hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

الحوارات

المثقف والتيارات الثقافية في العالم العربي([1])

تاريخ النشر: 12/1/2014
119390
التحميل

حوار مع الشيخ حيدر حب الله

 

1 ـ هل لك أن تقدّم لنا ـ في معرض الإجابة عن السؤال الأوّل ـ إضاءة على مفهوم المستنير في الفضاء الفكري للعالم العربي، مع تصنيف المستنيرين في العالم العربي؟

حب الله: إنّ لمفهوم التنوير في المناخ العربي علاقة جوهريّة بمفهوم السلطة. وبعبارة أخرى: يجب البحث عن تعريف التنوير في إطار علاقته بالحكم والسلطة. وفي هذا السياق يتجلّى التنوير في مواجهة الحكومات وانتقاد أدائها وسلوكها. وعلى هذا الأساس فإنّ مفهوم التنوير في العالم العربي أقرب إلى مفهوم التحرّر والخلاص من الحكومات، ومفهوم المستنير يعني ذلك الذي يفكّر بحرّية وبشكل مستقلّ بعيداً عن سطوة السلطة.

وقد عمد أحد علماء الاجتماع المعروفين على مستوى العالم العربي إلى تقسيم المثقف من الناحية التاريخية في العقود الخمسة الأخيرة إلى أربع مجموعات، على النحو الآتي:

المجموعة الأولى: المثقّف الملحميّ، بمعنى أولئك المستنيرون المحيطون بأغلب علوم العصر، والذين سعوا إلى إبداء الحلول لجميع المشاكل المطروحة في تلك العلوم، ويمكن اعتبار الدكتور طه حسين من أبرز الممثلّين لهذا التيار. ويبدو أنّ مرحلة هذا التيار قد طويت إلى غير رجعة؛ إذ أخذ أغلب العلماء والمفكّرين والتيارات الفكرية المتأخّرة تتجه إلى التخصّص، وتناول جزءٍ خاصّ من العلوم والقضايا.

المجموعة الثانية: المثقّف التراجيدي، وهم المستنيرون الذين ظهروا بعد حرب عام 1967م وإخفاق الجيوش العربية في مواجهة إسرائيل. ولذلك يمكن تسمية هذه المجموعة من المستنيرين بـ (المستنيرين التراجيديين). وقد تلخّصت أهداف هؤلاء المستنيرين في النقد الراديكالي لماضي التراث والتنوير والمجتمع وثقافة العصر. وقد عبّر هؤلاء عن يئسهم من المستقبل وقالوا بأنه لم يعد هناك أمل نرجوه من تقديم الحلول لإصلاح الواقع، ولذلك يجب التخلّي عن الشعارات والخطب الرنّانة، والخوض ـ بدلاً من ذلك ـ في الأمور الجزئية والعمليّة.

وقد عمد هؤلاء المثقّفون ـ من خلال تجاوز الأساليب التنويرية القديمة ـ إلى التخلّي عن المشاريع الكبرى، وصرف اهتمامهم إلى الأمور الجزئيّة.

المجموعة الثالثة: المثقّف البدائلي، وقد بدأت هذه المجموعة بالظهور منذ عام 1980م. وقد رأت هذه الجماعة ـ بعد إبطالها النظريّات السابقة في خصوص المجتمعات العربية والإسلامية ـ ضرورة تقديم الحلول والنظريّات الجديدة.

ويعتبر الدكتور محمد عابد الجابري من أبرز المنتمين إلى هذا التيار التنويري؛ حيث ذهب إلى الاعتقاد بإمكانيّة أن نقدّم نظرية أكمل وأنسب وأشمل في خصوص مشاكل المجتمعات العربية. بيد أننا من خلال التقييم الإجمالي لنشاط هذه المجموعة من المستنيرين يمكن لنا القول: إنّ هؤلاء لم يحقّقوا نجاحاً ملموساً في مساعيهم الفكرية، لأنهم بدأوا طرح أفكارهم في فترة تعد ـ خلافاً لمرحلة عبد الناصر ـ من أسوأ الفترات التي مرّت على العالم العربي على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي بسبب الإخفاقات والخسائر الكبيرة التي تعرّض لها في مواجهة العدوّ الإسرائيلي.

