغال على جميع المذاهب عمليّة تحتاج إلى تمييز وتدقيق -وبخاصّة أنّنا لا ندرس في المعاهد الدينيّة المذاهبَ الأخرى إلَّا في الفترة الأخيرة، حيث أطلقت بعض المشاريع- ولكن بمرور الوقت يحصّل الطالب هذه المهارة، وينفتح على المدارس المتنوّعة، ويجد أفكارًا مهمّة في المدارس الأخرى، كما يجد عناصر قوّة كثيرة في مدرسته التي يؤمن بها.

وهذا أمرٌ لا يقف عند حدود الفقه والحديث، بل يمتدّ لعلوم الفلسفة والمنطقيّات والتاريخ وأصول الفقه والتفسير وعلوم القرآنيّات وغير ذلك.

([1]) تم إجراء هذا الحوار، ونشر في العدد 119 من مجلة الكلمة، عام 2023 م.