المجموعة الرابعة: المثقّف المقاول أو السمسار، حيث يقوم هؤلاء بالتنظير وفقاً لرغبات وتوجّهات الحكومات أو الشركات الكبرى مقابل صفقات مالية ينالونها من تلك الحكومات أو الشركات. إن هذه المجموعة من النخب والمثقفين الآخذة بالازدياد منذ عقد التسعينات من القرن الماضي، تضع نفسها في خدمة الحكومات والأحزاب والشركات الكبرى، وبذلك تضع حدّاً وشرخاً فاصلاً بينها وبين الشعوب ومطالبها الوطنية.

2 ـ كيف يمكن تقسيم التيارات الفكرية الدينية في العالم العربي؟

حبّ الله: هناك الكثير من التقسيمات في هذا المجال، ولكن يمكن تقسيم هذه التيارات إلى ثلاثة أقسام رئيسة، وهي:

التيار الأول: التيار السلفي، حيث يمثل حالياً التيار السائد والغالب على مساحة واسعة في المحافل الدينية. وبطبيعة الحال يمكن إرجاع هذه السيادة والنفوذ إلى الكثير من العوامل، ويمكن الإشارة من بينها إلى الدعم المالي وتوفير الغطاء لها من قبل بعض البلدان الإسلامية. ويحمل هذا التيار تفكيراً سطحياً، ولا يستند إلى الأدلّة الفلسفية أو الأخلاقية، وإنما ينظر إلى الأمور من زاوية شكلية وجافّة، ويعمل على تحليل المسائل الدينية والاجتماعيّة، ويقدّم لها الحلول، معتمداً أساليب التفكير المتخلّف والمتحجّر.

وبطبيعة الحال فقد تمخّض عن التيار السلفي فرعان آخران، يمكن تسميتهما بـ (التيار السلفي الاجتهادي)، و(التيار السلفي الانفتاحي). إذ يدعو التيار السلفي الاجتهادي ـ في إطار المحافظة على المباني والأصول السلفيّة ـ إلى إجراء إصلاحات في التفكير والمنهج السلفي وجعله منسجماً ومتناغماً مع العصر. وقد ظهر هذا التيار السلفي في كلّ من مصر والسعوديّة، ولكنه لا يتمتع بالنفوذ والسلطة. وأما التيار السلفي الانفتاحي فقد بدأ بالظهور مؤخّراً في المملكة العربية السعودية وهو آخذ في التنامي. ويرى هذا التيار أنّ السلفية حتى الآن لم تفهم بشكلها الصحيح، ولابدّ لذلك من إيجاد مزيج من السلفية والليبرالية. بيد أن هذا الاتجاه لم يتمكّن حتى الآن من التغلّب على السلفية التقليدية.

وعليه فإنّ البلدان العربية ذات الطابع السنّي الغالب تتجه بشكل عام ولمختلف الأسباب ـ ومن بينها الخسائر العسكرية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في العقود الأخيرة، والاستبداد السياسي من قبل الكثير من الحكومات ـ نحو التأثر بالمنهج الفكري للسلفيّة. وفي ظلّ هذه الظروف تعمل السلفية من خلال رفع شعار العودة إلى الدين الإسلامي على نقد الظروف الراهنة وابتعادها عن الرسالة الحقيقيّة للإسلام.

التيار الثاني: هو تيار الإسلام التقليدي المتناغم والمنسجم مع الحكومات، حيث يسعى هذا التيار إلى تقديم دين يكون أولاً: فردياً، ويكون ثانياً: مطيعاً للحكومة وتحت تصرّفها. بمعنى أنه يجب تقديم الدين بشكل لا يتضمّن ما من شأنه أن يتعارض مع الحكومات أو يصطدم بها.

التيار الثالث: هو الإسلام العلماني، حيث أخذ المتديّنون العلمانيون يعبّرون عن امتعاضهم واستيائهم من الإسلام التقليدي والإسلام السلفي، ويسعون إلى القيام بمحاولة للجمع بين الإسلام والعلمانية. ويذهب أصحاب هذا التيار إلى الاعتقاد بأنّ المسائل السياسية وشؤون الحكم والدولة والمسائل الاجتماعية تدار من قبل الشعب والأمة عبر الانتخابات، وأما الدين فيتكفّل إدارة الشؤون الفردية والعبادية فقط. واليوم يشهد هذا التيار الثالث رواجاً في البلدان العربية، وخاصّة بين أفراد الطبقة الجامعيّة.

 

3 ـ ما هو نوع العلاقة بين تقسيمك الرباعي للمستنيرين، والتقسيم الثلاثي لتيارات الفكر الديني؟

حبّ الله: يمكن لهذه التيارات أن تتقاطع مع بعضها بشكل كامل، ولا تكون هذه التقسيمات مستقلّةً عن بعضها أبداً، فعلى سبيل المثال: نجد أنّ تيار الإسلام التقليدي الذي يضع نفسه تحت تصرّف الأنظمة بشكل كامل، ويعمل على تبرير كلّ ما يصدر عن السلطة الحاكمة، شديد القرب والشبه بالمثقفين المقاولين؛ لأنّ كلا التيارين يعمل على خدمة النظام الحاكم، وإنتاج الفكر لصالح الحكم مقابل الحصول على المال. كما أنّ السلفيّة الجهاديّة التي تؤكّد على ضرورة جهاد الأعداء وإحداث التغيير في ظروف الجاهليّة الراهنة، شديدة الشبه بالمثقف التراجيدي، حيث يذهب هذا النمط الفكري إلى الاعتقاد بكفر جميع الأمم في الظروف الراهنة، وأنّ الأوضاع عادت إلى الأزمنة الجاهليّة، ولا بدّ من إرجاعها إلى الإسلام. ومن هنا فإنّ هذه التيارات تعتمد رؤية تراجيديّة في نقدها الراديكالي للظروف الزمنيّة والاجتماعية الراهنة.

4 ـ ما هي أصول وقواعد التفكير العلماني لدى المسلمين في العالم العربي، ومن هم أبرز المنتسبين إلى هذا الاتجاه الفكري؟

حبّ الله: تنشأ أصول وقواعد تفكير العلمانيّين المسلمين (أعني بهم العلمانيّون الذين يلتزمون بالإسلام بوجهٍ ما) من القول بأنّ النظريات والأحكام الفقهيّة التي تزخر بها الكتب الفقهيّة والتي تتحدّث عن مختلف المسائل السياسية والاجتماعية لا تتناسب أبداً مع الظروف الزمنيّة الراهنة، ولذلك لا يحالفها التوفيق، وعليه يجب عدم تغليف هذه النظريات بهالة من القداسة، والإذعان لها بالمطلق. ونتيجة لذلك يجب ترك الأمور السياسية والاجتماعية لإرادة الناس واختيارهم، أما الإسلام فيعالج مجموعة من القضايا الأخلاقية ويكون له تدخّل جزئي في الأمور.

من هنا، فإنّ الإسلام فاقدٌ للنظرية أو النظام الاقتصادي والسياسي المحدّد، رغم اشتماله على بعض الأوامر والأحكام العامة، من قبيل: أصل الوفاء بالعقود، أو حرمة السرقة، والربا أو الاحتيال، مما يمكن أن نستفيده بواسطة العقل العملي أيضاً. ويذهب هؤلاء الأفراد إلى الاعتقاد بأننا من خلال النظر في النصوص الدينية المقدّسة إنما نستطيع الحصول على مجرّد مجموعة من الأصول والملاكات العامة، ولا يمكن الحصول منها على نظام اقتصادي أو سياسي محدّد.

بل حتى الأحكام التي جاءت في الكتاب والسنّة إنما تتعلّق بالأزمنة الضاربة في القدم، ولا يمكن تطبيقها على الأزمنة الراهنة. فعلى سبيل المثال يعتقد العلمانيون المسلمون أنّ كتاب (الأحكام السلطانية) الذي كتبه الماوردي في القرن الهجري الخامس كان يعتبر في غاية الأهميّة في وقته، إلا أنّ مسائله وموضوعاته تفتقر إلى الفاعلية والجدوائية في عصرنا الراهن.

وعلى هذا الأساس، يرى العلمانيون المسلمون أنّ الذي نحتاج إليه من أوجه الفقه في العصر الراهن هو مجرّد الأوجه الفرديّة له وبعض الشؤون العامة والكلّيات الأخلاقيّة. من هنا لابد لإدارة المجتمع من الاعتماد على العقل البشري، على أن لا تتعارض أحكام هذا العقل مع ثوابت وأصول الأخلاق الدينية العامة. ويذهب هؤلاء إلى إمكان اعتبار هذا المنهج الفكري نوعاً من الجمع بين الدين والعقل.

إنّ هذا النوع من التفكير يقف في مقابل الفقه والرؤيّة الفقهية المدرسيّة تماما؛. حيث يرى العلمانيون المسلمون أنّ الفقه قد تضخّم إلى حدّ كبير، في حين أنّ حجم الفقه في الدين ينبغي أن يكون أقلّ مما هو عليه الآن بكثير. فعلى سبيل المثال: لا تشكّل آيات الأحكام سوى العُشر من آيات القرآن الكريم تقريباً، في حين أننا نجد هذه النسبة معكوسة في المجتمعات الإسلاميّة والحوزات العلمية الدينية. وعليه لابد من استبدال الفقه بالعقل البشري كي نتمكّن من حلّ المشاكل الراهنة بشكل صحيح. نعم، يمكن اعتبار هذا الأمر هو السبب الرئيس لظهور أنموذج التفكير العلماني الإسلامي.

ويمكن تسمية السيد محمد حسن الأمين من بين شيعة لبنان بوصفه المثال البارز للعلماني المسلم، حيث يعبّر عن موقفه في هذا الاتجاه بشكل صريح. ومن بين أهل السنّة يمكن لنا تسمية أشخاص من أمثال: الدكتور رضوان السيد والدكتور نصر حامد أبو زيد ـ في جزء من حياته ـ بوصفهم من أتباع هذا الاتجاه.

5 ـ ما هي نسبة أفكار محمد أركون ومحمد عابد الجابري إلى تيار العلمانية الإسلاميّة؟

حبّ الله: يذهب محمد أركون إلى انتهاج نمط فكري مغاير لهذا النهج تماماً، فقد مال باتجاه النظريات الليبرالية والعلمانية الحقيقيّة بشكل كامل؛ حيث ينظر أركون إلى مجموع النصوص الدينية بوصفها ظاهرة تاريخية فاقدة للقداسة. وأنّ عمر الفقه من وجهة نظره قد بلغ نهايته في مستهل أحداث عصر النهضة، ومنذ ذلك الحين لم يعد بالإمكان معالجة المسائل من خلال النظر في السنّة والنصوص المقدّسة.

أما الدكتور محمد عابد الجابري، فهو مختلف عن أركون، فالجابري شخص قومي يقوم كلّ همّه ونشاطه على أساس العقلانيّة العربية، وهو يطرح مشروعه من هذه الزاوية، ولهذا فهو يولي أهميّةً للإسلام لكونه مرتبطاً بالتاريخ العربي. وبعبارة أخرى: إنّ الجابري يساوي بين التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي، في حين لا يعتقد أركون بمثل هذه الأمور، ويبني منظومته الفكريّة متجاوزاً المفاهيم القوميّة والإسلاميّة معاً. وبينما ينطلق الجابري من كونه ناشطاً سياسياً ويسعى إلى إعادة قراءة الإسلام برؤية قوميّة.

ولعلّه لهذا نجد أنّ الجابري قد كتب في السنوات الأخيرة تفسيراً للقرآن، وهو أمر لافت للانتباه. من هنا يطرح هذا السؤال نفسه: ما الذي يدعو الجابري ـ مع ما يتبنّاه من المنهج الفكري والفلسفي ـ إلى الاشتغال بتفسير القرآن مع أنّه لم يكن عالماً دينياً؟! في الجواب عن هذا السؤال يمكن القول: إنّ الجابري يعتقد بأنّ القرآن جامعٌ لثقافة وتاريخ العرب، ولذلك فإنه يرى أنّ في نقد القرآن والتشكيك فيه وعدم الاهتمام به نقداً وتشكيكاً وعدم اهتمام بالثقافة والقوميّة العربية. من هنا يجب إيلاء القرآن أهمية كبرى.

إنّ تفكير الجابري يقوم على احترام التاريخ والثقافة الإسلاميّة والعربية، ولكنّ احترامه هذا مقرون بالنقد، وعلى هذا الأساس نجده ينتقد الفلسفات التجريدية لابن سينا وصدر المتألّهين الشيرازي بشدّة، معتبراً هذا النوع من التفكير تفكيراً فارسيّاً دخيلاً لا يمتّ إلى العروبة والعقل العربي بصلة؛ لأنّ الذهنية العربية تختلف عن الذهنية الإيرانية والهندية، ولذلك نجد الذهنية العربيّة فاقدة للأفكار الصوفيّة والعرفانية، وهذا ما دفع الجابري للدعوة لإصلاح العقل العربي من خلال نقد هذا العقل، نقداً يقوم على الاعتقاد بأنّ ما خرّبه هو الفلسفات والتوجّهات الدخيلة عليه من الشعوب الأخرى.

وباختصار يمكن القول: إنّ الجابريَّ سياسي قومي يدعو إلى دراسة تاريخ التفكير العربي والإسلامي دراسة نقدية برؤية إيجابية، أما أركون فكانت نظرته إلى الدين من زاوية خارجيّة، وكان بالإضافة إلى ذلك ينظر إلى الدين بعين أكاديمية وجامعيّة بحتة.

 

6 ـ ما هو مدى التأثير العام للتيارات الفكرية في العالم العربي؟

حبّ الله: لا يبلغ تأثير المنتمين إلى تيارات التنوير العربي من أمثال: محمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وبرهان غليون، ورضوان السيد، على الرأي العام أكثر من الخمسة عشر بالمئة، ولهذا الأمر أسباب من قبيل: حالة اليأس والإحباط وانعدام الأمل التي تحاصر المثقفين، وعدم حصولهم على الدعم المالي الكافي من قبل الحكومات، وعدم اهتمام الناس بأفكارهم.

وبطبيعة الحال قد تكون هناك بعض البحوث التي يتمّ تداولها بين المستنيرين أنفسهم، ولكنّها لا تجد لنفسها ذلك الصدى بين عامة الناس. كما أنّ أفكار وبحوث هؤلاء المستنيرين لا تأخذ طابعاً خطابياً عاماً، وإنما تتخذ في الغالب صبغةً نخبويّة خاصة، فهي ـ بعكس التيارات السلفيّة وتيارات الإسلام التقليدي ـ غير ذات صلة بالجماهير. من هنا نجد تأثير المثقفين أقلّ بكثير من تأثير علماء السلفيّة وعلماء الإسلام التقليدي من الذين لديهم ارتباط وثيق بعامّة الناس.

كما أنّ الحالة المادية البائسة للثقف العربي لا يمكن قياسها بحالة الرخاء التي تعيشها التيارات الأخرى؛ فالتيارات التنويرية تعاني فقراً كبيراً على المستوى المادي، وهم بحاجة إلى من يقدّم لهم العون لبناء مؤسّساتهم، في حين يمتلك علماء السلفية والإسلام التقليدي الكثير من المصادر المالية التي يحصلون عليها من الدول أو من الناس مباشرةً، ولذلك تكون مساحة نفوذهم وتأثيرهم أكبر من مساحة تأثير المثقفين.

7 ـ ما هو مدى إمكان ظهور تيار تجديدي في الفكر الديني خارج إطار التيارات الراهنة؟

حبّ الله: في الحقيقة هناك وجود لهذا التيار، فعلى سبيل المثال نجد سلمان العودة من السلفيّة لديه أفكاره في هذا الاتجاه، كما نجد هناك بين أتباع السلفيّة الاجتهادية أفراداً مثل الشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور محمد سليم العوّا، والدكتور أحمد الريسوني يسعون إلى الجمع والتوفيق بين الأفكار الدينية والفقهية وبين ظروف ومقتضيات العصر.

بطبيعة الحال، فقد قام هؤلاء بنشر أفكارهم إلى حدّ ما، ولكن على الرغم من أهميّة هذه الشخصيات، إلا أنهم لم يتمكّنوا حتى الآن من أن يكوّنوا لأنفسهم ذلك التأثير على عامّة الناس، ويعود سبب ذلك إلى أنّ أفكارهم تفتقر إلى التنظيم والانسجام، كما أنهم لا يحصلون على دعم من الحكومات. بل هناك خوف يعتري الحكومات من هؤلاء الأشخاص؛ إذ تزخر أفكار بعضهم بمفاهيم من قبيل: الحرية وتطبيق الشريعة وتداول السلطة وما إلى ذلك من الأمور التي تثير مخاوف السلطات السياسيّة الحاكمة في العالم العربي.

8 ـ ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين التيارات الفكرية الإيرانية والعربية؟ وما هو حجم التأثير والتأثر المتبادل بين هذه التيارات؟

حبّ الله: إنّ هذا التأثير المتبادل ملحوظ إلى حدّ كبير، فعلى سبيل المثال نجد بعض النظريّات التي تطرح في إيران كانت مطروحةً في العالم العربي قبل عدّة سنوات. كما أنّ ترجمة بعض الأفكار الإيرانية في حقل الدولة الدينية والفلسفة والعرفان الإسلاميّين قد تركت تأثيرات إيجابية على العديد من الباحثين العرب.

ولكن على الرغم من التأثيرات المتبادلة، هناك اختلافات أساسيّة بين نمط التفكير الإيراني والعربي، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض نسبة هذا التأثير. إنّ التفكير الإيراني ذو صبغة فلسفية وصوفيّة، بمعنى أنّ المفكّر الإيراني عندما يطرق أيّ موضوع يعيده إلى جذوره الأصليّة وينظر له بعيون باطنيّة، فيما يميل المفكّر العربي إلى الفكر التطبيقي العملي أو التاريخي أو اللغوي. من هنا نجد هذا النوع من التفكير يركّز على تجزئة الموضوع والنظر إليه بنظرة تطبيقيّة، ولذلك نجد المسائل العلمية التي يتمّ تداولها في العالم العربي ذات صبغة لغوية وفقهية وأخلاقيّة، وأما في الفضاء الإيراني فيسود الفكر الفلسفي والعرفاني وحتى الصوفي.

ومن باب المثال نلاحظ أنّ التفاسير القرآنية التي يتمّ نشرها في العالم العربي غالباً ما تكون ذات صبغة سياسية واجتماعية وتطبيقيّة، في حين أنّ التفاسير التي يتمّ نشرها في إيران غالباً ما تكون ذات مضمون فلسفي وتحليلي وعرفاني. وقد كان لهذا التفاوت في النمط الفكري بين العالمين تأثير كبير في مختلف المجالات الفكرية والعمليّة.

وبطبيعة الحال يمكن لنا أن نعمد إلى التلفيق بين هذين النمطين من التفكير والخروج بنمط فكري ثالث يجمع بين نقاط قوّة التفكيرين، إلا أنّ القيام بمثل هذا التلفيق بحاجة إلى نظريّة منسجمة.

 

9 ـ ما هو حجم الحوار والتواصل بين التيارات الفكرية الإيرانية والعربية؟

حب الله: إنّ التواصل بين التيارات الفكرية الإيرانية ـ العربية في أدنى مستوياته للأسف الشديد، حيث يقتصر الارتباط بينها على مستوى الحكومات أو ما يكون تحت إشرافها، ويبدو أنّ هذا الوضع بحاجة إلى تصحيح، وأن تتسع رقعة العلاقات الشخصيّة والمؤسّساتية بين المفكّرين والمثقفين من الإيرانيين والعرب من منطلق المشتركات الكثيرة بين الطرفين وعلى رأسها الإسلام؛ لأن هذا النوع من التلاقي والتواصل لا يحتاج إلى إذن من الحكومات، وعلى المسلمين أن يكونوا سبّاقين في هذا المجال، وأن تتظافر جهودهم من أجل حلّ الهموم المشتركة للعالم الإسلامي.

وبطبيعة الحال هناك مشكلة هامّة أخرى في هذا السياق، وهي أنّ الذهنية العربية لا تبدي حاسة ورغبة في ترجمة أفكارها إلى اللغات والبلدان الإسلاميّة الأخرى، خلافاً للذهنية الإيرانية التي تميل إلى ترجمة أفكارها، وقد تضاعفت هذه الرغبة بعد انتصار الثورة الإسلامية. وعلى هذا الأساس نجد نزعة واضحة في المناخ الإيراني إلى ترجمة وتصدير أفكاره إلى البلدان الأخرى.

وهناك إشكال أساسي قد يكون وارداً إلى حدّ ما على المفكّرين الإيرانيين، إذ يبدو أن بعضهم يظنّ أنّه الوحيد المهتمّ بقضايا الفكر والنظر، وأنه لا يوجد شيء من هذه الهموم في أنحاء العالم الإسلامي الأخرى، ولذلك عندما يواجهون الفضاء الفكري للعالم العربي تراهم يصابون بالحيرة والذهول. وهذا ما يعمّق الحاجة إلى إحداث إصلاح جوهري في ذهنية التيارات الفكرية الإيرانية والعربية، تمهيداً لبناء أرضيّة مناسبة للتواصل والارتباط الوثيق والبنّاء بين الطرفين، بعيداً عن تدخّل الحكومات وضغوطاتها.

([1]) أجري هذا الحوار، ونشر في صحيفة (طهران اليوم / تهران امروز) بتاريخ: الثلاثاء، 20 ـ ذي الحجة ـ 1430هـ، الموافق لـ: 17 ـ آذر ـ 1388هـ. ش (2009م)، وقد أجري هذا الحوار باللغة الفارسيّة، وترجمه إلى العربيّة: حسن علي مطر الهاشمي.